← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أصل الرسالة كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما. وقوله: (في اليوم والليلة) أي تصليهما في اليوم والليلة، وقوله: (هل عليّ غيرهن) (هل) حرف استفهام وتقدم الكلام عليه، وهو لا يعمل لأنه غير مختص، (وعليَّ) بمعنى يجب عليَّ غيرهن، وقوله: (إلا أن تطّوع) قال النووي: (المشهور فيه تطوَّع؛ بتشديد الطاء على إدغام إحدى التاءين في الطاء، وقال ابن الصلاح: هو محتمل للتشديد والتخفيف) اهـ. قلت: التشديد إدغام التاء في الطاء على ما تقدم، والتخفيف بحذف إحدى التاءين، فإن مثل هذا من الفعل المضارع المبدوء بالتاء إذا دخلت تاء المضارعة جاز فيه ثلاثة أوجه: الوجهان المذكوران والثالث إثبات التاءين على الأصل، ولحذف إحدى التاءين أشار ابن مالك ﵀ بقوله: وما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر والإستثناء يحتمل أن يكون متصلًا، واستدل به من جعله مثلًا على وجوب إتمام التطوع إذا شرع، فالمعنى: لا يجب عليك من الصلاة غيرهن إلا إذا تطوعت فتعين عليك إتمام ما دخلت فيه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ومذهب جماعة من العلماء أنه لا يجب الإتمام ولكنه يستحب، وهو مذهب الشافعية. ويحتمل أن الإستثناء منقطع فيكون المعنى: لكن إن أردت أن تطوع أو يستحب لك أن تطوع، وتقدير: يستحب؛ فيه بُعْدٌ والوجه الأول أظهر. وتقدم أنه يدل على وجوب إتمام ما شرع فيه، وهو قول المالكية والحنفية، وتؤيده الآية المتقدمة والإتفاق على أن الشروع في النسك يوجب إتمامه. وقد استدل ابن حجر بحديث النسائي الآتي في الصيام: أن النبي ﷺ كان ينوي الصوم ثم ينظر، وهو غير مسلَّم لإحتمال أنه إنما يفعل ذلك من ضرورة، ومع ذلك لم يثبت أنه لم يكن يقضي ذلك اليوم. وفي مسند أحمد عن عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة فأكلنا منها، فدخل علينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: صوما يومًا مكانه، واستدل به من قال بوجوب إتمام صوم النفل إلا لعذر؛ لأن الأمر للوجوب ووجوب القضاء يدل على وجوب إتمام النفل الذي أمر بقضائه. وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يومًا تطوعًا، فأفطرت فأمرها النبي ﷺ أن تقضي يومًا مكانه. ومما

стр. 1017

استدل به ابن حجر ﵀ حديث البخاري: أنه ﷺ أمر جويرية أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، وأجاب عنه غيره بمثل ما تقدم من أن ذلك محمول على وجود عذر، أو لأجل نهيه عن صوم الجمعة من غير صيام قبله ولا بعده، ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله في الصيام. ثم ذكر صيام شهر رمضان وقال فيه ما قال في الصلاة، فهو يدل على أن صوم عاشوراء وغيره فيه شيء واجب. وقوله: (وذكر له الزكاة .. إلخ) فيه دليل على عدم وجوب حق مطلق في المال إلا الزكاة، أما وجوب النفقة فليس من هذا القبيل كما يأتي إن شاء الله. وقوله: (فأدبر) الفاء عاطفة، وأدبر أي: رجع من حيث أتى، (وهو يقول) جملة حالية، والإشارة في قوله (على هذا) للفرائض التي ذكرها له رسول الله ﷺ ، وقوله ﷺ : (أفلح إن صدق) الفلاح: الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه، وهو في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، وأصله من الفلح: وهو الشق، ومنه الأفلح لمشقوق الشفة، ويطلق على البقاء كما في قول الشاعر: لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح ويطلق على السحور كما في حديث أنس: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. ولم يذكر في كثير من الروايات الحج كما أن الصوم غير مذكور في بعضها، وذلك محمول في الحج على احتمال أنه لم يفرض، وفي الصيام على أن الإختلاف إنما من قبيل تفاوت الرواة في الحفظ والضبط كما تقدم، مع أنه في بعض الروايات: وذكر له شرائع الإِسلام، وهذا يعمّ ما ذكر وما لم يذكر منها، والله أعلم. • الأحكام والفوائد فيه: دليل، على استحباب الرحلة لطلب العلم وقد تجب، وفيه: دليل على أن الصلاة والزكاة والصوم كلها من أركان الإِسلام، وفيه دليل على حصر فرض الصلاة في الخمس، والصوم الواجب على شهر رمضان. وفيه: دليل على عدم وجوب قيام الليل على الأمة، وهو متفق عليه وإنما الخلاف في حق النبي ﷺ .

стр. 1018

وفيه: دليل على عدم وجوب العيدين، وقد قال الإصطخري من الشافعية: إنها فرض كفاية. وفيه: عدم وجوب صوم عاشوراء كما تقدم. وفيه: دليل على الحق الواجب في عين المال وهو الزكاة. وفيه: دليل على أن من واظب على الفرائض ولم يضيع شيئًا منها، أنه يفلح بدخوله الجنة، ولا ينافي ذلك أن فعل النوافل أفضل له كما دلت عليه النصوص الأخر. وليس معنى قول هذا السائل: لا أزيد؛ أن الزيادة محظورة، بل المعنى أنه لم يلتزم شيئًا من النوافل، يدل على ذلك قوله ﵊: إلا أن تطوّع، وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله. والفلاح إنما رتب له على التزامه لفعل الفرائض، لا على عدم الزيادة وترك السنن، وإن كان فاعله أساء، والمواظبة على تركها تستوجب رد الشهادة؛ للحث عليها في نصوص أخر، ولأن تركها دليل على الزهادة في الخير، وذلك لا ينافي دخوله الجنة. وفيه: رد على المرجئة لأنه شرط في دخول الجنة أن يخلّ بشيء من الفرائض. وفيه: رد لقول ابن قتيبة: إن الصدق والكذب إنما يوصف بهما الخبر في الماضي، وهنا قد جاء الصدق في المستقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. وفيه: جواز صفة الإنسان للتعريف به لقوله: (ثائر الرأس). ٤٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْسًا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا؟ قَالَ: "افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْسًا"، فَحَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ". • [رواته: ٥] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.

стр. 1019

٢ - نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني -ويقال: الطاحي، أبو روح البصري، روى عن أخيه خالد بن قيس وثمامة بن عبد الله بن أنس، وأيوب، وابن عون، وأبي هارون العبدي، وعمرو بن مالك النكري، وعطاء السلمي وغيرهم. وعنه يزيد بن هارون وعفان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، ومسدد، وخليفة بن خياط وحميد بن مسعدة، وقتيبة، وجماعة غيرهم ٥٣، وثقه أحمد وابن معين، وأبو داود، وقال: بلغني عن يحيي أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن شاهين عن ابن معين: هو شيخ صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: كان ينزل سويقة طاحية فنسب إليها. مات سنة ١٨٣ وقيل: ١٨٤ والله أعلم. ٣ - خالد بن قيس بن رباح الحداني الأزدي ويقال: الطاحي البصري، روى عن عطاء وعمرو بن دينار وقتادة وأبي سلمة ومطر الوراق، وعنه أخوه نوح بن قيس ونصر بن علي الجهضمي الكبير ومسلم بن إبراهيم. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن المديني: ليس به بأس. قال الأزدي: خالد بن قيس عن قتادة فيها مناكير، روى عنه أخوه نوح، ونوح صدوق، والله أعلم. ٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدم ٣٤. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. • التخريج هذه الرواية يظهر أنها مختصرة من حديث ضمام من رواية أنس، وهو في الصحيحين وغيرهما، وبهذا الإختصار في مسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. والكلام عليه تقدم في الذي قبله، وظاهر كلام السندي أنه مكتوب (خمس) بغير ألف، ووجهه على احتمال حذف الألف وهو كثير عند المحدثين، لكن سائر النسخ عندنا بالألف: خمسًا.

стр. 1020

باب الْبَيْعَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ٤٥٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَبِيبُ الأَمِينُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَدَّدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدَّمْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلَامَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً: أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا. • [رواته: ٧] ١ - عمرو بن منصور النسائي: تقدم ١٤٧. ٢ - أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسلم أبو مسهر الدمشقي، وكنية جدّه أبو قدامة، روى عن سعيد بن عبد العزيز وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة وصدقة بن خالد ويحيى بن حمزة الحضرمي ومالك بن أنس ومحمد بن حرب الخولاني والهقل بن زياد وخالد بن يزيد بن صالح بن صبيح وابن عيينة وغيرهم، وعنه البخاري في كتاب الأدب أو بلغه عنه، وروى له هو والباقون بواسطة محمَّد بن يوسف السكندي، وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن إسحاق الصاغاني ومحمد بن محمود بن خالد وعمرو بن منصور النسائي وأحمد بن حنبل وابن معين ودحيم وغيرهم. قال أحمد كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث؛ مروان، والوليد، وأبو مسهر، وقال أحمد ﵀: أبا مسهر ما كان أثبته، وقال فيه: كيّس عالم بالشاميين، وقال ابن معين؟ : ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحدًا أشبه بالمشيخة من أبي مسهر، وقال فيه أيضًا: ثقة، وقال العجلي وأبو حاتم: ثقة، وثناء الأئمة عليه كثير. قال أبو داود: كان من ثقات الناس، لقد كان من الإِسلام بمكان، حُمِلَ على المحنة فأبى، وحُمِلَ على السيف فمدّ رأسه وجُرِّد السيف فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات.

стр. 1021

وقال أبو سعيد: كان رَاوِيةً لسعيد بن عبد العزيز وغيره، وكان أشخص من دمشق إلى المأمون في المحنة فسئل عن القرآن؟ فقال: كلام الله، فدعي له بالسيف ليضرب عنقه فلما رأى ذلك قال مخلوق، فَحُمل إلى بغداد فحبس بها فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات سنة ٢١٨. وذكر أن المأمون قال له: لو قلتها قبل أن أدعو بالسيف لأكرمتك ولكنك تخرج الآن فتقول: قلتها فرقًا من السيف. قال ابن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، ممن عني بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وإليه كان يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم، قال دحيم: ولد سنة ١٤٠، وكذا قال غير واحد في تاريخ مولده ووفاته، وثناء الأئمة عليه كثير، فهو ممن اتفقوا على جلالته رحمنا الله وإياه. ٣ - سعيد بن عبد العزيز: تقدم ٤٤٨. ٤ - ربيعة بن يزيد: تقدم ١٤٨. ٥ - أبو إدريس الخولاني عائذ الله: تقدم ٨٨. ٦ - أبو مسلم الخولاني اليماني الزاهد الشامي، اسمه عبد الله بن ثوب -بضم الثاء وفتح الواو وقيل: بإشباع الضمة- وقيل: ابن أثوب وقيل: ثواب، ويقال: ابن عبد الله ويقال: ابن عوف ويقال: ابن مشكم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف: رحل إلى النبي ﷺ فتوفي قبل أن يصل المدينة فلقي أبا بكر. روى عن عمر ومعاذ وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وأبي ذر وعوف بن مالك الأشجعي ومعاوية بن أبي سفيان، وعنه أبو إدريس الخولاني وشرحبيل بن مسلم الخولاني وجبير بن نفير وعمير بن هانئ ويونس بن ميسرة وعطية بن قيس وعطاء بن أبي رباح ومكحول وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام وقال: كان ثقة، توفي في زمن يزيد بن معاوية، وثقه ابن معين وقال العجلي: شامي ثقة تابعي من كبار التابعين، له في الكتب حديث واحد عن عون بن مالك، وروى عنه الترمذي آخر عن معاذ. قال ابن حجر: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: أسلم في زمن معاوية، وكان من عبّاد أهل الشام وزهادهم ولأبيه صحبة، مات قبل بسر بن أرطاة، كذا قال ابن حبان وهو وهم بلا شك، فالمعروف أن أبا مسلم أسلم في عهد النبي ﷺ ، وقد صح سماعه من أبي عبيدة ومات أبو عبيدة قبل أن يستخلف معاوية بل قبل

стр. 1022

أن يتأمَّر قال ابن عبد البر في الإستيعاب: أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي ﷺ وهو معدود في كبار التابعين وكان ناسكًا عابدًا له كرامات، وروى ابن سعد في الطبقات عن شرحبيل بن مسلم: أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردّد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة فأجّجت ثم ألقي فيها فلم يضره، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد مات النبي ﷺ واستخلف أبو بكر، فذكر قصة الحديث وقول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمَّد ﷺ من فعل به كما فُعل بإبراهيم. اهـ. وفي الخلاصة عن العلابي: توفي سنة ٦٢ هـ. ٧ - عوف بن مالك الأشجعي ﵁: تقدم ٦٢. • التخريج أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد وابن ماجه. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (ألا تبايعون) تقدم الكلام على لفظ (ألا) وأنها كلمة استفتاح وتنبيه، وتكون للعرض كما هنا. والمبايعة هنا المراد بها: أخذ العهد على الإنسان بالشيء، تشبيهًا بصفقة البيع. قوله: (فقدمنا أيدينا) أي: مددناها، والفاء تحتمل العطف وتحتمل السببية أيدينا جمع يد، وقد تقدم الكلام عليها أول الكتاب في شرح الآية. قوله: (فبايعناه) أي: أجبناه لما طلبه بمد أيدينا إليه وسؤاله علام نبايعك، ويحتمل أن قوله: (قد بايعناك) أي بيعة سابقة كما في بعض الروايات، وكذا قرب عهد ببيعة. و (ما) استفهامية دخل عليها حرف الجر وهو (على)، فحذفت منها الألف على حد قول ابن مالك ﵀: وما في الإستفهام إن جرت حذف ... ألفها وأولها الها إن تضف ولذا تكتب على هذا بالألف، لأن الكلمتين صارت كالكلمة الواحدة، والمعنى: على أي شيء نبايعك. قوله: (على أن تعبدوا) أي تبايعونني على أن تعبدوا الله أي: تدوموا على عبادته وحده، وهذا معنى قول العبد لا إله إلا الله، فإن اعتقاده لذلك يحتم عليه عدم الشرك بالله، لأنه المنفرد بالرغبة والرهبة دون

стр. 1023

من سواه. وقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أي لا في السِّر ولا في العلانية، لأن ذلك مناف للشهادة له بالوحدانية. و (شيئًا) نكرة في سياق نفي تعمَّ الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وما دونه من الأعمال التي هي من نوع الشرك كالرياء، وإن لم تكن مخرجة عن الملة، فالواجب تنزيه الله عن ملاحظة العبد لغيره سبحانه في اعتقاده وفي أفعاله. وقوله: (والصلوات الخمس) أي: وعلى أداء الصلوات الخمس وقوله: (وأسرَّ كلمة خفية) أي تكلم بها في حال الإسرار دون الجهر بما قبلها، والسر ضد الجهر، وقوله: (لا تسألوا الناس شيئًا) تفسير للكلمة الخفية التي أسرها أي قال: لا تسألوا الناس شيئًا، وفي بعض الروايات: قال عوف: لقد رأيت بعض أولئك النفر؛ يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه، وهذا من المبالغة في الوفاء بهذه البيعة الكريمة. • الأحكام والفوائد فيه: دليل على جواز معاهدة الوالي لبعض رعيته على القيام بأمور الشريعة، وإن كان هو قائمًا بها؛ لزيادة توكيد الحث على الطاعة، وفيه: البيعة على ذلك ونحوه، وفيه: عرض الوالي أو العالم على أصحابه مثل ذلك لأنه من باب التواصي بالحق، وفيه: تحذير الناس ولو كانوا مسلمين من الوقوع في الشرك أو الركون لغير الله تعالى، والحث على الصلوات والتنبيه على فضلها وعظم شأنها، وتنفير الناس من السؤال والأحاديث في ذلك كثيرة. باب الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ٤٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ، قَالَ: الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ".

стр. 1024

١ - قتيبة بن سعد: تقدم ١. ٢ - الإِمام مالك بن قيس: تقدم ٢. ٣ - يحيى بن سعيد بن قيس: تقدم ٢٣. ٤ - محمَّد بن يحيى بن حبان: تقدم ٢٣. ٥ - عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب بن لوذان بن سعد بن جمح بن عمرو بن هصيص الجمحي أبو محيريز المكي، من رهط أبي محذورة وكان يتيمًا في حجره، نزل الشام وسكن بيت المقدس، روى عن أبي محذورة وأبي سعيد الخدري ومعاوية وأبي صرمة الأنصاري وعبادة بن الصامت وعبد الله بن السعدي وأم الدرداء وغيرهم، وعنه عبد الملك بن أبي محذورة وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ومحمد بن يحيى بن حبان ومكحول الشامي وبشر بن عبد الله الحضرمي وخالد بن دريك وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد وغيرهم. قدّمه أبو زرعة على خالد بن معدان، وكان الأوزاعي لا يذكر خمسة من السلف إلا ذكر فيهم ابن محيريز، ورفع من ذكره وفضله. قال دحيم: رأيته أجلّ أهل الشام عند أبي زرعة بعد أبي إدريس وطبقته، وقال رجاء بن حيوة: إن كان أهل المدينة ليرون ابن عمر فيهم أمانًا، وإنا لنرى ابن محيريز فينا أمانًا، وقال الأوزاعي من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز. قال العجلي: شامي تابعي ثقة من خيار المسلمين، وقال ابن أبي خيثمة: لم يكن أحد بالشام يعيب الحجاج علانية إلا ابن محيريز، وفي الزهد لابن حنبل: وزاد: وأبو الأبيض العنسي، وقال له الوليد: لتنتهين عنه أو لأبعثن بك إليه، وذكره العقيلي في الصحابة وذكر حديثًا وهو إن صح محمول عندهم على غير هذا، وأما هذا فتابعي بإتفاق أهل النقل، وأنكر ابن عبد البر على العقيلي. قال ابن خراش: كان من خيار الناس وثقات المسلمين، وقال النسائي: ثقة مات سنة ٩٩، وقيل: في خلافة الوليد، وهو قول ضعيف والله تعالى أعلم. ٦ - المخدجي الكناني، روى عن عبادة بن الصامت حديث الوتر، وعنه ابن محيريز: اسمه، رفيع وقيل: ابنه رفيع. ٧ - أبو محمَّد الأنصاري راوي حديث عبادة في الوتر، قيل: اسمه سبيع بن زيد من بني النجار، قال الخطابي: وقيل: قيس بن عبادة بن عبيد بن الحارث

стр. 1025

الخولاني حليف بني حارثة، وقيل غير ذلك، سكن دمشق وقيل: داريا، ويقال: إنه ممن شهد بدرًا ومات بالمغرب، ويقال: كان عمًا ليحيى بن سعيد الأنصاري. قال ابن حجر: ذكره يونس عن ابن إسحاق في البدريين وسمّاه: مسعود بن أوس بن صرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، يقال: شهد فتح مصر، قال ابن سعد: توفي في خلافة عمر، وزعم ابن الكلبي أنه شهد صفين مع علي. روى محمَّد بن نصر في كتاب الوتر من طريق أبي محيريز عن أبي رافع: تذاكرنا الوتر فقال رجل من الأنصار يكنى أبا محمَّد من الصحابة. ٨ - عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد المدني أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا وما بعدها، روى عن النبي ﷺ وعنه أبناؤه الوليد وداود وعبيد الله وحفيداه يحيى وعبادة، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ورفاعة بن رافع وشرحبيل بن حسنة وسلمة بن المحبق وعبد الله بن محيريز وخلق كثير. قال ابن سعد: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مرثد، وقال محمَّد بن كعب القرظي: هو أحد من جمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ ، رواه البخاري في تاريخه الصغير. قال: وأرسله عمر إلى أهل فلسطين ليعلم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات بالرملة سنة ٣٤ وهو ابن ٧٢، وقيل: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وقيل: توفي ببيت المقدس. قال ابن حبان: هو أول من تولى القضاء بفلسطين، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار، والله تعالى أعلم. • التخريج أخرجه مالك وأحمد وأبو داود والدارمي وابن ماجه. قال ابن حجر: رواه مالك في الموطأ وأصحاب السنن وابن حبان وابن السكن من طريق ابن محيريز، وذكر المناوي أن العراقي صحّحه، وصحّحه السيوطي من طريق أبي رافع فذكر قول أبي محمَّد إلخ، وفي مسند الطيالسي شاهد له عن عبادة بن الصامت، وذكر ابن حجر أنه في كتاب قيام الليل لأبي نصر. وقوله "كذب أبو محمَّد" يعني به أخطأ، وهي لغة الحجازيين يقولون لمن أخطأ: كذب، ومما يدل على ذلك أن أبا محمَّد كان مفتيًا لا راويًا.

стр. 1026

• اللغة والإعراب والمعنى قوله: (خمس صلوات) مرفوع بالإبتداء، وجملة (كتبهن) في محل رفع خبر و (كتبهن) أي افترضهن وقد تقدم ذلك، ولم ينص على كل واحدة منهن لأنهن معلومات عند الناس، وفي بعض الروايات: افترضهن، وهي بمعنى كتبهن، ويصح أن تكون جملة (كتبهن) صفة للصلوات، والخبر جملة الشرط وجوابه على قول من جوّز الإخبار بها. وقوله: (فمن جاء) الفاء استئنافية و (من) شرطية و (جاء) فعل الشرط يحتمل أن معناه: فعلهن، يقال: جاء بكذا إذا قاله أو فعله، ويحتمل أن المراد: جاء بهن يوم القيامة في صحيفة عمله كاملات من غير نقصان ولا تضييع لوقتهن، كما في الرواية: أحسن وضوءهن وصلّاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن. وقوله: (لم يضيّع منهن شيئًا) جملة حالية، وقوله: (استخفافًا) أي تهاونًا، أما إذا كان حصل شيء من ذلك على سبيل النسيان أو الإضطرار؛ فإنه لا يعدّ تهاونًا ولا استخفافًا. قوله: (كان له عند الله عهد) أي: وعد لازم منه سبحانه أن يدخله الجنة يوم القيامة، وهذا وأمثاله مما ورد في السنة محتمل لمعنيين: دخول الجنة من غير سابقة تطهير، وهذا هو المراد هنا إن شاء الله لأن الغالب على من وفّق للمحافظة على الصلاة أن يكون محسنًا في العمل، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. والمعنى الثاني: أن يكون مآله الجنة ولو أُخذ ببعض الذنوب، وهذا ينطبق على الأحاديث الدالة على أن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، أما هنا فالظاهر المعنى الأول. وفي الحديث دليل على فضل المحافظة على الصلوات، والأحاديث في معناه كثيرة مشهورة، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة كذلك كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ إلى غير ذلك. وقوله: (فليس له عند الله عهد) أي: بدخول الجنة، بل هو تحت مشيئته إن كان من أهل التوحيد، ومن أهل النار إن لم يكن ممن مات على التوحيد، فإن شاء أدخله الجنة بفضله وكرمه وإن شاء أخذه بذنبه فعذبه، على ما تقدم من أنه إن كان من أهل التوحيد لا يخلد في النار، وإلا فهو مخلد فيها. • الأحكام والفوائد الحديث دليل على أن الفرض في الصلاة مقصور على الخمس، وأنه

стр. 1027

ليس في الصلاة شيء واجب غيرهن كما تقدم في قوله: "هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع" فهو حجة للجمهور في عدم وجوب الوتر، وسيأتي الكلام على ذلك وبيان حجة القائلين بالوجوب وهم الحنفية. وفيه: الحث على المحافظة على الصلاة كما تقدم، وفيه: تكذيب من قال في الدين ما يخالف النص ما لم يكن معه دليل، وفيه: حجة للجمهور القائلين بأن تارك الصلاة كسلًا من غير جحد لا يحكم بكفره، وسيأتي الكلام على ذلك، وفيه: حجة لأهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة إذا مات على التوحيد يكون تحت مشيئة الله تعالى. باب فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ٤٦٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ " قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا". • [رواته: ٦] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - الليث بن سعد الفهمي المصري: تقدم ٣٥. ٣ - يزيد بن عبد الله بن الهاد: تقدم ٩٠. ٤ - محمَّد بن إبراهيم التيمي: تقدم ٧٥. ٥ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدم ١. ٦ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن حبان في صحيحه من وجهين: أحدهما كطريق المصنف، والثاني من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وأخرجه أبو عوانة كرواية المصنف، ولأحمد بالإسنادين كرواية ابن حبان.

стр. 1028

• اللغة والإعراب والمعنى تقدم الكلام على قوله: (أرأيتم) مستوفى في آخر الطهارة، وهي كلمة تستعملها العرب للإستفهام، فإن كان عن حال المخاطب نحو: أرأيتك نفسك على أي حال؟ ضم التاء للمخاطب وكسر للمؤنثة وثنيت وجمعت وبترك الهمز أكثر، والكاف حينئذٍ مفعول به: وإن أردت الإستفهام عن غير المخاطب لزم التاء الفتح والإفراد، وفرّق بين المفرد وغيره بأداة الخطاب، وترك جائز فيها بل هو الأكثر في كلام العرب، فهي تجري عندهم مجرى: أخبرني إما عن نفسه وإما عن غيره، والهمزة للإستفهام التقريري وهو حمل المخاطب على الإعتراف: والتاء للخطاب وتقدم أنها في هذه الحالة تلزم الفتح والمعنى: أخبروني، وفي رواية بالكاف والميم ولا محل لهما من الإعراب، والميم للدلالة على الجمع. وقوله: (لو أن) الأصل في الإستعمال أن يلي (لو) فعل ويكون له جواب، قال الطيبي: وضع الإستفهام موضعه تقريرًا أو تأكيدًا والتقدير: لو ثبت أن نهرًا صفته كذا لما بقي من الدرن إلخ، وهو يأتي في العربية لوجوه خمسة أو ستة أحدها: أن يكون للدلالة على مجرد الشرط وهو ربط السبب بالمسبّب، وتقييد الإمتناع إما للجزءين: الشرط والجزاء، وإما للشرط، والجزاء إن ساوى الشرط امتنع وإلا فلا، ولإفادتها صح مجيء الإستدراك بعدها في قول الشاعر: لو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد والأول المشهور عند النحويين ورجح ابن هشام الثاني. الوجه الثاني: أن تكون حرف شرط في المستقبل كما قال ابن مالك: لو حرف شرط في مضي ويقل ... إلاؤه مستقبلًا لكن قبل فهي بمنزلة (إن) إلا أنها لا تجزم كقول أبي صخر الهذلي: لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبب لظل صدى صوتي وإن كنت رمًّة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب وسُمع الجزم بها، قيل: لغة وقيل: ضرورة شعر كما في قول الشاعر: تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا وقول الآخر:

стр. 1029

ولو يشأ طار به ذو ميعة ... لا حق إلا طال نهد ذو خصل الوجه الثالث: أن تكون حرف مصدر بمنزلة (أن) إلا أنها لا تنصب، وأكثر ما تقع به ودّ ويودّ كقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ أي: غفلتكم، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: كفركم. ومن وقوعها بدون ود قول قتيلة: ما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق وقول الأعشى: وربما فات قوم جل أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا وأكثر المعربين ينكرون المصدرية ويقولون: إنها في هذه الأمثلة شرطية وأن جواب الشرط ومفعول ودّ محذوفان. والرابع: التمني كقولك: لو تأتيني فتحدثني ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ نصب (نكون) لأنه جواب التّمني، وقيل: هي الشرطية ضمنت معنى التمني، ولهذا جمع لها بين جواب الشرط والتمني في قول مهلهل بن ربيعة: فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زيد بيوم الشعثمين لقرَّ عينًا ... وكيف لقاء من تحت القبور الخامس: أن تكون للعرض، نحو قولك: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا، وزاد بعضهم أنها تكون للتقليل كقوله ﷺ : (التمس ولو خاتمًا من حديد). وقوله: (لو أن) تقدم أن الأصل أن يلي (لو) الفعل، ولكنها تأتي بعدها (أن) كثيرًا كما قال ابن مالك ﵀: وهي في الإختصاص بالفعل كأن ... لكن لو أن بها تقترن كما في الحديث، والفعل مقدر بعدها. وقوله: (نهرًا) بسكون الهاء وفتحها وهو الماء البخاري من واد ونحوه، والغالب أن لا يستعمل إلا في الذي يجري على الدوام، وقد تقدم الكلام عليه في حديث الإسراء قريبًا. وقوله: (باب أحدكم) صفة لنهر، وقوله: (يغتسل منه) أي فهو يغتسل أو: والحال أنه يغتسل منه من ذلك النهر، وقوله: (هل يبقى) هل للإستفهام، و (يبقى) أي: يترك (من درنه) بفتح الراء أي: وسخه، وفي رواية البخاري: (هل يبقى ذلك) أي: الإغتسال المذكور من دون المغتسل. وقوله: (فكذلك) أي: مثل تلك الهيئة التي إذا حصلت على هذا الوجه لا يبقى شيء من الدرن

стр. 1030

بعدها، فكذلك هيئة صاحب المحافظة على الصلوات الخمس، فهو تشبيه هيئة بهيئة. والدرن هو الذنوب هنا لأنها بمثابة الوسخ الحسي، فالعرب تمثل الأخلاق بالمحسوسات، فإذا كان الشخص متصفًا بالأخلاق الحسنة قالوا فيه: نقي البدن أو الثياب، وبالعكس إذا كان دنيًا قالوا فيه: دنس الأخلاق، فكذلك حاله مع الذنوب كما قال الراجز: اللهم إن عامر بن فهم ... أو ذم حجا في ثياب دسم. اهـ. وقد تقدم الكلام على هذا في الطهارة، فقوله: (فكذلك مثل الصلوات الخمس) أي يحصل لصاحبها من النظافة من الذنوب؛ ما يحصل لهذا المغتسل من نهر جار عند بابه كل يوم خمس مرات، من النظافة من الوسخ الظاهر على البدن، وظاهر هذا شمول الصغائر والكبائر. وقد تقدم في الطهارة أن مثل هذا مقيد بقوله في الحديث الآخر في الصلوات: (مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، وهذه الرواية ليس فيها أنهم ردوا عليه، وفي البخاري: (قالوا: لا يبقى من درنه شيء). والفاء في قوله: (فكذلك) بمعنى مثل أي: فمثل ذلك، وفائدة التمثيل التأكيد وجعل المعقول كالمحسوس. قال ابن العربي: (وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير، فكذا الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنبًا إلا أسقطته) اهـ. قال ابن بطال: (يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة؛ لأنه شبه الخطايا بالدرن، والدرن صغير بالنسبة لما هو أكبر منه من الجروح والخراجات) اهـ. قال ابن حجر ﵀: (وهو مبني على أن المراد بالدرن الحب، والظاهر إن المراد به الوسخ لأنه هو الذي يناسب الإغتسال والتنظف، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري التصريح بذلك، وهو ما أخرجه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أرأيت لو أن رجلًا كان له معتمل وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه وسخ أو عرق، فكلما مرّ بنهر اغتسل منه، الحديث). اهـ. قال القرطبي: (ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، لكنه مقيد كما قدمنا بحديث أبي هريرة في مسلم: (الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما

стр. 1031

اجتنبت الكبائر) وله نظائر بهذا القيد، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وقد اشتكل كون الآية نصت على أن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر، وحينئذٍ فما الذي تكفره الصلاة؟ والجواب عنه: أن معنى الآية في الحقيقة معنى الحديث، لأن أول اجتناب الكبائر فعل الصلوات وقد أخبر تعالى عنها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، مع أن الأحاديث الواردة في تكفير الذنوب قد تقدم أنها تدل على حصول ذلك بالوضوء، وقالوا: إن من لم تكن له سيئات رُفعت درجاته بحسب ما كان يكفّر عنه من السيئات) والله أعلم. • الأحكام والفوائد الحديث فيه: التنبيه للأمة على فضائل الأعمال ليجتهدوا، لأن الإنسان يرغبه في العمل ويخفف عليه مؤونته إذا علم نتيجته، ومن هنا حصل الفرق بين المؤمن والمنافق، وفيه: ضرب المثل لتقريب الأمور لأذهان السامعين، وفيه: فضل المحافظة على الصلوات، ولا يتم ذلك إلا بالمحافظة على طهارتها وسائر شروطها وقد تقدم ذلك، ويؤخذ منه عدم وجوب شيء من الصلوات غير الخمس. ٤٦١ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ". • [رواته: ٥] ١ - الحسين بن حريث: تقدم ٥٢. ٢ - الفضل بن موسى السيناني: تقدم ١٠٠. ٣ - الحسين بن واقد أبو عبد الله المروزي قاضي مرو ومولى عبد الله بن كريز، روى عن عبد الله بن بريدة وثابت البناني وثمامة بن عبد الله بن أنس وأبي إسحاق السبيعي وأبي الزبير وعمرو بن دينار وأيوب السختياني وأيوب خوط وغيرهم، وعنه الأعمش وهو أكبر منه والفضل بن موسى السيناني وابناه علي والعلاء ابنا الحسين وعلي بن الحسين بن شقيق وأبو ثميلة وزيد بن

стр. 1032

الحباب وعبد الله بن المبارك وغيرهم. قيل لابن المبارك من الجماعة محمَّد بن ثابت والحسين بن واقد وأبو حمزة السكري قال أحمد بن شبويه: ليس فيهم شيء من الإرجاء، وقال ابن المبارك أيضًا: من لنا مثل الحسين، وعن أحمد: ليس به بأس، وقال ابن حبان: كان على قضاء مرو وكان من خيار الناس، وربما أخطأ في الرواية، وقال ابنه: مات أبي سنة ١٥٩ وقيل: ١٥٧، وعن أحمد: ما أنكر حديث حسين بن واقد عن أبي المنيب أنكر أحمد حديثه وقال: في حديثه زيادة ما أدري أي شيء ونفض يده، وعن أبي داود: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وقال الساجي: فيه نظر وهو صدوق يهم، والله أعلم. ٤ - عبد الله بن بريدة: تقدم ٣٩١. ٥ - بريدة بن الحصيب: تقدم ١٣٣. • التخريج أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح، والحاكم وابن حبان في صحيحه. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة) يحتمل أن المراد بالعهد ما تقدم في قول عبادة: كان له عهد عند الله، ويحتمل أن المراد بالعهد هنا: الفرق بيننا وبينهم، والمراد الكفار بدليل قوله: فقد كفر، كما في الحديث الآخر: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"، الحديث. (فمن تركها فقد كفر) الفاء واقعة في جواب الشرط، وقوله: (فقد) يحتمل أن المراد الخروج من الدين وحينئذٍ يكون الترك المراد الجحد أو استحلال ذلك، وهو موجب بإتفاق إلا أن يكون حديث عهد بالكفر ولم يعرف الإِسلام معرفة صحيحة، ويحتمل أن المراد الترك تكاسلًا وبه قال جماعة من العلماء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، ويحتمل أن المراد الترك في التكاسل، والكفر المراد به أنه عمل عمل الكفار، أو إطلاق الكفر الذي لا يخرج من الملة، كقوله للنساء: "إنهن يكفرن" ثم فسّر الكفر بكفران النعمة وكفران العشرة. وقد اختلف العلماء

стр. 1033

في حكم تارك الصلاة تكاسلًا مع الإقرار بوجوبها، واختلفوا في عقوبته، فذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي ورواية عن أحمد إلى أنه لا يخرج من الملة بذلك، ولكنه إن لم يصلّ قتل بالسيف حدًا كقتل الزاني المحصن وقتل القود. واستدلوا بأدلة: منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وبحديث عبادة بن الصامت السابق: (ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه)، ويشهد له أحاديث الشفاعة في خروج من مات على الشهادة من النار. واستدلوا على وجوب قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، فشرط في تخلية سبيلهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وحديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم) الحديث وهو متفق عليه، وحملوا الأحاديث المصرحة باسم الكفر على أن المراد: إما ترك المستحل وهو محل اتفاق لما قدمنا، أو أن المراد الكفر الذي لا يخرج من الملة، أو أنه فعل الفعل أو استحق عقوبة الكافر التي هي القتل. وذهب الإِمام أحمد في الرواية الأخرى وحكي وجهًا لأصحاب الشافعي ويروى عن علي وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه؛ إلى أنه كافر وقتله لكفره، ومال الشوكاني إلى القول بكفره حسب ظاهر الحديث، ولكن كلامه يدل على أنه كفر المعاصي الموجب للفسق دون الخروج من الملة، فإنه قال: (والحق أنه كافر يقتل، فإن الأحاديث قد صحت في أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتضٍ لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي ذكرها الأولون، لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا) اهـ. المراد منه. وذهب أبو حنيفة والمزني صاحب الشافعي وجماعة من أهل الكوفة؛ إلى أنه لا يكفر ولا يقتل بل يحبس ويعزر حتى يصلي، واحتجوا لعدم القول بكفره بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث، وهو مفهوم والمنطوق يقدم عليه.

стр. 1034

باب الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ ٤٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: فَقُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ بِصَلَاتِهِ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ". قَالَ هَمَّامٌ: لَا أَدْرِي هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ أَوْ مِنَ الرِّوَايَةِ: فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلُ بِهِ مَا نَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ. خَالَفَهُ أَبُو الْعَوَّامِ. • [رواته: ٧] ١ - أبو داود بن سيف الحراني: تقدم ١٣٦. ٢ - هارون بن إسماعيل الخزاز أبو الحسن البصري، روى عن علي بن المبارك وهمام بن يحيى وقرة بن خالد والصعق بن حزن وعبد الله بن شميط بن عجلان، وعنه أبو موسى محمَّد بن المثنى والفلاس وحجاج بن الشاعر وإسحاق بن منصور الكوسج وعبيد الله بن منير وأبو داود الحراني وعبد بن حميد وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، كان عنده كتاب من علي بن المبارك وكان متاجرًا، وقال أبو داود: لا بأس به، سمعت الحسن بن علي يقول: الخزاز شيخ ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٠٦. ٣ - همام بن يحيى بن دينار الأزدي المحملي مولاهم أبو عبد الله ويقال: أبو بكر البصري، روى عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن طلحة وزيد بن أسلم وأبي حمزة الضبعي وقتادة ومحمد بن حجامة ونافع مولى ابن عمرو ثابت البناني وزيادة بن سعد وزياد الأعلم وحسين المعلم وابن جريج وغيرهم، وعنه الثوري وهو من أقرانه وابن المبارك وابن علية ووكيع وابن مهدي وأبو سعيد مولى بني هاشم ويزيد بن هارون وأبو داود وأبو الوليد

стр. 1035

الطيالسي وحجاج بن منهال وآخرون يكثر عددهم. كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه فلما قدم معاذ نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فكفّ يحيى بعد عنه، قال يزيد بن هارون كان همام قويًا في الحديث، وعن أحمد، كان ثبتًا في كل المشايخ، وعنه: كان عبد الرحمن يرضاه، وعنه: سمعت ابن مهدي يقول: همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة، وعن أحمد أيضًا: ثقة وهو أثبت من أبان العطار في يحيى بن أبي كثير، وعن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروى عن أبان ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان، وقال ابن معين أيضًا: ثقة صالح وهو أحب إلي في قتادة من حماد بن سلمة، وقال أيضًا: همام في قتادة أحب إلي من ابن أبي عوانة، وقال فيه وفي أبان: ما أقربهما كلاهما ثقتان قال عمرو بن علي الأثبات من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة وهشام وشعبة وهمام قال ابن المبارك همام ثبت في قتادة، وقال يزيد بن زريع: همام حفظه رديء وكتابه صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة ربما غلط في الحديث، قال أبو حاتم: ثقة صدوق في حفظه شيء، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة وأبان العطار في قتادة. قال أحمد بن حنبل: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة فلم يُعدِّله همام فنقم عليه، وهمام أشهر وأصدق من أن ينكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير، مات سنة ١٦٣ وقيل: ١٦٤. قال ابن مهدي: ظلم يحيى بن سعيد همام بن يحيى، لم يكن له به علم ولم يجالسه. قال عفان: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا فنستغفر الله تعالى. اهـ. وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح مما سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد، ووثقه العجلي والحاكم وزاد: حافظ، وقال الساجي: صدوق سيء الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح وما حدث من حفظه فليس بشيء، وقال البردجيني: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به. اهـ. ٤ - قتادة بن دعامة: تقدم ٣٤. ٥ - الحسن البصري: تقدم ٣٦.

стр. 1036

٦ - حريث بن قبيصة وهو قبيصة بن حريث الأنصاري البصري، روى عنه سلمة بن المحبّق وعنه الحسن البصري. قال البخاري: في حديثه نظر، وقال الترمذي في حديث حريث بن قبيصة عن أبي هريرة: رواه بعض أصحاب الحسن عنه عن قبيصة بن حريث، والمشهور هو قبيصة بن حريث. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات في الطاعون الجارف سنة ٦٧، وجهله ابن القطان، وقال النسائي: لا يصح حديثه، وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة، وأفرط ابن حزم فقال: ضعيف مطروح والله أعلم. ٧ - أبو هريرة: تقدم ١. • التخريج أخرجه الترمذي وأبو داود لكن رواه من طريق أنس بن حكيم الضبّي، ومرة عن رجل من بني سليط، وذكر له رواية أخرى من حديث تميم الداري ساق إسنادها. أما رواية أنس بن حكيم فقد أُعلَّت بالإضطراب والجهالة، كما في ترجمة أنس في التهذيب، ورواه ابن ماجه كرواية أبي داود عن أنس بن حكيم الضبَّي، ورواه أيضًا من حديث تميم الداري: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي: حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي ﷺ فذكر الحديث، وهذا إسناد صحيح، وكذا رواه أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، كرواية ابن ماجه السابقة عن تميم، فالحديث عن تميم صحيح. أما رواية المصنف لحديث أبي هريرة وكذا رواية غيره له فكلها معلولة إما بالجهالة أو الإضطراب، ولكن قد يقال: إن بعضها يقوي؛ بعضًا فتصل إلى درجة الحسن لغيره، وعلى ذلك يحمل قول الترمذي فيه: حسن غريب من هذا الوجه، ويشهد له ما أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للطبراني في الأوسط والضياء في المختارة وحسن سنده: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة" الحديث. قال الهيثمي: فيه القاسم بن عثمان، قال: له أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: هو ثقة ربما أخطأ.

стр. 1037

• الإعراب واللغة والمعنى قوله: (قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا) تقدم الكلام على لفظ (اللهم) وأن الأصل فيها: يا الله، حذف حرف النداء وعوّض منه الميم. وقوله: (جليسًا) أي مجالسًا وهو من يجلس كثيرًا مع الإنسان ويحادثه، (صالحًا) أي من أهل الصلاح لأن النبي ﷺ رغّب في الجليس الصالح، وهو الذي يذكرك بالله ويدلك على الخير، إذا أردت خيرًا أعانك عليه، وقد ضرب له النبي ﷺ المثل المشهور ببايع الطيب الذي تجد منه الريح إن لم تشتر منه أو يحذيك. وقوله: (فجلست إلى أبي هريرة) أي معه وفي بعض الروايات: (فدخلت المسجد فجلست. . .) إلخ، فهي تدل على أنه جلس معه في المسجد، وقوله: (بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ) أي ليس بينك وبينه واسطة فيه (لعل الله أن ينفعني به) أي بالعمل بمقتضاه، وقوله: (سمعت رسول الله ﷺ يقول) جملة (يقول) في محل نصب على الحال، وقوله: (إن أول ما يحاسب) مقول القول ولهذا كسرت الهمزة من إن، و (ما) اسم موصول في محل جر بالإضافة، وصلتها جملة: يحاسب به العبد، وقوله: (العبد) أي الشامل للذكر والأنثى ولكن المراد به المؤمن دون غيره، وقوله: (يحاسب به) أي عليه، والمراد النظر فيه: هل هو على الوجه الأكمل أو غيره؟ ويحتمل أن هذا من جملة العرض لأن مناقشة الحساب لا تكون لأكثر المسلمين، كما في حديث عائشة: "من نوقش الحساب عذب قالت: قلت: ألم يقل الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب". وأما الكافر فقد قال الله في حقه: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ وقوله: (بصلاته) الباء يحتمل أنها زائدة لأن الرواية الأخرى بحذفها، وإن كان الأصل عدم زيادتها في خبر (إن)، ويحتمل أن الأصل: يحاسب بصلاته، فحذف الفعل لدلالة السياق عليه أي: على صلاته المعروضة، بدليل آخر الحديث فإن فيه ذكر التطوع بعد ذلك، فدل على أن الأول الفرض. وهذا لا يعارض الحديث الآتي للمصنف: (إن أول ما يقضى فيه بين العباد في الدماء) لأن ذلك بالنسبة إلى حقوق الآدميين، وهذا بالنسبة لحق الله فيما بينه وبين عبده فأوله الصلاة. وقوله: (فإن صلحت) أي وجدت صالحة أي تامة على الوجه المطلوب شرعًا، بأن أتم سننها وآدابها

стр. 1038

وخشوعها وأذكارها وأدعيتها، بعد الشروط التي تشترط لها وأركانها. والصلاح ضد الفساد والمعنى: وجدت في صحيفته على الوجه المطلوب شرعًا كاملة، كما تقدم في حديث عبادة: (من جاء بهن ولم يضيع شيئًا منهن. . .) الحديث. وقوله: (فقد أفلح) الفاء واقعة في جواب الشرط، وأفلح أي نال الفلاح وهو: الظفر بالمطلوب والنجاة من المكروه، ويطلق على البقاء كما قال لبيد: نحل بلادًا كلها حلّ قبلنا ... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير وقول الشاعر: لو كان حيًا مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح ويطلق على السحور كما في حديث: "حتى خشيت أن يفوتنا الفلاح" يعني السحور. وأصل اللفظ من الشق، ومنه سمي الفلَّاح لأنه يشق الأرض، والأفلح: مشقوق الشفة السفلى كما يقال لمشقوق العليا: أعلم. والفلاح هنا فيه معنى البقاء، وفيه معنى النجاة من المكروه والظفر بالمطلوب، والمرامي العالية لا تنال غالبًا إلا بالتعب كما قال الشاعر: تريد إدراك المعالي رخيصة ... ولابد دون الشهد من إبر النحل ودخول الجنة مستلزم البقاء فيها. وقوله: (أنجح) النجاح هو الحصول على المراد، فهو بمعنى الفلاح فيكون ذكره من باب التوكيد. وقوله: (وإن فسدت) الفساد ضد الصلاح ولهذا قابله به وتفسيره هنا: نقصانها وعدم تمامها كما تقدم، وقوله: (قال همام: لا أدري) شك منه في رفع هذا الأخير من الحديث، وسيأتي التصريح برفعه في الرواية التالية، وقوله: (أو من الرواية) أي من الحديث المرفوع. وقوله: (فإن نقص من فريضته شيء) بإسناد الفعل إلى شيء، بمعنى أنها لم تكن كاملة وهو بأمرين: النقص المخل بالصحة وعدم الفعل فيكون نقصًا في أصل الفرض، أو النقص في المتممات من السنن والمستحبات، والأول أظهر للإطلاق، فإن لفظ شيء هنا نكرة في سياق الشرط، والأصل فيها العموم ولم يصحبها ما يدل على التخصيص. وقوله: (ما نقص من الفريضة) كذلك ظاهر العموم، وقوله: (قال) أي الله للملائكة: (انظروا هل لعبدي من تطوع) أي في صحيفة عمله، وليس ذلك خافيًا على الله ولكن لإظهار ما للعبد من تقصير أو تشمير في طاعته، وقوله: (لعبدي) بياء

стр. 1039

الإضافة، فيه نوع من الإيناس والإطماع في سعة الرحمة، وقوله: (من تطوع) التطوع ما زاد على الفرض، وهو في الصلاة ما عدا الصلوات الخمس كما تقدم في قوله: (إلا أن تطوع)، وقوله: (فيكمل به) أي بالتطوع إن كان له (ما نقص من الفريضة) أي من فرضه، فهو على الإحتمالين السابقين في المراد بالنقص في الفريضة. قال ابن العربي: (الأظهر عندي: أي يكمل ما نقص من هيئة الصلاة وأعدادها بنفل التطوع، لقوله ﷺ أي في غير هذه الرواية: "ثم الزكاة كذلك الصلاة وسائر الأعمال" وليس في الزكاة إلا فرض وفضل فكما يكمل فرض الزكاة بنفلها كذلك وفضل الله أوسع ووعده أنفذ وعزمه أعمّ وأتمّ) اهـ. وفي مرقاة الصعود عن القرافي في شرح الترمذي أنه قال: (هذا الذي ورد من إكمال ما ينقص العبد من الفريضة بما له من التطوع، يحتمل أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله في الفريضة وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأسًا فلم يصلّه فيعوّض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلاة المفروضة، والله سبحانه يفعل ما يشاء فله الفضل والمنة، بل له أن يسامح ولم يصلّ شيئًا لا فريضة ولا نفلًا) اهـ. وقوله: (ثم يكون سائر أعماله) أي يحاسب على سائر أعماله على نحو ما حوسب عليه في الصلاة: يكمل الفرض من النفل، فالمراد بقوله: (نحو ذلك) أي مثل ذلك الحساب المذكور في الصلاة، مع ما يجري فيه من تكميل الفرض الناقص من النفل إن وجد. وقوله: (خالفه أبو العوام) أي خالف همامًا أبو العوام، فرواه على الوجه الآتي في الرواية الثانية. • الأحكام والفوائد الحديث فيه دليل على وقوع الحساب على الأعمال يوم القيامة -نسأل الله اللطف بنا- كما قال تعالى: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وأن أول الحساب يكون على الصلاة بالنسبة لما بين العبد وبين الله، والظاهر أن المراد به العرض، ويحتمل أن المراد به النوعين: الحساب اليسير والمناقشة. وفيه: دليل على أن الصلاة أعظم أركان الإِسلام بعد الشهادتين، وعلى أن المحافظة عليها من أعظم وسائل السعادة، فهي أهم أمور الدين، والأحاديث في معنى

стр. 1040

ذلك كثيرة، وكذلك دل عليه القرآن في عدة آيات كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ .. ﴾. وفيه: التحذير من تضييعها، وفيه: الحث على الإكثار من التطوع وبيان فضله، لأنه يكون وسيلة إتمام الفرائض، وأن ذلك لا يختص تطوع الصلاة، وفيه: بيان كرم الله على عباده المؤمنين ورحمته بهم. ٤٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ زِيَادِ بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَوَّامِ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ بن زياد عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ؟ ثُمَّ سَائِرُ الأَعْمَالِ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ. • [رواته: ٧] ١ - سليمان بن سيف الحراني: تقدم ١٣٦. ٢ - شعيب بن بيان بن زياد بن ميمون الصفار البصري القسملي، روى عن عمران القطان أبي العوام وشعبة وأبي ظلال وسلام بن مسكين، وروى عنه أبو داود الحراني وإبراهيم بن المستمر العروقي وأحمد بن علي العمي ومحمد بن يزيد الأسفاطي ومهلب بن العلاء ومحمد بن يوسف الكرمي، وقال: كتب عنه علي بن المديني، وروى له النسائي حديثًا واحدًا في الصلاة، وقال الجوزجاني: له مناكير، وقال العقيلي: حدث عن الثقات بالمناكير، وكان يغلب على حديثه الوهم. ذكره ابن حبان في الثقات ولم ينسبه بل قال: شعيب بن بيان يروي عن يزيد المزي عن الحسن وعنه عبد الله بن الحارث، فما أدري هو ذا أم غيره؟ ذكره ابن حجر. اهـ. والله أعلم. ٣ - أبو العوام عمران بن داود العمي أبو العوام القطان البصري، روى عن قتادة ومحمد بن سيرين وأبي حمزة الضبعي وأبي إسحاق الشيباني وإبان بن أبي عياش وحميد الطويل وسليمان التيمي ويحيى بن أبي كثير ومعمر بن راشد ومحمد بن جحادة وغيرهم، وعنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسي ومسلم بن قتيبة وسهل بن تمام وشعيب بن بيان ومحمد بن بلال وعبد الله بن رجاء

стр. 1041

الغداني والضحاك بن مخلد وآخرون. قال عمرو بن علي: كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وذكره يحيى يومًا فأحسن الثناء عليه، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وعن ابن معين: ليس بالقوي، ومرة قال: ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد، وقال أبو داود: هو من أصحاب الحسن وما سمعت إلا خيرًا، ومرة قال: ضعيف أفتى في أيام إبراهيم بن حسن فتوى شديدة فيها سفك الدماء، وقدّم أبو داود هلال الراسبي عليه تقديمًا شديدًا، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات، وعن ابن زريع: كان حروريًا يرى السيف على أهل القبلة، ورد عليه ابن حجر بأنه: إنما أفتى إبراهيم بفتوى تورّع بها، وذلك أن إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن حسن كانا خرجا على المنصور، لأن المنصور قد بايع محمَّد بن عبد الله بالخلافة في آخر دولة بني أمية، فلما ذهبت دولتهم وولي المنصور طلب محمدًا ففرّ منه، فألحّ عليه فحمله ذلك على الخروج عليه، فخرج هو بالمدينة وأخوه إبراهيم بالبصرة حتى قتلا. قال ابن حجر: فالظاهر أن أبا العوام أفتاه بما يوافق رأيهما، فلهذا نقم عليه المحدثون. قلت: وهذا بعيد من النسبة إلى الحرورية، بل لعلّه تأوّل في ذلك. وقال الساجي: صدوق ووثقه عفان، وقال العقيلي من طريق ابن معين: كان يرى رأي الخوارج ولم يكن داعية، وقال الترمذي قال البخاري: صدوق يهم. قال ابن شاهين: كان من أخصّ الناس بقتادة، وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال الحاكم: صدوق، وأورد له العقيلي عن قتادة عن سعيد بن الحسن عن أبي هريرة حديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". قال: لا يتابع عليه بهذا اللفظ ولا يعرف إلا به. اهـ. ٤ - قتادة بن دعامة: تقدم ٣٦. ٥ - الحسن بن زياد البصري: الظاهر أن كلمة: بن زياد؛ مقحمة لأنه لا يعرف شيخ لقتادة ولا في طبقته بهذا الاسم، بل الظاهر أنه الحسن البصري عن أبي رافع. ٦ - أبو رافع اسمه نفيع بن نافع الصانع: تقدم ١٩. ٧ - أبو هريرة: تقدم ١.

стр. 1042

بعض ما يتعلق بالحديث. هذه رواية للحديث السابق، وقد تقدم شرحه وتخريجه. قوله: (فإن وجدت تامة) أي إن وجدها في صحيفته تامة كتبت له تامة، وذلك معنى قوله السابق: (ففد أفلح)، و (تامة) المفعول الثاني لـ"وجد"، والأول الضمير المستكن المرفوع على أنه نائب فاعل. وقوله: (يكمل له ما ضيع من فرضه) دليل لما تقدم من أنه يعم جميع النقص الحاصل في الفرض، وقوله: (ثم سائر أعماله) أي: تجري على ذلك الحال كما تقدم. ٤٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قَالَ اللَّهُ : انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَةَ. • [رواته: ٦] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - النضر بن شميل: تقدم ٤٥. ٣ - حماد بن سلمة: تقدم ٢٨٨. ٤ - الأزرق بن قيس الحارثي: بصري، روى عن ابن عمر وأنس وأبي برزة الأسلمي وعسعس بن سلامة ويحيى بن يعمر وشريك بن شهاب وغيرهم، وعنه سليمان التيمي والحمادان وشعبة والمنهال بن خليفة وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، مأمون وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات في ولاية خالد على العراق، والله أعلم. ٥ - يحيى بن يعمر البصري أبو سليمان ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو عدي القيسي الجدلي قاضي مرو، روى عن عثمان وعلي وعمار وأبي ذر وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة وسليمان بن صرد وابن عباس وابن عمر وجابر وجماعة، وعنه يحيى بن عقيل وسليمان التيمي وعبد الله بن

стр. 1043

بريدة وقتادة وعكرمة وعطاء الخراساني والركين بن الربيع والأزرق بن قيس وإسحاق بن سويد وغيرهم. قال أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم: ثقة، ونفى أبو داود سماعه من عائشة، وعن هارون بن موسى: أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر، وعن عبد الملك بن عمير: فصحاء العرب ثلاثة: موسى بن طلحة ويحيى بن يعمر وقبيصة بن جابر، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من فصحاء أهل زمانه وأكثرهم علمًا باللغة مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو ولاه قتيبة بن مسلم عليها، وقال الدارقطني: لم يلق عمارًا إلا أنه صحيح الحديث عمن لقيه، وقال أبو داود: بينه وبينه رجل، وقال ابن سعد: كان نحويًا صاحب علم بالعربية والقرآن، كان يقضي باليمين وكان ثقة. قال الحاكم: فقيه أديب نحوي مروزي تابعي، وأكثر روايته عن التابعين وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، نفاه الحجاج إلى مرو فقبله قتيبة بن مسلم، وقد قضى في أكبر مدن خراسان وكان إذا انتقل من بلد استُخلف على القضاء بها. قال علي بن الأثير في الكامل: مات سنة ١٢٩ وفيه نظر، وقال غيره: مات في حدود العشرين، وقال أبو الفرج: مات سنة ٨٩، وقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المنصف، والله أعلم. ٦ - أبو هريرة: تقدم ١. تقدم شرح حديث أبي هريرة هذا وما يتعلق به في الرواية الأولى. باب ثَوَابِ مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ ٤٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ ذَرْهَا "كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ". • [رواته: ٦] ١ - محمَّد بن عثمان بن أبي صفوان بن مروان بن عثمان بن أبي العاص

стр. 1044

الثقفي أبو عبد الله وقيل: أبو صفوان البصري وقيل في نسبه غير ذلك، روى عن أبيه عثمان بن أبي صفوان ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأمية بن خالد الأزدي وبهز بن أسد العميِّ ومعاذ بن هشام ويحيى بن كثير العنبري وسلمة بن سعيد بن عطية ووهب بن جرير وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وأبو حاتم وأبو زرعة وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو بكر بن علي الرازي وسهل بن موسى شيروان وأبو بكر بن أبي داود وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ٢٥٠ أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل، وقيل: سنة ٢٥٢ والله أعلم. ٢ - بهز بن أسد العمِّي: تقدم ٢٨. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - محمَّد بن عثمان بن موهب التيمي مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة عن أبي أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني .. الحديث، رواه شعبة عنه وعن أبيه جميعًا عن موسى بن طلحة. قال البخاري: أخشى أن يكون محمَّد غير محفوظ وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطان وابن نمير وغير واحد عن عمرو بن عثمان عن موسى، وذكره أبو يحيى بن أبي ميسرة أن محمدًا هذا أخ لعمرو والله أعلم. ٥ - عثمان بن عبد الله بن موهب التيمي أبو عبد الله ويقال: أبو عمرو المدني الأعرج مولى آل طلحة وقد ينسب إلى جده، روى عن ابن عمر وأبي هريرة وأم سلمة وجابر بن سمرة وجعفر بن أبي ثور وعبد الله بن أبي قتادة وموسى بن طلحة والشعبي وحمدان بن أبان، وعنه ابنه عمرو وشعبة وشيبان وقيس بن الربيع وإسرائيل والثوري وسلّام بن أبي مطيع وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي وأبو داود ويعقوب بن شيبة والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ١٦٠ والله أعلم. ٦ - موسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أبو عيسى ويقال: أبو محمَّد المدني، نزل الكوفة وأمه خولة بنت القعقاع بن سعيد بن زرارة، روى عن أبيه وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وأبي ذر

стр. 1045

وأبي أيوب وحكيم بن حزام وعثمان بن أبي العاص وأبي هريرة وأبي اليسر السلمي ومعاوية وعبد الله بن عمرو وعائشة ﵃ أجمعين وغيرهم، وعنه ابنه عمران وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى وابنا أخيه إسحاق وطلحة ابنا يحيى بن طلحة وابن أخيه الآخر موسى بن إسحاق بن طلحة وابن ابن أخيه موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة وعثمان بن موهب وابنه عمرو وأبو مالك سعد بن طارق وحكيم بن جبير والحكم بن عتيبة. قال الواقدي: رأيت من قبلنا وأهل بيته يكنونه أبا عيسى، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الزبير بن بكار: كان من وجوه آل طلحة، وعن أحمد: ليس به بأس، وقال العجلي: كان خيارًا، وقال مرة: كوفي ثقة رجل صالح، وقال أبو حاتم: يقال إنه أفضل آل طلحة بعد محمَّد كان يسمَّى في زمانه المهدي. قال ابن خراش: كان من أجلاء المسلمين، ويقال: إنه شهد الجمل مع أبيه وأطلقه علي بعد أن أسر، ويقال: إنه فرَّ من الكوفة إلى البصرة لما ظهر المختار بن أبي عبيد، وتقدم عن عبد الملك بن عمير أنه قال: فصحاء الناس ثلاثة: يحيى بن يعمر وموسى بن طلحة وقبيصة بن جابر، وروي أنه صحب عثمان ثنتي عشرة سنة، وقيل: إنه ولد في عهد رسول الله ﷺ وأنه هو الذي سماه. مات سنة ١٠٣ وقيل: ١٠٤ وقيل: ١٠٦ والله أعلم. ٧ - أبو أيوب: تقدم. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة) لم يصرح أحد باسم هذا السائل، إلا أن قتيبة ذكر أنه أبو أيوب، ورُدّ بأن الرواية الأخرى فيها: أن أعرابيًا، وأبو أيوب لا يوصف بذلك، ويجوز تكرار القصة فيكون أبو أيوب سأل وسأل غيره. وقد روى البغوي والطبراني في الكبير وابن السكن وأبو مسلم الكج من طريق محمَّد بن جحادة وغيره عن المغيرة بن عبد الله اليشكري أن أباه حدثه قال: انطلقت إلى الكوفة فدخلت المسجد، فإذا

стр. 1046

رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق وهو يقول: وصف لي رسول الله ﷺ ، فذكر القصة إلى قوله: (فأخذت بخطام ناقته فما غيّر علي فقلت: شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني من النار وما يدخلني الجنة؟ ) وذكر الحديث. هكذا نقله ابن حجر لاحتمال أن تكون واحدة، والسائل المبهم هناك هو ابن المنتفق وهذا جائز، وجائز أيضًا تكرار القصة كما تقدم مرة أو مرتين. فعلى فرض اتحاد القصة فيكون المبهم فيها كلها هو ابن المنتفق، وعلى فرض التعدد يجوز أن يكون أبو أيوب سأل وابن المنتفق هو الأعرابي في حديث أبي هريرة، كما يجوز أن يكون أعرابيًا آخر سأل مثل سؤالهما والله أعلم: وقوله: (يدخلني الجنة) الجملة صفة لـ (عمل)، وفيها إسناد إدخال الجنة للعمل وقد ثبت الحديث بأنه ليس يدخل أحد عمله الجنة، ولا تعارض لأن الإسناد إلى السبب في مثل هذا جائز، والعمل الصالح سبب رضاء الله الموصل إلى دخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ فالمعنى: بعمل إذا عملته يرضي الله عني فيدخلني الجنة. (فقال ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) أي توحّده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ فالمعنى: تفرّد الله بالعبادة دون من سواه لأن العرب كانوا يعبدون الأوثان ويدعونها شركاء لله، فلهذا كان أول ما ينبغي أن يرشدوا إليه بطلان عملهم الذي أشركوا فيه مع الله غيره، وقوله: (شيئًا) نكرة في سياق النفي فهي تعم، فلا يلاحظ العبد في الطاعة غير جانب الله وإلا كان مشركًا فيها، ولهذا سمى النبي ﷺ الرياء الشرك الخفي والشرك الأصغر. وقوله: (تعبد الله) إما أن يكون الفعل هنا بمعنى المصدر كأنه قال: عبادة الله، أو يكون المضارع هنا بمعنى الأمر، (ولا تشرك) يحتمل التوكيد ويحتمل التفسير لقوله: (تعبد الله). وقوله: (وتقيم الصلاة) أي تداوم على فعلها كاملة مع مراعاة شروطها وآدابها. وإقامة الشيء: فعله على الوجه الأكمل، وقد جاء في الحديث: فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة. وقوله: (وتؤتي الزكاة) أي تخرجها في وقت وجوبها على الوجه المطلوب شرعًا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقوله: (وتصل الرحم) صلة الرحم: الإحسان إلى من بينك وبينه قرابة، وتتفاوت بتفاوت أحوال القرابة، فأعظمها وأهمها بر الوالدين أحياء وأمواتًا، ثم ما دون ذلك على

стр. 1047

حسب حال القريب، فمنهم من يكون يحتاج إلى الصلة في المواساة بالمال، ومنهم من يحتاج إليها بالبدن ونحوه، وكل ذلك داخل في صلة الرحم. وقوله: (ذرها) فعل أمر، والغالب كما تقدم أن هذه المادة لا يستعمل منها إلا الأمر والمضارع، فإذا أريد غيرهما استعمل الترك. وقوله: (كأنه. . .) إلخ قد جاء مصرحًا به في رواية أبي هريرة: أنه كان آخذًا بخطام ناقته ﷺ ؛ وهي المراد بالراحلة، وهذه الجملة من كلام بعض الرواة غير أبي أيوب. • الأحكام والفوائد الحديث فيه: السؤال عن أمور الدين بصفة عامة، وفيه: إطلاق دخول الجنة بالأعمال على أنها سبب له لا أنها تفعل، بل لا تستقل به إلا بفضل من الله. وفيه: الإهتمام بأمر الإخلاص لأنه أساس العبادة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفيه: دليل على أن أهم شيء بعد ذلك الصلاة ثم الزكاة، كما جاء في أحاديث كثيرة بل وفي آيات من كتاب الله. وفيه: دليل على تحتم صلة الرحم، وتقدم أنها تشمل سائر البر لسائر القرابات، وأهمها بر الوالدين ولو كانا كافرين كما قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ. . .﴾ الآية، ولكن لا يجوز موالاتهم وهم كفار، ووجوب صلة الرحم يحتم على الإنسان معرفة قراباته، كما جاء مرفوعًا: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم". وفي الإقتصار في التعليم على هذا القدر مع كثرة وظائف الدين؛ ما يدل على أهمية المذكور، وأما الصيام والحج فلعل السائل كان حاله منبئًا عن كونه قد عرف ذلك مع دخوله في عبادة الله. وأما التنصيص على صلة الرحم فمن المحتمل أن يكون ﷺ قد عرف من حال السائل أنه مقصر في ذلك، وهو كثيرًا ما يجيب على حسب حاله والله أعلم. باب عَدَدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْحَضَرِ ٤٦٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ سَمِعَا أَنَسًا قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ.

стр. 1048

• [رواته: ٥] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ٢. ٣ - محمَّد بن المنكدر: تقدم ١٣٨. ٤ - إبراهيم بن ميسرة الطائفي نزيل مكة، روى عن أنس ووهب بن عبد الله بن قارب وله صحبة وطاووس وسعيد بن جبير وعمرو بن الشريد وغيرهم، وعنه أيوب وشعبة والسفيانان ومحمد بن مسلم الطائفي وابن جريج وغيرهم. قال البخاري عن علي: له نحو ستين حديثًا أو أكثر. قال الحميدي عن سفيان: كان من أوثق الناس وأصدقهم، وقال أحمد ويحيى والعجلي والنسائي: ثقة. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح، وذكر ابن حبان في الثقات: مات قريبًا من سنة ١٣٢. ٥ - أنس بن مالك: تقدم ٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد. والحديث يأتي شرحه في قصر الصلاة في السفر إن شاء الله، والمراد منه هنا التصريح بأن الظهر في الحضر أربعًا، وتقدم حديث عائشة في ذلك. باب صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ ٤٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ -وقَالَ: ابْنُ الْمُثَنَّى إِلَى الْبَطْحَاءِ- فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. • [رواته: ٦] ١ - محمد بن المثنى: تقدم ٨٠. ٢ - محمَّد بن بشار: تقدم ٢٧. ٣ - محمَّد بن جعفر: تقدم ٢٢.

стр. 1049

٤ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٥ - الحكم بن عتيبة: تقدم ١٠٤. ٦ - أبو جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائي: تقدم ١٣٧. الحديث تقدم في الطهارة وسيأتي بأخصر من هذه الرواية، وتأتي زيادة الكلام عليه في الأذان إن شاء الله، ويأتي حكم القصر بمكة في بابه إن شاء الله تعالى. باب فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ٤٦٨ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيُّ كُلُّهُمْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا". • [رواته: ٧] ١ - محمود بن غيلان: تقدم ٣٧. ٢ - وكيع بن الجراح: تقدم ٢٥. ٣ - مسعر بن كدام: تقدم ٨. ٤ - إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم، روى عن أبيه وأبي جحيفة وعبد الله بن أبي أوفى وعمرو بن حريث وأبي كاهل -وهؤلاء صحابة، وعن زيد بن وهب ومحمد بن سعد وأبي بكر بن عمارة بن رويبة وقيس بن أبي حازم وأكثر عنه، وشبيل بن عوف وابنه الحارث بن شبيل وطارق بن شهاب والشعبي وغيرهم من كبار التابعين، وعن جماعة من أقرانه وعن إخوانه أشعث وخالد والنعمان وسعيد وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وزائدة وابن المبارك وهشيم ويحيى القطان ويزيد بن هارون وعبيد الله بن موسى وهو آخر من حدّث عنه مطلقًا. قال الثوري حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال في إسماعيل: هو أعلم الناس بالشعبي وأثبتهم فيه، وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل

стр. 1050

يسمى الميزان، وقال علي: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل بن الشعبي صحاح؟ قال: نعم، وقال البخاري عن علي: له نحو ثلاثمائة حديث، وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشعبي ابن أبي خالد، ووثقه ابن معين وابن مهدي والنسائي والعجلي، وقال: وكان ضمانًا، وقال ابن عمار الموصلي: حجة، وقال يعقوب بن أبي شيبة: كان ثقة ثبتًا، وقال أبو حاتم: لا أقدم عليه أحدًا من أصحاب الشعبي وهو ثقة. قال البخاري وأبو نعيم: مات سنة ١٤٦، قال الخطيب: حدث عنه الحكم بن عيينة ويحيى بن هاشم وبين وفاتيهما نحو مائة وعشر سنين، ونفى ابن المديني سماعه من أنس وإبراهيم التيمي وروايته عن أبي وائل، قال: ورأى أنسًا، ونفى ابن معين سماعه من أبي ظبيان: وقال يعقوب بن سفيان: كان أميًا حافظًا ثقة، وقال هشيم: كان إسماعيل فاحش اللحن يقول: حدثني فلان عن أبوه، قال العجلي: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وربما أرسل عن الشعبي وكان صاحب سنة، وكان لا يروي إلا عن ثقة، وقال يحيى بن سعيد: مرسلات أبي خالد ليست بشيء. قال أبو نعيم في الحلية في ترجمة داود الطائي: أدرك إسماعيل اثني عشر ألفًا من الصحابة، منهم من سمع منه ومنهم من رآه رؤية، والله تعالى أعلم. ٥ - البختري بن أبي البختري المختار بن رويح العبدي، روى عن أبي بكر وأبي بردة ابني أبي موسى الأشعري وأبي بكر بن عمارة وغيرهم، وعنه شعبة وقال: كان كخير الرجال، وعيسى بن يونس ووكيع وقال: كان ثقة، وابن ابن أخيه محمَّد بن بشر بن الفرافضة بن المختار العبدي وغيرهم. قال ابن المديني: ثقة، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه، وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية ولا أعلم له حديثًا منكرًا، مات سنة ١٤٨. قال المزي: فرّق في الأصل بين البختري بن أبي البختري وبين البختري بن المختار، وهما واحد والحديث الذي أخرجاه لهما واحد، وهو من رواية وكيع عنه عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة. قال ابن حجر ﵀: سبقة إلى التفرقة بينهما البخاري وابن حبان في الثقات، فذكر ابن أبي البختري في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: البختري بن المختار كان يخطئ، وأرّخ وفاته كما قال عمرو بن علي أي: سنة ١٤٨. والله أعلم.

стр. 1051

٦ - أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة -بالهمز مصغرًا ويروى بالواو مصغرًا من غير همز- الثقفي البصري، روى عن أبيه وعنه إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن عمير وأبو إسحاق ومسعر. وثقه ابن حبان، وقال ابن حجر في التقريب: مقبول من الثالثة، وسقطت ترجمته من التهذيب في مطبوعة حيدرآباد. ٧ - أبو عمارة بن رؤيبة الثقفي أبو زهير الكوفي، روى عن النبي ﷺ وعن علي وعنه ابنه أبو بكر وأبو إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وحصين بن عبد الرحمن، وذكر ابن حجر أن الراوي عن علي غيره لأنه روى عنه أنه خيَّره بين أبيه وأمه، فهذا يدل على صغره وأنه ليس أيضًا بالصحابي الذي يروي عن النبي ﷺ . قلت: ولكن لا يلزم نفي آخر روى عن علي وهو صحابي والله أعلم. • التخريج أخرجه مسلم وأبو داود وابن خزيمة والبيهقي. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (لن يلج) لن حرف نفي بمعنى الحصول في المستقبل على التأبيد، وقيل: إنها لا تدل على التأبيد إلا بالقرينة، وكذلك إفادتها للتوكيد بالقرينة، وهي حرف وضع على ما هو عليه. وزعم بعض النحويين أن أصلها وأصل (لم): لا؛ قلبت الألف ميمًا في (لم) ونونًا في (لن) وزعم بعضهم أن أصلها: لا أن؛ فنقلت حركة الهمزة وحذفت وحذف الألف قبلها، وقد زيّن كلًا من القولين ابن هشام ﵀. وعملها النصب في الفعل المضارع، وسمع الجزم في قول كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة: أيادي سبايا عز ما كنت بعدكم ... فلن يحل للعين بعدك منظر وقول الآخر: لن يخب الآن من رجائك من ... حرّك من دون بابك الحلقه الشاهد من الأول قوله: يحل، بفتح اللام وحذف حرف العلة لأنه من: حلى يحلى: إذا راق للعبد واستحسنه، وأما من الطعم فيقال فيه: حلا يحلو كغزا يغزو. أما من الثاني فالشاهد في قوله: "لن يخب" لأن أصله: يخيب؛

стр. 1052

فسكن الباء للجزم، فحذفت الياء التي هي العين لإلتقاء الساكنين، ولولا تسكين الباء لم تحذف. ومن بعض الروايات: لا يلج، بدل: لن يلج. وقوله: (يلج) أي يدخل، وهي من الأفعال التي أعلمت بحذف لامها لأنها من: فعل يفعل؛ بكسر العين، وهذا الوزن إذا جاء فاؤه واوًا حذف في المضارع المبدوء بالياء، وألحقوا به الأمر والمرة وعد يعد وولج يلج، والأصل: يوعد ويولج، فوقعت الواو ساكنة بين الكسرة والياء فحذفت، على هذه القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك: فا أمر ومضارع من كوعد احذف ... وفي كعدة ذاك الطرد (النار) هنا يصلح فيه أن تعرب مفعولًا به على رأي من يرى أن قولك: دخلت الدار؛ أن الدار منصوب على المفعولية، والصحيح عندهم في مثل هذا أن الفعل غير متعد، والمنصوب منصوب على الظرفية، واللازم ينصب الظرف. وقوله: (من) موصول في محل رفع فاعل (يدخل) والتعبير بـ (من) أعم من غيره فإنها من صيغ العموم (صلى) أي الصلاة المفروضة، حذف المفعول للعلم به، وقوله: (قبل طلوع الشمس) أي صلاة الصبح، ولا ينافي ذلك أن التغليس بها وفعلها في أول الوقت أفضل لمواظبة النبي ﷺ على فعله، إلا أن من صلاها قبل طلوع الشمس متأخرًا لا يأثم، وأجر المقدم أعظم كما هو الشأن في سائر الصلوات. وقوله: (قبل غروبها) يعني العصر، وقد ورد النهي عن تأخيرها إلى الغروب وأنه فعل المنافقين، وقوله: (لن يلج النار) أي بصفة الخلود إن مات على ذلك، بدليل النصوص التي دلت على أن الأعمال بالخواتيم. وظاهر الحديث أن هذا الوعد لمن صلى من هذين الوقتين ولو مرة، وليس ذلك مرادًا بالإجماع وإنما المراد المواظبة على ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وهاتان الصلاتان تقعان في أوقات يصعب على كثير من الناس المحافظة عليهما إلا بتوفيق من الله، بل المحافظة على الصلوات كلها كذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ويحتمل أن المراد عدم دخوله النار مطلقًا، وهو ظاهر الإطلاق في الحديث لأنهما مشهودتان بأن يجتمع فيهما ملائكة بالليل وملائكة النهار، كما في حديث أبي هريرة المشهور وحديث الصحيحين: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس

стр. 1053

بينه وبينه ترجمان، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، والمراد هنا أنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. • بعض فوائد الحديث وفي الحديث دليل على فضل هاتين الصلاتين والحث على فعلهما، وأنه لا يوفق للمحافظة عليهما إلا من أراد الله به الخير. وفيه: حث على العبادة ببيان فضلها وعظم أجرها عند الله، وهذا من وظيفة الرسل ويدل. باب الْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ٤٦٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ -وَصَلَاةِ الْعَصْرِ- ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . • [رواته: ٦] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧. ٣ - زيد بن أسلم: تقدم ٨٠. ٤ - القعقاع بن حكيم الكناني: تقدم ٤٠. ٥ - أبو يونس مولى عائشة، روى عن عائشة وعنه زيد بن أسلم وأبو طوالة والقعقاع بن حكيم ومحمد بن أبي عتيق، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في الثقات. له في صحيح مسلم وفي السنن حديثان عن عائشة، وروى له البخاري في الأدب حديثًا آخر، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين والله أعلم. ٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.

стр. 1054

• التخريج أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك والشافعي وأحمد. • اللغة والإعراب والمعنى قولها: (إذا بلغت هذه الآية) أي كتبت ما قبلها حتى وصلت إلى محلها، وقولها: (فآذنّي) أي أعلمني، لأن هذا اللفظ بتصاريفه بمعنى الإعلام، والفاء واقعة في جواب الشرط. وقوله: (فأملت علي) يروى: وأمللت وهما لغتان: أمليت وأمللت، يقال: أمللت الكتاب أملله إملالًا: ألقيته عليه؛ لغة أهل الحجاز، وعليها قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وأمليته أمليه إملاءً: لغة تميم، وعليه قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. وقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ هذا متن الآية الكريمة من سورة البقرة، وعطف الصلاة الوسطى على الصلوات من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلخ وكقوله: ﴿لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾، وعكسه عطف العام على الخاص وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾، والغرض من التخصيص بعد التعميم عندهم الإهتمام بالشيء أكثر. و (الوسطى) تأنيث الوسط، وقد اختلفوا في تعيينها فقيل: إنها الصبح لأنها وسط بين ليليتين ونهاريتين سرّيتين وجهريتين، وقيل: الظهر لأنها وسط النهار وهي بين نهاريتين وبين سرّية وجهرية، وقيل: المغرب لأنها بين سريتين وجهريتين، وقيل: العشاء لأنها بين صلاتين جهريتين، وقيل: العصر لأنها بين ليليتين ونهاريتين، أقواها من حيث الدليل بالنص صلاة العصر لورود الحديث صريحًا في ذلك، ويليه القول بأنها الصبح. وقصة عائشة هذه تدل على أنها غير العصر، لأنها عطفتها عليها فاقتضى ذلك أنها غيرها، ومثلها قصة حفصة فإنها قرأتها بواو العطف، ومثله عن أم سلمة. وقد ذهب إلى أنها العصر: علي وابن مسعود وأبو أيوب. وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة من الصحابة، ومن غيرهم: عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وأبو داود وابن المنذر، وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ومن الدليل لهم الحديث الآتي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" فإنه في

стр. 1055

رواية مسلم التصريح بأنها العصر وكذا عند غيره، وهو عند أحمد والترمذي من حديث سمرة: صلاة الوسطى صلاة العصر، وعند ابن جرير من حديث أبي هريرة: الصلاة الوسطى صلاة العصر، ومن طريق سلمة بن كهيل: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال: أنا أعلم لكم. فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها العصر، ومن حديث أبي مالك الأشعري: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله، وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وهي صلاة العصر، وذهب عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر من الصحابة، ومن غيرهم: عطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك والشافعي إلى أنها الصبح، لأنها تأتي في وقت مشقة في الصيف بفتور الأعضاء وطيب النوم، وفي الشتاء في وقت شدة البرد، وبما ورد من الحث عليها بما رواه ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: "هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين"، يعني أنها المرادة في الآية، ولعل هذا أقوى ما استدل به القائلون أنها الصبح، غير أنه لا يقاوم الأحاديث المتقدمة، وتقدم أنه ما من صلاة إلا وقد قيل إنها الوسطى. والقول بأنها الظهر منقول عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد وعائشة وعبد الله بن شداد ورواية عن أبي حنيفة، مستدلين بحديث زيد بن ثابت عند المصنف وأبي داود: "كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على الصحابة منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ". قلت: ليس فيه التصريح بكونها الظهر فلا يعارض ما تقدم، وروي عن أسامة مثل ذلك، وسيأتي للمصنف وهو عند أحمد. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، ونقله ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس، وذهبت الأمية إلى أنها العشاء، واختاره الواحدي، وذهب إمام الحرمين من الشافعية إلى أنها الصلوات كلها، وبه قال الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير وشريح، واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت
следующие страницы →