٦ - أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة -بالهمز مصغرًا ويروى بالواو مصغرًا من غير همز- الثقفي البصري، روى عن أبيه وعنه إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن عمير وأبو إسحاق ومسعر. وثقه ابن حبان، وقال ابن حجر في التقريب: مقبول من الثالثة، وسقطت ترجمته من التهذيب في مطبوعة حيدرآباد.
٧ - أبو عمارة بن رؤيبة الثقفي أبو زهير الكوفي، روى عن النبي ﷺ وعن علي وعنه ابنه أبو بكر وأبو إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وحصين بن عبد الرحمن، وذكر ابن حجر أن الراوي عن علي غيره لأنه روى عنه أنه خيَّره بين أبيه وأمه، فهذا يدل على صغره وأنه ليس أيضًا بالصحابي الذي يروي عن النبي ﷺ . قلت: ولكن لا يلزم نفي آخر روى عن علي وهو صحابي والله أعلم.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن خزيمة والبيهقي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (لن يلج) لن حرف نفي بمعنى الحصول في المستقبل على التأبيد، وقيل: إنها لا تدل على التأبيد إلا بالقرينة، وكذلك إفادتها للتوكيد بالقرينة، وهي حرف وضع على ما هو عليه. وزعم بعض النحويين أن أصلها وأصل (لم): لا؛ قلبت الألف ميمًا في (لم) ونونًا في (لن) وزعم بعضهم أن أصلها: لا أن؛ فنقلت حركة الهمزة وحذفت وحذف الألف قبلها، وقد زيّن كلًا من القولين ابن هشام ﵀. وعملها النصب في الفعل المضارع، وسمع الجزم في قول كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة:
أيادي سبايا عز ما كنت بعدكم ... فلن يحل للعين بعدك منظر
وقول الآخر:
لن يخب الآن من رجائك من ... حرّك من دون بابك الحلقه
الشاهد من الأول قوله: يحل، بفتح اللام وحذف حرف العلة لأنه من: حلى يحلى: إذا راق للعبد واستحسنه، وأما من الطعم فيقال فيه: حلا يحلو كغزا يغزو. أما من الثاني فالشاهد في قوله: "لن يخب" لأن أصله: يخيب؛
стр. 1052
فسكن الباء للجزم، فحذفت الياء التي هي العين لإلتقاء الساكنين، ولولا تسكين الباء لم تحذف. ومن بعض الروايات: لا يلج، بدل: لن يلج. وقوله: (يلج) أي يدخل، وهي من الأفعال التي أعلمت بحذف لامها لأنها من: فعل يفعل؛ بكسر العين، وهذا الوزن إذا جاء فاؤه واوًا حذف في المضارع المبدوء بالياء، وألحقوا به الأمر والمرة وعد يعد وولج يلج، والأصل: يوعد ويولج، فوقعت الواو ساكنة بين الكسرة والياء فحذفت، على هذه القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك:
فا أمر ومضارع من كوعد احذف ... وفي كعدة ذاك الطرد
(النار) هنا يصلح فيه أن تعرب مفعولًا به على رأي من يرى أن قولك: دخلت الدار؛ أن الدار منصوب على المفعولية، والصحيح عندهم في مثل هذا أن الفعل غير متعد، والمنصوب منصوب على الظرفية، واللازم ينصب الظرف. وقوله: (من) موصول في محل رفع فاعل (يدخل) والتعبير بـ (من) أعم من غيره فإنها من صيغ العموم (صلى) أي الصلاة المفروضة، حذف المفعول للعلم به، وقوله: (قبل طلوع الشمس) أي صلاة الصبح، ولا ينافي ذلك أن التغليس بها وفعلها في أول الوقت أفضل لمواظبة النبي ﷺ على فعله، إلا أن من صلاها قبل طلوع الشمس متأخرًا لا يأثم، وأجر المقدم أعظم كما هو الشأن في سائر الصلوات. وقوله: (قبل غروبها) يعني العصر، وقد ورد النهي عن تأخيرها إلى الغروب وأنه فعل المنافقين، وقوله: (لن يلج النار) أي بصفة الخلود إن مات على ذلك، بدليل النصوص التي دلت على أن الأعمال بالخواتيم. وظاهر الحديث أن هذا الوعد لمن صلى من هذين الوقتين ولو مرة، وليس ذلك مرادًا بالإجماع وإنما المراد المواظبة على ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وهاتان الصلاتان تقعان في أوقات يصعب على كثير من الناس المحافظة عليهما إلا بتوفيق من الله، بل المحافظة على الصلوات كلها كذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ويحتمل أن المراد عدم دخوله النار مطلقًا، وهو ظاهر الإطلاق في الحديث لأنهما مشهودتان بأن يجتمع فيهما ملائكة بالليل وملائكة النهار، كما في حديث أبي هريرة المشهور وحديث الصحيحين: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس
стр. 1053
بينه وبينه ترجمان، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، والمراد هنا أنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا.
• بعض فوائد الحديث
وفي الحديث دليل على فضل هاتين الصلاتين والحث على فعلهما، وأنه لا يوفق للمحافظة عليهما إلا من أراد الله به الخير. وفيه: حث على العبادة ببيان فضلها وعظم أجرها عند الله، وهذا من وظيفة الرسل ويدل.
باب الْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ
٤٦٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ -وَصَلَاةِ الْعَصْرِ- ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
• [رواته: ٦]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - زيد بن أسلم: تقدم ٨٠.
٤ - القعقاع بن حكيم الكناني: تقدم ٤٠.
٥ - أبو يونس مولى عائشة، روى عن عائشة وعنه زيد بن أسلم وأبو طوالة والقعقاع بن حكيم ومحمد بن أبي عتيق، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في الثقات. له في صحيح مسلم وفي السنن حديثان عن عائشة، وروى له البخاري في الأدب حديثًا آخر، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين والله أعلم.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
стр. 1054
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك والشافعي وأحمد.
• اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (إذا بلغت هذه الآية) أي كتبت ما قبلها حتى وصلت إلى محلها، وقولها: (فآذنّي) أي أعلمني، لأن هذا اللفظ بتصاريفه بمعنى الإعلام، والفاء واقعة في جواب الشرط. وقوله: (فأملت علي) يروى: وأمللت وهما لغتان: أمليت وأمللت، يقال: أمللت الكتاب أملله إملالًا: ألقيته عليه؛ لغة أهل الحجاز، وعليها قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وأمليته أمليه إملاءً: لغة تميم، وعليه قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. وقوله: ﴿حَافِظُوا﴾ هذا متن الآية الكريمة من سورة البقرة، وعطف الصلاة الوسطى على الصلوات من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلخ وكقوله: ﴿لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾، وعكسه عطف العام على الخاص وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾، والغرض من التخصيص بعد التعميم عندهم الإهتمام بالشيء أكثر. و (الوسطى) تأنيث الوسط، وقد اختلفوا في تعيينها فقيل: إنها الصبح لأنها وسط بين ليليتين ونهاريتين سرّيتين وجهريتين، وقيل: الظهر لأنها وسط النهار وهي بين نهاريتين وبين سرّية وجهرية، وقيل: المغرب لأنها بين سريتين وجهريتين، وقيل: العشاء لأنها بين صلاتين جهريتين، وقيل: العصر لأنها بين ليليتين ونهاريتين، أقواها من حيث الدليل بالنص صلاة العصر لورود الحديث صريحًا في ذلك، ويليه القول بأنها الصبح. وقصة عائشة هذه تدل على أنها غير العصر، لأنها عطفتها عليها فاقتضى ذلك أنها غيرها، ومثلها قصة حفصة فإنها قرأتها بواو العطف، ومثله عن أم سلمة. وقد ذهب إلى أنها العصر: علي وابن مسعود وأبو أيوب. وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة من الصحابة، ومن غيرهم: عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وأبو داود وابن المنذر، وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ومن الدليل لهم الحديث الآتي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" فإنه في
стр. 1055
رواية مسلم التصريح بأنها العصر وكذا عند غيره، وهو عند أحمد والترمذي من حديث سمرة: صلاة الوسطى صلاة العصر، وعند ابن جرير من حديث أبي هريرة: الصلاة الوسطى صلاة العصر، ومن طريق سلمة بن كهيل: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، وفينا أبو هاشم بن عتبة فقال: أنا أعلم لكم. فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها العصر، ومن حديث أبي مالك الأشعري: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله، وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وهي صلاة العصر، وذهب عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر من الصحابة، ومن غيرهم: عطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك والشافعي إلى أنها الصبح، لأنها تأتي في وقت مشقة في الصيف بفتور الأعضاء وطيب النوم، وفي الشتاء في وقت شدة البرد، وبما ورد من الحث عليها بما رواه ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الصبح فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: "هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين"، يعني أنها المرادة في الآية، ولعل هذا أقوى ما استدل به القائلون أنها الصبح، غير أنه لا يقاوم الأحاديث المتقدمة، وتقدم أنه ما من صلاة إلا وقد قيل إنها الوسطى. والقول بأنها الظهر منقول عن زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد وعائشة وعبد الله بن شداد ورواية عن أبي حنيفة، مستدلين بحديث زيد بن ثابت عند المصنف وأبي داود: "كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على الصحابة منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ". قلت: ليس فيه التصريح بكونها الظهر فلا يعارض ما تقدم، وروي عن أسامة مثل ذلك، وسيأتي للمصنف وهو عند أحمد. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، ونقله ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس، وذهبت الأمية إلى أنها العشاء، واختاره الواحدي، وذهب إمام الحرمين من الشافعية إلى أنها الصلوات كلها، وبه قال الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير وشريح، واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت
стр. 1056
أنه سئل عنها؟ فقال للسائل: حافظ على الصلوات تصبها، وعلى هذا تكون مخبوءة في الصلوات كساعة الإجابة في يوم الجمعة، وكذا ليلة القدر في رمضان واسم الله الأعظم في سائر أسمائه. وعند جماعة من السلف أنها الصلوات المفروضات، وأن الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ تناولت الفرض والنفل ثم خص الفرض بمزيد تأكيد، وهو قول ابن عمر ومعاذ بن جبل، وبه قال ابن عبد البر. وقال ابن حبيب: إنها الجمعة ورجحه أبو شامة، وقيل: هي صلاة الجماعة، ونقلوا عن الدمياطي أنه ألّف جزءًا مستقلًا فيها سماه: كشف الغطا عن الصلاة الوسطى؛ فأبلغها تسعة وعشرين قولًا. وأقوى ما يتمسك به من قال: إنها غير العصر؛ حديث الباب، ومثله عند مسلم وأحمد والبيهقي من حديث البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر؛ فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. فقال رجل: هي إذن العصر فقال: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، وحديث عمرو بن رافع عند مالك والبيهقي قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة فذكر مثل حديث أبي يونس، وهو عند ابن جرير من وجه آخر، وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع عن أم سلمة مثل ذلك.
٤٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ".
• [رواته: ٧]
١ - محمَّد بن عبد الأعلى: تقدم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - قتادة بن دعامة: تقدم ٣٤.
٥ - أبو حسان الأعرج ويقال: الأجرد أيضًا، بصري اسمه مسلم بن عبد الله، روى عن علي وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وابن عمرو وناجية بن
стр. 1057
كعب والأشتر والأسود بن يزيد وغيرهم، وعنه قتادة وعاصم الأحول. قال أبو حاتم: زعموا أن ابن سيرين كان يروي عنه، قال أحمد: مستقيم الحديث أو مقارب الحديث، ووثقه ابن معين وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: من روى عن أبي حسان غير قتادة، قال: لا أعلم، وذكره ابن حبان في الثقات. قال العجلي: ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج، وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة في حديثه، بعد أن ذكر أن الأجرد الذي يمشي على ظهر قدميه، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال البخاري وابن حبان: قتل يوم الحرورية سنة ١٣٠.
٦ - عبيدة بن عمرو السلماني المرادي ويقال: ابن قيس -وهو بفتح العين- أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يلقه، قاله هشام بن محمَّد وغيره عنه. روى عن علي وابن مسعود وابن الزبير، وعنه عبد الله بن سلمة المرادي وإبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي ومحمد بن سيرين وأبو حسان الأعرج وأبو البختري الطائي وعامر الشعبي وغيرهم. قال الشعبي: كان شريح أعلمهم بالقضاء، وكان عبيدة يوازيه. قال العجلي: كوفي ثقة تابعي جاهلي أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره، وكان من أصحاب علي وعبد الله، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه. وقال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عبيدة، قال ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشدّ توقيًا منه، وكان ما روى عن إبراهيم عن عبيدة -سوى رأيه- فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا، وقال البخاري في تاريخه: أوصى عبيدة أن يصلي عليه الأسود، خشي أن يصلي عليه المختار فبادر فصلى عليه، ذكراه عن بشار عن ابن مهدي عن شعبة عن ابن حصين، وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود عن شعبة. ومقتضى القول بأنه مات بعد السبعين سنة ٧٢ أو ٧٣ أو أربع وسبعين، كلها أقوال في موته، والأثر الصحيح عن البخاري يدل على أنه مات في ولاية المختار بن أبي عبيد على الكوفة، والمختار قتل بلا خلاف سنة ٦٧ سبع وستين. وعدَّه ابن المديني من فقهاء أصحاب ابن مسعود، وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله، وقال عمرو بن علي الفلاس وعلي بن المديني: أصح الأسانيد محمَّد بن سيرين عن عبيدة عن علي، وقال العجلي:
стр. 1058
كل شيء روى محمَّد عن عبيدة -سوى رأيه- فهو عن علي، وكل شيء روى عن إبراهيم، فذكر ما تقدم. والله تعالى أعلم.
٧ - علي بن أبي طالب ﵁: تقدم ٩.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي والطيالسي وابن الجارود وأحمد، وأشار له الترمذي.
• اللغة والإعراب والمعنى
هذه الرواية مختصرة وهو عند غير المصنف فيه الدعاء على المشركين، وقوله: (شغلونا) أي بالمناوشة في القتال، وذلك في غزوة الخندق وهي في شوال سنة خمس من الهجرة، ففي بعض الأيام اشتغل المسلمون بقتال القوم حتى فاتهم وقت العصر، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف. ولفظ مسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا) وعند أبي داود: (حبسونا) وفي بعض الروايات التصريح بأنها العصر، وبذلك تظهر مناسبة الحديث للترجمة، ويظهر الإستدلال به على أن الوسطى هي العصر. وتقدم الخلاف فيها في الحديث السابق، وأن الراجح من حيث النقل أنها العصر والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
الحديث احتج به من قال بجواز تأخير الصلاة لعذر القتال، وهو ظاهر صنيع البخاري، والأكثرون على أن هذا منسوخ بصلاة الخوف.
باب مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ
٤٧١ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِى غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ".
стр. 1059
• [رواته: ٧]
١ - عبد الله بن سعيد اليشكري: تقدم ١٥.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - هشام الدستوائي: تقدم ٢٥.
٤ - يحيى بن أبي كثير: تقدم ٢٤.
٥ - أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: تقدم ٣٨٠.
٦ - أبو المليح بن أسامة بن عمير بن عامر الهذلي وقيل: زيد بن أسامة: تقدم ١٣٩.
٧ - بريدة بن الحصيب ﵁: تقدم ١٣٣.
• التخريج
أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كنا مع بريدة) هو ابن الحصيب الأسلمي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وقد تقدمت ترجمته. وقوله: (في يوم ذي غيم) (ذي غيم) صفة ليوم، والغيم: السحاب، وقيل: أن لا ترى الشمس من الدجين، وجمعه: غيوم وغيام بكسر الغين. قال أبو حبَّة النميري:
يحول بها المذلق مذرياه ... خروج النجم من صلع الغيام
وفي رواية البخاري: "في غزوة في يوم ذي غيم"، ومحل قوله: (في يوم ذي غيم) النصب على الحال. وقوله: (بالصلاة) أي عجّلوا، والتبكير بالشيء: تعجيله في أول وقته، ومنه: باكورة الثمر أي أوله، وقوله: (بالصلاة) دل آخر الحديث على أنها العصر. وقوله: (فإن رسول الله ﷺ ) الفاء تومئ للعلة، وقوله: (من ترك صلاة العصر) تخصيص في الحديث بالوعيد يدل على أنها هي الصلاة المعنية في الحديث، وبذلك تظهر مناسبة الحديث للترجمة. والترك هنا ظاهر الحديث أنه مطلق، فيكون فيه حجة للخوارج في التكفير بالذنب، وحجة لأحمد والظاهرية في تكفير تارك الصلاة من غير جحد، وقد تقدم الكلام على ذلك عند حديث: من تركها فقد كفر، والفاء داخلة لتضمن الموصول معنى
стр. 1060
الشرط. وقوله: (حبط) بكسر الباء: بطل؛ يقال: حبط يحبط من باب علم، وأحبطه غيره، والحبط: انتفاخ بطن الدابة إذا أصابت مرعى طيبًا واسترسلت في الأكل، ومنه حديث مسلم في الزكاة: (إن مما ينبت الربيع مما يقتل حبطًا، أو يلم إلا آكلة الخضر) الحديث، وإذا انتفخ بطن الدابة على هذا الوجه ربما ماتت بسببه، فشبّه فساد العمل وعدم حصول الإنسان على الثواب بذلك. وزاد معمر في روايته: متعمدًا، وكذا عند أحمد من حديث أبي الدرداء، وقد علل ذلك بأن العصر في يوم الغيم قد يحمل الإنسان حب المحافظة عليها على أن يصليها قبل وقتها، وقد يحمله الإحتياط على العكس، فلهذا صرح بريدة بالأمر بالتبكير لكن بشرط دخول الوقت ولو بالتقدير.
• الأحكام والفوائد
احتج به -على ما قال العيني- الحنفية على استحباب تعجيل العصر في يوم الغيم، وتقدم أن الخوارج يحتجون به على مذهبهم في التكفير بالمعاصي، فهو عندهم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. ورد عليهم ابن عبد البر بأن مفهوم الآية: أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فتعارض مفهوم الآية مع منطوق الحديث، وإذا كان كذلك يتعين تأويل الحديث لأن الجمع إذا كان ممكنًا كان أولى من الترجيح. وقد اختلفوا في وجه تأويل الحديث الذي يحصل به الجمع على أقوال، أقربها عندي للصواب اثنان هما: أن المراد بالترك: الترك المصحوب بالجحد أو الإستهزاء الذي ينزل منزلته، وهذا لا إشكال فيه إلا أنه قد يقال: إن سبب الحديث لا يساعد عليه، وقد يجاب عن ذلك بأنه ذكره الصحابي للحديث على وجه المبالغة في مخالفة الجاحد أو المستهزئ. الثاني: ما اختاره ابن بزيزة أنه خرج مخرج الزجر والتغليظ وظاهره غير مراد، كقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث. ومنها: أن هذا من مجاز التشبيه أي هو شبيه بمن حبط عمله، ومنها: أن المراد بإحباط العمل عمل خاص: وهو ما شغله عن الصلاة، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف. والحديث في الجملة وعيد شديد على التفريط في صلاة العصر؛ لأنها كما تقدم قيل: إنها الوسطى، وهي مع التي تجتمع فيها الملائكة: ملائكة الليل وملائكة النهار، والغالب تأتي الإنسان في ختام عمل النهار، فهو يحب الإستمرار فيه والله أعلم.
стр. 1061
باب عَدَدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْحَضَرِ
٤٧٢ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ النبي ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً قَدْرَ سُورَةِ السَّجْدَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَفِى الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.
• [رواته: ٦]
١ - يعقوب بن إبراهيم: تقدم ١٠٩.
٢ - هيثم بن بشير السلمي: تقدم ١٠٩.
٣ - منصور بن زاذان الواسطي أبو المغيرة الثقفي مولاهم، روى عن أنس -ويقال: مرسل- وأبي العالية رفيع وعطاء بن أبي رباح والحسن ومحمد بن سيرين وميمون بن أبي شبيب ومعاوية بن قرة وحميد بن هلال وقتادة ومحمد بن الوليد بن مسلم العنبري وعمرو بن دينار وعبد الرحمن بن القاسم والحكم بن عتيبة وغيرهم، وعنه ابن أخيه مسلم بن سعيد الواسطي وحبيب بن الشهيد وجرير بن حازم وخلف بن خليفة وهشيم وأبو حمزة السكري وأبو عوانة وغيرهم. قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال العجلي: رجل صالح كان ثقة ثبتًا، وقال هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان: ملك الموت بالباب، ما كان عنده زيادة في العمل. مات سنة ١٢٨، وقيل: ١٢٩، وقيل: ١٣١، والله تعالى أعلم.
٤ - الوليد بن مسلم التميمي العنبري أبو بشر البصري، روى عن جندب البصري وحمدان بن أبان وأبي المتوكل الناجي وأبي الصديق الناجي وابن التلب وأبي سفيان طلحة بن نافع وغيرهم، وعنه سعيد بن أبي عروبة ويونس بن عبيد وأبو بشر وخالد الحذاء ومنصور بن زاذان وسلمة بن علقمة ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب. قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.
стр. 1062
٥ - أبو الصديق الناجي بكر بن عمرو وقيل: ابن قيس، روى عنه عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة، وعنه قتادة وعاصم الأحول والعلاء بن بشير المزني والوليد بن مسلم العنبري ومطرف بن الشخير وهو من أقرانه وغيرهم. وثقه النسائي وأبو زرعة وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة ١٠٨ والله أعلم.
٦ - أبو سعيد بن مالك الخدري ﵁: تقدم ٢٦٢.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد وابن خزيمة والدارمي والطحاوي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كنا) يعني الصحابة، وقوله: (نحزر) الحزر: الخرص والتقدير، أي: كنا نقدر قراءة رسول الله ﷺ ، فالمراد بقيامه للقراءة في الصلاة. وقوله: (في الظهر) أي في صلاة الظهر وفي صلاة العصر. قوله: (فحزرنا قيامه) أي قدرنا قيامه للقراءة، وقوله: (قدر ثلاثين) أي قدرنا بقدر ثلاثين أي قراءة ثلاثين آية، ومثّل لذلك بقوله: (قدر سورة السجدة). وهذا يحتمل أن المراد به في كل ركعة من الركعتين، وهو صريح في الرواية التالية أن هذا المقدار مقسوم بين الركعتين، لأن المعروف أن الأولى تكون أطول من الثانية كما في حديث أبي قتادة. وقوله: (في الأخريين على النصف من ذلك) إذا اعتبرنا أن المراد مجموع الركعتين؛ فيكون ذلك دليلًا على أن الأخريين يقتصر فيهما على الفاتحة؛ لأنها سبع آيات؛ مجموع الركعتين أربع عشرة آية، وذلك قدر النصف من الثلاثين. وهذا يرد قول من قال من الشافعية: إنه دليل للقول الجديد المروي عن الشافعي باستحباب السورة مع الفاتحة في الركعتين الآخريين وهو معارض بالتنصيص عليه في حديث أبيِّ عند مسلم وأبي داود وغيرهما، مع أن هذا الإستدلال ينبني على أن المراد خمس عشرة آية في كل ركعة، وهذا خلاف الظاهر لأنّ قوله: (في الركعتين على النصف من ذلك) محمول على مجموعهما كما قدمنا، وإنما الذي يمكن أن يستدل به تشبيه الأوليين من العصر بالأخيرتين من الظهر، ولكن لا يدل على ذلك لا في العصر ولا في ثالثة المغرب، فلا يكون فيه حجة للقول بذلك والله أعلم. والجمهور من العلماء
стр. 1063
-وهو القول المعروف عنه في القديم- على أنه يقتصر على قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين، وقد ورد عن ابن عمر أنه كان ربما قرأ في الأخيرتين، فهو دليل الجواز فقط والله أعلم.
٤٧٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فِي الظُّهْرِ فَيَقْرَأُ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً.
• [رواته: ٧]
١ - سويد بن نصر: تقدم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري: تقدم ٤٦.
٤ - منصور بن زاذان: تقدم ٤٧٢.
٥ - الوليد أبو بشر هو الوليد بن مسلم العنبري: تقدم ٤٧٢.
٦ - أبو المتوكل الناجي علي بن داود: تقدم ٢٦٢.
٧ - أبو سعيد الخدري: تقدم ٢٦٢.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والطحاوي وأحمد وابن خزيمة والدارمي، وهو رواية من الحديث الذي قبله.
باب صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي السَّفَرِ
٤٧٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
стр. 1064
٢ - حماد بن زيد: تقدم ٣.
٣ - أيوب بن تميمة السختياني: تقدم ٤٨.
٤ - أبو قلابة عبد الله بن زيد: تقدم ٣٨٠.
٥ - أنس بن مالك: تقدم ٦.
٤٧٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". قَالَ عِرَاكٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ"، خَالَفَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ.
• [رواته: ٦]
١ - سويد بن نصر المروزي: تقدم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - حيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التجيبي أبو زرعة المصري الفقيه الزاهد، روى عن أبي هانئ حميد بن هانئ وشرحبيل بن شريك المعافري وبكر بن عمرو المعافري وسالم بن غيلان وأبي يونس مولى أبي هريرة وربيعة بن يزيد الدمشقي وأبي الأسود يتيم عروة وغيرهم، وعنه الليث بن سعد وابن لهيعة ونافع بن يزيد وابن وهب وابن المبارك وأبو عبد الرحمن المقري وأبو عاصم وهانئ بن المتوكل وهو آخر من حدث عنه وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو يونس: كانت له عبادة وفضل، وسئل عنه أبو حاتم مع جماعة من أهل الحديث فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة أحب إلي من المفضل بن فضالة، وقال ابن وهب: ما رأيت أحدًا أشد استخفافًا بعلمه من حيوة، وكان يعرف بالإجابة، وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد فرأيته إلا كانت رؤيته دون صفته، إلا حيوة فإنه كان أكبر من صفته، وقال يعقوب بن سفيان حدثنا المقرئ: حدثنا حيوة بن شريح، وهو كندي شريف عدل رضي ثقة. توفي ١٥٨ وأرخه الكلاباذي ١٥٩، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة كانت تتحول في يديه
стр. 1065
تمرة بدعائه. قال ابن سعد: مات في آخر خلافة أبي جعفر وكان ثقة، والله أعلم.
٤ - جعفر بن ربيعة بن شرحبيل: تقدم ١٧٣.
٥ - عراك بن مالك: تقدم ٢٠٧.
٦ - نوفل بن معاوية بن عروة -وقيل: ابن عمرو- بن صخر بن يعمر بن نعامة بن عدي بن الديلي بن بكر بن عبد مناة بن كنانة أبو معاوية الديلي، روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود وعراك بن مالك وعوف بن الحارث وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. قال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر -يعني الواقدي: كان نوفل قد شهد بدرًا والخندق مع المشركين وكان له ذكر ونكاية، ثم أسلم وشهد الفتح وحنينًا والطائف، ونزل المدينة في بني الديل وحج مع أبي بكر سنة ٩ ومع النبي- ﷺ سنة عشر، ومات بالمدينة في خلافة معاوية. قيل: إنه عمّر في الجاهلية ستين سنة وفي الإِسلام مثلها، وقيل: مات في خلافة يزيد بن معاوية والله أعلم.
• التخريج
أصل الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي وأحمد من حديث ابن عمر، وكذلك ابن ماجه، وأخرجه أحمد أيضًا وعبد الرزاق وابن حبان من حديث ابن عمر، وكذلك ابن ماجه، وأخرجه أحمد أيضًا وعبد الرزاق وابن حبان من حديث نوفل كرواية المصنف هذه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من فاتته) وفي رواية ابن عمر: (الذي تفوته) وهما بمعنى، فإن (من) هنا اسم موصول بمعنى. الذي، وقوله: (فاتته) يحتمل أن المراد فواتها بخروج وقتها، وهو الظاهر لأنه الذي يترتب عليه الإثم، وبه فسَّر الفوات هنا جماعة من العلماء منهم الأصيلي وسحنون. وتحتمل أنه بفوات وقتها المختار، وهو مروي عن ابن وهب وغيره، وقد ورد مفسرًا في رواية الأوزاعي، قال: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة. قال الداودي: هذا في العامد، وهو الظاهر لأنّ الوعيد إنما يستحقه العامد، وعن ابن عمر: أنه في الناسي لأنه وإن لم
стр. 1066
يكن آثمًا فإنه يفوته الأجر العظيم، وقال المهلب: المراد فواتها في الجماعة، وعلل ذلك بأن الفوات في العمد يأثم صاحبه في كل صلاة، فلا خصوصية للعصر، وهذا بعد تسليم اختصاص العصر بهذا الوعيد، وقد اختلفوا في ذلك فعن ابن [عبد البر] (*) أن ذلك لعله جواب لسائل ولهذا ألحق بها غيرها، وتعقبه النووي لعدم تعقل العلة التي هي شرط الإلحاق، ومع ذلك فإن العصر قد اختصت بكونها هي الصلاة الوسطى عند الأكثرين حسبما تقدم، وأنها تجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار، والله يخص ما شاء بما شاء. وقوله: (كأنما وتر أهله وماله) رواية الأكثرين بنصب اللام في الموضعين على أن في (وُتر) ضمير يرجع إلى الموصول هو المفعول الأول، ولكنه رفع نيابة عن الفاعل، وهذا بناء على أن (وتر) هنا متعد لمفعولين لأنه مضمن معنى نقص، وإن كان الأصل أن الذي يتعدى إلى مفعولين أفعال القلوب، ولكن قد ينصب الفعل مفعولين إذا كان أحدهما غير صريح وهذا منه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي ينقصكم شيئًا منها. وقيل هنا: سلب أهله، والرفع في اللفظين على أن المراد إيقاع الفعل على الأصل، كأنه قال: أُخِذَ أهلُه، و (مالُه) معطوفًا عليه، وأصل الوتر أن يقتل للإنسان قتيل ثم لا يأخذ بثأره، فكأنها مشتقة من الوتر الذي هو ضد الشفع، لأنه قد يبقى منفردًا فهو موتور. وشبّه النبي ﷺ الذي تفوته صلاة العصر على أي وجه من الوجوه التي قدمناها؛ بمن يسلب أهله وماله في آن واحد، فيجتمع عليه همّ فوتهم وهمّ الدرك بثأرهم. فالذي تفوته الصلاة أو يفوتها إذا عاين ثوابها عند الله لأهلها يوم القيامة؛ اجتمع عليه مصيبة الإثم الذي يتحمله إن تعمد ذلك ولم يتب منه، ومصيبة فوت الثواب العظيم الذي يحصل لغيره. وظاهر صنيع الترمذي أنه في الساهي، وهو غير ظاهر كما قدمنا، فإنه بوّب للحديث بقوله: (باب ما جاء في السهو عن وقت العصر)، ولفظ الحديث لا يساعد على هذا التخصيص، لأن قوله في حديث ابن عمر: الذي تفوته، وفي حديث نوفل. من فاتته؛ كل من اللفظين يقتضي العموم، فلا يتجه حمله على الساهي إلا إذا حمل السهو على التهاون المفضي بصاحبه إلى الترك ونحوه. وقوله: (خالفه يزيد) إلخ سيأتي بيانه في الحديث الذي بعده.
стр. 1067
• بعض فوائده
يستفاد من الحديث الحث على المحافظة على صلاة العصر، وضرب المثل للناس لتقريب الأمور إلى الأفهام، فإن أمور الآخرة لا تشابه أمور الدنيا إلا على سبيل التقريب. وفيه: دليل على أن من فرّط في شيء من الطاعة سيندم عليه يوم القيامة. وفيه: جواز قول الإنسان: فاتتني الصلاة وفاتتك، خلافًا لمن كره ذلك والله أعلم.
٤٧٦ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ". خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ.
• [رواته: ٥]
١ - عيسى بن حماد زغبة: تقدم ٢٩٤.
٢ - الليث بن سعد الفهمي: تقدم ٣٥.
٣ - يزيد بن أبي حبيب: تقدم ٢٠٧.
٤ - عراك بن مالك: تقدم ٢٠٧.
٥ - نوفل بن معاوية الديلي: تقدم ٤٧٥.
هذه الرواية التي أشار المصنف إلى المخالفة، فإن جعفر بن ربيعة في روايته عن عراك بن مالك حدثه أن نوفل بن معاوية حدثه، ورواية يزيد هذه عن عراك أنه بلغه أن نوفل بن معاوية، فظاهر هذه الرواية: أن عراكًا لم يسمع من نوفل بن معاوية، وأما الأولى ففيها: أنه حدثه، ومثل هذا يحمل على أن الحديث عن عراك بالوجهين والله أعلم. وأيضًا فإن في السياق مخالفة حيث إن الرواية الأولى فيها تعيين صلاة العصر من نوفل، وهذه فيها أن الذي عيّنها إنما هو ابن عمر والله أعلم.
٤٧٧ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي
стр. 1068
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ".
• [رواته: ٧]
١ - عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو الفضل البغدادي نزيل سامراء، روى عن أبيه وعمه يعقوب وأخيه إبراهيم بن سعد ويونس بن محمَّد وأبو الجواب وروح بن عبادة ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي عاصم وأحمد بن يحيي بن زهير وابن خزيمة وعبد ابن الأهواز والباغندي وابن أبي الدنيا ومحمد بن مخلد الدوري وجماعة غيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقة، وقال الحافظ أبو نعيم: ولي قضاء أصبهان مرتين وعزل عن قريب، مات سنة ٢٦٠ في ذي الحجة وقيل: إنه ولد سنة ١٨٥، وذكر أبو إسحاق الحبال: أن مسلمًا روى عنه ووثقه الدارقطني وفي الزهرة: روى عنه البخاري ستة أحاديث، والله أعلم.
٢ - يعقوب بن إبراهيم: تقدم ١٠٩.
٣ - إبراهيم بن سعد: تقدم ٣١٤.
٤ - محمَّد بن إسحاق بن يسار بن خيار -ويقال: كومان- المدني أبو بكر -ويقال: أبو عبد الله- المطلبي مولاهم نزيل العراق، رأى أنس بن مالك وابن المسيّب وأبا سلمة بن عبد الرحمن، روى عن أبيه وعميه عبد الرحمن وموسى والأعرج وعبيد الله بن عبد الله بن عمر ومعبد بن كعب بن مالك ومحمد بن إبراهيم التيمي والقاسم بن محمَّد والزهري وابن المنكدر وسالم أبي النضر وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وخلائق يطول ذكرهم، وعنه يحيي بن سعيد الأنصاري ويزيد بن أبي حبيب وهما من شيوخه وجرير بن حازم وابن عون وإبراهيم بن سعد الزهري والحمادان والسفيانان وشعبة وزهير بن معاوية وابن إدريس وهيثم وأبو عوانة وأمم يكثر عددهم. قال ابن
стр. 1069
معين: كان ثقة حسن الحديث، قال ابن المديني: مدار علم حديث رسول الله ﷺ على ستة؛ فذكرهم، فصار علم الستة عند اثني عشر، فذكر ابن إسحاق فيهم. قال ابن عيينة: رأيت الزهري قال لابن إسحاق: أين كنت؟ قال: هل يصل إليك أحد؟ فدعا حاجبه وقال: لا تحجبه إذا جاء. وقال فيه ابن شهاب وقد سئل عن المغازي فقال: هذا أعلم الناس بها. قال عاصم بن عمرو بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق. قال أبو معاوية: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، ونقل علي بن المديني عن ابن عيينة قال: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة وما يتهمه أحد من أهل المدينة وما يقول فيه شيئًا، كان هشام بن عروة ينكر عليه أنه حدث عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير امرأة هشام، فكان يحلف أنه ما دخل عليها، قال عبد الله بن أحمد: ولِمَ ينكر هشام لعلّه استأذن عليها فأذنت له ولم يعلم. وقال مالك: دجّال من الدّجاجلة، وهذا محمول على أن مالكًا كان بينه وبين ابن إسحاق منافرة، فكان يسيء القول فيه. قال البخاري: رأيت علي بن المديني يحتج بحديثه. وثناء الأئمة عليه لاسيما البخاري وشيخه ابن المديني كثير، قال أبو زرعة الدمشقي: وابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقًا وخيرًا، مع مدح ابن شهاب له. قال: وقد ذاكرت دحيمًا قول مالك فيه فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنما هو لأنه اتهمه بالقدر، وقال الدراوردي: جُلد في القدر، قال ابن نمير: كان يرمى بالقدر وكان أبعد الناس منه، وقال فيه: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. وقال يعقوب: سألت ابن المديني: كيف حديث ابن إسحاق عندك؟ فقال: صحيح. قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، قلت له: وهشام بن عروة تكلم فيه، قال علي: الذي قال هشام ليس بحجة، دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها. قلت: إمرأة هشام هذه ابنة عمه وهي أكبر منه سنًا، فمن الجائز أن يكون سماع ابن إسحاق منها قبل أن يتزوجها هشام، قال علي بن المديني: إن حديث ابن إسحاق ليتبين فيه الصدق، يروي مرة: حدثني أبو الزناد، ومرة: ذكر أبو الزناد، وهو من أروى
стр. 1070
الناس عن سالم أبي النضر وروى عن رجل عنه، ومن أروى الناس عن عمرو بن شعيب. وقال أحمد عنه: كان يدلس، وسئل: هل يقبل حديثه إذا انفرد؟ فقال: لا، وقال فيه في رواية حنبل عنه: ليس بحجة. قال ابن معين: محمَّد بن إسحاق ثقة وليس بحجة، وقال فيه: صدوق، وقيل لابن معين: حجة؟ قال: كان ثقة، الحجة مالك وعبيد الله بن عمر، وقيل: إنه قال فيه: ليس بذاك، ومرة قال: ضعيف، ومرة قال: ليس بالقوي. وروى ابن عيينة عن شعبة: محمَّد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، قيل له: لم؟ قال: لحفظه، قال ابن سعد: كان ثقة ومن الناس من يتكلم فيه، وبالجملة أكثر الناس على الثناء عليه وهو يخطئ كغيره. قال ابن سعد: لو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الإشتغال بكتب لا يحصل منها شيء، إلى الإشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ومبعثه ومبدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة ما سبق إليها، وقد صنّفها بعده قوم فلم يبلغوا مبلغه ما بعد الخمسين والمائة إما بواحد أو اثنين أو ثلاث، روى له مسلم في المتابعات والبخاري في التعليق، قال ابن المديني: ثقة لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب. وكذّبه سليمان التيمي ويحيى القطان ووهيب بن خالد، فأما وهيب والقطان فقلّدا فيه مالكًا وهشام بن عروة، وأما سليمان التيمي فلم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير الحديث لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل، قال ابن حبان في الثقات: تكلم فيه رجلان هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة والستر بينهما. وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة ثم عادله إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن. ولما سئل ابن المبارك قال: إن وجدناه صدوقًا، ثلاث مرات. قال ابن حبان: ولم يكن أحد في المدينة يقارب ابن إسحاق في عمله ولا يوازيه في جمعه. قال ابن البرقي: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء، وذكر الذهبي أنه أخذ عن امرأة هشام وهي أكبر من
стр. 1071
هشام بثلاث عشرة سنة، وأخذ عنها ابن إسحاق وقد جاوزت الخمسين. قال: وقد روى غير ابن إسحاق من الغرباء والله أعلم.
٥ - يزيد بن أبي حبيب: تقدم ٢٠٧.
٦ - عراك بن مالك: تقدم ٢٠٧.
٧ - نوفل بن معاوية الديلي: تقدم ٤٧٥.
هذه الرواية بيّن فيها مخالفة محمَّد بن إسحاق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، وأنه في رواية ابن إسحاق صرَّح بالسماع فيها -سماع عراك من نوفل لهذا الحديث والله أعلم.
باب صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
٤٧٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ بِجَمْعٍ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى يَعْنِي الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَنَعَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.
• [رواته: ٦]
١ - محمَّد بن عبد الأَعلى الصغاني القيسي: تقدم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - سلمة بن كهيل: تقدم ٣١٢.
٥ - سعيد بن جبير: تقدم ٤٣٤.
٦ - عبد الله بن عمر: تقدم ٥٢.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والطحاوي.
الحديث فيه الجمع بجمع وهي المزدلفة، وذلك في الحج وهو محل اتفاق وسيأتي، وفيه: أن العشاء تقصر والمغرب لا قصر فيها، وسيأتي ذلك إن
стр. 1072
شاء الله، وفيه: أن الجمع بإقامة لكل واحدة من الصلاتين، وأنه لا نفل بينهما وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
باب فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ
٤٧٩ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ ﵁: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ". وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
• [رواته: ٦]
١ - نصر بن علي بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي الصغير أبو عمرو البصري، وهو حفيد نصر بن علي الجهضمي، روى عن أبيه ويزيد بن زريع وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعيسى بن يونس اليمامي ووهب بن جرير بن حازم ووكيع ومعن بن عيسى ومسلم بن إبراهيم وخلق كثير، وعنه الجماعة، وروى النسائي أيضًا عن زكريا السجزي وأحمد بن علي المروزي عنه، وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وبقي بن مخلد وعبد الله بن أحمد وعبد بن الأهوازي وإسماعيل القاضي وابن أبي الدنيا وابن خزيمة وجماعة غيرهم. قال أحمد: ما به بأس، ووثقه أبو حاتم وكذا النسائي وابن خراش، وقال محمَّد على النيسابوري: حجة. قال أبو بكر بن داود: كان المستعين بعث إلى نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: أرجع فأستخير الله. فرجع إلى بيته وصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فنبّهوه فإذا هو ميت، قيل: مات في ربيع الآخر سنة ٢٥٠ وقيل: ٢٥١. قال مسلمة بن القاسم: هو ثقة عند جميعهم، وقال الخشني: ما كتبت بالبصرة عن أحد أعقل من نصر بن علي، رحمنا الله وإياه.
٢ - عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمَّد -وقيل: بن شراحيل القرشي- البصري السامي من بني سامة بن لؤي، أبو محمَّد ويلقب أبا همام وكان يغضب منه، روى عن حميد الطويل ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي وعبيد الله بن عمر وسعيد الجريري وسعيد بن أبي عروبة وخالد الحذاء وداود بن
стр. 1073
أبي هند وابن إسحاق ومحمد بن عمرو بن علقمة ومعمر وهشام بن حسان وهشام الدستوائي وغيرهم، وعنه إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن المديني وعبيد الله بن القواريري وبندار وأبو موسى ونصر بن علي الجهضمي الصغير ويونس بن حماد المعنى وعبد الرحمن عمر رسته وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا في الحديث قدريًا غير داعية إليه: قال عمرو بن علي: مات سنة ١٩٨ في شعبان، وكذا قال ابن حبان في الثقات: قال أحمد: كان يرى القدر، وقال ابن سعد: لم يكن بالقوي، وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا عبيد الله بن عمر: حدثنا عبد الأعلى قال: فرغت من حاجتي من سعيد بن أبي عروبة قبل الطاعون -يعني أنه سمع منه قبل الإختلاط، وقال العجلي: بصري ثقة، ووثقه ابن نمير وابن واضح وغيرهما والله أعلم.
٣ - معمر بن راشد: تقدم ١٠.
٤ - الزهري: تقدم ١.
٥ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه مسلم وأحمد والبخاري والطبراني وابن خزيمة من طريق ابن عمر وابن عباس، وأخرجه الدارمي عن عائشة وابن عباس، وأبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل، وسيأتي للمصنف عن ابن عباس وابن عمر وأنس وغيرهم، ونحوه للأكثرين عند أبي موسى غير أنه في بعض روايات ابن عباس زيادة: عصر شعر الرأس؛ كما يأتي للمصنف ٥٢٨.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (أعتم) أي دخل في العتمة وهي ثلث الليل الأول، بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة، سمّيت بذلك لتأخر وقتها: وأعتم إعتامًا: تأخر وأبطأ، والاسم: العتمة -محركًا، واحتبس عن فعل الشيء،
стр. 1074
وعتم قراه: أبطأ، كعتّم تعتيمًا، ومنه قول الشاعر:
فلما رأينا أنه عاتم القرى ... بخيل ذكرنا ليلة الهضم كردما
وعتم الليل وأعتم: ذهب منه قطع، والمراد هنا: أنه تأخر عن فعلها في الوقت الذي كان يفعلها فيه عادة، وقوله: (بالعشاء) أي: تأخر بفعل الصلاة، والعشاء اسم لها كما قال إن اسمها في كتاب: العشاء، وهو اسم الظرف الذي تفعل فيه كسائر أوقات الصلاة. وقوله: (حتى) حرف يدل على الغاية هنا، (وناداه) أي نادى عمر النبي ﷺ قائلًا له: نام النساء والصبيان، وفي الروايات الأخرى: (الصلاة يا رسول الله) بنصب الصلاة على الإغراء، على تقدير فعل محذوف. والمراد بالنساء: يحتمل أنهن اللاتي في المسجد ينتظرن الصلاة وهو المتبادر للذهن، ويحتمل أن يكون المراد مَن في البيوت؛ لأنهن ينتظرن رجوع الرجال من الصلاة بالعشاء، فيشق عليهن تأخيرهم عنهن وربما رقدن. وقوله: (فخرج) الفاء تحتمل العطف والسببية، وخروجه كان من بيته لأنه ملاصق للمسجد، وفي رواية: (ورأسه يقطر). وقوله: (إنه ليس أحد) أي من جميع من ينتظر هذه الصلاة غيركم، لأن الإِسلام إذ ذاك إنما هو بالمدينة كما قالت عائشة ﵂، ولم يكن يومئذٍ أحد يصلي غير أهل المدينة، أي: بصفة عامة وفي جماعة، فقد كان بعض المستضعفين إذ ذاك بمكة وكان بعض المهاجرين عند النجاشي بالحبشة. ويحتمل أن القائل لم يكن أحد غير عائشة من الرواة كالزهري أو عروة، ولهذا جاء في رواية البخاري بلفظ قال: الصادق بأن القائل الراوي عائشة أو غيرها.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على جواز تأخير العشاء، بل هو مستحب عند الجمهور لما في بعض الروايات: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي أو على الناس. وفيه دليل على أن عادة النبي ﷺ أنه كان يصليها في أول وقتها خشية المشقة على الناس، ولهذا جاء في رواية البخاري: كانوا يصلونها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل، وفيه: تنبيه الإِمام في مسائل العبادات وغيرها من مصالح المسلمين، وفيه: كرم خلق النبي ﷺ ، وفيه: دليل على أن النوم الخفيف لا ينقض الوضوء، وقد تقدم ذلك في الطهارة، ومن نفى النقض بالنوم مطلقًا لم يقيده بالخفيف، وفيه: دليل على أن المراد بالنساء والصبيان: من
стр. 1075
كانوا في المسجد، ففيه دخول النساء المساجد بصبيانهم وفيه: الشفقة على الضعفاء ومراعاة أحوالهم حتى في أمر الصلاة.
باب صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ
٤٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ قَالَ: صَلَّى بِنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا بِإِقَامَةٍ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
• [رواته: ٦]
١ - عمرو بن يزيد الجرمي: تقدم ١٣٠.
٢ - بهز بن أسد العمي: تقدم ٢٨.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - الحكم بن عتيبة: تقدم ١٠٤.
٥ - سعيد بن جبير تقدم ٤٣٤.
٦ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدم ١٢.
الحديث تقدم قريبًا رقم ٤٧٨.
٤٨١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ بن أسد قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
رواته هم المذكورون في الذي قبله إلا سلمة بن كهيل: تقدم ٣١٢.
باب فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
٤٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي
стр. 1076
صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الإِمام مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: تقدم ٧.
٤ - الأعرج عبد الرحمن بن هرمز: تقدم ٧.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وابن خزيمة من طريقين عن أبي هريرة بلفظ: يجتمع، وبلفظ: إن لله ملائكة يتعاقبون.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة) مرفوع على أنه فاعل (يتعاقبون) على لغة بني عقيل وقيل: وبني الحارث، وهذا أحد الأوجه في هذا التركيب. الوجه الثاني: أن يكون الاسم المرفوع مبتدأ مؤخرًا والفعل رافع للضمير، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. الوجه الثالث أن يكون الألف والواو والنون؛ ضمائر مرفوعة على الفاعلية والاسم الظاهر بدلًا منها، وهو ضعيف. وجمهور النحويين يرون أن الواجب في مثل هذا تجريد الفعل من الضمائر، كما قال ابن مالك ﵀:
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
وقد يقال سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر بعد مسند
وعلى هذه اللغة في الحديث قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فإنها بإثبات الواو في المصاحف العثمانية، وقول الشاعر وهو عبد الله بن قيس المعروف بابن قيس الرقيات، في قصيدته التي يرثي بها مصعب بن الزبير:
стр. 1077
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبغض وحميم
والتعاقب: تفاعل من عقبه؛ إذا أتى بعده، وقيل: إن هذه الطريق مختصرة وأصل الحديث: الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، كما في البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن أبي هريرة بلفظ: (إن الملائكة يتعاقبون فيكم) كما في بدء الخلق، وسيأتي مثلها للمصنف من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد. فلهذا قال بعض العلماء: الظاهر أن أبا الزناد كان يرويه مرة هكذا ومرة على الوجه، ويؤيد ذلك كون غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رواه تامًا، كما في مسلم وأحمد من رواية همام عن أبي هريرة، لكن بحذف (إنّ) من أوله التي في رواية موسى بن عقبة، وهو عند البزار وابن خزيمة والسراج من رواية أبي صالح عن أبي هريرة كرواية موسى بن عقبة، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من رواية أبي يونس عن أبي هريرة بإسناد صحيح. والتعاقب: إتيان جماعة عقب أخرى، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾، فالحفظة للأعمال يتعاقبون كتعاقب الحفظة للإنسان من الشرور. وعن الأكثرين أن المراد هنا الحفظة للأعمال، فيحتمل أن السؤال لأجل أنهم موكلون بأعمالهم. وروى القاضي عياض أنه توبيخ لمن قال: (أتجعل فيها من يفسد فيها). وهذا عندي فيه نوع من عدم اللياقة، بل الظاهر أن المراد به التنويه بشأن المحافظين على الصلاة، وحمل للملائكة على الشهادة لهم بذلك. قال القرطبي ﵀: (وهذا من خفي لطف الله وجميل ستره؛ حيث لم يطلعهم إلا على هذه الحالة من أحوالهم، ولم يطلعهم على حال شهواتهم وما يشبهها) اهـ. وهذا حسن لكن الجزم به لا يتعين، لأنهم إذا كانوا هم الحفظة فهم يطلعون على الكل، ولكن يقال: إنه لم يسألهم إلا عن كيف تركوهم، فمن لطفه جعل اجتماعهم في هاتين الصلاتين. وقوله: (يتعاقبون) لا ينافي الإجتماع، فإنهم يجتمعون وقت الصلاة ثم يصعد الأولون ويبقى الآخرون. وقوله: (ثم يعرج) دليل على أن هذا العروج بعد الإجتماع المذكور، والعروج: الصعود، يقال: عرج يعرج عروجًا من باب نصر ينصر، وعرج في الشيء وعليه يعرج بالكسر ويُضَمُّ: ارتقى عروجًا فيه أيضًا، وعرج الشيء فهو عريج: إذا ارتفع وعلا. قال أبو ذؤيب الهذلي:
стр. 1078
كما نور المصباح للعجم أمرهم ... بعيد رقاد النائمين عريج
وعرج يعرج: إذا أصابه شيء في رجله وليس فإذا كان خلقة فهو أعرج، كفرح ومصدره: عرجًا محركًا، والمعراج: السلّم وآلة الصعود، وعرَّج بالمكان: أقام به، والتعريج على الشيء: الإقامة والحبس عليه. وقوله: (الذين باتوا فيكم) ضمير الخطاب في الموضعين للمصلين، وجوّز بعض العلماء أن يكون لمطلق المؤمنين، والإكتفاء في العروج بالذين باتوا لا ينافي اشتراك الآخرين في ذلك، فذكر الذين باتوا اكتفاء بذكرهم؛ لأنّ المقام يدل على أن الآخرين مثلهم، على حد قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد، ويحتمل أن الصعود والسؤال خاص بالذين باتوا في الفجر، وقد فسّر الجمهور قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ بهذا الشهود والإجتماع، ولهذا جوَّز بعض العلماء أن يكون الصعود خاصًا بالفجر، والنزول والإجتماع يحصل في الصلاتين، والذين ينزلون في النهار يستمرون معهم من وقت الفجر فلا يصعدون فيه. وقد جاء التصريح باجتماعهم في صلاة الفجر، حتى حاول بعض الشراح أن يجعل ذكر الإجتماع في صلاة وهمًا، وهو عندي وهم منه بعيد عن الصواب، لثبوت الروايات الصحيحة بذلك، ويستدل بما جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة: يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، قال: أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. قال ابن عبد البر: (ليس في هذا دفع للرواية التي ذكر فيها العصر، يعني "أن ذكر العصر الوارد في الروايات الأخر؛ لا ينفيه الإقتصار على الصبح في بعضها"، وقوله: "فيسألهم" تقدم أن في هذا السؤال استدعاء لشهادة الملائكة للمصلين، وفي ذلك التنويه العظيم بشأنهم في الملأ الأعلى، فيشهدون لهم بأنهم في طاعة ربهم بدءًا وختامًا. وقوله: (وهم يصلون) في الموضعين: جملة حالية.
• الأحكام والفوائد
يستفاد من الحديث فضل الصلاة على سائر الأعمال، وفضل المحافظة عليها وخاصة هاتين الصلاتين، والأحاديث في هذا كثيرة. وفيه: فضل المصلين وعناية الرب بهم وإظهار شأنهم في الملأ الأعلى، وفيه: تشريف هذه
стр. 1079
الأمة على غيرها من الأمم، كما شرف نبيها على سائر الأنبياء. وفيه: دليل على كلام الله للملائكة، واستدل به بعض الحنفية على فضل تأخير صلاة العصر؛ لأنّ العروج يقع بعدها، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، والأدلة الأخرى الصريحة تردُّه والله أعلم.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمْعِ عَلَى صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَيَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ".
• [رواته: ٥]
١ - كثير بن عبيد نمير المذحجي: تقدم ١٩٦.
٢ - محمَّد بن حرب الخولاني كاتب الزبيدي: تقدم ١٧١.
٣ - الزهري: تقدم ١.
٤ - سعيد بن المسيب: تقدم ٩.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وأصل حديث أبي هريرة في تفضيل الجماعة بدون ذكر اجتماع الملائكة؛ في أبي داود والترمذي وابن ماجه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (تفضل صلاة الجمع) أي: تزيد الصلاة في الجماعة إذا صلاها أحدكم فيها تفضل صلاته على صلاة أحدكم وحده. فالجمع -ضد الفرد- المراد بها: الجماعة، وهي في الصلاة تحصل بالاثنين فصاعدًا، والضمير في قوله: (أحدكم) للمكلفين من المؤمنين لأنهم هم أهل الصلاة في الحالتين، وفي رواية: الجميع، بدل: الجمع. وقوله: (بخمسة وعشرين جزءًا) والجزء صادق بالقليل والكثير، وبينَّت رواية: تضعف؛ أن المراد بالجزء الضعف الذي
стр. 1080
هو المثل، وكذلك رواية: الدرجة؛ فإنها المنزلة والمراد بها أيضًا الضعف. يوضح ذلك رواية ابن السراج: تعدل خمسًا وعشرين صلاة من صلاة الفذ، فبيّنت هذه الرواية أن الجزء المذكور في هذه الأحاديث والدرجة المراد بذلك تضعيف الصلاة على أصلها الذي هو عشر حسنات. وأصرح منه في ذلك حديث ابن مسعود أخرجه أحمد بسند قوي: صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة كلها مثل صلاته. أما رواية ابن عمر عند البخاري وغيره: "صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة" قال الترمذي: كذا روى نافع عن ابن عمر، قال: وعامة من روى عن النبي- ﷺ إنما قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر. وفي حديث ابن مسعود وهو عند أحمد بسند جيد: صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة كلها مثل صلاته. قلت: وهذا يوضح ما قدمنا، ويبقى الإشكال في حديث ابن عمر وهو حديث صحيح، وتفرّد نافع عن ابن عمر أو ابن عمر به لا يقدح في صحته، لكن اختلفوا في وجه الجمع: فمنهم من قال: إنه لا تعارض لأنّ ذكر الأقل لا ينافي ثبوت الأكثر، لعدم اعتبار الأكثرين لمفهوم العدد، كما تقدم في خصائصه ﷺ أول هذا الشرح المبارك، فمن الجائز أن يكون أُعْلِم ﷺ أولًا بالخمس والعشرين، ثم أعلم بعد ذلك بزيادة فضلًا من الله. وقيل: إن الدرجة أقل من الجزء، بحيث تساوي سبعًا وعشرين درجة خمسة وعشرين جزءًا، وهو بعيد لما تقدم من أن المراد باللفظين الضّعف المصرح به، وفي بعض الروايات ذكر الدرجة بدل الجزء، والعدد خمس وعشرون وفي رواية أبيٍّ: بأربع وعشرين أو خمس وعشرين درجة، وهي عند ابن حبان، ولابن أبي شيبة بضعًا وعشرين درجة. وقيل: الجماعة التي لا يمشي إليها أقل من الجماعة التي يمشي إليها، وقيل غير ذلك. والأشبه عندي والله أعلم. إما أن يكون التفاوت بحسب بعُد المنزل، لما ثبت أن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، أو للإنتظار للصلاة، أو بحسب التفاوت في الخشوع وحضور القلب، والكل محتمل والعلم عند الله تعالى. والحاصل أن هذا الحديث بجميع طرقه دل على ثبوت هذا الوعد عن النبي ﷺ ، ولكن اختلف فيه: فقد رواه جماعة من الصحابة:
стр. 1081
أبو هريرة وأبو سعيد في البخاري وغيره، وابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة بسند قوي، وأبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، ومن طرق ضعيفة -كما قال ابن حجر- عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت عند الطبراني، وكلها بلفظ: خمس وعشرين، إلا رواية ابن عمر: سبع وعشرين، وهي في الصحيحين وغيرهما، ورواية لأبي هريرة عند أحمد وفي سندها شريك القاضي وفي حفظه بعض الشيء، فيها: سبع وعشرين، ورواية أبيّ: أربع أو خمس وعشرين، وهذا يرد إلى الخمس التي اتفقت عليها الروايات من غير شك، ورواية أبي عوانة: بضع وعشرين، صالحة للرد على كل من الروايتين، فمن رجح رواية الخمس والعشرين لأنها العدد المتفق عليه له لدخولها في السبع والعشرين ولكثرة رواتها، ومن رجّح السبع لأنها زيادة صحيحة من عدل حافظ يجب قبولها. وأما الاختلاف الثاني فهو في تمييز العدد، لأنه روي بلفظ (الجزء) وبلفظ (الدرجة)، وتقدم أن في رواية أحمد وابن خزيمة عن ابن مسعود ما يوضح المراد، وهو التصريح بمضاعفتها بالصلاة كما قدمنا بخمس وعشرين صلاة، فتردُّ رواية الجزء والدرجة إلى هذه المصرّحة بلفظ الصلاة. وتقدم الخلاف في وجه التفاوت، وقد ذكر فيه ابن حجر: أقوالًا أحد عشر، ورجّح كون المضاعفة في الجهرية دون السرية، واحتج له بأن المصلي في الجماعة يتابع في أشياء ذكرها هو، ورتب هذا التضعيف أنه في الجهرية يزيد الإنصات والتأمين. وليس عندي بجيد، إذ لو كان هذا لهذه الأسباب؛ لكان حمله على السبب المصرح في رواية أبي هريرة في قوله: وذلك أن أحدكم إذا توضأ، الحديث. غير أن الظاهر أن حصر هذه المضاعفة في علة يحتاج إلى نص، وإلا وجب التوقف وإطلاق الأمر كما أطلقه الشارع، لأن كثيرًا من الأمور التي ذكرها قد لا تحصل للمصلي في الجماعة، وقد يفوته بعض الصلاة، ومقتضى الإطلاق في الأحاديث حصول ذلك لكل من صلى في الجماعة والله أعلم، إلا أن الجماعة في المسجد الجامع أفضل منها في غيره.
وأما بقية الحديث وهي اجتماع الملائكة فتقدم في الذي قبله.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 1082
سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غروبها".
• [رواته: ٦]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤.
٢ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢.
٣ - يحيي بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٤ - إسماعيل بن أبي خالد: تقدم ٤٦٨.
٥ - أبو بكر بن عمارة بن رويبة: تقدم ٤٦٨.
٦ - أبوه عمارة بن رويبة: تقدم ٤٦٨.
قد تقدم هذا الحديث وما يتعلق به رقم ٤٦٨. وقوله في هذه الرواية: (وقبل أن تغرب) هو بمعنى قوله في الرواية الأولى: (قبل غروبها)، لأنّ المصدر المنسبك من (أن) في قوله: أن تغرب؛ مضاف إلى الظرف فهو كقوله: قبل غروبها.
باب فَرْضِ الْقِبْلَةِ
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا -شَكَّ سُفْيَانُ- وَصُرِفَ إِلَى الْقِبْلَةِ.
• [رواته: ٥]
١ - محمَّد بن بشار بندار: تقدم ٧.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - سفيان بن سعيد الثوري: تقدم ٣٧.
٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢.
٥ - البراء بن عازب ﵄: تقدم ١٠٥.
• التخريج
أخرجه البخاري في مواضع منه، وكذلك مسلم والترمذي وابن ماجه
стр. 1083
وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود، ولأبي عوانة بلفظ: (ستة عشر)، وكذا لمسلم والمصنف كما سيأتي إن شاء الله. وعند أحمد بسند صحيح عن ابن عباس وللطبراني والبزار: (سبعة عشر)، وفي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش: (ثمانية عشر شهرًا)، وهو سيء وذكر ابن حجر أنه اضطرب فيه: فعند ابن جرير من طريقه: سبعة عشر، وفي رواية: ستة عشر.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (صلينا مع النبي ﷺ ) الضمير في (صلينا) يعود للبراء وقومه، وهم الأنصار ومن كان بالمدينة من المسلمين، وقوله: (مع النبي ﷺ ) يعني بعدما قدم المدينة، كما هو مصرح به في بعض الروايات. وقوله: (نحو بيت المقدس) أي مستقبلين جهة بيت المقدس، والإضافة فيه من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى. وقيل: على تقدير محذوف، أي: بيت المكان المقدس، وجاء على الصفة بلفظ: البيت المقدس. وقوله: (ستة عشر شهرًا) ظرف لقوله: (صلينا) أي مدة ستة عشر أو سبعة عشر، وهذه اللفظة جاءت على الشك في حديث أبي إسحاق في جميع رواياته، إلا في رواية مسلم التي تقدمت الإشارة إليها من طريق أبي الأحوص، ورواية أبي عوانة من طريق عمار بن رُزيق -مصغرًا بتقديم الراء المهملة- ورواية المصنف الآتية من طريق زكرياء بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضًا من طريق عمار بن رجاء. فهؤلاء الثلاثة كلهم رووه: (ستة عشر شهرًا) من غير شك عن أبي إسحاق، وكذا رواية أحمد بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: (ستة عشر)، ورواه الدارقطني عن أبي إسحاق من طريق ابن عباس: (ستة عشر شهرًا)، ولذا رجح النووي هذه الرواية للجزم بها للطبراني عن ابن عباس: (سبعة عشر) وكذا له وللبزار من حديث عمرو بن عوف. قال ابن حجر ﵀: (والجمع بين الروايات سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدّهما معًا، ومن شك تردد في ذلك. وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال
стр. 1084
ابن حبان: سبعة أشهر وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في نصف شعبان. قال: وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره، مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية: ستة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغى شهري القدوم والتحويل. قال: وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة). اهـ. وقد ذكر روايات شاذة في ذلك، منها: رواية (ثلاثة عشر شهرًا) ورواية (تسعة أشهر) ورواية (شهرين) ورواية (سنتين) إلا أنها قد توجه بحملها على الصواب، والكلّ شاذ وأسانيده ضعيفة. وروى مالك عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين. وقوله: (شك سفيان) أي الراوي للحديث عن أبي إسحاق السبيعي وهو سفيان بن سعيد الثوري. ورواية الحديث هنا عند المصنف بالعنعنة من أبي إسحاق وهو يدلس، ولكن ثبتت روايته في صحيح البخاري من طريق سفيان، وصرح فيها بالسماع من البراء بلفظ: (سمعت البراء)، وهي في التفسير منه. وقوله: (وصرت إلى القبلة) أي الكعبة، وذلك بنزول القرآن عليه في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. (فصرفه الله) أي أمره أن ينصرف عند الصلاة عن جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل وجوب استقبال القبلة في الصلاة، إلا في حال الضرورة بالعجز عن ذلك: إما في صلاة المسايفة أو التحيّر لعدم وجود دليل عليها، وسيأتي الرخصة في النافلة للمسافر الراكب على الدابة. وفيه: ثبوت النسخ في الأحكام، قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وأجمعت عليه الأمة إلا من شذوذ) وقال أيضًا: (أنكرت طوائف من المنتمين إلى الإِسلام من المتأخرين جوازه، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة) اهـ، وفيه أيضًا: نسخ السنة بالكتاب؛ لأنّ القبلة الأولى كانت بالسنة على الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا .. ﴾ الآية، وكذلك يرد قول من قال: إنه استقبل بيت المقدس باجتهاد منه. وقد روي عن ابن عباس أن نسخ القبلة أول نسخ وقع في القرآن، وقد كان ﷺ يصلي وهو بمكة للقبلتين فيجعل الكعبة
стр. 1085
بينه وبين الشام، فلما هاجر تعذر عليه الجمع بينهما فأمر باستقبال بيت المقدس، فكان يكثر النظر إلى السماء رجاء نزول الملك بالأمر بتحويله إلى الكعبة، فنزلت عليه الآيات. ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله.
٤٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إِنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَمَرَّ رَجُلٌ قَدْ كَانَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
• [رواته: ٥]
١ - محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي أبو عبد الله -ويقال: أبو بكر- المعروف أبوه بابن عُليَّة، نزل دمشق وولي القضاء بها، وروى عن عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر العقدي وعثمان بن عمر بن فارس وإسحاق بن يوسف الأزرق وحجاج بن محمَّد ويعلى بن عبيد ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه النسائي وأبو زرعة الدمشقي وإبراهيم بن دحيم ومثويه ومحمد بن عبد الله بن سلام وأبو بشر الدولابي وعبد الله بن أحمد بن أبي الحواري ومكحول وآخرون. قال النسائي: حافظ ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب، وقال محمَّد بن الفيض: لم يزل قاضيًا بدمشق حتى توفي سنة ٢٦٤. قال مسلمة: حدثنا عنه العدوي وكان ثقة، وقال المستملي: مستقيم الحديث، والله أعلم.
٢ - إسحاق بن يوسف الأزرق بن مرداس المخزومي الواسطي، روى عن ابن عون والأعمش وشريك والثوري ومسعر وعمر بن ذر وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة ودحيم وقتيبة وعمرو الناقد ويحيى بن معين وجماعة آخرهم سعدان بن نصر البزاز. قيل لأحمد: إسحاق الأزرق ثقة؟ قال: أي والله، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث صدوق لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين، وقال وهب بن
стр. 1086
بقية: ولد سنة ١١٧، وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ١٩٥، زاد ابن سعد: وكان ثقة ربما غلط، وذكر ابن حبان في الثقات أنه روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة والله أعلم.
٣ - زكريا بن أبي زائدة: تقدم ١١٥.
٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢.
٥ - البراء بن عازب ﵄: تقدم ١٠٥.
• التخريج
هذه رواية للحديث السابق إلا أن فيها زيادة خبر نقل تحويل القبلة، كما يأتي إن شاء الله.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (قدم رسول الله ﷺ المدينة) أي مهاجرًا، والمدينة وإن كانت تطلق على كل مدينة لكنها صارت عَلمًا بالتغليب على مدينة الرسول ﷺ . وقوله: (فصلى نحو بيت المقدس) تقدم معناه، وتقدمت الإشارة إلى هذه الرواية وفيها الجزم بأن المدة التي صلى فيها نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، وتقدم بسط الكلام على ذلك. وقوله: (ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة) تقدم الكلام على (ثم) في الطهارة. وقوله: (وجِّه) بالبناء للمجهول، أي: وجّهه الله بأمره له بذلك. وقوله: (الكعبة) هي المراد بالقبلة في الرواية الأولى، والكعبة أصله عند العرب: البيت المربع، ولكنه صار علمًا على بيت الله الحرام، والمراد أنه نزلت عليه الآية المتقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية. قوله: (فمرّ رجلٌ كان قد صلى مع النبي ﷺ ) أي تلك الصلاة صلاها أول ما صلى إلى الكعبة، قيل: هو عبَّاد بن بشر الأشهلي، وقيل: عبَّاد بن نهيك. وفي البخاري في كتاب الإيمان: إن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر. وقوله: (كان قد صلى) جملة (كان) صفة، وجملة (قد صلى) خبر لـ (كان)، أي: صلى معه تلك الصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا على رواية البراء المصرح فيها عند البخاري بأنها صلاة العصر. أما القوم الذين مرّ عليهم فهم بنو سلمة في صلاة العصر، فصلوا منها ركعتين إلى القبلة الأولى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، وقيل:
стр. 1087
هم أهل قباء كما؛ هو صريح في حديث ابن عمر وقيل: إن ذلك تكرر؛ فمر هذا على أهل مسجد بني سلمة ومر آخر في صلاة الصبح على أهل قباء. ومما يدل على أن الذي في قصة البراء غير مسجد قباء ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ثويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين -تعني ركعتين- ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ أمر أُمِرَ أن يتوجه إلى المسجد الحرام. قوله: (أشهد أن رسول الله قد وُجِّه) أي قد أمره الله بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة بدل بيت المقدس، وقوله: (فانحرفوا) أي استداروا عن جهة الشام إلى جهة الكعبة.
• فوائد الحديث
اعلم أنه اختلف في هذه القصة المذكورة في هذا الحديث من ثلاثة وجوه الوجه الأول: أين نزلت هذه الآية؟ والثاني: أول صلاة صلاها النبي ﷺ إلى مكة بعد التحويل سواءً كان في أثناء الصلاة أو قبل الدخول فيها، الثالث: من الذين وصل إليهم الخبر وهم في الصلاة فصلّوها للقبلتين؟ أما محل النزول فالصحيح أنه بمسجد الرسول ﷺ لأنه حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم ذكرت فيه أنهم وصلهم الخبر في مسجد بني سلمة -وهو مسجد القبلتين، وقد صلوا ركعتين فاستداروا وهم في الصلاة، وكذلك قول المخبر لبني حارثة وكذا لبني سلمة: صليت مع النبي ﷺ ، وإن لم يصرح أنه في مسجده فالمتبادر أنه في مسجده، وكذا ما في صحيح مسلم من رواية أنس بن مالك أن رجلًا من بني سلمة مرَّ وَهُمْ ركوع في صلاة الفجر، فلو كانت الآية نزلت في بني سلمة لما كانوا توقفوا على إخبار أحد بذلك. وقال محمَّد بن سعد في الطبقات: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتحول إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي ﷺ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعامًا، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمّي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، وهذا هو القول الثاني. وأخرج البزار من حديث أنس: انصرف رسول الله ﷺ عن بيت المقدس وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة،
стр. 1088
وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس، وفي كل منهما ضعف، قاله ابن حجر. ونقل السمهودي عن ابن زبالة أن القبلة صرفت ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين، فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمي مسجد القبلتين. ونقل عن سعيد بن المسيب قال: صلّى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، وصُرِفَت القبلة قبل بدر بشهرين. قال: والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين. قلت: ولهذا رجح ابن حجر أنها صرفت في القبلتين والله أعلم.
وروى ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن حديثًا قال فيه: فبينا رسول الله ﷺ يصلي الظهر في مسجده قد صلى ركعتين؛ إذ نزل عليه جبريل فأشار إليه أن صل إلى البيت، وأسند يحيي عن ابن عباس فذكر الحديث مثل حديث ابن زبالة قال: فبينما رسول الله ﷺ يصلي. . . الحديث. وأسند يحيى عن رافع بن خديج قال: صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام فاستدار. قال رافع: فأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُمِرَ أن يوجّه إلى الكعبة، فأدارنا إمامنا إلى الكعبة. والمراد بيحيى في الحديث: هو الحسيني جد أمراء المدينة، له كتاب في أخبار المدينة ولم أقف على حاله.
أما الاختلاف في الصلاة فالظاهر أنها إما الظهر أو العصر، وقد صرح في رواية البراء عند البخاري وغيره: أن أول صلاة صلاها بعد التحويل صلاة العصر، وحمله ابن حجر ﵀ على أنها أول صلاة صلاها في مسجده، وأما أول ما استقبل القبلة ففي الركعتين الأخيرتين من الظهر بمسجد القبلتين. ولفظ الحديث لا يعطي ذلك وإنما حمله عليه قصد الجمع بين الروايات، غير أن رواية صلاته بمسجد القبلتين الظهر للقبلتين ليست بالقوية، وحديث البراء صريح بأن أول صلاة على العموم إلى الكعبة هي العصر، وروي عن مجاهد مثل ما قال ابن حجر: إن نزول الآية في مسجد القبلتين، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى عند النسائي قال: كنا نغدوا إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه، فمررنا يومًا ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر، فجلست فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
стр. 1089
وَجْهِكَ﴾ الآية، فقلت: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما ثم نزل رسول الله ﷺ وصلى للناس الظهر يومئذٍ. قال ابن كثير ﵀: (وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة العصر، ثم ذكر حديث تويلة من رواية ابن مردويه بإسناد وفيه: "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء"، وفي آخره أن رسول الله ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب") اهـ، فتحصّل من هذا أن المشهور نزول الآية في مسجد بني سلمة، ومن حيث النقل -وهو الذي يظهر لي- نزولها بمسجد الرسول ﷺ ، وأن الصحيح أن أول صلاة صلاها إما مطلقًا أو في مسجده بعد التحويل: صلاة العصر، وعلى أن الآية نزلت في مسجد بني سلمة، فيكون صلى بعض صلاة الظهر إلى الشام وبعضها إلى مكة. أما الإختلاف في القوم الذين أُخْبروا فهو سهل، لأنّ حمل الرواية في ذلك عن البراء على أن المراد غير أهل قباء: إما بنو سلمة أو بنو حارثة كما في حديث تويلة أو بني عبد الأشهل والظاهر أن الكل حصل غير أن الخبر إلى بني حارثة، وبني عبد الأشهل وصل في صلاة العصر، وأما أهل القباء فلا خلاف أنه وصلهم في صلاة الصبح، لصحة الحديث في ذلك على وجه لا يعتبر خلافه، لضعفه ومعارضته للحديث الصحيح في حديث ابن عمر الآتي ٤٩٠، فإنه صريح في ذلك.
ومن فوائد الحديث: ثبوت النسخ كما تقدم، ومبادرة الصحابة إلى الإمتثال، ووجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلًا ثقة، وصحة ما عمل بعد النسخ وقبل بلوغه، وينبني عليه صحة حكم القاضي بعد العزل وقبل وصول الخبر به وموت من ولّاه قبل العلم به، وهكذا الحال في الوكيل والوصي والأمير؛ كل هؤلاء دل الحديث على صحة تصرفاتهم قبل العلم بالعزل والموت الموجب لبطلان ولايتهم. واستدل به على جواز الحركة الكثيرة لإصلاح الصلاة، وتنوعت أجوبة أئمة الشافعية عنه بما لا يخلو من تكلف، مع أن القول بأن ثلاث حركات متتابعات تبطل الصلاة ليس له نص من الشارع ولا دليل صريح، بل الصواب أن كل ما كان لإصلاح الصلاة ونحوه لا يفسدها ما لم يكثر جدًا والله أعلم.
стр. 1090
باب الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ
٤٨٧ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَتَوَجَّهُ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ.
• [رواته: ٨]
١ - عيسى بن حماد زغبة المصري: تقدم ٢٩٤.
٢ - أحمد بن عمرو بن السرح: تقدم ٣٩.
٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩.
٤ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٥ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩.
٦ - محمَّد بن شهاب: تقدم ١.
٧ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر وقيل: أبو عبد الله المدني التابعي الفقيه أحد السادة الأعلام من التابعين فضلًا وعلمًا وعبادة روى عن أبيه وأبي هريرة وأبي رافع وأبي أيوب وعن زيد بن الخطاب. قلت: وهو منقطع لأنّ زيدًا قتل شهيدًا يوم اليمامة، وأم سالم من سبي الفرس من بنات يزدجرد كما سيأتي إن شاء الله. وقيل: روى عن أبي لبابة وغير هؤلاء، وعنه ابنه أبو بكر وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم والزهري وصالح بن كيسان وحنظلة بن أبي سفيان وعبيد الله بن عمر بن حفص وعاصم بن عبيد الله وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وأبو قلابة الجرمي وحميد الطويل وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر وعمرو بن دينار المكي وعمرو بن دينار البصري ونافع مولى أبيه وموسى بن عقبة ومحمد بن واسع وآخرون. قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به، وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. قال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل