Полный текст (1 806 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الفريضة أهو نسخ أم لا؟ على قولين؛ فقال قوم: هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من جهتين إحداهما: البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها، لأن ذلك عدَّه من البدَاء والبدَاء محال على الله سبحانه. الثاني: أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك، فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين. قال: وإنما ادعى النسخ في هذه الصلوات الموضوعة عن محمَّد ﷺ وأمته: القاشاني، ليصحّح بذلك في أن البيان لا يتأخر. ثم قال أبو جعفر: إنما هي شفاعة رسول الله ﷺ لأمته ومراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته، ولا يسمى مثل هذا نسخًا، ثم قال السهيلي ﵀: أما مذهبه في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها وأن ذلك بداء فليس بصحيح، لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم، وليس النسخ من هذا في شيء، إنما النسخ تبديل حكم بحكم، والكل في سابق علمه ومقتضى حكمه، كنسخ المرض بالصحة والصحة بالمرض ونحو ذلك. وأيضًا فإن العبد المأمور يجب عليه عند توجه الأمر إليه ثلاث عبادات: الفعل الذي أمر به والعزم على الإمتثال واعتقاد الوجوب، وعلم الله ذلك منه فصحَّ امتحانه له واختباره إياه، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من نيّته، وإنما الذي لا يجوز: نسخ الأمر قبل نزوله وقبل علم المخاطب به، والذي ذكره النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها؛ ليس هو حقيقة النسخ، لأن العبادة المأمور بها قد مضت، وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها) اهـ. قلت: معنى هذا أن المفعول من العبادة الذي ثبت عمل العبد له قبل النسخ؛ لا يبطل ثوابه بالنسخ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وإنما أمر العبد بترك ما كان يعمل وذلك لا يبطل عمله السابق. ثم قال السهيلي ﵀: (وقولنا في الخمس والأربعين صلاة الموضوعة عن محمَّد ﷺ وأمته أحد وجهين: إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة، ونسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، وقول أبي جعفر؛ إنما كان شافعًا
стр. 982
ومراجعًا، لا ينفي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم) قلت: ويشهد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. قال ﵀: (فشفاعته ﵇ كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمسين فيه خاصة، وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل بلوغه إلى المأمور كما قدمنا) اهـ. قلت: خلاصة هذا أن النسخ في هذه القصّةِ خاص به ﷺ ، وأما في حق الأمة فلا يسمَّى نسخًا. قال ﵀: وهذا كله أحد الوجهين في الحديث. الوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخله النسخ، ومعنى الخبر أنه ﵇ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، وكذلك قال في الحديث: هي خمس وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها، فتأوله رسول الله ﷺ على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثواب لا في العمل) اهـ. قلت: وهذا الوجه عندي بعيد جدًا، وإني لأستغرب صدوره من هذا الإِمام الجليل رحمه الله تعالى. قال ابن حجر ﵀ في شرح حديث أبي ذر أول كتاب الصلاة عند قوله "فوضع شطرها": (في رواية مالك بن صعصعة: فوضع عني عشرًا، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت. فحطّ عني خمسًا. قال ابن المنير: ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة. قال: قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر دفعتين والشطر خمس دفعات، أو المراد بالشطر في حديث الباب: البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها. قال: وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين وفي الثانية ثلاثة عشر -يعني نصف الخمس والعشرين بجبر الكسر- وفي الثالثة سبعًا؛ كذا قال وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن باقي الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم) اهـ. ثم قال: (واستدل به على جواز النسخ في الإنشاءات ولو كانت مؤكدة، خلافًا لقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل
стр. 983
عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقّبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة، لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ للأمة فمسلّم. لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل، فالمسألة حقيقة التصوير في حقه ﷺ ) والله تعالى أعلم.
وقد تعرض بعض الشراح هنا لبيان أشياء من حكمة في هذا الحديث، ولاسيما العيني وابن أبي جمرة، وذلك شيء لا يعجبني التعرض له ما لم يكن بيان من الله ومن رسوله، وكذلك تعليل استحيائه ﷺ من ربه وتعليل تخصيص المذكورين من الأنبياء، وكل ذلك عندي أن الإشتغال بالكلام فيه لا أصل له وليس فيه كبير فائدة، وكل ما كان من هذا النوع فإني أرى الإمساك عنه أولى، خشية القول بما لا علم به والله الموفق للصواب. وقوله: (وأجزي بالحسنة عشر أمثالها) أجزي بمعنى أثيب وأعطي وتقدم الكلام على الحسنة والسيئة.
وقوله: (عشر أمثالها) هذا على أقل ثوابها، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء، ويضاعف لمن يشاء فيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، وقال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
• الأحكام والفوائد
هذا الحديث تضمن معجزة عظيمة للرسول ﷺ ، ولهذا نوه الله بهذه القصة فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . . .﴾ الآية، وفيه كثير من الفوائد سنشير إلى ما تيسر منها بعون الله، وهو الموفق للصواب: أولًا: قوله: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) تقدم أن هذه حالة نومه ﷺ ، إن أريد أن عينه نائمة وقلبه يقظان، وكذلك إن أريد المعنى الثاني: وهو أنه سِنة ولم يتمكن منه النوم، فعلى الوجهين: فيه دليل على جواز النوم في المسجد، وإذا كان ذلك للإستعانة على العبادة كان نومه عبادة، كما قال بعض الصحابة ﵃: أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
стр. 984
الثاني: قال ابن أبي جمرة: فيه دليل على تحري النبي ﷺ للصدق في المقال، وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا فيما لابد منه، ووجه ذلك: أن من كان بهذه الحالة لو قال: إنه يقظان؛ لصح ذلك مجازًا، لأن نوم الجوارح مع يقظة القلب أقرب إلى اليقظة، فصحّ إطلاق اليقظة عليه لكنه بين الأمر الواقع على حقيقته.
الثالث: قوله: (بين الرجلين) إن حُمل على أنه نائم بين اثنين؛ يؤخذ منه تواضعه ﷺ في نومه بين رجلين، وحسن خلقه، وذلك أمر مشهور عنه ﵊ حتى قال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد".
وقوله للذي ارتعد منه: "إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة".
الرابع: فيه على هذا الوجه جواز نوم الجماعة في مكان واحد، بشرط أن يكون على كل منهم ما يستره عن صاحبه.
الخامس: ذكر بعضهم أن قوله: (أتيت بطست من ذهب) وهو إناء يتخذه الناس لغسل أيديهم وحوائجهم، وهو مبسوط القاع معطوف الأطراف إلى ظاهره؛ قال: فيه دليل على فضيلة هذا الإناء لتخصيصه ﷺ به من بين الآنية.
وأما كونه ذهبًا، فلا يعترض به، لأن القصة كانت قبل تحريمه على الأمة، وأيضًا المستعمل له الملائكة الكرام فليسوا كالنبي ﷺ أو بني آدم في ذلك.
السادس: احتج بعض العلماء بقوله: (مملوء حكمة وإيمانًا) على أن الحكمة والإيمان جواهر محسوسات لا معاني، لأن المعاني ليس لها أجسام حتى تملأ الإناء، ولأن الإناء لا يمتلئ إلا بالأجسام والجواهر.
وهذا نص من الشارع بخلاف ما ذهب إليه المتكلمون من أن الإيمان والحكمة أعراض. قال ابن أبي جمرة: (والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها إخبار؛ أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن، لأن للعقل بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق؛ حدًا يقف عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه. فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع ﵇ في
стр. 985
الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها ﵇، فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل، والحقيقة هي ما ذكره ﵇ في الحديث. ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه، ونشير لشيء من ذلك كتبينة لما عداه، فمثل ذلك الموت حيث أخبر ﵇ في الحديث: أنه يؤتى به يوم القيامة كبشًا أملح، فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض على أهل تينك الدارين فيعرفونه، ومثل ذلك أيضًا الأذكار والتلاوة، لأن ما ظهر منها معاني وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات، لأنها توزن في الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر) اهـ. وهو بديع في بابه. وملخص كلامه ﵀ قصور العقل البشري عن إدراك كثير من حقائق الأمور الواردة في السنة، ومثلها الوارد في القرآن، غير أن الواجب على العبد الإيمان بها وإن لم يتعقل معناها، وهذا من أصول الإيمان بالغيب؛ لأنه يعم ما يتصوره الإنسان وما لا يتصوره، والله الموفق للصواب وهو الهادي وإليه المآب.
السابع: يؤخذ منه أن الحكمة أجل شيء بعد الإيمان وإن اختلفوا في تعريفها، لأن أصلها: وضع الشيء في محلِّه، وهو موافق لقولهم: الحكمة: إصابة الصواب، وتقدم أنها من: حكم بمعنى منع، وقيل: هي الفقه في الدين. والمقصود أنهم استدلوا باقترانها هنا بالإيمان على أنها أجلّ شيء بعد الإيمان، وقد اختلفوا: هل الحكمة والإيمان متلازمان أو كل منهما مستقلّ بنفسه عن الآخر؟ وهو الظاهر.
الثامن: استدلوا بالحديث على أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، لأنهم عرفوه ﷺ من بين من هو معهم.
التاسع: في قوله: (فشق من النحر إلى مراق البطن) فيه دليل ظاهر على كمال قدرة الله تعالى، وأن خرقه للعادة لا يتوقف على شيء سبحانه، لأنه من المعلوم أن شق البطن أمر صعب وينشأ عنه جرح عظيم وألم كثير، ولم يحصل شيء من ذلك له ﷺ . قلت: وربما كان في ذلك زيادة تمرين له على خرق العادة في الأمور الكثيرة التي عرضت له هذه الليلة، فيكون قد رأى من خرق الله للعادة ما لا يستبعد معه أي خارق كان والعلم عند الله، وكذلك يقال
стр. 986
في صعوده إلى السماء وغيره من كل ما في الحديث من الخوارق دليل على كمال قدرة الله سبحانه.
العاشر: فيه دليل على فضل زمزم والإغتسال منه، وقد ورد الحديث بفضلها وبأنها طعام طُعْمٍ وشفاء سُقْمٍ.
الحادي عشر: فيه حجة على من قال: "إن الإغتسال منها مكروه لقوله فيها: "طعام طُعْمٍ وشفاء سُقْم"، لأن المراد أن الله يجعل فيها للمسلمين بركة الطعام، كما حصل لأبي ذر فإنه جلس عليها أربعين من بين يوم وليلة، وهو سبب الحديث ولم يزل السلف يغتسلون منها ويتوضؤون.
الثاني عشر: لم يذكر في هذه الرواية المعراج ولا أنه مر ببيت المقدس ولا صلاته بالأنبياء، وكل ذلك ثابت في الروايات الأخر.
الثالث عشر: قوله: (أتينا السماء الدنيا. . . إلخ) فيه دليل على أن السماء جرم من الأجرام، وهي مرئية بالأبصار مشاهدة للناس نراها بأبصارنا، وأن لها عامرًا وساكنًا من الملائكة ولها أبواب، وأنه لا يصعد إليها أحد إلا بإذن من الملائكة الموكلون بها. وفي الحديث: "أطّتِ السماء وحُق لها أن تَئِطَ، ما فيها من موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد لله فيه"، وهذا يدل على بطلان قول من قال من ضلّال الفلاسفة وأذنا بهم ممن ينتسب للإسلام من ضلّال هذه الأمة: إنها ليست بجرم، وهذا لولا انتشاره في السذج ورواجه عليهم لكان أوضح فسادًا مما يذكره الإنسان. وقالوا: إن الذي نراه إنما هي طبقات من الأكسيجين، فكذّبوا نصوص الكتاب والسنة وخرقوا الإجماع وكابروا في المحسوس، وبالرغم من هذا كله فقد ضل بهم جِبِلٌّ كثير. أما بالنسبة للفلاسفة فلا يستكبر منهم، لأن علمهم مبني على إنكار الصانع، والله نفى عنهم ما يدعونه من علم السموات وما تحت الأرض، وسمّاهم مضلين فقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ وقال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾
стр. 987
الآية، وقال: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ إلى غير ذلك. والأحاديث أيضًا في ذلك كثيرة، وقد أخبر ﷺ بأن بيننا وبينها مسيرة خمسمائة عام في الحديث الذي أخرجه الإِمام أبو عيسى محمَّد بن سورة الترمذي من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة، وأخرجه الإِمام أحمد وابن حبان وغيرهم، ومن رواية موقوفة أخرى، قال الترمذي ﵀: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، ثم ساق السند إلى أبي هريرة قال: "بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرون ولا يدعون. ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع سقف مرفوع وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ حتى عدد سبع سماوات بين كل سماء وسماء كما بين السماء والأرض، ثم ذكر الأرضين السبع كذلك".
الرابع عشر: فيه: دليل على تحتم الإستئذان، وكون القادم على محل لا يدخله إلا بإذن، وإن كان القادم أجل قدرًا ممن في المحل.
الخامس عشر: فيه: دليل ظاهر على أن للسماء أبوابًا، كما دل عليه قوله تعالى ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ كما تقدم.
السادس عشر: فيه: آداب الإستئذان التي دل عليها الحديث الصحيح، وهو أن المستأذن إذا سئل يقول: فلان بن فلان، باسمه المعروف إلا أن يكون بكنيته معروفًا، وهذا ثابت في الصحيح، وكذلك يعرّف بمن معه حتى يعرف بعينه.
السابع عشر: فيه: الترحيب بالقادم وإظهار البشر والسرور له، وأدلة ذلك كثيرة، وفرح الملائكة دليل على كرمه على الله تعالى.
الثامن عشر: فيه: جواز الثناء على أهل الفضل إذا أمنت المفسدة في ذلك، وله شواهد في السنة إذا لم يخش عليهم من العجب ونحوه.
التاسع عشر: استدل بعضهم بقوله: "انطلقت أنا وجبريل" على أنه كان مستقلًا بنفسه في الصعود، لكن الروايات الأخروات على أنهما كانا على
стр. 988
البراق في سيرهما وفي المعراج، وهو كالسلم في صعودهما. وأما ركوبه على البراق فهو في هذه الرواية وغيرها.
العشرون: قول الملائكة لجبريل: ومن معك؟ يحتمل أن ذلك السؤال من عادتهم، ويحتمل أنهم إنما سألوه لأنهم كانوا يترقبون النبي ﷺ بإعلام الله لهم به.
الحادي والعشرون: قال بعضهم: في قول جبريل: محمَّد؛ دليل على أن الاسم أشرف من الكنية، قلت: ويدل عليه أن أسماء الأنبياء في القرآن كلها ليس فيها كنية، وإنما وردت الكنية فيه لعدو الله أبي لهب.
الثاني والعشرون: قولهم: وقد أرسل إليه؟ دليل على أنهم -أعني أهل السموات والعالم العلوي- علموا به وبفضله عند الله وعرفوا اسمه، وأنه سيرسل وتوقعوا ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من شرفه وعلو قدره عند الله تعالى. وأما قولهم: وقد أرسل إليه؟ فقد تقدم الخلاف فيه: هل هو استفهام عن البعثة من الأصل أو هو سؤال عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء؟ وربما كان قولهم: ولنعم المجيء جاء؛ يدل على الثاني.
الثالث والعشرون: قوله: (أتيت على آدم فسلمت عليه) فيه دليل على أن المارَّ يسلم على الجالس؛ كما سيأتي إن شاء الله. وتقدم أن آدم رد ﵇ ولم يقل مرحبًا إلا بعد ردّ السلام، كما هو مصرح به في بعض الروايات، وإن كان ظاهر هذه الرواية خلافه كما تقدم، وإن حذفه من هذه الرواية لعله اختصار من بعض الرواة.
الرابع والعشرون: قول آدم: مرحبًا بك من ابن ونبي؛ تأنيس للنبي ﷺ وسرور به، فإن الأب يفرح بصلاح الولد حتى قالوا: إن الإنسان لا يحب أن يتفوق عليه أحد إلا أن يكون ولده.
الخامس والعشرون: في بكاء موسى دليل على جواز الغبطة لاسيما في الخير والقرب من الله تعالى، وقد تقدم التنبيه على ذلك كما هو ثابت في الحديث.
السادس والعشرون: فيه: جواز التأليف على فوت الخير، وهو لا ينافي التوكل ولا التسليم لأمر الله تعالى لأنه مقصد شرعي وغبطة في الخير.
стр. 989
السابع والعشرون: فيه: فضيلة عظيمة لهذه الأمة كما هو ثابت لها في القرآن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية، وذلك لإختصاصهم بهذا الرسول الكريم ﷺ كما قال الشاعر:
بشرى لنا معشر الإِسلام إن لنا ... من العناية ركنًا غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
الثامن والعشرون: تقدم أن في قول إدريس له: من نبي وأخ، دليل على أنه ليس من ذريته، وهو يرد القول بأن إدريس جدّ نوح وتقدم ذلك، بخلاف إبراهيم فإنه أبوه بالإتفاق.
التاسع والعشرون: هل رأى هؤلاء الأنبياء بأجسادهم وأرواحهم؟ أو رأى الأرواح دون الأجساد؟ والذي أختاره ويترجح عندي في هذا وما شاكله: التوقف لعدم دليل تطمئن إليه النفس، وإطلاق الرؤية -أي رؤيته لهم- كما في الحديث، وأما ما زاد على ذلك فلا برهان عليه، فالتوقف فيه أسلم وعلمه إلى الله مردود فهو به أعلم، كما هو الواجب فيما لا بيان فيه من الله ولا من رسوله، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقد قال ابن حجر ﵀: (هل أسري بأجسادهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلة أو أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي لقيهم فيها وأرواحهم مشكلة بشكل أجسادهم؟ كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل قال: واختار الأول بعض شيوخنا، واحتجَّ بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال: رأيت موسى ليلة أسري بي قائمًا يصلي في قبره. وتعقبه ابن حجر ﵀) اهـ.
الثلاثون: سؤاله لجبريل عن البيت المعمور وما رآه فيه؛ دليل على أن كثرة الفضائل ورفعة الدرجات من السؤال للإستفادة، وقد قال الله تعالى له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
الحادي والثلاثون: في كون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه؛ دليل ظاهر على كمال قدره وكثرة جنوده كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
الثاني والثلاثون: في هذه الرواية وما وافقها من الروايات؛ دليل على أن البيت المعمور في السماء السابعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث.
стр. 990
الثالث والثلاثون: في ذكر سدرة المنتهى دليل فضيلة السدر، وهو شجر مثمر ولورقه فوائد، وقد أمر رسول الله ﷺ بجعله في ماء غسل الميت في إحدى غسلاته، وهو دباغ ومصلح للشعر ولذا ورد في الحديث النهي عن قطعه.
الرابع والثلاثون: في هذا الحديث بيان لفضيلة النيل والفرات وأنهما مباركان، لما فيهما من مصالح العباد فإنه يعيش خلائق لا تحصى كثرة.
الخامس والثلاثون: وفيه أيضًا: بيان فضل الصلوات وعظم شأنها عند الله، حيث كان فرضها مقترنًا بهذه المعجزة العظيمة وفي هذا المكان العظيم على هذا الوجه، وليس ذلك لشيء من الفرائض سواها.
السادس والثلاثون: في سياق هذه القصة دليل على أن الإسراء كان بالجسد لا بالروح، وأن قوله السابق: (بين النائم واليقظان) إخبار عن حاله أول الأمر، ووجه ذلك أن رؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا لكن الغالب على التشريع أن يكون في حال اليقظة، وإن حصل شيء في النوم إنما يكون توطئة لحال اليقظة، وأيضًا لو كانت مجرد رؤيا لما كان فيها ما يدعو إلى التعجب والإستعظام وإنكار الحصول، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، وقد أنكرتها قريش على ما تقدم بيانه.
السابع والثلاثون: في سؤال موسى له ﷺ دليل على اهتمام أهل الدين والصلاح بأمور المسلمين، وسعيهم في حصول الخير لهم والتيسير في العبادة عليهم، وأولى الناس بذلك الأنبياء والأولياء وكل عبد مخلص لله، وقد قال ﷺ في الحديث المشهور: "الدين النصيحة". فسؤاله دليل على حبه للخير لهم والإهتمام بما يتجدد لهم من كرم الرب .
الثامن والثلاثون: فيه: دليل على أن التجربة من أعظم ما يفيد الحقائق ومعرفة أحوال الناس وطباعهم، وكذا في كل أمور الدنيا فالشيء الحاصل بها قد لا يحصل بمجرد العلم العاري عنها، فلهذا قال بعض العلماء: إن الحديث دل على الحكم بما أجرى الله به العادة من الأمور وارتباط المسبّبات بأسبابها، وأن طبيعة البشر التثاقل عن الطاعات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾
стр. 991
التاسع والثلاثون: وفيها: دليل ظاهر كما تقدم على أن بكاء موسى إنما كان غبطة لهم، ولهذا اهتم بأمرهم والتيسير عليهم لأن هذا كما تقدم شأن أهل الخير وصفاء النفوس، وأولى الناس بذلك صفوتهم وخيرة الله منهم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وكان ﷺ يقول: "يسّروا ولا تعسروا، بشّروا ولا تنفروا".
الأربعون: فيه: بيان فضل الله وكرمه العظيم على هذه الأمة، حيث خفف عنهم في العدد وأبقى عليهم ما تفضل به من الثواب والمدد، فالحمد والمنة على الأبد.
الحادي والأربعون: يستفاد منه عظم فضل الله وكرمه، وأنه يجب الإلحاح في السؤال، ولا يمنعه ما أعطى من إجابة السؤال عند الإلحاح والزيادة للملحين في الدعاء؛ لأن دعاءه قربة فقد طلبه من عباده وحثهم عليه، وقال ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل" وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وفي البيت السائر:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يُسأل يغضب. اهـ
الثاني والأربعون: فيه أن من آثر حق الله على حق الغير عوّضه الله، وعوّض صاحب الحق أيضًا الذي ترك حقه خيرًا مما آثر به، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ ترك مراجعة ربه في المرة الأخيرة استشعارًا للحياء من الله: فعوّضه الله إبقاء أجر الخمسين على الخمس له ولأمته، وجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها.
الثالث والأربعون: قال بعض العلماء: فيه دليل على أن قدر الله على قسمين: قسم قدّره وقدر أن لا ينفذه لسبب من الأسباب، وقسم قدّره وقدر تنفيذه، وقد اجتمعا في هذه القضية حيث قدّر فرض الخمسين، ولما سبق علمه ألا تنفَّذَ جعل موسى سببًا وواسطة في ذلك، والقسم الثاني: هو الخمس قدّر فرضها وتنفيذها.
الرابع والأربعون: فيه: أن العبد إذا فوّض أمره إلى الله واستسلم لأمر الله وتضرّع إليه؛ فرّج الله عنه وأعانه على الخير ويسّره له، كما دل عليه قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ. . . .﴾ الآية. وبيّن في موضع
стр. 992
آخر أن التضرع يكون سببًا لرفع العذاب والمحنة بقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾، وذلك أنهم على ما روي خرجوا إلى الصحراء متضرعين باكين. وقال في حق يونس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾. إلى غير ذلك مما يدل على أن الرجوع إلى الله سبب في كشف الضر والبلاء.
الخامس والأربعون: فيه دليل على أن الله تعالى إذا أراد سعادة العبد جعل اختياره في مرضات الله، وهذا هو معنى التوفيق نسأل الله تعالى أن يوفقنا ويجعل اختيارنا فيما يرضيه عنا، ووجه ذلك ما تقدم من أنه ﷺ آثر مرضات الله، فعوّض عما تركه لذلك الخير العظيم كما تقدم.
السادس والأربعون: في قصة موسى هذه دليل على بذل النصيحة ولو لم تطلب من الإنسان، وأن من أشير عليه بأمر فيه رشد ينبغي أن يقبل النصيحة، ولكن إذا تبين له ما هو أصوب منها قدّمه، وبنبغي حينئذٍ أن يعتذر للناصح كما فعل ﷺ مع موسى.
السابع والأربعون: فيه دليل على قصر فرض الصلوات على الخمس، وأن الوتر وغيره ليس شيء من ذلك فرض. وسيأتي أن مشهور مذهب أبي حنيفة وجوبه.
الثامن والأربعون: ظاهر هذا السياق يدفع قول من قال: إن في كل سماء بيت معمور، فإنه لم يذكره إلا في السماء السابعة، وفي تعريفه بالألف واللام ما يدل على انفراده بذلك، ولا يمنع ذلك من ثبوت بيت العزة في السماء الدنيا لوروده في الخبر.
٤٤٧ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ حَزْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى: فَرَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ
стр. 993
رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ".
• [رجاله: ٦]
١ - يونس بن عبد الأعلى: تقدم ٢٤٢.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٣ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩.
٤ - محمَّد بن مسلم بن شهاب: تقدم ١.
٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
٦ - أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: تقدم ٢٠٩.
• التخريج
هذا السياق طرف من حديث الإسراء من رواية أنس عن أبي ذر في الصحيحين، وأخرجه أبو إسحاق يعقوب بن إسحاق الإسفراييني من رواية يونس وأبي عبيد الله بن وهب عن أنس، وفي مسند الإِمام أحمد من رواية أنس بن مالك عن أُبيّ، وذكر الحافظ ابن كثير أنه ليس في الستة يعني من رواية أبيِّ بن كعب. قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي ﷺ : ففرض على أمتي خمسين صلاة .. الحديث: (قال ابن حزم أي أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وأما أبوه محمَّد بن حزم فلم يسمع الزهري منه لتقدم موته، لكن رواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر طويل، وقبل مولد أبيه محمَّد أيضًا. وقال عند قول المصنف في سياق الحديث: قال ابن حزم: أي عن شيخه، وأنس بن مالك أي عن أبي ذر. قال: كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة) اهـ.
стр. 994
وذكر ابن كثير في تفسيره في سياق رواية الإِمام أحمد لحديث الإسراء من رواية أنس بن مالك عن أبي ذر، فذكر سياق الحديث وفيه مثل ما في هذه الرواية عند البخاري ثم قال: (هكذا رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس في شيء من الكتب الستة يعني رواية أَبِيِّ هذه، ثم قال: وقد تقدم في الصحيحين من طريق الزهري عن أنس عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء) اهـ.
٤٤٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ ﵇ فَسِرْتُ، فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فنزلت فَصَلَّيْتُ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﵇، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ﵇، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الأَنْبِيَاءُ ﵈ فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ﵉، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، ثُمَّ صُعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ فَأَتَيْنَا سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا فَقِيلَ لِي: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ. ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ
стр. 995
صَلَوَاتٍ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَيْنِ فَمَا قَامُوا بِهِمَا، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ﵎ صِرَّى، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ صِرَّى -أَيْ حَتْمٌ- فَلَمْ أَرْجِعْ".
• [رواته: ٥]
١ - عمرو بن هشام أبو أمية: تقدم ٢٢٢.
٢ - مخلد هو ابن يزيد القرشي لأنه هو الذي يروي عن سعيد بن عبد العزيز ويروي عنه عمرو بن هشام وقد تقدم ٢٢٢، وفي تفسير ابن كثير ﵀ في روايته لهذا الحديث في مطبعة المنار سنة ١٣٤٥ هـ: مخلد عن أبي الحسين، وفي سائر الطبعات غيرها: وهو ابن الحسين، وفي بعضها: أبي الحسين، والظاهر أن الكل خطأ فإن مخلد بن الحسين وإن كان من رجال النسائي وفي طبقة مخلد بن يزيد؛ إلا أن كتب الرجال لم يذكروا له رواية عن سعيد بن عبد العزيز، ولا أن هشامًا يروي عنه ونصوا على الأمرين في ترجمة مخلد بن يزيد، إلا أن يكون الذي في ابن كثير. أبا الحسين، فإن مخلد بن يزيد قيل: إنه يكنى أبا الحسين والله أعلم.
٣ - سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيي التنوخي أبو محمَّد ويقال أبو عبد العزيز الدمشقي، قرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك -وهو يزيد بن عبد الرحمن- وسأل عطاء بن أبي رباح، روى عنه عبد العزيز بن صهيب والزهري وربيعة بن يزيد الدمشقي وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ومكحول وأبي الزبير وموسى بن ميسرة بن جلبس وجماعة، وعنه الثوري وشعبة وهما من أقرانه وابن المبارك وحجاج بن محمَّد وشريح بن يزيد ووكيع وعمر بن عبد الواحد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم. قال أحمد: ليس بالشام رجلًا أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء، ووثقه ابن معين العجلي وأبو حاتم وقال أبو زرعة: قلت لرحيم: من بعد عبد الرحمن بن
стр. 996
يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي وسعيد. قال: وقلت ليحيى بن معين وذكرت له الحجة: محمَّد بن إسحاق، قال: كان ثقة إنما الحجة عبيد الله بن عمر ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف إلا نفرًا، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يقدم سعيد بن عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدّم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد أحدًا، وقال مروان بن محمَّد: كان علم سعيد في صدره، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته، وقال أحمد: بلغني عن أبي مسهر أنه قال: ولد سنة ٩٠ ومات سنة ١٦٧ وقيل: ١٦٨. قال الحاكم أبو عبد الله: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في المتقدم والفضل والفقه والأمانة، وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، فاضلًا دينًا ورعًا وكان مفتي أهل دمشق، قال ابن أبي حاتم في الثقات: كان من عباد أهل الشام وفقهائهم ومتقنيهم في الرواية، وعن أبي داود: تغير قبل موته، وكذا قال حمزة الكناني. قال البخاري في تاريخه: عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عمرو وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز، وقال الدورى: اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه فيقول: لا أجيزها لا أجيزها، والله أعلم.
٤ - يزيد بن أبي مالك هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك واسمه هانئ الهمداني الدمشقي القاضي، روى عن أبيه وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وخالد بن معدان وغيرهم، وعنه ابنه خالد وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء بن زبير والأوزاعي وسعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بشير وغيرهم. قال أبو حاتم: من فقهاء أهل الشام وهو ثقة، وأثنى عليه أبو زرعة خيرًا، وقال المفضل الغلابي: الوليد ويزيد ابنا أبي مالك أخوان، ليس بحديثهما بأس، ووثقه الدارقطني والبرقاني وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا، هو وابنه خالد في حديثهما لين، وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى بني نمير يفقههم ويقرئهم القرآن. ولد سنة ٦٠ وتوفي سنة ١٣٠، وقيل: إنه كان بلغ ٧٢، وقيل: بقي إلى سنة ١٣٨، والله أعلم.
٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
стр. 997
• التخريج
هذه إحدى روايات حديث الإسراء، وقد قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: وفيها غرابة ونكارة جدًا، وهي في سنن النسائي المجتبى ولم أرها في الكبير، ثم ذكر هذه الرواية بعينها. قلت: ولم أجدها في شيء من كتب الحديث ولا من كتب التفسير ولا السيرة بهذه الألفاظ المذكورة هنا، من كونه أمره بالنزول ثلاث مرات في كلها يأمره بالصلاة، إحداهن: بالمدينة والثانية: بطور سيناء والثالثة: ببيت لحم، إلا ما ذكره ابن كثير في تفسيره من حديث شداد بن أوس فإنه قال: قال الإِمام أبو إسماعيل محمَّد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي: حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمَّد بن الوليد بن عامر الزبيدي: حدثنا أبو الوليد بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله كيف أُسريَ بك؟ قال: صليت بأصحابي صلاة العتمة بمكة مُعتّمًا، فأتاني جبريل ﵇ بدابة أبيض -أو قال: بيضاء- فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب، فاستصعب عليّ فدارها بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها، حتى بلغنا أرضًا ذات نخل فأنزلني فقال: صلِّ، فصليت ثم ركبت فقال: أتدري أين صليت، فقلت: الله أعلم فقال: صليت بيثرب صليت بطيبة، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها، ثم بلغنا أرضًا فقال: انزل ثم قال: صلّ، فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم فقال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضًا بدت لنا قصور فقال: انزل فنزلت، فقال: صل فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح بن مريم، ثم ذكر باقي الحديث. وقال: هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به، ثم قال بعد إتمامه: هذا إسناد صحيح، إلى أن قال: وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله؛ الإِمام أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به. قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس
стр. 998
مشتمل على أشياء، منها ما هو في الصحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك، والله أعلم.
• اللغة والإعراب والمعنى
تقدم تفسير أكثر هذه الألفاظ الواردة في هذه الرواية في الرواية التي قبلها، وفيها مما لم يتقدم قوله: (خطوها) أي الدابة، والخطو بفتح الخاء المعجمة: المرة من الخطو، وبضمها: الفعل. قوله: (عند منتهى طرفها) أي آخر ما يصل إليه نظره يضع رجله فيه: والتأنيث للدابة والتذكير في قوله: (طرفه) للبراق، والطرف بسكون الراء: البصر، وهو كناية عن سرعة السير. قال ابن حجر ﵀ وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه"، وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: "له جناحان" ولم أرها لغيره، وعند الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس في صفة البراق: "لها خد كخد الإنسان، وعُرف كالفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر، وكأن صدره ياقوتة حمراء". قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق: طيرانًا، أن الله إذا أكرم عبدًا بتسهيل الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير، أن لا يخرج بذلك عن اسم السفر وتجري عليه أحكامه. وفي هذه الرواية أيضًا: فركبت ومعي جبريل ﵇، فهي تدل على أنهما كانا على البراق، وإن تكن صريحة في كون جبريل ركب معه، لاحتمال أنه سار بسيره على عادة الدليل، وبكل قال جماعة، ووقع في رواية حذيفة عند أحمد: "أُتيَ رسول الله ﷺ بالبراق فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس". قال ابن حجر: (فهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ﷺ ، فيحتمل أنه قال عن اجتهاد؛ ويحتمل أن يكون قوله: هو وجبريل، يتعلق بمرافقته في السير لا في الركوب. قال ابن دحية وغيره: معناه: وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: إنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي ﷺ ، فلا مدخل فيها لغيره). قلت: وهذا منه ﵀ غريب جدًا، فأي منافاة في كون جبريل ركب البراق معه ﷺ لكون المعراج كرامة له ولذا قال ابن حجر ﵀ بعد نقله كلام ابن دحية المذكور: (بأن في صحيح ابن حبان من
стр. 999
حديث ابن مسعود أن جبريل حمله على البراق رديفًا له وفي رواية الحارث في مسنده: أتى بالبراق فركب خلف جبريل فسار بهما، فهذا صريح في ركوبه معه) اهـ. قلت: وفي الطبراني من حديث ابن أبي ليلى عن أبيه: أن جبريل أتى النبي ﷺ بالبراق فحمله بين يديه، وعند أبي يعلى والحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: أتيت بالبراق فركب خلف جبريل، فهذه كلها تدل على المراد بقوله: فركبت ومعي جبريل أي: وركب معي جبريل. وقوله: (انزل فصل) فذكر ذلك ثلاث مرات: في المدينة وفي الطور وفي بيت لحم: ولم أقف عليها لغير المصنف في هذه الرواية -كما تقدمت الإشارة إليه- إلا في حديث شداد، وقد تقدم ذلك في التخريج.
٤٤٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا عُرِجَ بِهِ مِنْ تَحْتِهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا أُهْبِطَ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، قَالَ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ.
• [رواته: ٧]
١ - أحمد بن سليمان: تقدم ٤٢.
٢ - يحيى بن آدم: تقدم ١١٤.
٣ - مالك بن مغول تقدم ١٢٧.
٤ - الزبير بن علي الهمداني اليامي أبو عدي الكوفي قاضي الري، روى عن أنس بن مالك وأبي وائل ومصعب بن سعد وكلثوم بن المصطلق وإبراهيم النخعي وطلحة بن مصرف وغيرهم، وعنه إسماعيل بن أبي خالد وهو من أقرانه وأبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه ومالك بن مغول والثوري ومسعر وعمرو بن أبي قيس وعثمان بن زائدة وبشر بن الحسين أحد الضعفاء وغيرهم. قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت من أصحاب إبراهيم، وكان
стр. 1000
الزبير صاحب سنة، وقال أبو داود الطيالسي: لا نعرف للزبير بن عدي عن أنس إلا حديثًا واحدًا، وقال البخاري: حدثنا أحمد بن سليمان: حدثنا بشر بن الحسين، وفيه نظر أن الزبير بن عدي مات بالري سنة ١٣١ هـ. قال: وصلى عليه نباتة بن حنظلة وكان من العبّاد، وقال الدارقطني: ثقة، وبشر متروك وروى عن الزبير بواطيل، وقال الفسوي: تابع ثقة والله أعلم.
٥ - طلحة بن مصرف: تقدم ٣٠٦.
٦ - مرّة بن شراحيل الهمداني السكسكي أبو إسماعيل الكوفي المعروف بمرة الطيب ومرة الخير، لقّب بذلك لعبادته، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي ذر وحذيفة وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وزيد بن أرقم وعلقمة بن قيس وغيرهم، وعنه إسماعيل بن أبي خالد وإسماعيل السدي وحصين بن عبد الرحمن ووهب اليامي والصباح بن محمَّد وطلحة بن مصرّف والشعبي وعطاء بن السائب وعمرو بن مرَّة وفرقد السّبخي وموسى بن أبي عائشة وغيرهم. عن ابن معين: ثقة وقال سكن بن محمَّد العابد عن العنوي: سجد مرّة الهمداني حتى أكل التراب وجهه. قال ابن سعد وأبو حاتم: توفي زمن الحجاج بعد دير الجماجم، وقال ابن حبان في الثقات: سنة ٧٦ وزاد: كان يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وقال العجلي: تابعي ثقة كان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة، وقيل: إن روايته عن أبي بكر وعمر مرسلة، وقيل: أدرك النبي ﷺ ولم يره.
٧ - عبد الله بن مسعود ﵁: تقدم ٣٩.
• التخريج
هذه رواية عبد الله بن مسعود لحديث الإسراء، وقد أخرجه البيهقي بإسناده عن عبد الله بن نمير عن مالك بن مغول كرواية المصنف، ورواه مسلم عن عبد الله بن نمير. قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله طرف من حديث المعراج. قال الحافظ ابن كثير: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا، وفيه غرابة وذلك فيما رواه الحسن بن عرفة في جزئه المشهور عن أبي عبيدة بن عبد الله، فساقه بطوله ثم قال: إسناده غريب ولم يخرجوه، وفيه من الغرائب: سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء ثم سؤاله عنهم بعد إنصرافه، والمشهور في
стр. 1001
الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا ليسلم عليهم سلام معرفة. وفيه: أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا وهم معه، وصلى بهم فيه ثم ركب البراق وكرّ راجعًا إلى مكة. ثم ذكر رواية ابن مسعود من طريق أخرى عند الإِمام أحمد. قلت: وهذا الذي صححه وجزم به من كونهم نزلوا معه وصلى بهم في بيت المقدس؛ مخالف لما في أكثر الروايات من أنه صلى بهم عند قدومه إلى بيت المقدس، وحجته في ذلك أنه كان يسأل جبريل عنهم وهم في السموات، فلو كان صلى بهم في بيت المقدس لما احتاج إلى السؤال عنهم، وهذا لا يلزم لأنه قد يكون صلى بهم ولم يتعرف عليهم، والله أعلم.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (وهي في السماء السادسة) وقد تقدم في رواية أنس أنها في السماء السابعة. قال القرطبي: ظاهر حديث أنس أنها في السابعة، لقوله بعد ذكر السماء السابعة: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى)، وفي حديث ابن مسعود أنها في السماء السادسة. وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل وكل ملك مقرّب على ما قال كعب، وما خلفها غيب لا يعلمه إلَّا الله أو من أعلمه الله. قال ابن حجر: ولم يعرج على الجمع بل جزم بالتعارض. قلت: ولا يعارض قوله: إنها في السماء السادسة؛ ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة وفروعها وأغصانها في السماء السابعة. قلت: ويعكر عليه ما تقدم من أنه رأى الأنهار تخرج من أصلها فإن ظاهر السياق أن أصلها في السماء السابعة والله أعلم.
وهذه الرواية التي ذكرها المصنف عن ابن مسعود؛ مثلها في صحيح مسلم، وفيها بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى، ففي رواية مسلم: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط فيقبض منها. وقال النووي: سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ ، ورواية المصنف: إليها ينتهي ما عرج به من تحتها،
стр. 1002
وإليها ينتهي ما أهبط به من فوقها حتى يقبض منها، فهي توافق رواية مسلم المتقدمة. وقوله: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) ففسّر المبهم فيما ورد في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس: جراد من ذهب، فأوَّله البيضاوي على أنه خرج مخرج التمثيل، ولا مانع من الحقيقة بأن يكون أُوقع عليها جراد من ذهب حقيقة، وفي رواية عن ابن كثير تفسيره بالملائكة، وفي البيهقي من حديث أبي سعيد: على كل ورقة منها ملك، فأعطي ثلاثًا -أي أعطى الله النبي ﷺ ثلاث خصال: الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، والخواتيم جمع خاتمة، والمراد: آخر السورة.
باب أَيْنَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ
٤٥٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ الْبُنَانِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَقَّا بَطْنَهُ وَأَخْرَجَا حَشْوَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَغَسَلَاهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ كَبَسَا جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْمًا.
• [رواته: ٦]
١ - سليمان بن داود بن حماد المهري: تقدم ٧٩.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٣ - عمرو بن الحارث بن يعقوب: تقدم ٧٩.
٤ - عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري البخاري المدني، روى عن جده قيس وأبي أمامة بن سهيل بن حنيف وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن المنكدر ومحمد بن يحيى بن حبان ومحزمة بن سليمان ومحمد بن إبراهيم التيمي وسعيد المقبري وثابت البناني وعمر بن ثابت الأنصاري وجماعة، وعنه عطاء وهو أكبر منه وأيوب السختياني وهو من أقرانه وعمرو بن الحارث ومالك والليث وشعبة والسفيانان والمبارك بن فضالة وحماد بن سلمة وابن لهيعة. قال يحيى بن سعيد: كان رقادًا حي الفؤاد، وعن أحمد: شيخ ثقة مدني، وعن
стр. 1003
ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: لا بأس به، قال ابنه: قلت: يحتج بحديثه، قال: هو حسن الحديث ثقة، ووثقه النسائي والعجلي وابن سعد وزاد: كثير الحديث دون أخيه يحيي، وقال أبو عوانة: هو أعزّ إخوته حديثًا. مات سنة ١٣٩ وقيل: ١٤٠ والله أعلم.
٥ - ثابت البناني: تقدم ٥٣.
٦ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
• التخريج
هذه رواية مختصرة من حديث أنس السابق، وقوله: (حشوة) وفي رواية: (حشونة) الحشو والحشوة: ما في البطن والقلب من جملة ذلك، وقوله: (كبسا جوفه) أي ملآه وقوله: (حكمة وعلمًا) قد تقدم الكلام على هذا في الرواية الأولى، إلا أن هنا علمًا بدل إيمانًا. وقوله: (ملكين) وفي الروايات الأخرى: (ثلاثة) ولا منافاة فإنه جاءه ثلاثة، لكن الذي باشر الشق والغسل جبريل وميكائيل، كما أنه عند السير لم يرفعه إلا جبريل. وقوله: (إن الصلاة فرضت بمكة) هذا ما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في فرضها قبل ليلة الإسراء، وظاهر الأحاديث السابقة أنها فرضت قبل الإسراء، للتصريح بكونه صلى العشاء الآخرة بمكة ليلة الإسراء ثم أسري به، لكن لم تثبت لنا كيفية فرضها إلا أن حمل حديث عائشة الآتي على فرضها قبل الإسراء، وأما كونها على هذه الهيئة بهذا العدد فالإتفاق على أن فرضها ليلة الإسراء، والله تعالى أعلم.
باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ
٤٥١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ.
• [رواته: ٥]
١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢.
٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١.
стр. 1004
٣ - الزهري محمَّد بن مسلم: تقدم ١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وابن خزيمة وأحمد، ورواه ابن حبان والبيهقي وأبو داود ومالك، وزاد ابن حبان في بعض رواياته وكذا أحمد والبيهقي بيان وقت الزيادة وأنه المدينة كما يأتي، وأخرجه الدارمي كرواية المصنف.
• اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (أول ما فرضت الصلاة) أول مرفوع بالإبتداء، و (ما) مصدرية، والمصدر في محل جر بالإضافة، وتقدم الكلام على لفظ الفرض قريبًا، وفسره بعضهم بأن معناه هنا التقدير، وعلى ذلك يكون المعنى: أول مقدار ما فرض من الصلاة، وحمله على أن المراد به: أول ما فرضت الصلاة وفرضها الله على الأمة؛ أظهر، وأل في الصلاة للعهد الذهني أي المفروضة على العباد وقولها: (ركعتين) منصوب على الحال، وخبر المبتدأ محذوف والتقدير: فرضت ركعتين، وقال العيني: المراد بالصلاة: الرباعية؛ بدليل استثناء المغرب في رواية عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن زِيدَ في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار. أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂، وفي صحيح البخاري عنها قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وله أيضًا في كتاب الهجرة من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا. فهاتان الروايتان عن عائشة فيهما تعيين وقت الزيادة، وإذا ثبت أن الزيادة كانت بعد الهجرة تعين أن يكون الفرض ركعتين، إما أنه في الحالتين قبل الإسراء؛ على فرض أنه كانت هناك صلاة كما دلت عليه الأحاديث السابقة من التصريح بكونه صلى العشاء قبل الإسراء، وكذلك
стр. 1005
فرضت ليلة الإسراء أيضًا، وإما أن يكون في الإسراء فقط، فهو على الوجهين يدل على أن فرضها ليلة الإسراء ركعتان. وسيأتي ما جمع به ابن حجر ﵀، ويأتي حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم بخلاف ما في هذه الرواية، من كون جميع الصلوات فرضت ركعتين. وقولها: (ركعتين) هكذا في جميع نسخ السنن التي بأيدينا ليس فيها تكرار ركعتين، وهو كذلك في إحدى روايات الحديث عند البخاري ومسلم، وفيهما أيضًا رواية بتكرار ركعتين ركعتين، وهي رواية المصنف الآتية وهي تفيد تعميم الحكم لكل واحد من الصلوات بهذه الصفة. واختلف العلماء في وقت فرضها ركعتين، فمنهم من قال: كان هذا قبل الإسراء، فإن الصلاة كانت مشروعة قبله بدليل ما تقدم من أنه صلى العشاء الأخيرة بمكة قبل الإسراء، ويبقى النظر في وقت إتمامها، فمنهم من قال: أتمّت ليلة الإسراء، فلما نزلت رخصة القصر ردت الرباعية إلى الأصل الأول، فكأنها أُقرَّت على حالها بهذا الإعتبار. ومنهم من قال: المراد بهذا الفرض ركعتين ليلة الإسراء، والتمام بعد الهجرة كما هو صريح في حديث عائشة المتقدم. ومن الحجة للقول الأول وهو: أن تمامها ليلة الإسراء؛ حديث ابن عباس في صحيح مسلم: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين، وهو معارض لحديث عائشة السابق، اللهم إلا أن يحمل قوله على أن المراد بذلك، ما حصل بعد الإتمام المذكور في حديث عائشة المتقدم وحديث ابن عباس هذا. وقولها: (زيد في صلاة الحضر) بالبناء للمجهول، أي زاد الله في عدد ركعاتها على لسان رسول الله ﷺ زيادة متحتمة، وأقرت صلاة السفر أي على عددها ركعتين على ما كان فرضها السابق، إما أن يكون ذلك باعتبار أنها لما رخص فيها -قال النووي: لمن شاء- صارت بتلك الرخصة كأنها ردت إلى أصلها الأول، فعبّر عن ذلك بإقرارها على حالها، وبهذا جمع ابن حجر فإنه قال: إن فرضها ركعتين ليلة الإسراء وزيادتها بعد الهجرة على مقتضى حديث عائشة، فلما ردت بالرخصة إلى الركعتين صار ذلك كأنه إقرار لها على حالها. وإما أن يكون المراد أن الزيادة في الأصل لم تتناول حالة السفر وهذا تأويل من أوجب القصر ومنع إتمام الصلاة للمسافر، وظاهر الإطلاق يشمل الصبح والمغرب ولكن تقدم استثناؤها من حديث عائشة المتقدم، والله أعلم.
стр. 1006
• الأحكام والفوائد
تمسك الحنفية بظاهر حديث عائشة هذا وقالوا: إن المسافر لا يجوز له إتمام الصلاة، وهو قول الثوري وحماد بن أبي سليمان وعمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس.
وذهب الجمهور إلى أن القصر للمسافر رخصة والإتمام جائز له، واستدلوا بظاهر الآية الكريمة: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، والتعبير بـ (تقصروا) يدل على أن الأصل المقصور أطول، وبما سيأتي في حديث يعلى بن منبه عن عمر: صدقة تصدق الله بها عليكم .. إلخ، وبما ثبت عن عائشة من أنها كانت تتم الصلاة، وعن أنس أن الصحابة كانوا يسافرون فيقصر بعضهم ويتم البعض، ويصوم البعض ويفطر البعض ولا يعيب أحد منهم على أحد، وبإتفاق جمهور الفقهاء على أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم أتم الصلاة. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله في الكلام على قصر الصلاة. ومنهم من قال: المسافر مخير بين الإتمام والقصر.
٤٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَوَّلَ مَا فَرَضَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِمَّتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى.
• [رواته: ٦]
١ - محمَّد بن هاشم بن سعيد القرشي أبو عبد الله البعلبكي، روى عن أمية والوليد بن مسلم وبقية ومحمد بن شعيب بن سابور وغيرهم، وعنه النسائي وابنه أحمد بن محمَّد وابن بنته أبو جعفر أحمد بن هاشم الحميري المعروف ببندار والحسن بن علي المعمري وأبو حاتم الرازي وابن بجير وإبراهيم بن متويه ومحمد بن عبد الله بن عبد السلام وآخرون. قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب، مات ببعلبك سنة ٢٥٤، وكان مولده في ربيع سنة ١٦٧، وقال مسلمة بن قاسم: صدوق مشهور.
стр. 1007
٢ - الوليد بن مسلم القرشي مولى بني أمية وقيل: مولى بني العباس، الدمشقي عالم الشام، روى عن جرير بن عثمان وصفوان بن عمرو والأوزاعي وابن جريج وابن عجلان وابن أبي ذئب وسعيد بن عبد العزيز والثوري وعبد الله بن العلاء بن زبر وغيرهم. وعنه الليث بن سعد وهو من شيوخه، وبقية وهو من أقرانه والحميدي وسليمان بن عبد الرحمن وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وعلي بن المديني وأبو خيثمة وخلائق غيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قال أحمد: أحد أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد، وقال أيضًا: ما رأيت أعقل منه. قال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله أين سماعي من سماعك؟ فقال لي: إن الوليد دخل الشام وعنده علم كبير ولم أستمكن منه، فأخرجته له فتعجب من فوائده وجعل يقول: كان يكتب على الوجه، وأثنى ثم قال: إنه أغرب بأحاديث لم يشاركه فيها، وأثنى عليه مروان بن محمَّد وقال: كان عالمًا بحديث الأوزاعي، وقال أبو زرعة: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب أصحاب حديث: مروان بن محمَّد والوليد وأبو مسهر، وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا عند أهل العلم متقنًا صحيح العلم، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وأثنى عليه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حوصاء وصدقة ابن الفضل وغيرهم، ومع هذا كله فقد تكلموا في حديثه عن الأوزاعي وقالوا: إنه كان يدلسه عن الضعفاء. وقال فيه أبو مسهر: كان يأخذ حديث الأوزاعي عن أبي السّفر، وكان أبو السّفر كذابًا، وقال الدارقطني فيه نحو ذلك. ولد سنة ١١٩ ومات منصرفًا من الحج سنة ١٩٤ وقيل: سنة ١٩٥، وقال الفسوي: سألت هشام بن عمار عن الوليد فأقبل يصف علمه وورعه وتواضعه، وقال أبو داود: روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، أربعة منها عن نافع، وقال أحمد: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، منها حديث عمرو بن العاص: لا تلبسوا علينا ديننا. وبالجملة فهو ثقة يدلس تدليس التسوية، والله أعلم.
٣ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإِمام: تقدم ٥٦.
٤ - محمَّد بن شهاب الزهري: تقدم ١.
стр. 1008
٥ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
الحديث تقدم شرحه لأنه حديث عائشة السابق، وتقدم أن قولها: (وأقرَّت) محمول على معناه: ردت إلى فرضها الأول.
٤٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧.
٣ - صالح بن كيسان: تقدم ٣١٤.
٤ - عروة: تقدم ٤٤.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
٤٥٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً.
• [رواته: ٧]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - عبد الرحمن: تقدم ٤٩.
٤ - أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري: تقدم ٤٦.
٥ - بكير بن الأخنس السدوسي ويقال: الليثي الكوفي، روى عن أبيه وأنس وابن عباس وابن عمر ومجاهد وعطاء وغيرهم، وعنه الأعمش ومسروق وزيد بن أبي أنيسة وأيوب بن عائذ وأبو إسحاق السيباني وأبو عوانة وجماعة.
стр. 1009
قال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: ثقة، قال ابن حجر: ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ثم أعاده في أتباع التابعين من الثقات. قال: وقد قيل إنه سمع من أنس بن مالك، وقال ابن سعد: روى عن الصحابة وهو قليل الحديث. قال العجلي: كوفي ثقة، وقال البخاري في التاريخ: بكير بن الأخنس ويقال: ابن فيروز، روى عنه أبو عوانة، وأما ابن أبي حاتم ففرّق بينهما، وقال أبو حاتم: هو قديم، ما روى عنه شعبة ولا الثوري، فلا أدري كيف روى عنه أبو عوانة ولا أين لقيه؟ حكاه عن أبيه في العلل.
٦ - مجاهد بن جبر: تقدم ٣١.
٧ - ابن عباس ﵄: تقدم ٣١.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني في مسنده، وأخرجه ابن ماجه والإمام أحمد.
تقدم الكلام عليه وأنه معارض لحديث عائشة ﵂، ومما يؤيده الأثر الذي أخرجه عبد الرزاق عن الحسن البصري في صلاة جبريل بالنبي ﷺ صبيحة الإسراء وفيه: صلاة الظهر والعصر والعشاء أربعًا في كل منهما والمغرب ثلاثًا. وقوله: (وفي الخوف ركعة) سيأتي الكلام على صلاة الخوف.
٤٥٥ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِدٍ أَنَّهُ قَالَ لاِبْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ)؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَانَا وَنَحْنُ ضُلَّالٌ فَعَلَّمَنَا، فَكَانَ فِيمَا عَلَّمَنَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، قَالَ: الشُّعَيْثِيُّ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
• [رواته: ٥]
١ - يوسف بن سعيد: تقدم ١٩٨.
стр. 1010
٢ - حجاج بن محمَّد: تقدم ٣٢.
٣ - عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، روى عن أبيه وأمية بن عبد الله بن خالد، وعنه ابن عمه المهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن والزهري ومحمد بن عبد الله الشعيثي ومكمل بن أبي سهل. وثقه ابن عبد الرحيم، وذكره ابن عدي ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه، والله أعلم.
٤ - أميّةُ بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي المكي، روى عن ابن عمر، وعنه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو إسحاق والزهري وعطية بن قيس والمهلب بن أبي صفرة. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال العجلي: ثقة، ولكن سمى أباه عبد الرحمن. مات في ولاية عبد الملك قيل: سنة ٨٧، وقال ابن حبان في الثقات: سنة ٨٦، وروى عنه أبو إسحاق فقلب اسمه وقال: أمية بن خالد بن عبد الله وأرسل حديثه، والأول هو المعتمد، وقال ابن الجارود: ليس له صحبة والله أعلم.
٥ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدم ١٢.
• التخريج
أخرجه أحمد ومالك وابن ماجه والبيهقي وابن حبان.
• اللغة والإعراب والمعنى
تقدم الكلام على قوله: (كيف) في حديث عبد الله بن زيد، وأنها اسم استفهام مبني على الفتح، وفي مثل هذا لا يصح فيها إلا النصب على الحال. (وتقصر الصلاة) أي نصليها في السفر ركعتين، والمراد بالصلاة: الرباعية كما تقدم، لأنه قد تقرر في الشرع أنها هي محل القصر، يقال: قصر الصلاة وقصّرها مشددًا وأقصرها: إذا نقص فيها من عدد الركعات، ومصدر قصر مخففًا قصرًا وقصّر مشددًا تقصيرًا وأقصر إقصارًا، والأكثر قصر بفتحتين مخففًا. وقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا قصر في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وستأتي بقية الكلام على أحكام القصر إن شاء الله في
стр. 1011
بابه. وقوله: (إنما قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ تقدم الكلام على لفظ (إنما) في حديث عمر في النية، وكذا قوله ﵀ في شرح الآية أول الكتاب. وقوله: ﴿لَيْسَ﴾ لفظ الآية الكريمة: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لأنها واقعة في جواب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، ومعنى هذا السؤال أن أمية استشكل القصر مع الأمن، لأن ظاهر الآية يقتضي اشتراط الخوف، وسبقه إلى ذلك عمر ﵁ ويعلى بن أمية. والجناح المنفي هنا هو الإثم، ويطلق على الميل إلى الإثم، وأصله من: جنح؛ إذا مال، والإثم: ميل عن طريق الصواب و (لا) نافية للجنس و (جناح) اسمها مبني على الفتح، والخبر محذوف تقديره موجود. (أن تقصروا) أي في أن تقصروا، فالمصدر المنسبك من أن وما دخلت عليه في محل جر، وسيأتي الكلام على الآية في الكلام على القصر إن شاء الله تعالى. وقول ابن عمر: (يا ابن أخي) هذا من باب الأدب في الخطاب، وهو ابن أخيه في الإِسلام، وجملة (ونحن ضلال) جملة في محل نصب على الحال، والمراد بقوله: (نحن) يعني سائر الأمة، ضلال جمع ضال وهو المخطئ للصواب، وأصله: الغيبوبة والهلاك ويطلق على النسيان والخطأ في الطريق وفي الدين، وهو ضد الهدى قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، ومن إطلاقه على الغيبوبة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ غبنا فيها، ومنه قول النابغة:
فآب مضلوه بعين جليّة ... وغودر ربا لجولان حزم ونائل. اهـ.
ومن إطلاقه على النسيان قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي تنسى ويطلق على الخطأ كما هو مقرر في كتب اللغة، وقوله: (فعلمنا) إلى آخره، أي علّمنا أمر ديننا الذي نهتدي به من الضلال، وهذا الجواب شبيه بجواب النبي ﷺ لعمر في هذا السؤال حيث قال: (صدقة تصدق الله بها عليكم). وفيه دليل على أن بيان أصل الحكم في التشريع أبلغ، وأن الإنسان إذا علم أن الأمر من الله ورسوله وجب عليه التسليم والرضى، وفيه: أن الخوف لا يشترط في جواز القصر في السفر، يأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله.
وقول الشعيثي معناه أن الزهري قد روى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر لرواية الشعيثي.
стр. 1012
باب كَمْ فُرِضَتْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
٤٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْهَمُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ". قَالَ: "وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧.
٣ - نافع بن مالك بن عامر الأصبحي أبو سهيل التيمي المدني حليف بني تيم بن مرة، روى عن أبيه وابن عمر وسهل بن سعد وأنس وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمَّد وغيرهم، وعنه الزهري وهو من أقرانه وابن أخيه مالك بن أنس بن أبي عامر الإِمام ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير ومحمد بن طلحة التيمي والدراوردي وآخرون. قال أحمد: من الثقات، ووثقه النسائي وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الواقدي: كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة، هلك في إمارة أبي العباس، وقال ابن خراش: كان صدوقًا، والله تعالى أعلم.
٤ - مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو أنس ويقال: أبو محمَّد جد الإِمام مالك بن أنس، روى عن عمر وعثمان وطلحة وعقيل بن أبي طالب وأبي هريرة وعائشة وربيعة بن محرر كاتب عمر وكعب الأحبار، وعنه أبناؤه أنس والربيع ونافع وسليمان بن يسار وسالم أبو النضر ومحمد بن إبراهيم التيمي. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية وقال: فرض له عثمان، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن
стр. 1013
حبان في الثقات. قال ابنه الربيع: مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، يعني سنة ٧٤، ووهم عبد الغني في الكمال تبعًا لابن سعد عن الواقدي فقال: إنه مات سنة ٩٢ وهو ابن ٧٠ سنة أو ٧٢، قال ابن حجر ﵀: وتعقبه المنذري بأن سماعه من طلحة مصرح به في الصحيح، وطلحة قتل سنة ٣٦، وعلى ما ذكره يكون مولده سنة ٤٠، فكيف يمكن سماعه من طلحة؟ ولعل الوهم كان في سنة والصواب تسعين بتقديم التاء. اهـ. وهو مشكل أيضًا فقد صح سماعه من عمر فإنه قال: شهدت عمر عند الجمرة، وذكر قصة أوردها ابن سعد بسند جيد. والصواب ما ذكر في الأصل -يعني موته سنة ٧٤، وكذا ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين ٧٠ إلى ٨٠، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة. اهـ.
٥ - طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي أبو محمَّد المدني، أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد السابقين للإسلام، وأمه صفية بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي من المهاجرات الأول، غاب عن بدر فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وآجره، وشهد أحدًا وما بعدها، وكان أبو بكر إذا ذكر أُحدٌ قال: ذاك يوم كله لطلحة بن عبيد الله، وذلك لأنه شلّت يده وهو يقي بها رسول الله من سهام العدو، وهو أحد الستة من أصحاب الشورى، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وعنه أولاده محمَّد وموسى وعمران وعيسى وعائشة بنت طلحة وابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان وجابر بن عبد الله والسائب بن يزيد ومالك بن أوس بن الحدثان ومالك بن أبي عامر الأصبحي وأبو سلمة بن عبد الرحمن -وقيل: لم يسمع منه- وغيرهم. عن مسعود بن خراش قال: بينا أطوف بين الصفا والمروة إذ أناس كثيرون يتقون أناسًا فنظرت فإذا شاب موثوق يده إلى عنقه. فقلت: ما شأن هؤلاء -فقال: هذا طلحة بن عبيد الله قد صبأ أي أسلم، آخى النبي ﷺ بينه وبين الزبير، وقيل: آخى بينه وبين أبي أيوب، وهو قول الزهري. قال قبيصة بن جابر: صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه قتل يوم الجمل، والأكثرون على أن الذي قتله مروان بن الحكم، رماه بسهم فأصاب ركبته فمات منه ﵁. وعن
стр. 1014
أبي حبيبة مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة فرحب به وقرّبه وقال: أرجو أن أكون أنا وأباك ممن قال الله فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ولما رأى علي طلحة قتيلًا قال: يعزّ علي أن أراك مجدولًا تحت نجوم السماء. ومناقبه ﵁ كثيرة، وقد روى ابن كثير ﵀ عن سعيد بن المسيب أن رجلًا كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعلي ﵃ فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى فقام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان سخطًا لك ما يقول فأرني فيه اليوم آية واجعله للناس عبرة، فخرج الرجل فإذا بُخْتِيٌ يشق الناس، فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط فسحقه حتى قتله، قال سعيد بن المسيب: فأنا رأيت الناس يتبعون سعدًا ويقولون هنيئًا لك أبا إسحاق أجيبت دعوتك. وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ٣٦، قيل: كان عمره ٦٠ سنة وقيل: ٦٣، وذكر ابن حجر عن ابن سعد: أخبرني من سمع أبا جناب الكلبي يقول: حدثني شيخ من كلب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قتل طلحة بن عبيد الله؛ ما تركت أحدًا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان، وقال الحميدي في النوادر: عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد: ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة، وقال ابن عبد البر: لا تختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة. اهـ. وقيل: أصابه سهم غرب، ومناقبه ﵁ كثيرة.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود، وعلى أن الرجل هنا: ضمام، لحديثه عند أحمد من طريق ابن عباس وكذا عند الطبراني، وأخرجه ابن ماجه وأخرجه مالك والبيهقي كرواية المصنف وابن حبان في صحيحه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (جاء رجل) قال الأكثرون: إنه ضمام بن ثعلبة، ولا يقدح في ذلك
стр. 1015
اختلاف الألفاظ لأن ذلك ربما كان بسبب تفاوت الرواة في الضبط، والتصريح باسمه في بعض الروايات يكون بيانًا لغيرها مما لم يصرح فيه باسمه، وقوله: (من أهل نجد) أي من ساكني نجد في ذلك الحين من قبائل العرب، والمراد به: ما ارتفع من الأرض عن بلاد تهامة التي هي على ساحل البحر، وهو ما كان وراء جبالا السراة من ناحية الشرق، وأصله ما ارتفع من الأرض، وجمعه نجود، وذكره كثير في أشعار العرب. قال جرير:
تَحنّ قلوصي في الركاب وشاقها ... وميض على ذات السلاسل لامع
فقلت لها حني رويدًا فإنني ... إلى أهل نجد من تهامة نازع
وقوله: (ثائر الرأس) أي متفرق شعر رأسه منتشر غير مرجل ولا مضفور، وإسناد ذلك إلى الرأس على سبيل المبالغة، وهو مرفوع على أنه صفة لـ (رجل)، ويجوز نصبه على الحال لأن رجلًا وإن كان نكرة؛ فقد تخصص بالوصف في قوله: (من أهل نجد). وقوله: (يُسْمعُ دَويُّ صَوْتِه) يروى: نسمع دوي صوته، وهي رواية مسلم بالنون والبناء للفاعل، وكذا، قوله: (نفهم) ويروى بالبناء للمفعول وبالتحتانية: يسمع، وروي بالرفع نائب الفاعل وكذا: يفهم، و (ما) في محل رفع نائب فاعل: والدوي بفتح الدال وكسر الواو والياء المشددة آخر الحروف: الصوت المتتابع الذي لا يتبين للسامع مثل الجلبة، وحكى صاحب المطالع فيه ضم الدال، وفسره في النهاية بأنه صوت عال مثل صوت النحل، وإنما وصفه بهذا لأنه نادى من بعد فلم يتبين لهم كلامه. وقوله: (حتى دنا) (حتى) لغاية عدم فهمهم لكلامه، (ودنا) أي قرب من النبي ﷺ ومن الصحابة الذين حوله، والضمير يعود على الرجل، وقوله: (فإذا) للمفاجأة، هو يسأل عن الإِسلام أي عن أركانه، لأن الجواب دل على مراد السائل، والجواب إنما كان عن أركان الإِسلام، وتبيّنه الرواية الأخرى التي صرح فيها أن رسول الله أمرهم بتلك الأركان في قوله: (زعم رسولك إلخ). والإِسلام هو الإستسلام والإنقياد، وفي عرف الشرع: الإنقياد لأوامر الله بامتثالها ونواهيه باجتنابها وقد صح عنه ﷺ في حديث ابن عمر المشهور أنه مبني على خمس صلوات، ولم يذكر ﷺ له الشهادتين وذلك محمول على أنه كان قد عرف الشهادتين، وعلى أن المراد بهذا السائل ضمام، فقد بيّنت الروايات الأخر أنه بدأ بالسؤال عن
стр. 1016
أصل الرسالة كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما. وقوله: (في اليوم والليلة) أي تصليهما في اليوم والليلة، وقوله: (هل عليّ غيرهن) (هل) حرف استفهام وتقدم الكلام عليه، وهو لا يعمل لأنه غير مختص، (وعليَّ) بمعنى يجب عليَّ غيرهن، وقوله: (إلا أن تطّوع) قال النووي: (المشهور فيه تطوَّع؛ بتشديد الطاء على إدغام إحدى التاءين في الطاء، وقال ابن الصلاح: هو محتمل للتشديد والتخفيف) اهـ. قلت: التشديد إدغام التاء في الطاء على ما تقدم، والتخفيف بحذف إحدى التاءين، فإن مثل هذا من الفعل المضارع المبدوء بالتاء إذا دخلت تاء المضارعة جاز فيه ثلاثة أوجه: الوجهان المذكوران والثالث إثبات التاءين على الأصل، ولحذف إحدى التاءين أشار ابن مالك ﵀ بقوله:
وما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر
والإستثناء يحتمل أن يكون متصلًا، واستدل به من جعله مثلًا على وجوب إتمام التطوع إذا شرع، فالمعنى: لا يجب عليك من الصلاة غيرهن إلا إذا تطوعت فتعين عليك إتمام ما دخلت فيه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ومذهب جماعة من العلماء أنه لا يجب الإتمام ولكنه يستحب، وهو مذهب الشافعية. ويحتمل أن الإستثناء منقطع فيكون المعنى: لكن إن أردت أن تطوع أو يستحب لك أن تطوع، وتقدير: يستحب؛ فيه بُعْدٌ والوجه الأول أظهر. وتقدم أنه يدل على وجوب إتمام ما شرع فيه، وهو قول المالكية والحنفية، وتؤيده الآية المتقدمة والإتفاق على أن الشروع في النسك يوجب إتمامه. وقد استدل ابن حجر بحديث النسائي الآتي في الصيام: أن النبي ﷺ كان ينوي الصوم ثم ينظر، وهو غير مسلَّم لإحتمال أنه إنما يفعل ذلك من ضرورة، ومع ذلك لم يثبت أنه لم يكن يقضي ذلك اليوم. وفي مسند أحمد عن عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة فأكلنا منها، فدخل علينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: صوما يومًا مكانه، واستدل به من قال بوجوب إتمام صوم النفل إلا لعذر؛ لأن الأمر للوجوب ووجوب القضاء يدل على وجوب إتمام النفل الذي أمر بقضائه. وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يومًا تطوعًا، فأفطرت فأمرها النبي ﷺ أن تقضي يومًا مكانه. ومما
стр. 1017
استدل به ابن حجر ﵀ حديث البخاري: أنه ﷺ أمر جويرية أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، وأجاب عنه غيره بمثل ما تقدم من أن ذلك محمول على وجود عذر، أو لأجل نهيه عن صوم الجمعة من غير صيام قبله ولا بعده، ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله في الصيام. ثم ذكر صيام شهر رمضان وقال فيه ما قال في الصلاة، فهو يدل على أن صوم عاشوراء وغيره فيه شيء واجب. وقوله: (وذكر له الزكاة .. إلخ) فيه دليل على عدم وجوب حق مطلق في المال إلا الزكاة، أما وجوب النفقة فليس من هذا القبيل كما يأتي إن شاء الله.
وقوله: (فأدبر) الفاء عاطفة، وأدبر أي: رجع من حيث أتى، (وهو يقول) جملة حالية، والإشارة في قوله (على هذا) للفرائض التي ذكرها له رسول الله ﷺ ، وقوله ﷺ : (أفلح إن صدق) الفلاح: الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه، وهو في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، وأصله من الفلح: وهو الشق، ومنه الأفلح لمشقوق الشفة، ويطلق على البقاء كما في قول الشاعر:
لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
ويطلق على السحور كما في حديث أنس: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. ولم يذكر في كثير من الروايات الحج كما أن الصوم غير مذكور في بعضها، وذلك محمول في الحج على احتمال أنه لم يفرض، وفي الصيام على أن الإختلاف إنما من قبيل تفاوت الرواة في الحفظ والضبط كما تقدم، مع أنه في بعض الروايات: وذكر له شرائع الإِسلام، وهذا يعمّ ما ذكر وما لم يذكر منها، والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
فيه: دليل، على استحباب الرحلة لطلب العلم وقد تجب، وفيه: دليل على أن الصلاة والزكاة والصوم كلها من أركان الإِسلام، وفيه دليل على حصر فرض الصلاة في الخمس، والصوم الواجب على شهر رمضان.
وفيه: دليل على عدم وجوب قيام الليل على الأمة، وهو متفق عليه وإنما الخلاف في حق النبي ﷺ .
стр. 1018
وفيه: دليل على عدم وجوب العيدين، وقد قال الإصطخري من الشافعية: إنها فرض كفاية. وفيه: عدم وجوب صوم عاشوراء كما تقدم.
وفيه: دليل على الحق الواجب في عين المال وهو الزكاة.
وفيه: دليل على أن من واظب على الفرائض ولم يضيع شيئًا منها، أنه يفلح بدخوله الجنة، ولا ينافي ذلك أن فعل النوافل أفضل له كما دلت عليه النصوص الأخر. وليس معنى قول هذا السائل: لا أزيد؛ أن الزيادة محظورة، بل المعنى أنه لم يلتزم شيئًا من النوافل، يدل على ذلك قوله ﵊: إلا أن تطوّع، وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله. والفلاح إنما رتب له على التزامه لفعل الفرائض، لا على عدم الزيادة وترك السنن، وإن كان فاعله أساء، والمواظبة على تركها تستوجب رد الشهادة؛ للحث عليها في نصوص أخر، ولأن تركها دليل على الزهادة في الخير، وذلك لا ينافي دخوله الجنة.
وفيه: رد على المرجئة لأنه شرط في دخول الجنة أن يخلّ بشيء من الفرائض.
وفيه: رد لقول ابن قتيبة: إن الصدق والكذب إنما يوصف بهما الخبر في الماضي، وهنا قد جاء الصدق في المستقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
وفيه: جواز صفة الإنسان للتعريف به لقوله: (ثائر الرأس).
٤٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْسًا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا؟ قَالَ: "افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْسًا"، فَحَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
стр. 1019
٢ - نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني -ويقال: الطاحي، أبو روح البصري، روى عن أخيه خالد بن قيس وثمامة بن عبد الله بن أنس، وأيوب، وابن عون، وأبي هارون العبدي، وعمرو بن مالك النكري، وعطاء السلمي وغيرهم.
وعنه يزيد بن هارون وعفان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، ومسدد، وخليفة بن خياط وحميد بن مسعدة، وقتيبة، وجماعة غيرهم ٥٣، وثقه أحمد وابن معين، وأبو داود، وقال: بلغني عن يحيي أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن شاهين عن ابن معين: هو شيخ صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: كان ينزل سويقة طاحية فنسب إليها. مات سنة ١٨٣ وقيل: ١٨٤ والله أعلم.
٣ - خالد بن قيس بن رباح الحداني الأزدي ويقال: الطاحي البصري، روى عن عطاء وعمرو بن دينار وقتادة وأبي سلمة ومطر الوراق، وعنه أخوه نوح بن قيس ونصر بن علي الجهضمي الكبير ومسلم بن إبراهيم. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن المديني: ليس به بأس. قال الأزدي: خالد بن قيس عن قتادة فيها مناكير، روى عنه أخوه نوح، ونوح صدوق، والله أعلم.
٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدم ٣٤.
٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
• التخريج
هذه الرواية يظهر أنها مختصرة من حديث ضمام من رواية أنس، وهو في الصحيحين وغيرهما، وبهذا الإختصار في مسلم والترمذي وأحمد وغيرهم.
والكلام عليه تقدم في الذي قبله، وظاهر كلام السندي أنه مكتوب (خمس) بغير ألف، ووجهه على احتمال حذف الألف وهو كثير عند المحدثين، لكن سائر النسخ عندنا بالألف: خمسًا.
стр. 1020
باب الْبَيْعَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ
٤٥٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَبِيبُ الأَمِينُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَدَّدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدَّمْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلَامَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً: أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا.
• [رواته: ٧]
١ - عمرو بن منصور النسائي: تقدم ١٤٧.
٢ - أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسلم أبو مسهر الدمشقي، وكنية جدّه أبو قدامة، روى عن سعيد بن عبد العزيز وإسماعيل بن عبد الله بن سماعة وصدقة بن خالد ويحيى بن حمزة الحضرمي ومالك بن أنس ومحمد بن حرب الخولاني والهقل بن زياد وخالد بن يزيد بن صالح بن صبيح وابن عيينة وغيرهم، وعنه البخاري في كتاب الأدب أو بلغه عنه، وروى له هو والباقون بواسطة محمَّد بن يوسف السكندي، وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن إسحاق الصاغاني ومحمد بن محمود بن خالد وعمرو بن منصور النسائي وأحمد بن حنبل وابن معين ودحيم وغيرهم. قال أحمد كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث؛ مروان، والوليد، وأبو مسهر، وقال أحمد ﵀: أبا مسهر ما كان أثبته، وقال فيه: كيّس عالم بالشاميين، وقال ابن معين؟ : ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحدًا أشبه بالمشيخة من أبي مسهر، وقال فيه أيضًا: ثقة، وقال العجلي وأبو حاتم: ثقة، وثناء الأئمة عليه كثير. قال أبو داود: كان من ثقات الناس، لقد كان من الإِسلام بمكان، حُمِلَ على المحنة فأبى، وحُمِلَ على السيف فمدّ رأسه وجُرِّد السيف فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات.
следующие страницы →