← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بقية: ولد سنة ١١٧، وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ١٩٥، زاد ابن سعد: وكان ثقة ربما غلط، وذكر ابن حبان في الثقات أنه روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وقال البزار: كان ثقة والله أعلم. ٣ - زكريا بن أبي زائدة: تقدم ١١٥. ٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢. ٥ - البراء بن عازب ﵄: تقدم ١٠٥. • التخريج هذه رواية للحديث السابق إلا أن فيها زيادة خبر نقل تحويل القبلة، كما يأتي إن شاء الله. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (قدم رسول الله ﷺ المدينة) أي مهاجرًا، والمدينة وإن كانت تطلق على كل مدينة لكنها صارت عَلمًا بالتغليب على مدينة الرسول ﷺ . وقوله: (فصلى نحو بيت المقدس) تقدم معناه، وتقدمت الإشارة إلى هذه الرواية وفيها الجزم بأن المدة التي صلى فيها نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، وتقدم بسط الكلام على ذلك. وقوله: (ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة) تقدم الكلام على (ثم) في الطهارة. وقوله: (وجِّه) بالبناء للمجهول، أي: وجّهه الله بأمره له بذلك. وقوله: (الكعبة) هي المراد بالقبلة في الرواية الأولى، والكعبة أصله عند العرب: البيت المربع، ولكنه صار علمًا على بيت الله الحرام، والمراد أنه نزلت عليه الآية المتقدمة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية. قوله: (فمرّ رجلٌ كان قد صلى مع النبي ﷺ ) أي تلك الصلاة صلاها أول ما صلى إلى الكعبة، قيل: هو عبَّاد بن بشر الأشهلي، وقيل: عبَّاد بن نهيك. وفي البخاري في كتاب الإيمان: إن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر. وقوله: (كان قد صلى) جملة (كان) صفة، وجملة (قد صلى) خبر لـ (كان)، أي: صلى معه تلك الصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا على رواية البراء المصرح فيها عند البخاري بأنها صلاة العصر. أما القوم الذين مرّ عليهم فهم بنو سلمة في صلاة العصر، فصلوا منها ركعتين إلى القبلة الأولى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، وقيل:

стр. 1087

هم أهل قباء كما؛ هو صريح في حديث ابن عمر وقيل: إن ذلك تكرر؛ فمر هذا على أهل مسجد بني سلمة ومر آخر في صلاة الصبح على أهل قباء. ومما يدل على أن الذي في قصة البراء غير مسجد قباء ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ثويلة بنت أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين -تعني ركعتين- ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ أمر أُمِرَ أن يتوجه إلى المسجد الحرام. قوله: (أشهد أن رسول الله قد وُجِّه) أي قد أمره الله بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة بدل بيت المقدس، وقوله: (فانحرفوا) أي استداروا عن جهة الشام إلى جهة الكعبة. • فوائد الحديث اعلم أنه اختلف في هذه القصة المذكورة في هذا الحديث من ثلاثة وجوه الوجه الأول: أين نزلت هذه الآية؟ والثاني: أول صلاة صلاها النبي ﷺ إلى مكة بعد التحويل سواءً كان في أثناء الصلاة أو قبل الدخول فيها، الثالث: من الذين وصل إليهم الخبر وهم في الصلاة فصلّوها للقبلتين؟ أما محل النزول فالصحيح أنه بمسجد الرسول ﷺ لأنه حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم ذكرت فيه أنهم وصلهم الخبر في مسجد بني سلمة -وهو مسجد القبلتين، وقد صلوا ركعتين فاستداروا وهم في الصلاة، وكذلك قول المخبر لبني حارثة وكذا لبني سلمة: صليت مع النبي ﷺ ، وإن لم يصرح أنه في مسجده فالمتبادر أنه في مسجده، وكذا ما في صحيح مسلم من رواية أنس بن مالك أن رجلًا من بني سلمة مرَّ وَهُمْ ركوع في صلاة الفجر، فلو كانت الآية نزلت في بني سلمة لما كانوا توقفوا على إخبار أحد بذلك. وقال محمَّد بن سعد في الطبقات: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتحول إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي ﷺ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعامًا، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمّي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا، وهذا هو القول الثاني. وأخرج البزار من حديث أنس: انصرف رسول الله ﷺ عن بيت المقدس وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة،

стр. 1088

وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس، وفي كل منهما ضعف، قاله ابن حجر. ونقل السمهودي عن ابن زبالة أن القبلة صرفت ونفر من بني سلمة يصلون الظهر في القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم وقد صلوا ركعتين، فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمي مسجد القبلتين. ونقل عن سعيد بن المسيب قال: صلّى رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، وصُرِفَت القبلة قبل بدر بشهرين. قال: والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين. قلت: ولهذا رجح ابن حجر أنها صرفت في القبلتين والله أعلم. وروى ابن زبالة عن عثمان بن عبد الرحمن حديثًا قال فيه: فبينا رسول الله ﷺ يصلي الظهر في مسجده قد صلى ركعتين؛ إذ نزل عليه جبريل فأشار إليه أن صل إلى البيت، وأسند يحيي عن ابن عباس فذكر الحديث مثل حديث ابن زبالة قال: فبينما رسول الله ﷺ يصلي. . . الحديث. وأسند يحيى عن رافع بن خديج قال: صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام فاستدار. قال رافع: فأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُمِرَ أن يوجّه إلى الكعبة، فأدارنا إمامنا إلى الكعبة. والمراد بيحيى في الحديث: هو الحسيني جد أمراء المدينة، له كتاب في أخبار المدينة ولم أقف على حاله. أما الاختلاف في الصلاة فالظاهر أنها إما الظهر أو العصر، وقد صرح في رواية البراء عند البخاري وغيره: أن أول صلاة صلاها بعد التحويل صلاة العصر، وحمله ابن حجر ﵀ على أنها أول صلاة صلاها في مسجده، وأما أول ما استقبل القبلة ففي الركعتين الأخيرتين من الظهر بمسجد القبلتين. ولفظ الحديث لا يعطي ذلك وإنما حمله عليه قصد الجمع بين الروايات، غير أن رواية صلاته بمسجد القبلتين الظهر للقبلتين ليست بالقوية، وحديث البراء صريح بأن أول صلاة على العموم إلى الكعبة هي العصر، وروي عن مجاهد مثل ما قال ابن حجر: إن نزول الآية في مسجد القبلتين، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى عند النسائي قال: كنا نغدوا إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه، فمررنا يومًا ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر، فجلست فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ

стр. 1089

وَجْهِكَ﴾ الآية، فقلت: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما ثم نزل رسول الله ﷺ وصلى للناس الظهر يومئذٍ. قال ابن كثير ﵀: (وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة العصر، ثم ذكر حديث تويلة من رواية ابن مردويه بإسناد وفيه: "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء"، وفي آخره أن رسول الله ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب") اهـ، فتحصّل من هذا أن المشهور نزول الآية في مسجد بني سلمة، ومن حيث النقل -وهو الذي يظهر لي- نزولها بمسجد الرسول ﷺ ، وأن الصحيح أن أول صلاة صلاها إما مطلقًا أو في مسجده بعد التحويل: صلاة العصر، وعلى أن الآية نزلت في مسجد بني سلمة، فيكون صلى بعض صلاة الظهر إلى الشام وبعضها إلى مكة. أما الإختلاف في القوم الذين أُخْبروا فهو سهل، لأنّ حمل الرواية في ذلك عن البراء على أن المراد غير أهل قباء: إما بنو سلمة أو بنو حارثة كما في حديث تويلة أو بني عبد الأشهل والظاهر أن الكل حصل غير أن الخبر إلى بني حارثة، وبني عبد الأشهل وصل في صلاة العصر، وأما أهل القباء فلا خلاف أنه وصلهم في صلاة الصبح، لصحة الحديث في ذلك على وجه لا يعتبر خلافه، لضعفه ومعارضته للحديث الصحيح في حديث ابن عمر الآتي ٤٩٠، فإنه صريح في ذلك. ومن فوائد الحديث: ثبوت النسخ كما تقدم، ومبادرة الصحابة إلى الإمتثال، ووجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلًا ثقة، وصحة ما عمل بعد النسخ وقبل بلوغه، وينبني عليه صحة حكم القاضي بعد العزل وقبل وصول الخبر به وموت من ولّاه قبل العلم به، وهكذا الحال في الوكيل والوصي والأمير؛ كل هؤلاء دل الحديث على صحة تصرفاتهم قبل العلم بالعزل والموت الموجب لبطلان ولايتهم. واستدل به على جواز الحركة الكثيرة لإصلاح الصلاة، وتنوعت أجوبة أئمة الشافعية عنه بما لا يخلو من تكلف، مع أن القول بأن ثلاث حركات متتابعات تبطل الصلاة ليس له نص من الشارع ولا دليل صريح، بل الصواب أن كل ما كان لإصلاح الصلاة ونحوه لا يفسدها ما لم يكثر جدًا والله أعلم.

стр. 1090

باب الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ غَيْرِ الْقِبْلَةِ ٤٨٧ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَتَوَجَّهُ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. • [رواته: ٨] ١ - عيسى بن حماد زغبة المصري: تقدم ٢٩٤. ٢ - أحمد بن عمرو بن السرح: تقدم ٣٩. ٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٤ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٥ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩. ٦ - محمَّد بن شهاب: تقدم ١. ٧ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر وقيل: أبو عبد الله المدني التابعي الفقيه أحد السادة الأعلام من التابعين فضلًا وعلمًا وعبادة روى عن أبيه وأبي هريرة وأبي رافع وأبي أيوب وعن زيد بن الخطاب. قلت: وهو منقطع لأنّ زيدًا قتل شهيدًا يوم اليمامة، وأم سالم من سبي الفرس من بنات يزدجرد كما سيأتي إن شاء الله. وقيل: روى عن أبي لبابة وغير هؤلاء، وعنه ابنه أبو بكر وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم والزهري وصالح بن كيسان وحنظلة بن أبي سفيان وعبيد الله بن عمر بن حفص وعاصم بن عبيد الله وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وأبو قلابة الجرمي وحميد الطويل وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر وعمرو بن دينار المكي وعمرو بن دينار البصري ونافع مولى أبيه وموسى بن عقبة ومحمد بن واسع وآخرون. قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به، وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. قال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل

стр. 1091

المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السَّادة: علي بن الحسين بن علي والقاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتقى وعبادة وورعًا، فرغب الناس يومئذٍ في السراري، وقال ابن المبارك: كان فقهاء المدينة سبعة، فذكره فيهم. قال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق وكان من أفضل أهل زمانه، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه، وقال الدوري عن ابن معين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلى مرسلاتًا منهم، وقال البخاري: لم يسمع من عائشة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال، وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة في ذي القعدة أو ذي الحجة، وقال خليفة: سنة ١٠٧، وقال الهيثم: سنة ١٠٨، وقال الأصمعي: ١٠٥، والأول أصح. قال ابن حبان: كان يشبه أباه في السمت والهدى، وقال البخاري في التاريخ الصغير: لا أدري هل سمع من أبي رافع؟ وقال غيره: لما قدم سبي فارس على عمر كان فيه بنات يزدجرد، فقوّمن فأخذهنّ عليّ فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين فولدت له عليًا، وأعطى أختهما لمحمد بن أبي بكر فولدت له القاسم. قلت كان ابن عمر يحبه كثيرًا وهو القائل: يلومونني في سالمٍ وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم ٨ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، وأشار له الترمذي، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، وعند أحمد مختصرًا وعنده عن أبي سعيد نحوه. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (يسبّح) أي: يصلي النافلة، والنافلة يطلق عليها هذا اللفظ، ومنه: سبحة الضحى، وأصل التسبيح: التنزيه، ومنه قول العبد: سبحان الله، وإطلاق

стр. 1092

السبحة على الصلاة: إما لأنها تنزيه لله أو لأنّ المصلي يسبّح فيها، فيكون من باب تسمية الشيء باسم جزئه. وأما اختصاص هذا اللفظ بالنافلة دون الفرض فهو عرف شرعي، والسّبحة الدعاء وصلاة التطوع، يقال: فرغ فلان من سبحته أي: من صلاة النافلة، سميت الصلاة تسبيحا لأنّ التسبيح تعظيم الله وتنزيهه من كل سوء، قاله في التاج. وظاهر بيت جرير الإطلاق في الصلاة: أنخنا فسبّحنا ونوّرت السرى ... بأعراف ورد اللون بلق شواكله فإن ظاهره صلاة الفرض. والمعنى أنه ﷺ كان يصلي النافلة عليها. (قِبَل) أي جهة (أي وجه تتوجه) إليه الراحلة، (ويوتر عليها) أي يصلي عليها صلاة الوتر، (غير أنه) بمعنى: إلا أنه أو لكنه، (لا يصلي عليها المكتوبة)، وقد تقدم الكلام على (غير) والمكتوبة هي المفروضة، كان لا يصلي الصلاة المفروضة على الراحلة، (والراحلة): هي الدابة التي يركبها الإنسان. • الأحكام والفوائد قال ابن حجر: وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لذلك حديث الجارود وابن أبي سبرة عن أنس: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر، استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه". أخرجه أبو داود وأحمد والدارقطني. واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك في كل سفر، غير مالك فخصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبري: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك. قال ابن حجر: ولم يتفق على ذلك عنه -يعني أنه مجرد قول مما روي عنه. وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وذهب أبو يوسف إلى جوازه في الحضر، ووافقه أبو سعيد الإصطخري من الشافعية، واستدل به أيضًا على أن جهة السفر تكون في هذه الحالة قبلة له، لا يجوز له أن ينحرف عنها لغيرها، كالحال في قبلة الصلاة، وأجاز بعضهم له، الإنحراف إلى جهة القبلة إذا كان السير لغيرها، واستدلوا به على أن الوتر غير واجب لأنه يفعله على الراحلة، وسيأتي الكلام على ذلك. واستنبط منه بعض

стр. 1093

العلماء جواز التنفل للماشي وقال: لا يجوز ذلك. وفيه: دليل على عدم جواز المكتوبة على الدابة كما سيأتي إن شاء الله. واستدلوا به أيضًا على جواز التنفل في السفينة لراكبها. وفيه: دليل على الإهتمام بصلاة النافلة والإكثار منها وجوازها في السفر، والله أعلم. ٤٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ أُنْزِلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. • [رواته: ٦] ١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤. ٢ - محمَّد بن المثنى أبو موسى الزمن: تقدم ٨٠. ٣ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٤ - عبد الملك بن أبي سليمان: تقدم ٤٠٤. ٥ - سعيد بن جبير: تقدم ٤٣٤. ٦ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدم ١٢. • التخريج أخرجه مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه، وأصله حديث ابن عمر السابق، وهو في الصحيحين من روايته ورواية عامر بن أبي ربيعة بدون ذكر الآية. • اللغة والإعراب والمعنى (كان رسول الله ﷺ يصلي على دابته) تقدم أن (كان) تدل على اتصاف المخبر عنه بالخبر فيما مضى، وقد تفيد تكرار الفعل بل هو المتبادر منها إلا أن يدل الدليل على خلافه. وقوله: (يصلي) جملة في محل نصب خبر (كان)، وقوله: (على دابته) الجار والمجرور متعلق بـ (يصلي) وهو في محل نصب على الحال، والتقدير: وهو راكب على دابته. وتقدم أن الدابة: ما دبَّ على الأرض، وأن العرف في الإستعمال خصصها بذوات الأربع، وهو كقوله:

стр. 1094

(على راحلته) كما في الرواية السابقة. وقوله: (وهو مقبل من مكة) جملة أيضًا حالية، وهو صريح في كونه يستدبر القبلة في هذه الحالة، وقد تقدم الكلام على ذلك وما يتعلق بالحديث فيه. وزاد هنا قوله: (مقبل) إلى المدينة، و (إلى) عدّي بها الإقبال لأنّ المراد بالإقبال هنا: السير، أي: وهو يسير ووجهه إلى المدينة. قوله: (وفيه) أي في ذلك النوع من الترخيص في الصلاة في السفر على الدابة -كما تقدم- أنزل هذه الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وهذا أحد الأقوال في الآية، والقول الثاني: أن سرية من الصحابة تحيّروا في القبلة فكلهم صلى إلى ما أدّاه إليه اجتهاده، وفي رواية: أن كلًا منهم خط على الجهة التي أصبح عليها، فإذا هم قد صلوا لغير القبلة فنزلت الآية. وعلى هذين القولين؛ فالآية محكمة، وهو الذي عليه الأكثرون، وهذا الحديث يدل عليه. وذكر ابن جرير فيها قولًا ثالثًا بأنها منسوخة، كانت رخصة للنبي ﷺ فنسخت بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أينما﴾ كلمة أينما اسم استفهام مضمّن معنى الشرط يستفهم به عن المكان، والفاء في ﴿فَثَمَّ﴾ واقعة في جواب الشرط، و (ثمَّ) بفتح الثاء بمعنى: هناك، ﴿وَجْهُ اللهِ﴾ أي: حيثما توجهتم فثمّ وجه الله. وقد ذكر ابن جرير فيها قولًا بأنها نزلت في الدعاء حينما سألوه بعد نزول ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾، قالوا إلى أي جهة؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والله أعلم. وقد تقدم ما يتعلق به من الأحكام في الذي قبله. ٤٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. • [رواته: ٤] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧. ٣ - عبد الله بن دينار: تقدم ٢٦٠. ٤ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢.

стр. 1095

تقدم ما يتعلق بالحديث لأنّ هذه إحدى روايات حديث ابن عمر ﵄. باب اسْتِبَانَةِ الْخَطَأ بَعْدَ الاِجْتِهَادِ ٤٩٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. تقدم جميع رواته في الذي قبله، وتقدم شرح ما يتعلق به في حديث البراء ٤٦٥. وقوله: (فاستقبِلوها) بصيغة الأمر كما هنا، ويروى بصيغة الماضي، و (قباء) بضم القاف والمد فيها أكثر. قال ابن الزبعري في قصيدته اللامية في يوم أحد: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها ... واستحرّ القتل في عبد الأشهل وذكر النووي أن المشهور الفصيح فيها المد والصرف والتذكير، وقال الخليل هو مقصور، وهي قرية بعوالي المدينة وتسمى العصبة، وقيل: العصبة منها، وفيها بئر أريس وبئر غرس وهما من الآبار السبعة، وبالعصبة كان نزول أكثر المهاجرين لما قدموا المدينة. وأول قباء مسجدها، وهي منازل بني عمرو بن عوف وبها كان مسجد الضرار، ويجاورها من جهة الشمال منازل بني سالم بن عوف، وفيها المسجد الذي بني في محل صلاة الجمعة التي كانت أول جمعة صلاها ﷺ ، والطريق بينها وبين المدينة كانت بين النخيل لكثرته، وقد تغير ذلك اليوم واتصل بها البناء من المدينة. وأطلق لفظ قباء على ما بينها وبين المدينة لأنهم كانوا يسمون تلك الجهة بباب قباء، لأنّ باب سور المدينة الذي يليها كان في تلك الجهة، فأطلقت العامة اسم قباء، على تلك الجهة. قيل: إن قباء اسم لبئر كانت هناك، وقيل: اسم أطم من آطامها، وذكر السمهودي أنه ذرع من عتبة مسجد المدينة إلى عتبة مسجد قباء، فكان ذلك ٧٠٠٠ ذراع بذراع اليد و ٢٠٠ أو يزيد قليلًا.

стр. 1096

كتاب المواقيت ٤٩١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. • [رواته: ٦] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - الليث بن سعد الفهمي المصري: تقدم ٣٥. ٣ - محمَّد بن شهاب الزهري: تقدم ١. ٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤٠. ٥ - بشير بن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري المدني، قيل: له صحبة، روى عن أبيه وعنه عبد الرحمن ابنه وعروة بن الزبير وهلال بن جبر ويونس بن ميسرة بن حلبس. قال ابن حجر: قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، وكذا البخاري ومسلم وأبو حاتم الرازي. وروى ابن منده من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ابن حلبس قال: قال بشير بن أبي مسعود وكان من الصحابة. قال ابن منده: روى أبو معاوية عن مسعود عن ثابت بن عبيد قال: رأيت بشير بن أبي مسعود وكانت له صحبة، وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذكر في الثقات أن بشيرًا ولد بعد وفاة النبي ﷺ ، كذا قال ولفظه: ولد في حياة النبي ﷺ أو بعده بيسير، والله أعلم.

стр. 1097

٦ - أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة بن عطية بن جدارة بن عوف بن الحارث الأنصاري البدري، صاحب رسول الله ﷺ شهد العقبة، روى عن النبي ﷺ وعنه ابن بشير وعبد الله بن يزيد الخطمي وأبو وائل وعلقمة وقيس بن أبي حازم وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ويزيد بن شريك التيمي وأبو وائل وعلقمة وقيس بن أبي حازم وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ويزيد بن شريك التيمي وأبو الأحوص الجشمي وأوس بن ضمعج وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبو معر الأزدي وأبو عمرو الشيباني وعامر بن سعيد البجلي وآخرون. قال شعبة عن الحكم: كان أبو مسعود بدريًا، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لم يشهد بدرًا وهو ابن إسحاق، وقال ابن سعد. شهد أحدًا وما بعدها ولم يشهد بدرًا، ليس بين أصحابنا في ذلك اختلاف، وقيل: إنه نزل ماءً ببدر فنسب إليه. قال خليفة: مات قبل الأربعين بالكوفة، وقال: المدائن سنة ٤٠، وقيل غير ذلك. وقيل: مات بالمدينة، وقع في صحيح البخاري. من حديث عروة بن الزبير قال: أخّر المغيرة بن شعبة صلاة العصر، فدخل عليه أبو مسعود عقبة بن عمرو جد زيد بن حسن وكان قد شهد بدرًا فقال: يا مغيرة، فذكر الحديث، سمعه عروة من بشير بن أبي مسعود عن أبيه، وبذلك عدّه البخاري في البدريين. وقال مسلم بن الحجاج في الكنى شهد بدرًا، وقال أبو أحمد الحاكم: يقال إنه شهد بدرًا، ولم يذكره أهل المدينة فيمن شهدها، وذكره عروة بن الزبير فيمن شهد العقبة. قال ابن حجر: فإذا شهد العقبة فما المانع من شهوده بدرًا؟ وما ذكره المؤلف عن ابن سعد لم يقله من عند نفسه، إنما نقله عن شيخه الواقدي، ولو قبلنا قوله في المغازي مع ضعفه فلا يرد الأحاديث الصحيحة والله الموفق. قلت: أما شهوده العقبة فلا يستلزم شهوده بدرًا كما لا يخفى، فيبقى النظر والتعويل على صحة النقل في ذلك والله أعلم. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد والبيهقي والدارمي والدارقطني وابن ماجه، كلهم أخرجوا أصل الحديث مع اختلاف في الألفاظ، وكذا أخرجه ابن خريمة في صحيحه بأطول من رواية المصنف وفيه: فأخبرني

стр. 1098

بوقت الصلاة. وحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ رواه ثمانية من الصحابة: جابر بن عبد الله وابن عباس وابن مسعود وأبو هريرة وأبو مسعود وأنس وعمرو بن حزم وأبو سعيد الخدري وابن عمر. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أن عمر بن العزيز) بفتح الهمزة على تقدير: عن ابن شهاب أخبر بأن عمر بن عبد العزيز أخَّر، ويجوز الكسر على تقدير القول: أي قال: إن عمر إلخ. وعمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة العادل، كان قد ولي المدينة أميرًا عليها من قبل ابن عمه الوليد بن عبد الملك بن مروان، ولاه عليها سنة ٨٧ وعزله عنها سنة ٩٣ بإشارة الحجاج بذلك -قبحه الله- وهذه القصة حصلت في ذلك الحين لأنّ ولاة بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة، حتى ولي عمر المذكور الخلافة -وذلك بعد هذه القصة في سنة ٩٩ بعد موت سليمان- فأحيا السنة وردَّ الصلاة إلى مواقيتها الشرعية. وقوله: (أخر العصر شيئًا) أي تأخيرًا كأنه يقلله، لعله عن أول الوقت، وهذه الرواية وإحدى روايات البخاري وما شاكلهما بيَّنت الإبهام في عين الصلاة، كما في الروايات الأخر بلفظ: أخر الصلاة، فبينت هذه أنها صلاة العصر، ودل أيضًا قوله: (شيئًا) على أن التأخير ليس بكثير. و (شيئًا) منصوب على الظرفية لأنّ المراد به وقتًا قليلًا، وهو يدل على أن السنة فعلها في أول وقتها كما سيأتي بيانه. (فقال له عروة) الفاء سببية، وعروة هو ابن الزبير التابعي المدني أحد فقهاء المدينة، وكانوا أهل مجلس عمر بن عبد العزيز ومشورته، وقوله له: (أما إن جبريل) أي قال عروة: فعل عمر ذلك، (أما) بالفتح والتخفيف أداة استفتاح بمثابة ألا، وهي تفيد تنبيه المخاطب ليتيقظ لما يلقى إليه من الكلام. (أن جبريل ﵇ قد نزل فصلى) ذكر عروة ذلك بطريق الجزم والتوكيد، لأنه قد ثبت عنده ثبوتًا صحيحًا أي: على النبي ﷺ ، وبيّنت رواية الإسراء عند ابن إسحاق أن نزوله كان صبيحة الإسراء عند زوال الشمس ووجوب صلاة الظهر؛ مبينًا للأوقات ومعلمًا لكيفية الصلاة من جديد. وقوله: (فصلى) أي صلاة الظهر، ولهذا كانوا يسمونها الأولى لأنها أُولى في بيان جبريل وإمامته له ﷺ . وقوله: (إمام) يروى بالكسر، من: أمّه إذا صلى به، وأمام بالفتح بمعنى قدامه، وهذه الرواية مختصرة وفتح

стр. 1099

الهمزة وكسرها لا تأثير له في المعنى، لأنه إذا أمّه صار إمامه وإذا صار أمامه أيضًا فقد أمّه والمراد من هذه العبارة والله أعلم؛ التنبيه لعمر على أن بيان الأوقات توقيفي لا تنبغي مخالفته، وبذلك يتبين وجه الكلام؛ لأنّ كونه صلى أمامه لا توضح المراد من الإنكار لتأخير الصلاة إلا على هذا الوجه، فلهذا قال عمر مجيبًا له: (إعلم ما تقول) ومن غير هذه الرواية: اعلم ما تحدث به، أي: تثبت وتبيَّن صحة ما تحدث، وليس ذلك للشك في خبره ولكن لزيادة التوكيد، وفي رواية الموطأ وغيره (أو إن جبريل هو الذي أقام) أي بيَّن الصلاة للنبي ﷺ . قوله: (فقال) أي عروة مبينًا لإسناد الخبر بذلك، (سمعت بشير بن أبي مسعود) واسمه عقبة بن عمرو كما تقدم الصحابي الجليل، وابنه بشير تقدم الخلاف في صحبته وعلى عدمها فهو ثقة، وقوله: (يقول) جملة حالية وكذلك التي بعدها مثلها، وقوله: (نزل جبريل فأمّني) وهذا يقوي كسر الهمزة في قوله السابق: إمام النبي ﷺ ، (فصليت معه) أي مقتديًا به ذكر ذلك خمس مرات على عدد الصلوات، وفي غير هذه قال له: بهذا أمرت؛ بفتح التاء أي بالصلاة في هذا الوقت على هذا الوجه، ويروى: أمرت؛ أي أمرني الله أن أعلمك بهذا، وفي بعض الروايات: أمّه مرتين: مرة في أول الوقت ومرة في آخر الوقت. • الأحكام والفوائد الحديث فيه الإنكار على الأمراء والملوك إذا فعلوا ما يخالف السنة، وهو من واجب النصيحة لهم، وفيه: دليل على وجوب المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولاسيما العصر والإنكار على من يؤخرها من غير ضرورة، فهو حجة على الجمهور على أنها تصلى في أول وقتها، خلافًا لمن زعم أنها معصورة من الليل وأن الأفضل تأخيرها، وهو من البعد بمكان كما سيأتي. وفيه: مراجعة العالم في الأحكام والآمر والناهي وطلب التثبت منه، وذلك يستدعي منه إظهار الدليل. وفيه: أن كل ما فعله ﷺ في الصلاة من بيان الأوقات أو الأعمال والهيئات سُنّة، ولهذا قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفيه: أنه ينبغي للمفتي والمعلم إبراز الدليل عند السؤال والإستفتاء، وفيه: قبول: خبر الواحد كما تقدم، وفيه: إثبات نزول الملك وتعليمه للناس، وفيه:

стр. 1100

أن بيان جبريل للأوقات وهيئات الصلاة شمل سائر الصلوات الخمس، وهذا الحديث أول حديث في موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى الليثي. أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ٤٩٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: كَمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا -يَعْنِي الْعِشَاءَ- إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ فَيَعْرِفُهُ. قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. • [رواته: ٥] ١ - محمَّد بن عبد الأعلى الصغاني: تقدم ٥. ٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدم ٤٧. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - سيّار بن سلامة بتخفيف اللام الرياحي البصري أبو المنهال، روى عن أبي برزة الأسلمي والبراء السليطي وأبيه سلامة وأبي العالية الرياحي البصري وأبي مسلم الجرمي وغيرهم، وعنه سليمان التيمي وخالد الحذاء وعوف الأعرابي ويونس بن عبيد وسوار بن عبد الله العنبري الكبير وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم. قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات ١٢٩، وقال ابن سعد: كان ثقة والله أعلم. وأما أبوه سلامة الذي حكى عنه ولده هنا أنه سأل أبا برزة، فقد قال فيه ابن حجر: لم أجد من ترجمه. قال: وقد وقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير في ذكر الحوض.

стр. 1101

٥ - أبو برزة الأسلمي صاحب النبي ﷺ ، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر الصديق، وعنه ابنه المغيرة وبنت ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة وأبو المنهال الرياحي والأزرق بن قيس وأبو العالية الرياحي وأبو عثمان النهدي وجماعة غيرهم. قال البخاري: نزل البصرة، وذكر له حديث: غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات، وقال أبو نضرة، عن عبد الله بن مولى القشيري قال: كنت بالأهواز فمرّ بي شيخ ضخم فإذا أبو برزة، وقال ابن سعد: كان من ساكني المدينة ثم البصرة وغزا خراسان، وقال الخطيب: شهد مع علي قتال الخوارج بالنهروان، وغزا بعد ذلك خراسان فمات بها، وقال محمَّد بن علي بن حمزة المروزي: مات بنيسابور وقيل: بالبصرة وقيل: بمغارة بين سجستان وهراة، وقال خليفة: مات بخراسان بعد سنة ٦٤ بعد إخراج ابن زياد من البصرة، وقيل: مات في خلافة معاوية. قال ابن حجر: جزم الحاكم أبو أحمد بموته سنة ٦٤، وقيل: بقي إلى ولاية عبد الملك، وبه جزم البخاري في التاريخ الأوسط في فصل: من مات بين الستين إلى السبعين، قال: ومما يؤيد ذلك أن في صحيح البخاري أنه شهد قتال الخوارج بالأهواز، زاد الإسماعيلي: مع المهلب بن أبي صفرة، وذلك سنة ٦٥ كما جزم به محمَّد بن قدامة وغيره، وكان عبد الملك قد ولي الشام والله أعلم. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والدارمي، وعند الترمذي طرف منه، وبعض رواياته عن شعبة وبعضها عن عوف بن مالك كلاهما عن سيار، وفي الروايات تقديم وتأخير. وأخرجه ابن حبان في صحيحه وأبو عوانة في مسنده. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (سمعت أبي يسأل أبا برزة) وفي رواية: (دخلت أنا وأبي على أبي برزة) قال ابن حجر: زاد الإسماعيلي: زمن أخرج ابن زياد من البصرة، وخروج ابن زياد من البصرة سنة ٦٤. وقوله: (يسأل أبا برزة) جملة حالية، أي: سمعته حال سؤاله لأبي برزة نضلة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ ،

стр. 1102

وقوله: (عن صلاة رسول الله ﷺ ) الجار والمجرور متعلق بيسأل، وهو في محل نصب به، وقوله: (صلاة رسول الله) فيه إجمال لأنه لم يذكر الوجه الذي سأل عنه من أمر الصلاة، ولكن دل الجواب على أنه إنما سأله عن وقت صلاته للصلوات المكتوبة، كما هو مبين في رواية البخاري وغيره فإنه قال: فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ الحديث. وقوله: (قلت: أنت سمعته؟ ) هذا خطاب من شعبة لشيخه سيّار على سبيل التثبت في الرواية، (أنت) للإستفهام وحذفت همزته اكتفاء بالثانية، وقد تقدم مثل ذلك في الطهارة: وقوله: (كما أسمعك) الكاف نعت لمصدر محذوف والتقدير: سماعًا مثل سماعي لك، و (ما) مصدرية، وقوله: (الساعة) ظرف لقوله: أسمعك، وقوله: (فقال بعد ذلك: سمعت أبي يسأل. . . إلخ) أعاد القول بأنه سمع أباه يسأل عن صلاة رسول الله ﷺ ، فأعاد الجملة للتوكيد أي: عن وقتها كما تقدم، وقوله: (كان لا يبالي بعض تأخيرها) أي لا يهتم لذلك ولا يلقي بالًا منه، يقال: ما يبالي أي: ما يهتم، وقد تقدم في أحاديث الغسل في حديث ميمونة لا تذكر فرجًا ولا تباليه، ومنه قول جرير: وما باليت يوم رأيت دمعي ... له سبل يفيض على نجادي وقول الآخر: لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي والمعنى: أن الرسول ﷺ لم يكن يهتم بتقديم العشاء في أول وقتها، لما تقدم من أنه كان يحبّ أن يؤخرها لولا خوف المشقة على الأمة، ومن حديث جابر: والعشاء أحيانًا، وأحيانًا إذا رآهم اجتمعوا قَدّم وإذا رآهم أبطئوا أخّرَ. وقوله: (يعني العشاء إلى نصف الليل) أي نهاية ما يوسّع به في تأخيرها إلى نصف الليل، وهو غاية التأخير. قال النووي ﵀ في شرح حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: إذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل، قال: (معناه وقت لأدائها اختيارًا، وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم: "إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى") اهـ. وقال الإصطخري من الشافعية إذا ذهب نصف الليل صارت قضاءً، واستدل الجمهور على خلافه بحديث أبي قتادة المذكور، لكن

стр. 1103

قال ابن حجر: فيه تخصيص بالإجماع في صلاة الصبح. وفي كتاب عمر لأبي موسى: "صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، فإن أخرت فإلى نصف الليل ولا تكن من الغافلين"، فهذا يدل على أن تأخيرها بعد نصف الليل يعد غفلة عنها، لأنه لم يثبت عنه ﷺ قولًا ولا فعلًا التأخير أكثر من نصف الليل. وقول من قال: إنها بعد نصف الليل ليست بقضاء؛ مبني على تقسيم وقتها إلى مختار ومضيق فيه. وقوله: (ولا يحبّ النوم قبلها) وفي رواية: كان ينهى عن النوم قبلها والحديث بعدها، وفي حديث عمر: "فمنْ نام فلا نامت عينه، ثلاثًا" وذلك أن النوم قبلها يعرضها للضياع، وأما الحديث بعدها فلأنه يعرّض صلاة الصبح للفوات ومفوت للتهجد، ومع ذلك في تركه راحة للكرام الكاتبين كما قالت عائشة ﵂. (قال شعبة: ثم لقيته بعد) أي بعد ذلك، أي لقي سيارا فسأله عن بقية حديث أبي برزة، (وقال) أي قال أبو برزة، لأن ضمير (يصلي) للنبي ﷺ ، وعلى ذلك يكون في الكلام اختصارًا كأنه قال له سيار تمام الحديث: قال أبو برزة، وربما كان لفظ الثاني سقط من بعض النساخ، (يصلي الظهر حين تزول الشمس) عن كبد السماء وذلك وقت الإستواء، ثم إذا شرع الظل في الزيادة بعد الإستواء إلى جهة المشرق فذلك وقت الزوال: وهو المراد يقول عمر: صل الظهر إذا كان الفيء ذراعًا. وقوله: (والعصر) بالنصب عطفا على قوله: (الظهر)، وقوله: (يذهب الرجل) أي بعد صلاته معه العصر بالمدينة، وفي رواية: ثم يذهب، وهنا بدون حرف العطف على تقديره. (الرجل إلى أقصى المدينة) والمراد بذلك أحد أطرافها، كما تقدم في تحويل القبلة: أن بعض من صلى معه: أدرك مسجد بني حارثة وهم يصلونها، وفي الرواية الأخرى: بني سلمة، وفي رواية: بني عبد الأشهل وأكثر الروايات بلفظ: إلى العوالي، وهي طرف المدينة من ناحية الجنوب، وبها قرية معروفة بهذا الاسم، وكانت منازل بني النضير ومن جملتها قباء، ولهذا جاء في بعض الروايات إلى قباء. وقوله: (والشمس حية) جملة حالية، وفي الكلام هنا حذف مصرح به في غير هذه الرواية: "فيأتيهم والشمس حيّة" ومعنى حياتها: بقاء حرَّها وصفاء لونها، وفي سنن أبي داود عن خيثمة أحد التابعين: "حياتها أن تجد حرِّها"، وقال ابن المنير: (حياتها: قوة أثرها حرارة ولونًا وشعاعًا وإنارة، وذلك يكون

стр. 1104

بعد صيرورة الظل مثل الشيء، أما بعد صيرورته مثليه فإنها تتغير حالها عن هذه الصفات). وقوله: (والمغرب لا أدري أي حينٍ ذكر) الظاهر أن هذا من كلام شعبة، أي: لم يضبط ما قاله في وقت المغرب، و (أي) منصوب بقوله (ذكر) أي: في أي حين ذكر أنه صلاها فيه، وجملة (ذكر) في محل نصب بقوله (أدري) لأن معناه: لا أتذكر أو لا أعلم. قوله: (قال) أي شعبة (ثم لقيته) أي سيارًا (بعد) فسألته عن بقية الصلوات وهي الصبح و (بعد) ظرف مبني على الضم مقطوع عن الإضافة، أي: بعد ذلك الوقت الذي أخبرنا فيه عن الظهر والعصر. وقوله: (فسألته) أي سيّارًا عن بقية الحديث عن الصلوات (وكان) أي في حديث أبي برزة المذكور قال فيه: وكان -أي النبي ﷺ (يصلي الصبح فينصرف الرجل) الفاء عاطفة أي: ينتهي من الصلاة، لأن الإنتهاء منها يعبر عنه بالإنصراف، لأنهم ينصرفون بعدها بوجوههم، أو المراد: أنه ينصرف أحدهم إلى بيته بعد الصلاة، والوجه الأول أظهر في السياق. وقوله: (فينظر) الفاء عاطفة وقوله: (إلي وجه جليسه) أي المجالس له، فهو فعيل بمعنى مفاعل (الذي يعرفه) الموصول في محل جر صفة للجليس، وقوله: (فيعرفه) أي: فإذا نظر إليه عرفه، وهذا لأنهم كانوا يصلون في الظلام بدون نور، فيكون وقت انصرافهم قد امتد النور بحيث يعرف الإنسان جليسه، ولا يعارض حديث عائشة: "فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس" لأن هذا الذي يعرفه يكون بجنبه، وما ذكرته في حق البعيد. وقوله: (وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة) بحذف التمييز للعلم به، أي: من ستين آية فما فوقها إلى مائة آية، هذا فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون هذا هو المقروء في الركعتين، وهذا المعنى هو المتبادر، ويحتمل أن يكون المراد فعل ذلك في كل ركعة. قال ابن حجر: (وقدَّرها في رواية الطبراني بسورة الحاقة ونحوها) اهـ. • الأحكام والفوائد الحديث فيه: التثبت عند الأخذ والسماع للحديث والعلم، ومبادرة السائل للجواب إذا علم من نفسه إصابة الصواب فيما يسأل عنه، وفيه: أن الوقت المستحب للعشاء تأخيرها إلى ثلث الليل أو إلى شطره، فهو حجة لمن قال: إن تأخيرها أفضل ما لم يشق ذلك بأحد من المصلين، وعلى ذلك يكون

стр. 1105

الحديث مخصصًا للأحاديث التي فيها التصريح بفضيلة أول الوقت، كما سيأتي مثله في صلاة الظهر في الحر. واستحباب التأخير هو قول مالك وأحمد، وقال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما تأخيرها إلى نصف الليل فهو مباح عند الأكثرين، وما بعد ذلك مكروه كما تقدم، وحكى ابن المنذر أن المنقول عن ابن مسعود وابن عباس: ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب الليث بن سعد وبه قال إسحاق والشافعي في الجديد، ومن الإملاء والقديم: تقديمها، قال النووي: وهو الأصح. وفيه: كراهة النوم قبلها والحديث بعدها، لأن النوم بعدها يعرضها للضياع فإنه ربما استغرقه النوم فلا يصليها حتى يخرج وقتها، والحديث بعدها يسبب الكسل والنوم عن الصلاة نافلة كانت أو فرضًا، فيفوته حظه من قيام الليل وربما أداه السهر إلى تضييع الصبح، لكنه إن علم ذلك حرم عليه السهر المؤدي إليه، وقد استثنوا من ذلك ما كان فيه خير ومصلحة، كالسهر في تدبير أمور المسلمين وفي إصلاح ذات البين وملاطفة الزوجة والعيال ومحادثة الضيف لإكرامه ومدارسة العلم، وما يتعلق بذلك من كل ما فيه خير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستثنى بعضهم من النوم قبلها من كان معه من يوقظه لذلك، وكذلك من اضطر إلى النوم في ذلك الوقت ليتأهب ويستعين به على الحراسة، أو نوم المرضعة أو من يريد أن يسهر في أي مصلحة إذا أمن مفسدة تفويت الصلاة، وكذا نوم المريض للإستراحة على الشرط المذكور. قال الترمذي: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص فيه بعضهم في رمضان خاصة، وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول الوقت، والكراهة على بعد دخوله، وروي عن ابن عمر أنه كان يسبُّ من يفعل ذلك، وروي عنه أيضًا أنه كان ربما نام قبلها ولكن يوكل بنفسه من يوقظه، وهذا يدل على أنه يرى العلة معقولة. وقال أنس: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء، أي خشية النوم، وكرهه أبو هريرة وابن عباس وعطاء وإبراهيم ومجاهد وطاوس ومالك والكوفيون، وروي عن علي أنه ربما فعله، وعن أبي موسى وعبيدة، ينام ويوكل من يوقظه، وعن عروة وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون نومة قبل الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال بعض الكوفيين محتجين بأن الكراهة معللة، فإذا أمنت العلة فلا

стр. 1106

بأس، وبالحديث السابق. وفيه قول عمر: "رقد النساء والصبيان" إلا أن الأحوط الأخذ بظاهر الحديث وتجنب ذلك. وقد ورد في سبب نزول: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية أنها في مثل ذلك المروي عن أنس من تجنبهم للفرش في هذا الوقت والله أعلم. وفيه أيضًا: دليل على فضيلة تعجيل الظهر بعد الزوال، ولا يعارض ذلك حديث الإبراد لأنه يعتبر مخصصًا لهذا، سواء على القول في حق سائر المصلين أو أنه خاص بمن تلحقه مشقة بالتعجيل دون غيره، وأما على رأي من يرى أن الإبراد رخصة؛ فهي لا تعارض فضل العزيمة كما سيأتي إن شاء الله. ودل الحديث أيضًا على فضل تعجيل العصر في أول وقتها، وقد تقدم ذلك وهو مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من السلف. قال النووي: فيه دليل للجمهور على أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه. قلت: وهذا مصادم لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من التعجيل، وإنكار عروة بن الزبير على عمر بن عبد العزيز وإنكار أبي مسعود قبله على المغيرة، وغير ذلك من الأدلة التي تقدمت وستأتي. وقد حاول البدر العيني ﵀ أن يحتج لهم كعادته ﵀ فلم يأت بمقنع، بل تشبث بحديث الإبراد مدّعيًا أنه لا يحصل ما ذكر من الإبراد إلا بعد صيرورة ظل كل شيء مثله، ثم لا يفتر الحر إلا بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه ولا يخفى ما فيه مع مصادمته للنصوص. واحتج بقوله: يصلي الظهر حين تزول الشمس؛ من قال من الفقهاء: لا تحصل فضيلة أول الوقت، وهو غير مسلم لأن الإشتغال بالطهارة عادة لا يؤخر عن أول الوقت، لخفة أمره ولأنه بمثابة الشروع فيها. وفيه دليل: على التبكير بصلاة الصبح، قال العيني ﵀: (فيه الحجة للحنفية -يعني في تأخير صلاة الصبح. قال) لأن قوله: (وأحدنا يعرف جليسه: يدل على الإسفار. قال: لكن قوله: (ويقرأ فيها بالستين إلى المائة) يدل على أنه كان يشرع في الغلس ويمدها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطحاوي) اهـ. يعني من الحنفية وإلا فقد تقدم أنه مذهب الكل ما عدا الحنفية. قلت: لاسيما أنه ﷺ كان يرتل القرآن، وكان يقرأ بالسورة القصيرة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.

стр. 1107

٤٩٣ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ. • [رواته: ٥] ١ - كثير بن عبيد بن نمير المذحجي: تقدم ١٩٦. ٢ - محمد بن حرب الخولاني: تقدم ١٧٢. ٣ - محمد بن الوليد الزبيدي: تقدم ٥٦. ٤ - محمد بن شهاب: تقدم ١. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. أخرجه البخاري وأحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه. قوله: (زاغت) أي: مالت عن كبد السماء بعد الإستواء، وهو وقت الزوال. وتقدم ما يتعلق به. ٤٩٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا، قِيلَ لأَبِي إِسْحَاقَ: فِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. • [رواته: ٦] ١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢. ٢ - حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي أبو عوف الكوفي وقيل: كنيته أبو علي وأبو عوف لقب. روى عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وهشام بن عروة والحسن بن صالح وزهير بن معاوية وأبي الأحوص، وعنه أحمد وأبو خيثمة وابنا أبي شيبة وقتيبة وابن نمير ويحيى بن يحيى. أثنى عليه أحمد ووصفه بخير، وقال ابن معين: ثقة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة: قلّ من رأيت مثله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات في آخر سنة ١٩٢ وقيل: سنة ١٩٠ وقيل: ١٨٩. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث،

стр. 1108

لم يكتب الناس كل ما عنده، وقال العجلي: ثقة ثبت عاقل ناسك والله أعلم. ٣ - زهير بن معاوية بن خديج أبو خيثمة الكوفي الجعفي: تقدم ٤٢. ٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢. ٥ - سعيد بن وهب الهمداني الخيواني الكوفي، سمع من معاذ بن جبل باليمن في حياة النبي ﷺ ، وروى عنه وعن ابن مسعود وعلي وسلمان وأبي مسعود وحذيفة وخباب بن الأرت وأم سلمة ﵃، وعنه ابنه عبد الرحمن وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وعمارة بن عمير والسري بن إسماعيل. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن سعد: عُرف بالقرّاد للزومه علي بن أبي طالب، ووثقه العجلي وابن نمير، ويقال له: سعيد بن أبي خيرة. مات سنة ٧٥ وقيل: ٧٦ والله أعلم. ٦ - خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد التميمي، كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا وكان قيّنًا في الجاهلية، روى عن النبي ﷺ وعنه أبو أمامة الباهلي وابنه عبد الله بن خباب وأبو معمر عبد الله بن الشخير وقيس بن أبي حازم ومسروق بن الأجدع وعلقمة بن قيس وأبو وائل وحارثة بن مضرب وأبو الكنود الأزدي وأبو ليلى الكندي وأرسل عنه مجاهد والشعبي وسليمان بن أبي هند -ويقال: ابن هندية. نزل الكوفة ومات سنة ٣٧ وهو ابن ٧٣ سنة أو ستين، وصلَّى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع وكان من المهاجرين الأولين. قال ابن سعد: أصابه سباء في الجاهلية فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة وأسلم قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم، وكان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة. وحكى البارودي أنه أسلم سادس ستة، وحكى ابن عبد البر أنه شهد صفين مع علي ﵄، قال: وقيل مات سنة ١٩ وصلى عليه عمر، وقال أبو الحسن ابن الأثير: الصحيح أنه لم يشهد صفين، منعه من ذلك مرضه، وقال ابن حبان: مات منصرف علي من صفين وصلّى عليه علي ﵄. قلت: والقول بأنه مات سنة ١٩ ثبت في الحديث الصحيح في قصة الكي ما يدل على بطلانه. • التخريج أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه والبيهقي وأبو عوانة في مسنده، وفي

стр. 1109

رواية عنده: حر الرمضاء في صلاة الهجير، وهي رواية الثوري عن أبي إسحاق، وأخرجه ابن حبان في صحيحه وعبد الرزاق في المصنف. • بعض ما يتعلق به قوله: (شكونا) من شكا يشكو: إذا تضرر من شيء وطلب إزالته عنه، وقوله: (حرّ الرمضاء) هي حرارة الرمل ونحوه من شدة حر الشمس. قال ذو الرمَّة: معروريًا رمض الرضواض يركضه ... والشمس حيرى لها في الجو تدويم ومنه قوله ﷺ : "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" أي تلجئها الحرارة إلى الظل تتقي به حرٌ الرمضاء، والمراد: ما يصيب أقدامهم من حرها إذا خرجوا إلى الصلاة في أول وقت الظهر عند اشتداد الحر، فطلبوا منه تأخير الصلاة حتى تبرد الأرض على أقدامهم، ويحتمل أن المراد مشقة السجود عليهم، كما جاء في الحديث الآخر أنهم كانوا يسجدون على ثيابهم. وقوله: (فلم يشكنا) أي لم يزل عنا ما شكونا منه، يقال: أشكاه إذا حمله على الشكوى، وأشكاه أيضًا إذا أزال عنه ما يشكو منه، وهو المراد في رواية أبي عوانة: فما أشكانا، ومثلها لعبد الرزاق، أي فلم يجبهم إلى طلبهم. وليس في الحديث ذكر للصلاة، لكن في قول أبي إسحاق. حينما سئل عن ذلك أنه في تعجيل الصلاة فقال: نعم، فبينت هذه الجملة المراد من الحديث، وكذا الزيادة المتقدمة في رواية الثوري عن أبي عوانة. وهذا يشكل عليه الأمر بالإبراد عند شدة الحر، فيحتمل أن هذا الذي ذكره خباب قبل الرخصة، ويحتمل وهو الظاهر عندي أنهم طلبوا شيئًا زائدًا على الإبراد الوارد في الرخصةٌ، فإن العادة تقضي بأن الرمضاء لا تبرد بعد شدة حرها إلا في وقت متأخر كثيرًا، ويحتمل أن ذلك كان في حق من لا يشق عليهم حضور الصلاة، والإبراد في حق من تشق عليهم، لكن ظاهر الحديث يشهد لحصول المشقة. ويحتمل أن المراد بيان أن الإبراد رخصة والتعجيل عزيمة، فكان يأخذ بالعزيمة، وفيه نظر لما عرف من حبه ﷺ للتيسير على الأمة. وبكل من هذه الاحتمالات قال بعض من الناس، وأما ما ذكر عن ثعلب من أن قوله: (لم يشكنا) أي: لم يحوجنا إلى الشكوى وأمرنا) بالإبراد؛ فهو بعيد.

стр. 1110

• بعض فوائده وفي الحديث دليل على تعجيل الصلاة وفعلها عند زوال الشمس، وأن ذلك كان من عادته ﷺ ، وفيه: دليل على أنه ﷺ لم يكن يجيبهم إلى كل ما طلبوا من الترخيص، وفيه: جواز الشكاية من المشقة إذا حصلت في الطاعة والله أعلم. ولا يعارض هذا الحديث ما ثبت عنه ﷺ من أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لأن ذلك في المباح له والمأذون فيه بالتوسع والله أعلم، ولهذا جاء في نفس الحديث: ما لم يكن إثمَا، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه. باب تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ ٤٩٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ الْعَائِذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَتْ بِنِصْفِ النَّهَارِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ بِنِصْفِ النَّهَارِ. • [رواته: ٥] ١ - عبيد الله بن سعيد اليشكري: تقدم ١٥. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - حمزة العائذي بن عمرو أبو عمرو الضبي البصري، روى عن أنس وعلقمة بن وائل وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعنه ابنه عمر وعنطوانة السعدي وعوف الأعرابي وشعبة. قال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، ووهم من زعم أنه جمرة بالجيم والراء المهملة، وقال الأزدي: جمرة الضبي ضعيف. قال ابن حجر: أخشى أن يكون تصحفًا عليه من حمزة النَّصيبي والله أعلم. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.

стр. 1111

• التخريج أخرجه أحمد في باب الجمع وأبو داود. • بعض ما يتعلق بالحديث قوله: (حتى يصلي الظهر) أي قبل ارتحاله إذا كان نزوله أول النهار، وذلك صادق بأن يكون المراد به حالة الجمع لها مع العصر جمع تقديم، وصادق بصلاتها مفردة وهو القدر المنصوص في الحديث، وأما في حالة الجمع إنما هي بدليل آخر. والمراد بقوله: (وإن كانت نصف النهار) أي: في أول وقتها لأنه نصف النهار شرعًا وعرفًا، ولهذا يقال لما قبل الزوال: أول النهار، ولما بعده: آخر النهار، لا أنه أراد بذلك قبل دخول الوقت أي قبل زوال الشمس، فإن هذا لم يقل به أحد ولم يفعله. فالحديث فيه دليل على المبادرة إلى فعلها ولو كان الإنسان في السفر، وعلى محل جواز جمع التأخير إذا زالت الشمس وهو سائر على ظهر سيره، ويستثنى من هذا صلاة الظهر في يوم الرمي الأخير؛ فإن السنة صلاتها بالأبطح بعد أن يرمي الجمار بعد الزوال. باب تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي الْبَرْدِ ٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ. • [رواته: ٤] ١ - عبيد الله بن سعيد: تقدم ١٥. ٢ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري أبو سعيد مولى بني هاشم نزيل مكة، يلقب جردقة. روى عن أبي خلدة خالد بن دينار وصخر بن جويرية وأبان العطار ووهيب وهمام وزائدة وزهير بن معاوية وأبو حرّة وحماد بن سلمة وشعبة وجماعة، وعنه أحمد بن حنبل وعلي بن محمد الطنافسي وعبد الله بن محمد بن المسور وعبد الله بن سعد أبو قدامة وابن أبي عمر العدني وهارون بن

стр. 1112

الأشعث النجاري وغيرهم. قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ما كان به بأس. وقال الطبراني: ثقة، ووثقه البغوي والدارقطني وذكره ابن شاهين في الثقات، وقال الساجي: يهم في الحديث، وعن أحمد: أنه كثير الخطأ، وعنه أيضًا: أنه كان لا يرضاه. مات سنة ١٩٧ والله أعلم. ٣ - خالد بن دينار أبو خلدة التميمي السعدي البصري الخياط، روى عن أنس والحسن وابن سيرين وأبي العالية وغيرهم، وعنه ابن مهدي ويحيى القطان وابن المبارك ووكيع وعبد الصمد بن عبد الوارث ويونس بن بكير وحرمي بن عمارة وبشر بن ثابت البزار وخالد بن الحارث وأبو داود الطيالسي ومسلم بن إبراهيم وأبو نعيم وغيرهم. عن يحيى بن معين: صالح، وقال فيه أيضًا: ثقة وقال يزيد بن زريع: حدثنا أبو خلدة وكان ثقة، وقال ابن مهدي: كان مأمونًا خيرًا وثَّقهُ شعبة وسفيان، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو زرعة: هو أحب إلي من الربيع بن أنس وقال ابن سعد: ثقة وله سن وقد لقي وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وفي تاريخ البخاري: قال ابن مهدي: كان خيَّرًا صدوقًا مسلمًا، وقال ابن حبان في الثقات: كان ابن مهدي يحسن الثناء عليه، وقال ابن عبد البر في الكنى: ثقة عند جميعهم. مات سنة ١٥٢ والله أعلم. ٤ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. • التخريج أخرجه البخاري. قوله: (إذا كان الحر) (كان) هنا تامة (والحر) فاعل، أي: إذا وجد أو حصل الحر. وقوله: (أبرد) أي أخر الصلاة حتى يبرد الوقت قليلًا، وسيأتي الكلام على الإبراد قريبًا إن شاء الله تعالى. الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ ٤٩٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".

стр. 1113

• [رواته: ٦] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - الليث بن سعد الفهمي المصري: تقدم ٣٥. ٣ - محمَّد بن مسلم بن شهاب: تقدم ١. ٤ - سعيد بن المسيب: تقدم ٩. ٥ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: تقدم ١. ٦ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود وابن الجارود والدارمي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (إذا اشتد الحر) تقدم الكلام على (إذا) أول الكتاب. وقوله: (اشتد) أي: صار الوقت شديد الحرارة، (فأبردوا) أمر من الإبراد، وهو فعل الشيء في الوقت البارد، يقال: أبرد به إن أخره إلى وقت البرد، ويقال: أبرد الرجل إذا دخل في وقت البرد والمراد بالإبراد هنا إبراد نسبي بحيث لا يخرج الصلاة عن وقتها المختار، وهو القامة الأولى وقدّره بعضهم بذهاب ربع القامة، فإن الحر ينكسر قليلًا عند ذلك. وأما تأخير الصلاة إلى أن يذهب الحر كليَّةً؛ فهذا غير مراد باتفاق لأنه يضيع الوقت، وقد ثبت في ذلك قول الصحابي فقال: أبَرَدَ حتى رأينا فيءَ التلول، وهذا أحسن ما يعتمد عليه في تحديد المطلوب من الإبراد، كما في حديث أبي ذر عند البخاري وغيره. وفيء التلول يظهر عند إنكسار الظل إلى الشرق بعد الزوال، وقد ذكر العيني أن الحنفية قدروه بصيرورة ظل كل شيء مثليه، وبنوا على ذلك تأخير العصر وهذا يخرج كلا من الصلاتين من وقتها المختار. وقد اختلفوا في هذا الأمر: هل هو للرخصة ومن صلى في شدة الحر أفضل له لأنه أخذ بالعزيمة؟ أو هو للندب والإستحباب؟ أو هو في حق بعض الناس دون بعض وهم: من تلحقهم المشقة في معاناة الصلاة دون غيرهم أو المسافرين دون غيرهم؟ وتقدمت الإشارة إلى

стр. 1114

شيء من هذا في شرح حديث (٤٩٢). وقوله: (عن الصلاة) (عن) هنا إما بمعنى الباء أي: بفعلها، كما في الروايات الأخر: بالصلاة، ويحتمل أنها زائدة هي للتعدية أي: تأخروا عن فعلها إلى أن تدخلوا في وقت الإبراد. والمراد بالصلاة: الظهر، كما هو صريح في رواية أبي سعيد عند البخاري، وهو للبيهقي وابن السراج عن الأعمش بلفظ: الظهر، وقد تقدم أنه كان يصليها بالهاجرة، وأن الصحابة شكوا إليه حرّ الرمضاء فلم يشكهم، وتقدم أن ذلك إما أنه كان قبل الرخصة فتكون الرخصة ناسخة له، واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة، كنا نصلي مع النبي ﷺ الظهر بالهاجرة ثم قال لنا: أبردوا بالصلاة، وهو كما قال ابن حجر: رجاله ثقات. رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . أو أن الذي طلبوا شيئًا زائدا على ما وردت به الرخصة، كما ثبت أيضًا أنهم كانوا يضطرون أحيانًا إلى السجود على الثياب من شدة الحر، وهو كالذي قبله. ٤٩٨ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ح وَأَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى يَرْفَعُهُ قَالَ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ الَّذِي تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. • [رواته من جميع طرقه: ١٠] ١ - إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: تقدم ١٧٤. ٢ - عمر بن حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي أبو حفص الكوفي، روى عن أبيه وابن إدريس وأبي بكر بن عياش وعثمان بن علي ومسكين بن بكير، وعنه البخاري ومسلم، ثم رويا له هما وأبو داود والترمذي والنسائي بواسطة محمَّد بن أبي الحسن السيناني، وأحمد بن يوسف السلمي وهارون الحمال وأحمد بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن يحيى الذهبي وإبراهيم

стр. 1115

الجوزجاني وإبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ، وقال أبو داود: تبعته إلى منزله ولم أسمع منه شيئًا. مات سنة ٢٢٢ في ربيع الأول، قال العجلي وأبو زرعة: ثقة، وعن أحمد: صدوق، والله أعلم. ٣ - أبو حفص بن غياث: تقدم ١٠٥. ٤ - يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن وقيل في نسبه غير ذلك، المرّي الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي إمام الجرح والتعديل، روى عن عبد السلام بن حرب وعبد الله بن المبارك وحفص بن غياث وعبد الرزاق ووكيع وغندر وحجاج بن محمَّد وحسين بن محمد وعبد الوارث والقطان وحماد بن خالد وابن مهدي وخلق غير هؤلاء، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود، ورووا عنه أيضًا هم والباقون من أصحاب الكتب الستة بواسطة عبد الله بن محمد المسندي وهناد بن السري وهما من أقرانه، والفضل بن سهل الأعرج وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وعنه أحمد بن حنبل وداود بن رشيد وأحمد أبي الحواري وابن سعد وأبو خيثمة وهم من أقرانه والذهلي عبيد الله التمار المقرئ وهو آخر من روى عنه وخلائق يطول عدّهم. قيل: كان أبوه معين على خراج الري، فخلّف لابنه يحيى ألف ألف درهم فأنفقها كلها على الحديث. قال ابن المديني: ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين، ورووا عنه أنه قال: كتبت بيدي ألف ألف حديث، وخلف كتبا كثيرة. قال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث وعرف به، وكان لا يكاد يحدث. قال ابن المديني: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده يحيى بن معين، وفي رواية: إلى ابن المبارك وبعده إلى يحيى بن معين. قال أبو زرعة: ولم ينتفع به لأنه كان يتكلم في الناس. قلت: وقد انتقد عليه ذلك حتى قال فيه بعضهم: ولابن معين في الرجال مقالة ... سيسأل عنها والمليك شهيد فإن تك حقًا فيهم فهي غيبة ... وإن تك زورا فالعقاب شديد وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قد انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به،

стр. 1116

ويحيى بن معين أكتبهم له، وفي رواية: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين. والثناء عليه ﵀ كثير، قال الخطيب: كان إمامًا متقنًا، قال ابن أبي خيثمة: ولد ابن معين سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول ﷺ سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة إلا نحوًا من عشرة أيام، وقال عبد الله بن أحمد: قال فيه بعض أهل الحديث: ذهب العليم بعيب كل محدث ... وبكل مختلف من الإسناد وبكل وهم في الحديث ومشكل ... يعيى به علماء كل بلاد ٥ - عمرو بن منصور: تقدم ١٤٧. ٦ - الحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي الكوفي، روى عن إبراهيم بن يزيد وإبراهيم بن سويد النخعيين وإبراهيم بن يزيد التيمي وزيد بن وهب وأبي عمرو الشيباني وجماعة غيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وزائدة وأبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث وغيرهم. قال ابن المدينى: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر، وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال الساجي: صدوق، وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيهما أعجب إليك: الحسن بن عبيد الله أو الحسن بن عمرو؟ قال: الحسن بن عمرو وأثبتهما، وهما جميعًا ثقتان صدوقان، وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة، وقال البخاري: لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب، وضعفه الدارقطني بالنسبة إلى الأعمش فقال في العلل بعد أن ذكر حديثًا للحسن خالفه الأعمش: الحسن ليس بالقوي، لا يقاس بالأعمش، والله أعلم. ٧ - إبراهيم بن يزيد النخعي: تقدم ٣٣. ٨ - يزيد بن أوس: كوفي روى عن أبي موسى وامرأته وثابت بن قيس النخعي وعلقمة، وعنه إبراهيم النخعي. قال علي بن المديني: نظرت فإذا قلَّ رجل من الأئمة إلا قد حدث عن رجل لم يرو عنه غيره، قال له رجل: فإبراهيم النخعي عمن روى من المجهولين؟ قال: روى عنه يزيد بن أوس، عن علقمة يزيد بن أوس لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم، وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.

стр. 1117

٩ - ثابت بن قيس بن منقع النخعي أبو المنقع الكوفي، روى عن أبي موسى الأشعري في الإبراد بالظهر، وعنه يزيد بن أوس وأبو زرعة بن عمرو بن جرير. روى له النسائي حديثا واحدًا. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عن ابن مسعود، والله تعالى أعلم. ١٠ - أبو موسى عبد الله بن قيس ﵁: تقدم ٣. الحديث من رواية أبي موسى لم أقف عليه في هذه الرواية، انفرد بها المصنف، وحديث الإبراد عن أبي هريرة وغيره تقدم وسبق الكلام عليه. آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ٤٩٩ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلًا، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ وَصَلَاتِكَ الْيَوْمَ. • [رواته: ٥] ١ - الحسين بن حريث: تقدم ٥٢. ٢ - الفضل بن موسى السيناني: تقدم ١٠٠. ٣ - محمد بن عمرو بن علقمة: تقدم ١٧. ٤ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدم ١. ٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.

стр. 1118

• التخريج أخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم، وهو في صحيح ابن حبان من حديث جابر بدون قوله: (هذا جبريل)، وعند الترمذي وأبي داود وابن خزيمة وابن الجارود من حديث ابن عباس بلفظ: أمَّني جبريل عند البيت مرتين، وفي آخره وزاد في آخره: هذا وقت الأنبياء من قبلك، وعند أبي داود بعد ذكره للحديث وقول جابر في المغرب قال: وكذا روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا أن رواية جابر الظاهر فيها الإرسال؛ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في مكة وفي بعض الروايات صبيحة الإسراء، وحديث أبي هريرة وكذا حديث ابن عباس في كل منهما التصريح بالرفع وحكاية قول النبي ﷺ ، إلا أن عدم تصريح جابر بالرفع لا يقدح كما هو معلوم من أن مثل هذا يحمل على أنه سمعه من النبي ﷺ ، وعلى تجويز عدم سمعه منه فيكون سمعه من الصحابة، وذلك بمثابة رفعه لأن جهالة عين الصحابي لا تضر، وهذا له نظائر في السُّنة. وتقدم (٤٩١) أن الحديث -حديث إمامة جبريل- رواه ثمانية من الصحابة، وفي رواية عند الدارقطني يذكر تفصيل عدد الركعات وبيان ما أسر فيه وما جهر. • اللغة والإعراب والمعنى (هذا جبريل) ظاهر هذه اللفظة أن أبا هريرة شهد القصة، وهو لم يشهدها لأنها بمكة، فيكون على تقدير: قال رسول الله ﷺ لمن معه من المسلمين، ويكون أبو هريرة حكى ذلك على ما سمعه منه أنه قال لهم أو أخبره به بعضهم. وتقدم الكلام على لفظ جبريل في حديث الإسراء، والهاء في (هذا) للتنبيه كما تقدم، وهذا اسم إشارة للمذكر الحاضر، لأنه قال لهم هذه المقالة عند نزول الملك إليه، فمن الجائز أن يكونوا رأوه في صورة إنسان فأشار لهم إليه، ومن الجائز أن يكون أخبرهم بحضوره وإن لم يشاهدوه. وقوله: (جاءكم) نزل إليكم بأمر الله، (يعلمكم دينكم) أي يعلمكم كيفيه الصلاة التي من أهم أمور دينكم، وإطلاق اسم الدين عليها يحتمل أنه على سبيل المبالغة في أهميتها في الدين، كقوله: الدين النصيحة، ويحتمل أنه من تسمية الجزء باسم الكل. وقوله: (فصلى الصبح) أي صلاة الصبح، والفاء عاطفة للصلاة على

стр. 1119

النزول، أي على أنه بعدما نزل صلى، لأن نزوله في هذا الوقت كان لبيان الصلاة بعد دخولها. وظاهره أن جبريل صلى بالفعل وصلى بعده النبي ﷺ ، وحمله بعضهم على المجاز وأن جبريل لم يصل، وإنما كان يعلم الصلاة بالإشارة ونحوها، ولا يخفى ما فيه. وتقدم أنه جاء في بعض الروايات: أمَّني، وهو ظاهر في أنه صلى إماما به، ولا شرع ولا عقل يحمل التأويل لعدم المانع في ذلك، وإنما الحامل عليه أن بعضهم استدل به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وحكم بأن صلاة جبريل كانت نافلة عليه. وكونها نافلة عليه يحتاج إلى دليل، وليت شعري من أين علم هذا القائل أنها نافلة؟ ومعلوم أنه لم ينزل ويفعل هذا الفعل إلا بأمر الله، وإذا أمر به فقد وجب عليه. وقد تقدم (٤٩١) في حديث بشير بن أبي مسعود عن أبيه أنه قال -أعني جبريل: بهذا أمرت، وأنه رُوي بفتح التاء على أن المأمور النبي ﷺ ، وبضمها على أن المأمور جبريل. والتحقيق أن كل منهما مأمور وفاعل لما أمر به، وقد قال جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ربك، وفي بعض الروايات عن ابن عباس وغيره أنه ائتم به والناس يأتمون بالنبي ﷺ . فقوله: (فصلى الفجر) في هذه الرواية أن أول صلاة صلاها الفجر. وفي الروايات الأخر أنها الظهر وبذلك سميت الأولى، وبنى عليه بعضهم تعليل البداءة بها لأنها أشهر، والتعليم فيها أظهر من صلاة الفجر لأن الغالب على الناس الغفلة. قال ابن عبد البر ﵀: كانت إمامة جبريل له ﷺ في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء، فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبي ﷺ من الليلة التي أسري به فيها؛ لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، فأمر فَصِيحَ بأصحابه: الصلاة جامعة؛ فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي ﷺ وصلى النبي ﷺ بالناس، وطول الركعتين الأوليين ثم قصر الباقيتين، وهذا يدل على أن ذلك صبيحة الإسراء، وأن أول صلاة وقع بها البيان صلاة الظهر. وكذا روى ابن إسحاق في المغازي عن نافع بن جبير وهو عندهما -أي عند عبد الرزاق وابن إسحاق- مرسل، ولكنه في أبي داود منه رواية نافع بن جبير عن ابن عباس، وإن كان في المذكور زيادة فالظاهر أن الساقط فيه هو ابن عباس، كما في الروايات الأخرى عند أبي داود وغيره.

стр. 1120

وقد روى الدارقطني من طريق قتادة عن أنس: أن جبريل أتى النبي ﷺ بمكة حين زالت الشمس وأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت، فقام جبريل أمام النبي ﷺ وقام الناس خلف رسول الله ﷺ . قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله ﷺ ويأتم رسول الله ﷺ بجبريل، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله ﷺ ويأتم رسول الله ﷺ بجبريل، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات، بجهر في الأوليين بالقراءة ولا يجهر في الأخريين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. هكذا ساق إسناد هذا الحديث: حدثنا أبو طالب أحمد بن نصر: حدثنا أبو حمزة إدريس بن يونس بن نياف الفراء: حدثنا محمد بن سعيد بن جدار: حدثنا جرير بن حازم عن قتادة عن أنس فذكره. ثم ساق إسناده من طريق آخر: حدثنا ابن مخلد حدثنا أبو داود حدثنا ابن المثنى: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ نحوه مرسلًا، ثم ذكر رواية ابن عمر من طريق ابن إسحاق عن عتبة بن مسلم عن نافع عن ابن عمر قال: لما فرضت الصلاة نزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فصلى به الظهر وذكر المواقيت، وهكذا أخرج البيهقي حديث أبي مسعود من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن سليمان بن بلال يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن مجمر بن حزم عنه قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: قم فصلّ، وذلك دلوك الشمس حين مالت الشمس، فصلى الظهر أربعًا، ثم ذكر الحديث وأتبعه بالأثر الثابت عن الحسن البصري أن ذلك صبيحة الإسراء وفيه: أن الصلاة الرباعية صلاها كذلك. فتحصل من هذا أن سائر من روى هذه القصة صرحوا بأن أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ صلاة الظهر، فلهذا يتعين صرف هذه اللفظة في حديث أبي هريرة عن ظاهرها: (فصلى الفجر)، لأن ظاهرها أن أول صلاة صلاها هي الفجر، فيحمل على أن أبا هريرة لم يقصد ترتيب فعل جبريل في البداءة، وإنما قصد بيان الأوقات في الجملة

стр. 1121

فتكون الفاء عاطفة لمطلق تلك الصلاة، لا بقيد كونها أول ما صليت على ذكر نزول جبريل المذكور في قوله: (هذا جبريل) لتتفق الروايات. قوله: (حين طلع الفجر) طلع أي: ظهر للأعين، والفجر ضوء الصباح وهو ظهور حمرة الشمس في سواد الليل، وهما فجران أولهما يسمى الكاذب ويوصف بالمستطيل لأنه يظهر ممتدًا من جهة المشرق مرتفعًا إلى أعلى، ويسمونه أيضًا ذنب السرحان تشبيهًا له، والآخر المستطير وهو الذي يبدو ممتدًا يمينًا وشمالًا منتشرًا في الأفق، وهو الصادق وإليه ينصرف النظر عند الإطلاق شرعًا؛ لأنه هو المعتبر في تحريم الأكل والشرب والجماع على الصائم، وهو الذي تجب به الصلاة وهو بمثابة الشفق من أول الليل، فأل فيه للعهد الذهني. وانفجر الصبح وتفجرَّ وانفجر عنه الليل وأفجر القوم: دخلوا في الفجر، كأمسوا إذا دخلوا في المساء. قال الشاعر: فبما أفجرت حتى أهب بسدفة ... علاجيم عين انبى صباح تثيرها و(حين) ظرف زمان والتعبير به يدل على أن الصلاة وقعت مقارنة للطلوع مباشرة، وقوله: (وصلى الظهر) أي صلى جبريل بالنبي ﷺ صلاة الظهر حين زاغت الشمس، والظهر بالضم: ساعة زوال الشمس عن كبد السماء، وقال ابن الأثير: هو اسم لنصف النهار، سمي به من ظهيرة الشمس، ومنه سمّيت الصلاة التي تفعل فيه، وقيل: لأنها أول صلاة أظهرت -أي صليت- بعد فرض الصلاة. والظهيرة: الهاجرة، وقيل: شدة الحر عند انتصاف النهار وهو مخصوص بالصيف، ولا يقال فى الشتاء: الظهيرة؛ لعدم الحر، وأظهر القوم: دخلوا فيها، وجاءوا مظهرين كمصبحين. قال ابن مقبل يصف مطرًا: فأضحى له جلب بأكناف شرمة ... أجش سماكي من الوبل أفضح وأظهر في إعلان رقد وسيله ... علاجيم لا ضحل ولا متضحضح. اهـ وقوله: "أظهر في إعلان رقد": نزل على هذا المكان في وقت الظهيرة. وقوله: (حين زاغت) أي مالت عن وسط السماء، والزيغ: الميل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾، لأن الشمس تسير من المشرق حتى إذا توسطت في السماء انتهى تقلص الظل وذلك وقت الإستواء، وإن بقي شيء من الظل فهو ظل الزوال، فإذا تحركت إلى جهة الغرب قيل: مالت وزاغت وزالت

стр. 1122

الشمس. وقوله: (ثم صلى العصر) أي صلاة العصر، والعصر: العشي إلى احمرار الشمس، والصلاة مضافة إلى ذلك الوقت. قال الشاعر: تروح بنايا عمر وقد قصر العصر ... وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر والعصر مثلثًا: الدهر، وهو كل مدة ممتدة غير محدودة تجمع أممًا، ومن ضمه قول امرئ القيس: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي أي الدهر، ويطلق العصر على اليوم وعلى الليلة فهما العصران، قال حميد بن ثور ﵁: ولن يلبث العصران يوم وليلة ... وإذا طلبا أن يدركا ما تيمّما ويقال: العصران: الغداة والعشي، قال الشاعر: وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم أي أعده أول النهار وآخره وأمطله. وقوله: (حين رأى الظل مثله) أي ظل كل شيء مثله، والظل أصله الستر، وكل شيء سترك عن الشمس فهو ظل، وإذا كان في آخر فهو فيء لأنه يرجع من جهة المغرب إلى جهة المشرق، ولا يقال للظل أول النهار: فيء، قال حميد ﵁: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق وقوله: (مثله) أي مثل صاحب الظل من الشخوص، ولا يعتبر في ذلك ظل الزوال كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: (ثم صلى المغرب) أي صلاة المغرب، سميت بذلك لأنها تفعل عند غروب الشمس ولهذا قال: (حين غربت الشمس). وقوله: (حلّ فطر الصائم) جاء وقت فطره لأنه عند غروب الشمس يحل له الفطر، (ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل) والعشاء أي صلاة العشاء، سميت كذلك باسم الوقت الذي تُفعل. وشفق الليل: قيل: حمرته وقيل: بياضه، وسيأتي الخلاف في ذلك. وقوله: (ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر) قوله (الغد) ظرف لـ (جاء) أي في صباح اليوم الذي بعد اليوم الأول، فصلى به الصبح حين أسفر إسفارا قليلًا؛ بمعنى أنه لم يؤخرها إلى قريب من الطلوع بل عند إسفار الوقت في أوله. (ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله) وهو وقت صلاته للعصر في اليوم الأول، و (كان) هنا بمعنى:

стр. 1123

صار الظل مثليه، (ثم صلى المغرب لوقتها الأول) يعني أنه لم يؤخرها لوقتها بالأمس، (ثم صلى العشاء حين ذهبت ساعة من الليل) يعني أنه أخرها عن وقتها الأول، (ثم قال) يعني جبريل للنبي ﷺ : (الصلاة) أي: وقت الصلاة فيما بين وقت صلاتك بالأمس ووقت صلاتك اليوم، يعني أن الوقت موسع عليك في أدائها، وهذا لا ينافي فضيلة أول الوقت كما سنبينه إن شاء الله. و (أمس) بالبناء على الكسر لأنه أراد به اليوم بعينه. • الأحكام والفوائد قوله ﷺ : (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) تقدم أنه محمول على أنه حكى ما خاطب به الناس عند نزول جبريل، وذلك صبيحة الإسراء إلا أنه قال ذلك حينما سمع أبو هريرة الحديث، لأن ذلك بعد المسألة بزمن. وفيه دليل: على تسمية الصلاة دينًا لأنها من أهم أسس الدين، وفيه أن من علّم شخصًا بواسطة غيره يكون معلمًا له، لأنه علّمهم بواسطة النبي ﷺ وتقدم أن ظاهره يدل على أن أول صلاة صلاها به الصبح، وهذا مخالف لسائر روايات الحديث لأنها متفقة على أن أول ما صلى به الظهر، ولذا سميت الأولى، فيحمل على أن أبا هريرة لم يقصد الترتيب، وإنما قصد بيان الأوقات من غير اعتبار للأولية، والحامل على ذلك الجمع بين الروايات. وفيه دليل على أن أول وقت الصلاة أفضل، لأنه صلى الأوقات أول يوم في أوائل الأوقات، وهذا يدل على أن ذلك أفضل ثم بيّن وقت الجواز في اليوم الثاني، فدل ذلك على أن الأفضل في الصلاة تعجيلها في أول الوقت، إلا ما خصّه الدليل على القول بأنه أفضل، كالإبراد بالظهر وتأخير العشاء. وتقدم أن بعض العلماء استدل بصلاة النبي ﷺ مقتديًا بجبريل والناس يقتدون به؛ بجواز الإقتداء بالمتنفل للمفترض، وتقدم أنه غير مسلم أن الصلاة كانت نفلًا على جبريل، فلا يتم الإستدلال بذلك. أما الإقتداء بالمقتدي فلا يتم أيضًا الإستدلال بالحديث عليه، لأنه مبني على أن الإِمام النبي ﷺ وهو مقتدٍ بجبريل، وهذا على فرض أنه هو الإمام لا يصح الإستدلال به؛ لأنه مسألة خاصة للتعليم مع احتمال أن جبريل هو الإِمام والنبي ﷺ مبلغ، وهذا هو ظاهر الأحاديث أن الناس اقتدوا بجبريل وهم لا يرونه، ومن الجائز أن يكون في صورة إنسان قد

стр. 1124

رأوه ساعة الصلاة، وليس في الحديث ما ينفي ذلك، وغاية ما في الأمر أن يكون المأمومون لا يرون الإِمام ويرون المبلغ، وهذا متفق على جوازه. والحديث دليل على فضل الصلاة وعظم شأنها وعناية الرب بها، حيث لم يقتصر في بيانها على الكلام حتى بُيّنت بالفعل، وكذلك دلَّ قوله: يعلمكم دينكم -والمراد الصلاة: على أهم أمور الدين على المسلمين، وتقدم أنها الفارق بين المسلم والكافر. وفيه: دليل على توسعة الله لهذه الأمة في أمور الدين، وعلى أن للصلاة وقتًا موسعًا فيه في كل الأوقات ما عدا المغرب- على الخلاف فيها، وذلك لا ينافي أفضلية أول الوقت على آخره لمن ليس معذورًا. قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: (أجمعت الأمة على أن للصلاة وقتين: وقت سعة وسلامة ووقت ضيق ومعذرة. فأما وقت الضيق والمعذرة فيأتي إن شاء الله، وأما وقت الرفاهية والسعة فهو المبيَّن في هذه الأحاديث المذكورة أيضًا) يعني حديث ابن عباس في صلاة جبريل، وحديث بريدة في فعل النبي ﷺ للسائل عن الأوقات مثل فعل جبريل، وحديث أبي هريرة أن للصلاة أولًا وآخرا، ونحوها من الأحاديث. ثم قال: (فأما وقت الظهر فنحن بها نبدأ اقتداءً بجبريل ﵇ في الإبتداء ببيان وقتها. فيدخل إذا زالت الشمس عن وسط السماء وأخذ الظل في الزيادة، وذلك أن الشمس إذا طلعت كان الظل طويلًا ثم ينتقص حتى تقف ثم تأخذ في الزيادة، فإذا أخذ في الزيادة فذلك الزوال ويحل حينئذٍ وقت الظهر، لا خلاف بين الأمة فيه، وهو الدلوك المذكور في القرآن في أصح القولين، ثم لا يزال وقتها الواسع ممتدًا حتى يصير ظل كل شيء مثله، فيخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر على تفصيل يأتي. قال: وبهذا قال جمهور الأئمة، إلا أنه روي عن أبي حنيفة في ذلك قولان ضعيفان أحدهما: أن وقت الظهر يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وحينئذٍ وقت العصر. الثاني: أنه إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر، ولم يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه. قال: فأما هذه فلا وجه لها، وأما الأولى فحجته: حديث ابن عمر المشهور في ضرب المثل للأمم، وفيه: أن اليهود عملوا إلى الظهر بقيراط، وعملت النصارى إلى العصر بقيراط،

стр. 1125

وعملنا إلى الليل بقيراطين. ووجه استدلالهم أن الطائفتين قالتا: ما بالنا أكثر عملًا أقل أجرًا، ولا يكون ذلك إلا أن يكون ما بين الظهر والعصر أكثر مما بين العصر والمغرب، وذلك يقتضي أن تكون صلاة العصر بعد أن يكون الظل مثليه). وردَّه ﵀ بأن النصارى لم يقولوا ذلك منفردين به حتى يلزم منه ما ذكر، بل المذكور أن الطائفتين معًا قالتا ذلك، ولا شك أن من أول النهار إلى العصر أكثر مما بعد العصر إلى الليل. قال ابن العربي ﵀: (ثم العجب منهم تركوا أحاديث الأوقات المبنيّة للنبي ﷺ والخلفاء والصحابة، وعدلوا إلى ضرب المثل ومضيق التأويل وما هذا بفعل أرباب التحصيل، ولا تترك النصوص للتأويلات ولو صحت) اهـ. واستدل بالحديث من قال: إن الظهر تشترك مع العصر في أول وقتها، وهو مالك وابن جرير والمزني من أصحاب الشافعي وأبو ثور وغيرهم، وقد نسب إلى الشافعي القول بأن بين الوقتين فاصل من الوقت ليس من أحدهما، وأنكره ابن حجر وقال: إن المروي أن الوقت منفصل عن الوقت، ومراده نفي الإشتراك. إلا أنهم اختلفوا في كيفية الإشتراك، فقال مالك: يدخل العصر على الظهر، فإذا صار الوقت قبل أن يصير ظل كل شيء مثله وبقي للظهر مقدار أربع ركعات؛ فذلك داخل في أول وقت العصر فتشترك الصلاتان فيه، وعند بعضهم وهو رواية أشهب عن مالك: أن ذلك الإشتراك إنما هو في أول القامة أي بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه، فيدخل وقت العصر ويبقى مقدار أربع ركعات من وقت الظهر. وهذا الخلاف ينبني على تغير لفظة (صلى) في اليوم الأول منها والثاني، لأن صلى يحتمل: شرع، ويحتمل: فرغ من. فإن قلنا إن قوله: (صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله) أي فرغ؛ فيكون قد صلاها في آخر وقت الظهر، وإن قلنا إنه بدأ بها؛ فيكون لم يشرع فيها إلا بعد إنتهاء القامة. فلما كان المقصود بيان أوله وآخره رأى بعض العلماء أن معنى (صلى) في اليومين مختلف، ففي اليوم الأول (صلى) بمعنى: بدأ بها، وفي اليوم الثاني (صلى) بمعنى: فرغ منها، لكن من قال: إن الظهر دخلت في وقت العصر؛ يستدل بقوله في الرواية: لوقت العصر بالأمس، فهذا صريح في أن الظهر لم تصل في اليوم الثاني إلا بعد صيرورة ظل كل شيء مثله، لأن ذلك وقت ابتداء العصر في اليوم الأول.
следующие страницы →