← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كما قالوا: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ولهذه المسألة نظائر كقوله: "لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة" الحديث، وفيه دليل على ما ترجم له المصنف من أن السواك مطلوب في جميع النهار وعلى أي حال، فهو حجة على استحبابه للصائم وغيره، ولا يعارض ذلك حديث الخلوف، لما سيأتي إن شاء الله أن الخلوف ناشئ عن خلوّ المعدة وبُعْدِ عهدها بالطعام، وهذا السبب في ترتيب الثواب عليه، وهذا السبب لا يزول بالسواك، فالخلوف محبوب عند الله من أجل تأثير رضاه في ترك الشهوة على ما يحبه الإنسان، وليس المحبوب عند الله ترك الوسخ في الفم والأسنان، والله أعلم. ٨ - باب السِّوَاكِ فِي كُلِّ حِينٍ ٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. • [رواته: ٦] ١ - علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو الحسن الحافظ، وهو قريب بشر الحافي، روى عن حفص بن غياث والدراوردي والفضل بن موسى السيناني وحجاج بن محمَّد ووكيع وغيرهم، وعنه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد بن عبد الرحمن بن بشر النسائي وأبو بكر بن داود وابن خزيمة ومحمد بن يوسف راوية البخاري، وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه النسائي، ووثقه مسلمة بن قاسم قال ابن حجر ﵀ في الزهرة: روى له مسلم تسعة أحاديث. ٢ - عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو ويقال أبو محمَّد كوفي، سكن الشام، رأى جده أبا إسحاق، روى عن أبيه وأخيه إسرائيل وابن عمه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر وابن عون وأيمن بن نابل والأوزاعي وغيرهم. وعنه ابنه عمرو بن عيسى وأبو يونس وحماد بن سلمة -وهو أكبر منه- وموسى بن أعين

стр. 107

والوليد بن مسلم وإسماعيل بن عياش وهم من أقرانه، وابن المديني والتنيسي ومحمد بن زنبور المكي وغيرهم. وثقه أحمد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن خراش، وعن أحمد: كان سنة في الغزو وسنة في الحج. وثقه العجلي وقال: كان يسكن الثغر وكان ثبتًا في الحديث قال أبو زرعة: كان حافظًا، وقال أبو همام: الثقة الرضي. توفي سنة ١٨٧، عرض عليه جعفر بن يحيى مائة دينار فلم يقبلها، وقال: (لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسُّنة ثمنًا، هلَّا كان هذا قبل أن يسألوني؟ أما على الحديث فلا ولا شربة ماء). ٣ - مسعر بن كدام بن طليحة بن عبيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالي العامري الرواسي، أبو سلمة الكوفي، أحد الأعلام. روى عن أبي بكر بن عمارة بن روبية، وعن أبي ضمرة جامع بن شداد ووائل بن حجر وعبد الملك بن عمير وأبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتيبة والأعمش وعلقمة والمقدام بن شريح وغيرهم. وعنه ابن إسحاق وسليمان التيمي وهما أكبر منه، والثوري ومالك بن مغول وهما من أقرانه، وابن عيينة وابن المبارك وابن نمير ووكيع والقطان وغيرهم. قال أحمد: كان ثقة مؤدبًا، وقال القطان: ما رأيت مثل مسعر كان مسعر أثبت الناس، وقال شعبة: كنا نسميه المصحف، وقال الثوري: كنا إذا اختلفنا في شيء سألنا عنه مسعرًا، وعن وكيع: شك مسعر كيقين غيره قال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق ووثقه ابن معين. وقال أحمد: ثقة خيار، حديثه حديث أهل الصدق، وقال ابن عمار: حجة، ووثقه أبو زرعة. مات سنة ١٥٣ وقيل ١٥٥. قال ابن المبارك: من كان متلمسًا جليسًا صالحًا فليأت حلقة مسعر بن كدام. وذكر ابن حجر أن ابن حبَّان نسبه إلى الإرجاء، وقال: كان ثبتًا في الحديث. ٤ - المقدام بن شريح بن هانئ بن الحارث بن يزيد الحارثي الكوفي، روى عن أبيه وقمير امرأة مسروق، وعنه ابنه يزيد والأعمش وإسرائيل وشعبة والثوري وعبد الملك بن أبي سليمان وقيس بن الربيع ومسعر وشريك. وثقه أحمد والنسائي وابن حبان ويعقوب بن سليمان وأبو حاتم وزاد: صالحًا. ٥ - شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي أبو المقدام الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره. روى عن أبيه وعمر وعلي وبلال وسعد

стр. 108

وأبي هريرة وعائشة، وعنه ابناه المقدام ومحمد والقاسم بن مخيمرة والشعبي والحكم بن عتيبة ومقاتل بن بشير ويونس بن أبي إسحاق وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقال: إنه من أصحاب علي، وكان ثقة وله أحاديث، قتل بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة. قال ابن مخيمرة: ما رأيت أفضل منه، وثقه ابن معين وأحمد والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن خراش: صدوق، قتل بسجستان سنة ٧٨، ذكره خليفة وابن حبان. ٦ - عائشة أم المؤمنين: تقدمت ٥. • التخريج رواه مسلم، وهو عند الإِمام أحمد طرف من حديث شريح عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيّبًا نافعًا، قال: وسألت عائشة" الحديث. وأخرجه أبو داود وابن ماجه في سننه من حديث شريح بن هانئ به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ولفظه: "قلت: أخبريني بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيتك؟ ". • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (بأي شيء) أي: فقلت بأي شيء، وبأي جار ومجرور متعلق بيبدأ، و"أي" استفهامية، والأصل فيها أن تكون مكملة للكلام، كما قال ابن مالك: وإن تكن شرطًا أو استفهاما ... فمطلقا كمل بها الكلاما والجار والمجرور في محل نصب بيَبْدأ، لأنه يتعدى بحرف الجر في الغالب وتقدم الكلام على "إذا" وأنها ظرف مضمن معنى الشرط غير جازم، والجواب محذوف دلت عليه الجملة السابقة. قلت: والأظهر عندي والله أعلم أن "إذا" هنا للظرفية خالية من معنى الشرط؛ لأن المعنى: بأي شيء يبدأ وقت دخوله عليك، ولا يحتمل الكلام أكثر من هذا، وحينئذٍ لا داعي للتقدير. • الأحكام والفوائد فيه دليل على ما ترجم له المصنف: وهو الاستياك في كل حين؛ لأنه لم يكن دخوله عليها مقيدًا بوقت دون وقت، وفيه استحبابه عند دخول البيت، وذلك من آداب العشرة مع الزوج؛ لأنه ربما دنا منها أو دنت منه، وفيه ملازمة

стр. 109

النظافة والإكثار منها لأن الفم عرضة لتغير الرائحة. وفيه من الحرص على السواك وفعله بحضرة الغير ما تقدم بيانه، لاسيما أنه في هذه الحالة فيه تعليم لأهل البيت ليقتدوا به في ذلك. ٩ - ذِكْرِ الْفِطْرَةِ والاِخْتِتَانُ ٩ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الإخْتِتَانُ وَالإسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ". • [رواته: ٦] ١ - الحرث بن مسكين بن محمَّد بن يوسف الأموي مولاهم، أبو عمر المصري الفقيه المالكي، رأى الليث وسأله، روى عن ابن القاسم وابن وهب وابن عيينة ويوسف بن عمر الفارسي وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وابنه أحمد بن الحارث وعبد الله بن أحمد ويعقوب بن شيبة وأبو يعلى وابن أبي داود ومحمد بن زبان وغيرهم. قال النسائي: ثقة مأمون، ووثقه الخطيب في الحديث، حمله المأمون إلى بغداد لأنه لم يقل بخلق القرآن وكان قاضيًا على مصر، فلم يزل محبوسًا بها حتى أطلقه المتوكل لما رفع المحنة، فحدّث ببغداد ورجع إلى مصر، كتب إليه المتوكل عهده على قضاء مصر فلم يزل قاضيًا من سنة ٢٣٧ إلى أن صرف، وقيل: إنه استعفى سنة ٢٤٥، وكان مولده سنة ١٥٤ وتوفي في ربيع سنة ٢٥٥. أثنى عليه أحمد وقال: ما بلغني عنه إلا خير، وقال ابن معين: لا بأس به. قال الحاكم: ثقة مأمون، سأل الليث عن مسألة في العصر وليس له عن الليث غيرها. حكي عنه أنه قال: حججت فرأيت رجلًا في عمارية، فسألت عنه فقيل: هذا مالك، ولم أسمع منه. وقال مسلمة الأندلسي: ثقة، أخبرنا عنه غير واحد. ٢ - عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، روى عن عمرو بن الحارث وابن هانئ وحسين بن عبد الله المعافري

стр. 110

وبكر بن مضر وحيوة بن شريح وغيرهم من أهل مصر، وروى عن مالك والسفيانين وسليمان بن بلال وحفص بن ميسرة وغيرهم، وعنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وشيخه الليث بن سعد وابن مهدي وعبد الله بن يوسف التنيسي وابن المديني ويحيى بن يحيى النيسابوري ومحمد بن سلمة المرادي وعيسى بن حماد زغبة وغيرهم. أثنى عليه أحمد في العقل والدين والصلاح وقال: صحيح الحديث، ما أصح حديثه وأثبته، قال ابن صالح: حدث بمائة ألف حديث، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال أبو زرعة: ثقة، ووثقه ابن عدي. وعن خالد بن خداش: قرئ على ابن وهب كتاب أهوال يوم القيامة من تصنيفه، فخر مغشيًا عليه ولم يتكلم حتى مات بعد أيام، قال: فنرى والله أعلم أنه انصدع قلبه. مات بمصر ﵁ سنة ١٩٧ في شعبان، ولد سنة ١٢٥، وقال ابن عبد البر: كان مولى ريحانة مولاة ابن أنس الفهري، وقال ابن سعيد: كثير العلم ثقة يدلس، ووثقه العجلي، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، ولزم بيته وجنّن نفسه، وكان يسمى ديوان العلم، ووثقه النسائي، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. ٣ - يونس بن يزيد بن أبي النجاد ويقال: ابن مشكان بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد، مولى معاوية بن أبي سفيان، روى عن أخيه أبي علي بن يزيد والزهري ونافع مولى ابن عمرو وهشام بن عروة وعمارة بن غزية، وعكرمة وغيرهم، وعنه جرير وعمرو بن الحارث -ومات قبله- وابن أخيه عنبسة بن خالد بن يزيد والليث والأوزاعي وسليمان بن بلال وابن المبارك وابن وهب والقاسم بن مسروق ومفضل بن فضالة وغيرهم. أثنى عليه ابن المبارك في الحفظ عن الزهري، وقال أحمد: ما أعلم أحدًا أحفظ لحديث الزهري من معمر، إلا ما كان من يونس. وعن ابن المبارك مثله، وقال أحمد أيضًا: فيه ثقة، ووثقه ابن معين وذكره في أحفظ الناس لحديث الزهري، بدأ بمالك ومعمر ويونس، وقدمه أحمد بن صالح في الزهري، ووثقه العجلي والنسائي، وقال ابن خراش: صدوق. وذكر الأثرم أن أحمد ضَعَّفَ أمره وقال: في حديث يونس عن الزهري منكرات، وقال ابن سعد: ليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة ١٥٩.

стр. 111

٤ - ابن شهاب الزهري: تقدم ١. ٥ - سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، روى عن أبي بكر مرسلًا وعن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر وأبيه المسيب وحكيم بن حزام وعائشة وجماعة وغيرهم. وعنه ابنه محمَّد وسالم بن عبد الله والزهري وقتادة وشريك بن أبي نمر ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، أثنى عليه غير واحد من أهل العلم، وقال فيه ابن عمر: هو والله من المتقنين، وقال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، قال ابن معين: مرسلات ابن المسيب أحب إلي من مرسلات الحسن، وقال أحمد: ومن مثل سعيد؟ ثقة من أهل الخير، وسئل عن سعيد عن عمر حجة؟ فقال: نعم هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل، وقال: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. قال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن، وقال يحيى بن سعيد: كان ابن المسيب يسمى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأقضيته وأحكامه. قال أبو زرعة: مدني ثقة إمام، والثناء عليه كثير. مات سنة ٩٤ في خلافة الوليد وهو ابن ٧٥ سنة، وقد صح عنه أنه ولد لسنتين من خلافة عمر، كما قال ابن معين، قال ابن حجر: وعلى ذلك يكون عمره ٨٠ سنة إلا سنة. وقد روى عنه أنه قال: بلغت ثمانين سنة وأنا أخوف ما أخاف على نفسي النساء. مكث أربعين سنة لا ينادى للصلاة إلا وهو في المسجد، وقد ضربه هشام بن إسماعيل المخزومي والي المدينة لعبد الملك بن مروان ثلاثين سوطًا، لما امتنع عن البيعة بولاية العهد لأبناء عبد الملك، وطيف به وحبس ﵁، وفضائله كثيرة. ٦ - أبو هريرة الدوسي: تقدم ١. • التخريج متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب اللباس في باب قص الشارب، ومسلم في كتاب الطهارة في باب خصال الفطرة، وأبو داود وابن ماجه والترمذي في الأدب، وأخرجه أحمد.

стр. 112

• اللغة والإعراب والمعنى (الفطرة) من الفطر: وهو الشق والانفطار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ والفطور: الشقوق، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ وفطرت الشيء وفطرته: شققته، قال الشاعر -وينسب لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة: شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور وقيل للطري الكبار من الكمأة فطورًا -واحدها فطرة-: لانشقاق الأرض عنه، وفطر الله الخلق: خلقهم، والفطرة: الخُلُقْ، قال الشاعر: هوَّن عليك فقد نال الغنى رجل ... بفطرة الكلب لا بالدين والحسب والتفاطير: البثور في الوجه، ويقال بالنون قال الشاعر: نفاطير الجنون بوجه سلمى ... قديمًا لا نفاطير الشباب واحدها نفطورة، والفطرة أيضًا: الدين وما فطر الله عليه الناس من المعرفة، وهي أيضًا: ما خلق الله عليه الولد في بطن أمه من شقاوة أو سعادة، وبه فسّر قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قلت: ويحتمل أنها في الآية: ما يولدون عليه من أصل العهد الذي أخذ عليهم في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه" الحديث، أو: سلامتهم من أي دين، فهم في أصل الخلقة قابلون لما يلقى عليهم أولًا، وتفسيرها هنا بالدين أو السنة أو هما معًا أولى، لما في بعض الروايات: خمس خصال أو عشر خصال من سنن المرسلين، فتحصل من هذا أن الفطرة في الأصل: الخلقة والجبلة، والتخليق يستلزم الشق كما أن خلق الإنسان يتضمن اختراعه، فهذه معاني المادة، وتفسر بالدين والسنة والتوحيد لله ، والمناسب هنا: إما السنة أو الدين أو العادة التي جبل الناس عليها من توحيد الله، أو مما يستحسن من عمل المرسلين. وقوله: (خمس) خبر المبتدأ الذي هو الفطرة، وظاهره حصرها في الخمس، وسيأتي بيانه إن شاء الله (والاختتان) افتعال من الختن وهو القطع، اختتن الصبي فهو مختتن إذا قطعت جلدة ذكره وهي القلفة، والفعل: الختان، وكذا الجارية إذا قطع طرف اللحمة التي في أعلى الفرج، والختان: اسم لموضع القطع، كما سيأتي من قوله ﷺ : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". والاختتان للذكر

стр. 113

والأنثى، ويقال في الأنثى يقال فيه الخفض، فيقال: ختن الصبي وخفض الجارية، ويقال فيه: الإعذار، ومنه قول الشاعر: في فتيته جعلوا الصليب إلههم ... حاشاي أني مسلم معذور أي مختون لهما، أو هو للولد، قال أبو عبيد: يقال: عذرت الجارية والغلام وأعذرتهما: ختنتهما وأختنتهما وزنًا ومعنى. وقوله: الفطرة مبتدأ، و"أل" فيه الظاهر أنها عوض عن المضاف إليه، لما قدمنا من أن المراد سنة المرسلين التي يكونون عليها ومتعبدون بها، وعلى تفسيرها بالدين أو السنة من غير إضافة، فأل فيها للعهد الذهني. وقوله: (خمس) أي خمس خصال، وتقدم أن ظاهره الحصر، وهو غير مراد لما ورد في الحديث الذي بعده بلفظ: "خمس من الفطرة" بحرف التبعيض الذي هو: من. والحصر: قصر الحكم على المذكور ونفيه عما سواه، وهو حقيقي في قصر الصفة على الموصوف، كقولهم: العالم في البلد زيد، فإنه يدل أنه ليس في البلد عالم غيره، ونسبي -ويسمى مجازًا- وهو قصر الموصوف على الصفة. وعندهم أنه نادر الوجود إلا نسبيًا -أي بالنسبة لشيء آخر- لأنه قلّ أن يوجد موصوف ليس له إلا صفة واحدة، فلهذا قالوا: إنه لا يكون غالبًا إلا مجازًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ أي بالنسبة لعدم قدرته على ما يطلبونه منه، وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ومن المعلوم أن الرسل لهم كثير من الصفات التي يمتازون بها عن غيرهم. ومنه قوله ﵇: "الدين النصيحة" بولغ في أهميتها حتى كأن الدين انحصر فيها. والحصر هنا مستفاد من تعريف المسند وهو من القسم الأول، ولكن هذا الظاهر غير مراد وإن كان هو الأصل، والصارف عنه الرواية التي بعده، وأصرح منها في عدم الحصر ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة: "عشر خصال من سنن المرسلين"، فزاد على الخمس مع حرف التبعيض الدال على عدم الحصر في العشر أيضًا فوجب صرف هذا اللفظ عن ظاهره ليتفق الكلام، فإن مخرجه واحد ولا يجوز عليه التناقض. وقوله: (الاختتان) إما بدل من "خمس" أو هو خبر لمبتدأ محذوف والباقي معطوفات عليه. (والاستحداد) استفعال من استعمال الحديدة لإزالة الشعر في العانة، والتعبير بالاستحداد يدل "على أن الأفضل استعمال الحديدة في إزالة شعرها

стр. 114

دون النتف، لما فيه من الضرر فإنه يرخي المحل، ودون النورة ونحوها مما يزال به الشعر. (وقص الشارب) أي قص الشعر الذي على شفة الرجل، والشارب ما سال على الفم من الشعر، ويقال شوارب وهو واحد قدر أنه أجزاء متفرقة فجمعوه على شوارب وجعلوا كل جزء بمنزلة الشارب، ويثنى باعتبار طرفيه فيقال شاربان، وقيل: إنَّ التثنية فيه خطأ، قال أبو علي: لا يكاد الشارب يثنى، وكذا قال أبو حاتم، وذكر أبو عبيد قال الكلابيون: شاربان باعتبار طرفيه. (وتقليم) تفعيل من قلّم ظفره: إذا قطع الزائد منه عن اللحم، ويقال لهذا المقطوع: القلامة، وقلّم الظفر والحافر والعود: إذا قطعه بالمقلمين، وقلمه أيضًا والمصدر من قلم قلم، والقلامة: ما قطع منه، قال الشاعر: لما أتيتم فلم تنجوا بمظلمة ... قيس القلامة مما جزه القلم وقال ابن المعتز: ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر ويقال للقلامة أيضًا: القسيط، كما في قول الشاعر عمرو بن قمئة يصف هلالا: كأن ابن مزنتها جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر (والأظفار) جمع ظفر بالضم والسكون وبضمتين، وظفر -بالكسر- شاذ، وبه قرأ أبو السمال "كل ذي ظفر". والظفر معروف ويكون للإنسان وغيره ويقال: أظفور، وغلطوا الجوهري في قوله: إن الأظفور جمع، ولكنه اسم للظفر، قال الشاعر: ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور قوله: (ونتف الإبط) والإبط بالسكون وكسر الهمزة وبكسر الباء مع الهمزة لغة، فيلحق بإبل، والجمع آباط وهو: باطن المنكب، ويقال: باطن الجناح والمراد نتف الشعر النابت، فيه كما سيأتي إن شاء الله. • الأحكام والفوائد اختلف العلماء في حكم الختان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه سنة في الذكور والإناث. الثاني: أنه واجب فيهما.

стр. 115

الثالث: أنه سنة في الذكور ومكرمة في النساء، أو واجب في الذكور. فذهب مالك في المشهور عنه وأكثر أهل العلم إلى أنه سنة وليس بواجب، وهو قول لبعض الشافعية وقول الحنفية ورواية عن أحمد. وذهب الشافعي في المشهور عنه إلى الوجوب، وهو رواية لبعض المالكية وبعض الحنابلة وقول لأبي حنيفة، لكن على أصله في التفرقة بين الواجب والفرض. وأما القول بالتفرقة فهو مروي عن الشافعي وعن أحمد كذلك. واحتج القائلون بأنه سنة بحديث يروى من حديث الحجاج بن أرطأة وفيه: (الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء) وأعل بالاضطراب وعدم الاحتجاج برواية حجاج بن أرطأة، والحديث أخرجه أحمد والبيهقي، ومن وجه آخر ضعفه البيهقي وقال: (لا يصح رفعه)، رواه الطبراني في الكبير والبيهقي. وأما القائلون بالوجوب فأكبر حجتهم أن إبراهيم اختتن بالقدوم، وفي رواية لأبي هريرة: "وهو ابن ثمانين سنة"، وقد أمرنا الله باتباعه في قوله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ولأنه يختتن الكبير والنظر إلى عورته حرام، فلو لم يكن الختان واجبًا لما جاز ذلك، وبقول ابن عباس إن هذه الخصال العشر التي ورد أنها خصال الفطرة هي التي ابتلي بها إبراهيم فأتمها، ولا يناسب الابتلاء إلا التكليف بالواجب، ولأن الجلدة بقاؤها يبقي النجاسة في المحل. قلت: وهذا كله ليس فيه مقنع في الحجة: أما اختتان إبراهيم وأمرنا باتباعه فهو لا يصلح دليلًا على الوجوب في أفراد المتَّبع فيه، بل يكون فيه واجب وغير واجب، كما هو الشأن في اتباعنا لمحمد ﷺ فإنا نتبعه في الواجب وغيره، وأما اختتان الخليل فلا يصلح حجة للاحتمال المذكور من أنه إنما فعله استنانا. وأما كونه من العشر ففي الخصال العشر التي أتمها الخليل ما هو غير واجب اتفاقًا كالسواك فقد تقدم حكمه، وكذلك قص الأظفار ونتف الإبط والمضمضة والاستنشاق عند الأكثرين، فهذه الأمور التي استدلوا بها كلها أعم من موضوع النزاع، وإذا كان الدليل أعم من موضوع النزاع فلا يصلح دليلًا يحتج به أحد المتنازعين. وأما بقاء النجاسة فقد يجاب عنه بإعطائه حكم داخل الجسد أو وجوب غسله من تحت الجلدة. وأما أهل التفرقة بين الأنثى والذكر فلقوله: مكرمة في النساء. والذي يظهر

стр. 116

والله أعلم القول بكونه سنة مؤكدة، لأن تركها كسائر الخصال التي هي من خصال الفطرة وليست بواجبة، فإن خصال الفطرة ذكروا منها عشرًا وغالبيتها ليس بواجب كما قدمنا. والقول بالوجوب له وجه مقبول، ولكن أكثر من دخل في الإِسلام من الأمم التي كانت لا تختتن، ولم يحفظ عن الصحابة الفاتحين ولا الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يلزمونهم بذلك، وسيأتي حكم البواقي. ويستفاد من الحديث: أن كل ما صح لنا أنه من سنن الأنبياء ينبغي لنا فعله، لأنه إنما قال إنه من الفطرة التي هي سنة الأنبياء ليرغبنا فيه، وفي ذلك حجة للقائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. تنبيه: الواجب في الختان قطع الجلدة التي تغطي الحشفة فيستوعبها كلها، فإن لم يستوعبها فقيل: يعيد الختان مرة أخرى كما هو المشهور عند الشافعية وقيل: إن كان قطع الأكثر أجزأ ذلك، ومن وُلد قصير الجلدة كالمختون الذي لم يستوعب قيل: لا يشرع في حقه الختان لحصول المطلوب، وقيل: يختن لأنه لا يحصل المطلوب إلا بمرور الحديدة على المكان، وأراه ضعيفًا لأن الغرض حاصل بدونه والله تعالى أعلم. ١٠ - تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ ١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا عَنِ الزُّهْرِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَالاِسْتِحْدَادُ وَالْخِتَانُ". • [رواته: ٦] ١ - محمَّد بن عبد الأعلى: تقدم ٥. ٢ - معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمَّد البصري، قيل: إنه كان يلقب بالطفيل، روى عن أبيه وحميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد

стр. 117

وعبيد الله بن عمر العمري وإسحاق بن سويد وأيمن بن نابل وفضيل بن ميسرة وغيرهم، وعنه الثوري -وهو أكبر منه- وابن المبارك -وهو من أقرانه- وابن مهدي وعبد الرزاق وعبد الله بن جعفر الرقي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى النيسابوري ومحمد بن سلام البيكندي وغيرهم. وثقه ابن معين وأبو حاتم وقال: صدوق، ووثقه ابن سعد وقال: ولد سنة ١٠٠ ومات سنة ١٨٠، وقال ابن خراش: صدوق يخطئ إذا حدث من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان مولده سنة ١٠٧، وقيل ١٠٦ ومات سنة ٧ أو ١٨٨، ووثقه العجلي وقال القطان: سيء الحفظ، وقال أحمد: ما كان أحفظ معتمر بن سليمان. ٣ - معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، روى عن ثابت البناني وقتادة والزهري وعاصم الأحول وإسماعيل بن أمية وهمام بن منبه وهشام بن عروة وابن المنكدر وغيرهم. وعنه شيخه يحيى بن أبي كثير وأبو إسحاق السبيعي وعمرو بن دينار وهم من شيوخه، وشعبة والثوري والدستوائي وابن أبي عروبة وأبان العطار وابن جُريج وهم من أقرانه، وابن عيينة وابن المبارك وعبد الأعلي بن معبد وعيسى بن يونس وغيرهم. عدَّه ابن المديني وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم، وقال ابن معين: أثبت الناس في الزهري: مالك ومعمر ويونس، وعدَّ جماعة. وقال معمر عن ثابت: ضعيف، قال الفلاس: كان من أصدق الناس، ووثقه ابن معين والعجلي وقال: رجل صالح، ووثقه يعقوب بن شيبة وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث، وقال ابن معين: إذا حدث عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس، وأثنى عليه الشافعي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان فقيهًا متقنًا حافظًا ورعًا. مات في رمضان سنة ١٥٢ أو ١٥٣ أو ١٥٤ وهو ابن ثمان وخمسين. ٤ - الزهري: تقدم ١. ٥ - سعيد بن المسيب: تقدم ٩. ٦ - أبو هريرة: تقدم ١.

стр. 118

• التخريج الحديث تقدم من رواية يونس عن الزهري، لكن فيه اختلاف في ألفاظه وتقديم وتأخير، فهناك قال: (الفطرة خمس)، وهنا قال: (خمس من الفطرة) وقدم وأخر في الألفاظ، وهذه الرواية الثانية للحديث، وسيأتي من رواية سفيان عن الزهري، فهو عند المصنف من ثلاث طرق: يونس وسفيان ومعمر، وكلهم عن الزهري، ورواية سفيان عند المصنف: (خمس من الفطرة)، وهو عند غيره على الشك: (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة). • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (خمس من الفطرة) مبتدأ وخبره، وسوّغ الابتداء بالنكرة لأنها في الأصل صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ في الأصل، والتقدير: خصال خمس من الفطرة، أو أنها في حكم المضاف إذ الأصل خمس خصال، وقد تقدم الكلام على مفردات الحديث، والمترجم له هنا قص الأظافير وسبق بيان معناه، والمطلوب: هو قطع ما زاد منه على اللحم والمبالغة في ذلك ما لم يؤذ الجسد، لأنه مجمع الوسخ، وحكمه: أنه سنة مؤكدة عند الجمهور، غير أنه إذا ترك حتى يغطي بعض ما يجب غسله من الأصبع، وجبت إزالته لتوقف صحة الطهارة على ذلك، ولا توقيت فيه لأقل المدة، وأما بالنسبة لأكثرها فسيأتي فيه حديث أنس، وروي فيه ما أخرجه البيهقي من مراسيل محمَّد بن جعفر الباقر: "كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة"، وقال ابن حجر: له شاهد موصول من حديث أبي هريرة لكنه ضعيف، أخرجه البيهقي في الشعب. وعن أحمد: أنه يسن كل يوم جمعة قبل الزوال، وعنه: يوم الخميس، وعنه: يتخير، وهذا هو المعتمد أنه يستحب عند الحاجة إليه ولا يتقيد بوقت، إلا أن يثبت أنه ﷺ كان يعتاد ذلك في الجمعة فيتبع. تنبيه: الترتيب في القص بين الأصابع وتخصيص ذلك ليس مشروعًا، وقد أخرج الغزالي -رحمه الله تعالى- فيه حديثًا موضوعا، وكذلك تخصيص القص كل يوم بفائدة، أخرج ابن الجوزي فيه حديثًا وقال: إنه من أقبح الموضوعات، لكن الشرع في الجملة دل على استحباب البداءة باليمين في غير المستقذر، وما ذكره النووي ﵀ من

стр. 119

أنه يبدأ بالمسبحة حتى ينتهي إلى الخنصر ثم بالإبهام، لا دليل عليه كما نص عليه ابن دقيق العيد ﵀، وسيأتي الكلام في التوقيت في الترك في حديث أنس إن شاء الله. ١١ - نَتْفِ الإِبْطِ ١١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَأَخْذُ الشَّارِبِ". • [رواته: ٥] ١ - محمَّد بن عبد الله بن يزيد القرشي العدوي مولى آل عمر أبو يحيى بن عبد الرحمن المقرئ المكي، روى عن أبيه وابن عيينة ومروان بن معاوية وأيوب بن النجار اليمامي وسعيد بن سالم القداح وعبد الله بن رجاء المكي وعبد الله بن الوليد العدني وعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي وغيرهم، وعنه النسائي وابن ماجه وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن محمَّد وأبو حاتم الرازي وإسحاق بن إبراهيم البستي وأبو عروبة وعبد الله بن زيدان ومحمد بن علي الحكيم الترمذي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه أنا وأبي سنة ٢٥٥ وهو صدوق، وثقه النسائي والخليلي وقال: متفق عليه، ووثقه سلمة بن قاسم وذكره ابن حبان في الثقات، وقال سلمة بن قاسم: حج سبعين حجة، مات سنة ٢٥٦. ٢ - سفيان بن عيينة تقدم ١. ٣ - الزهري: تقدم ١. ٤ - سعيد بن المسيب: تقدم ٩. ٥ - أبو هريرة: تقدم ١. "تقدم تخريجه في الروايتين السابقتين". • اللغة والإعراب تقدم ما يتعلق به لغة وإعرابًا. و (العانة) قال في الصحاح: شعر الركب يعني النابت على قُبل المرأة، وقال الهيثم: منبت شعر القبل من المرأة وفوق الذكر من

стр. 120

الرجل، ويقال للشعر: الإسب. والنتف: هو الإزالة بالقلع من غير حلق، والتعبير بالنتف يدل على قصده هنا دون الحلق، فيستحب على هذا أن تكون إزالة شعر الإبط بالنتف، ويقال في تخصيص الإزالة بالنتف هنا: إن النتف يضعف الشعر ويقلله بخلاف الحلق فإنه يكثره ويقويه، فهذا وإن كان المطلوب هنا الإزالة، فالتنصيص على النتف كما قدمنا؛ مما يدل على خصوصه في الإبط. ١٢ - حَلْقِ الْعَانَةِ ١٢ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْفِطْرَةُ قَصُّ الأَظْفَارِ وَأَخْذُ الشَّارِبِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ". • [رواته: ٥] ١ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٣ - حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي، روى عن سالم بن عبد الله بن عمر وسعيد بن ميناء وطاوس وعكرمة بن خالد والقاسم بن محمَّد ونافع مولى ابن عمر وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وأخويه عبد الرحمن وعمر وجماعة، وعنه الثوري وحماد بن عيسى الجهني وابن المبارك وابن نمير ووكيع والقطان وابن وهب وغيرهم. قال أحمد: كان وكيع إذا أتى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان وكان ثقة، وقال الجوزجاني عن أحمد: إنه ثقة ثقة، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال: حنظلة وأخوه ثقتان ووثقه النسائي وأبو زرعة وأبو داود وقال: أبو داود وعثمان بن الأسود يقدم. عليه قال ابن أبي عدي: عامة ما روى حنظلة مستقيم إذا حدث عنه ثقة قال أحمد عن القطان: كان حيًا سنة ١٥١ يقال فيها مات، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: اسم أبي سفيان: الأسود، وهو الذي يروي عنه محمَّد بن فضيل ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وأورد له ابن عدي في الكامل حديثًا استنكره، قال ابن حجر: لعل العلَّة فيه من غيره.

стр. 121

٤ - نافع مولى ابن عمر: الفقيه الجليل والتابعي النبيل، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، وقيل: إنه من سبي عين التمر، أبو عبد الله المدني، روى عن مولاه عبد الله وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وبني عبد الله بن عمر وهم، عبد الله وعبيد الله وسالم وزيد، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين والقاسم بن محمَّد وعبد الله، بن محمَّد بن أبي بكر وصفية بنت أبي عبيد وغيرهم، وعنه أولاده أبو عمر وعمر وعبد الله، وصالح بن كيسان وعبد الله بن دينار ويحيى وعبد ربه ابنا سعيد الأنصاريان، وأبو إسحاق السبيعي وموسى بن عقبة والزهري ومالك والأوزاعي وعبيد الله بن عمر العمري وأخوه عبد الله وغيرهم. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال ابن عمر: لقد منّ الله علينا بنافع، وثقه ابن معين والعجلي وابن خراش، ووثقه النسائي وابن سعد وقال: كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، ويقال: إن روايته عن حفصة مرسلة وكذا عن عثمان، وقال أحمد: نافع عن عمر منقطع. قال الخليلي من أئمة التابعين في المدينة، إمام في العلم متفق عليه، صحيح الرواية لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، وقال أحمد بن صالح المصري: حافظ ثبت له شأن. ٥ - عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي المكي، أسلم وهو صغير مع أبيه، وهاجر معه وهو صغير، واستصغر يوم أحد وشهد الخندق وما بعدها، روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأبي بكر وعثمان وعلي وعمه زيد بن الخطاب وابن عمه سعيد بن زيد وبلال وزيد بن ثابت وحفصة وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين. وعنه أولاده بلال وحمزة وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله وابن ابنه الآخر عبد الله بن واقد وابن ابنه الآخر زيد بن محمَّد وابن أخيه حفص بن عاصم وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ومولاه نافع ومولى أبيه أسلم وعروة وموسى بن طلحة وأبو سلمة وعامر بن سعد وخلق كثير. وهو أحد المكثرين من الحديث، قال مالك: أفتى ستين سنة، وقال جابر: ما منا أحد أدْرَك الدنيا إلا مالت به ومال بها إلا ابن عمر، وقال ابن مسعود: أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر، ومناقبه كثيرة ﵁. هاجر وهو ابن عشر سنين، ومات سنة ٧٣ وقيل ٧٤ وهو أثبت، ﵁ وأرضاه، وجمعنا في جنات النعيم وإياه.

стр. 122

• التخريج أخرجه البخاري في صحيحه في باب تقليم الأظفار من كتاب اللباس، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة عن نافع ولفظه: "من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب". وذكر الصنعاني في حاشيته على العمدة أن الإسماعيلي أخرجه بلفظ: (ثلاث من الفطرة)، وأشار له الترمذي. • اللغة والإعراب والمعنى (حلق العانة): إزالة الشعر النابت على المحل بالحلق بالحديدة، وعانة الإنسان إسبه والشعر النابت على فرجه، وقيل: منبت الشعر في ذلك المكان، واستعان: حلق العانة، قال الشاعر: مثل البرام غدا في أصده ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه وتعينَّ كاستعان: حلق عانته، وأصله الواو: فهو إما تعيون وزن تفيعل، أو مما عاقبت الياء الواو فيه، كالصياغ في الصواغ. والتعبير بالحلق مشعر بكونه هو السنة، وإلا فالإزالة تحصل بغيره، وقد تقدم. • الفوائد والأحكام فيه دليل على تأكد هذا الفعل الذي هو حلق العانة، ويسمى استحدادًا، وهو كالذي قبله من هذه الخصال سنة مؤكدة؛ لما في تركه من البشاعة والاستقذار، ودلت السنة على أنه يطلب حتى عند القتل، أو غيره من الأسباب التي يتحقق بها الإنسان الموت، أو يغلب على ظنه بها الموت. وأصل ذلك حديث خبيب في الصحيحين، وتقدم أن التعبير بالاستحداد يدل على أنه السنة، وقد كره بعض العلماء النتف لأنه يسبب استرخاء المحل. والله أعلم. ١٣ - قَصِّ الشَّارِبِ ١٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا".

стр. 123

• [رجاله: ٥] ١ - علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مخادش بن مشمرخ بن خالد السعدي أبو الحسن المروزي، سكن بغداد قديمًا ثم انتقل إلى مرو فنزلها. روى عن أبيه وإسماعيل الخياط وإسماعيل بن علية وجرير بن المبارك وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي وأحمد بن أبي الحواري وأبو بكر بن خزيمة وغيرهم. قال محمَّد بن علي بن حمزة المروزي: كان فاضلًا حافظًا، وقال النسائي: ثقة مأمون حافظ، وقال الخطيب: كان صدوقًا متقنًا حافظًا اشتهر حديثه بمرو، وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي بكر الأعين أنه قال: مشايخ خراسان ثلاثة: أولهم قتيبة والثاني محمَّد بن مهران والثالث علي بن حجر قال البخاري: مات سنة ٢٤٤ في جمادى الأولى وفيها أرّخه غير واحد، وذكر الباشاني أن مولده سنة ٥٤، قال الحاكم: كان فاضلًا ثقة، وفي الزهرة روى له البخاري خمسة أحاديث ومسلم ١٨٨ حديثًا. وقال ابن حجر: قال محمَّد بن حمدويه: سمعت علي بن حجر يقول: انصرفَت من القرآن وأنا ابن ثلاث وثلاثين فقلت: لو بقيت ثلاثًا وثلاثين أخرى فأروي بعض ما جمعته من العلم فقد عشت بعدُ ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين أخرى وأنا أتمنى بعدُ ما كنت أتمنى. قلت: وهذه حالة ابن آدم والله المستعان. ٢ - عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي -وقيل: الضبي- أبو عبد الرحمن الكوفي المعروف بالحذّاء. قلت: هكذا قال ابن حجر، ثم نقل عن أحمد بن حنبل أنه لم يكن حذاء، وإنما هو الظاعني، والحذّاء هو ابن أبي رائطة، وعبيدة بفتح العين. روى عن عبد الملك بن عمير وعبد العزيز بن رفيع والأسود بن قيس ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وحميد الطويل ومنصور ويوسف بن صهيب وغيرهم. وعنه الثوري -وهو أكبر منه- وأحمد بن حنبل ومحمد بن سلام وابنا أبي شيبة وابن حجر وقتيبة وأبو ثور. قال الأثرم: أحسن أحمد الثناء عليه ورفع أمره. قال الفضيل بن زياد: قال أحمد: ما أحسن حديثه. وقال أحمد: ما أدري ما للناس وله، ثم ذكر صحة حديثه فقال: كان قليل السقط، وأما التصحيف فليس نجده عنده. قال ابن معين: ثقة، وقال أيضًا: ما به المسكين بأس، ليس له بخت، وقال: عابوه؛ أنه يقعد عند أصحاب الكتاب. قال عبد الله بن المديني:

стр. 124

أحاديثه صحاح وما رويت عنه شيئًا، وقال في موضع آخر: ما رأيت أصح منه حديثًا ولا أصح رجالًا. قال ابن عمار: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس قال ابن سعد: كان ثقة صالح الحديث، صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن، قدم بغداد فصيّره هارون مع ابنه محمَّد فلم يزل معه حتى مات. قال الدارقطني: كان ثقة وكان من الحفاظ. قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يكن حذاء، وإنما كان يجلس إلى الحذائين فنسب إليهم. قال مطين وغيره: مات سنة ١٩٠، وأخبرت أنه ولد سنة ١٠٩. قال هارون بن حاتم: سألته عن مولده فقال: سنة ١٠٧ ﵀. ٣ - يوسف بن صهيب الكندي الكوفي، روى عن أبي بريدة والشعبي وحبيب بن يسار وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد ومعتمر بن سليمان وعبيدة بن حميد وعبد الله بن نمير ويحيى القطان وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وغيرهم. وثقه أبو داود وابن معين وعثمان بن أبي شيبة، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ٤ - حبيب بن يسار الكوفي الكندي، روى عن زيد بن أرقم وعبد الله بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وسويد بن غفلة وزاذان الكندي، وعنه زكريا بن يحيى الحميري وأبو الجارود زياد بن المنذر ويوسف بن صهيب وغيرهم. قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، أخرج له النسائي والترمذي حديثًا واحدًا في أخذ الشارب، وصححه الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه أبو داود، وأخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة مصعب بن سلام عنه -أي عَنْ مصعب المذكور- عن الزبرقان السراج عن أبي رزين عن زيد بن أرقم قال: وأظن أبا رزين هو حبيب بن يسار. ٥ - زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري أبو عمرو، يقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمارة، ويقال: أبو أنيسة، ويقال: أبو حمزة، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو سعيد، الصحابي الجليل، غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، ونزل الكوفة. روى عن النبي ﷺ وعن علي، وعنه أنس بن مالك كتابة، وأبو الطفيل والنضر بن أنس وأبو عثمان النهدي وأبو عمرو الشيباني وأبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم وأبو

стр. 125

إسحاق السبيعي ومحمد بن كعب القرظي وعبد خير الهمداني وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم. وهو الذي أنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، لمّا كذبه بعض الناس في نقل كلام ابن أبيِّ إلى النبي ﷺ . شهد صفين مع علي، وكان من خواص علي -رضي الله عن الجميع- قال ابن السكن: أول مشاهده الخندق، مات على قول خليفة بالكوفة سنة ٦٦ في أيام المختار بن أبي عبيد، وقيل ٦٥، وقيل ٦٨. ﵁ وجمعنا به في جنات النعيم. • التخريج صحيح، أخرجه الإِمام أحمد والترمذي عن زيد بن أرقم، فرواه الإِمام أحمد أول مسند زيد بن أرقم عن يحيى بن سعيد القطان عن يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم، وهذا إسناد صحيح، وكذلك إسناده عن الترمذي: أحمد بن منيع حدثنا عبيدة بن منيع عن يوسف وقال الترمذي: حسن صحيح، ثم ساق إسناده من طريق أخرى: محمَّد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن يوسف به، وقال السيوطي: أخرجه الضياء في المختارة. • اللغة والإعراب والمعنى (من): شرطية، وجوابها (فليس منا) ويحتمل أنها موصولة وجملة (ليس منا) في محل رفع، والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط و (يأخذ شاربه) على حذف مضاف أي: من شعر شاربه، وهو الشفة كما تقدم. وقوله: (ليس منا) أي: ليس على سنتنا وطريقتنا، فهو في معنى التبرّي من هذا الفاعل كقوله: "من غشنا فليس منا". والعرب تقول إذا تبرّأ أحد منهم من شيء يقول: لست منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وقول الشاعر في البيت المشهور الشاهد على تخفيف مني وعني: أيها السائل عنهم وعني ... لست من قيس ولا قيس مني وقول النابغة: إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني • الفوائد والأحكام قوله: (يأخذ) المراد به القص كما بيّنته الروايات الأُخْرَى، كحديث

стр. 126

أبي هريرة السابق من رواياته الثلاث عن الزهري، فإن فيه لفظ (القص)، وفي رواية لابن عمر بلفظ (الجز) وهو القص. وفي الأثر عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: خمس في الرأس وخمس في الجسد، وذكر منهم قص الشارب، وقول ابن عمر عن النبي ﷺ "من السنة قص الشارب"، فهذا يدل على أن المطلوب فيه القص وأنه لا يحلق وحديث أبي هريرة عند مسلم: "جزوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المجوس"، ولمسلم من رواية أبي الزبير عن عائشة: "من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية"، ولأبي داود عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب. وقد اختلف العلماء في السنة في ذلك: فذهب الكوفيون إلى استئصاله، وجوّز أحمد الأمرين، وروي عنه أنه كان يحفيه، وكره مالك إحفاءه وقال: إنه مُثلة، وروي عنه أن فاعل ذلك يؤدب، وأما الشافعي فلم يثبت عنه التصريح في ذلك بشيء، لكن رُوي عن المزني والربيع أنهما كانا يحفيان شواربهما، وقد نسب إليه بعض المالكية كما ذكره ابن القيم أن مذهبه في ذلك كمذهب أبي حنيفة. والذي رجحه النووي وقال إنه المختار: ترك الاستئصال والقص حتى يبدو طرف الشفة؛ فمن رجّح الإحفاء رأى أن رواية (احفوا الشوارب) فيها زيادة على رواية التقصير، ومن رجح رواية التقصير، فللتنصيص على ذلك في أكثر الروايات، ولأنه ثبت عنه ﷺ الأخذ من شاربه وهو يقتضي القص، وكذلك رواية: "من لم يأخذ من شاربه"، وقصُّه وجزُّه يقتضي عدم الاستئصال وكذلك الأخذ منه. ومن جوّز الأمرين رأى أن الكل ثبت فالكل جائز. والله أعلم، والذي يترجح عندي القص؛ لأنه المتفق عليه المروي من فعله ﷺ . ١٤ - التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ ١٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الإِبْطِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.

стр. 127

• [رجاله ٤] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - جعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري مولى ابن الحريش، كان ينزل في ضبيعة فنُسِبَ إليهم. روى عن ثابت البناني والجعد أبي عثمان ويزيد الرشك وحميد بن قيس الأعرج وابن جريج ومالك بن دينار وغيرهم، وعنه الثوري -ومات قبله- وابن المبارك وابن مهدي وعبد الرزاق وسيار بن حاتم ويحيى بن يحيى النيسابوري وصالح بن عبد الله الترمذي وقطن بن نسير وغيرهم وثقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به وكان يتشيع، وقيل: كان يحيى بن معين لا يكتب حديثه. قال ابن سعد: كان ثقة وبه ضعف، وحسَّنَ أحمد القول فيه. قلت: روي عنه كلام قبيح في حق أبي بكر وعمر، ولكن قالوا: إنه كان يعني جارين له، فالله أعلم، فإن صح عنه فلا خير فيه. قال أحمد: هو عندي ممن يجب أن يقبل حديثه، قال: وقد روى في فضل الشيخين أحاديث وقال البخاري في الضعفاء: يخالف في بعض حديثه. قال ابن حبان: كان من الثقات غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن داعية إلى مذهبه، وقال ابن المديني: ثقة عندنا. قلت: ثناء هؤلاء الأئمة عليه يدل على أن ما نسب إليه في حق الشيخين غير صحيح، فإن شخصًا وثقه ابن معين وأحمد وابن المديني لا يصح أن يكون بهذه المثابة من الرفض، والله تعالى أعلم. مات في رجب سنة: ١٧٨. وبالجملة فالرجل فيه تشيّع، ولكن لم يثبت أنه داعية إلى مذهبه، ولم يتهمه أحد بالكذب في الحديث، وإنما ذكر بعضهم أن في حديثه مناكير، فهو ممن يثبت به النقل، وتوثيق من تقدم من الأجلاء النقاد يدل على ذلك، ويدل أيضًا على أنه لم يثبت عندهم ما نسب إليه في حق أبي بكر وعمر ﵄، والله أعلم. ٣ - عبد الملك بن حبيب أبو عمران الجوني الأزدي -ويقال: الكندي- البصري، أحد العلماء الأجلاء، رأى عمران بن حصين وروى عن جندب بن عبد الله البجلي وأنس وربيعة بن كعب الأسلمي وعائذ بن عمرو المزني وعبد الله بن رباح الأنصاري كتابة وغيرهم، وعنه ابنه وسليمان التيمي وابن عون وأبو عامر الخزاز وشعبة والحمادان وغيرهم. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح وقال النسائي:

стр. 128

ليس به بأس. مات ١٢٨ وقيل ١٢٩، وقال ابن حبان - في الثقات: سنة ١٢٣، ثم قال: وقد قيل ١٢٨. قال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة وصح سماعه من أنس، قال ابن معين: حديثه عن زهير بن عبد الله: "من مات فوق إجَّارٍ" مرسل. وفي الطبراني بسند صحيح كما قال ابن حجر: عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام فاستفتيت جندبًا، إلخ. قلت: فهذا يدل على أنه روى عن ابن الزبير وجندب والله أعلم. ٤ - أنس بن مالك: تقدم ٦. • التخريج أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي ومسلم، لكن رواية مسلم (وُقِّتَ لنا) بالبناء للمجهول. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (وُقّت) أي جعل وقتًا لنا لذلك وحدد، وقوله: (أن لا نترك) دليل على أكثر مدة الترك، والمصدر إما في محل نصب بتقدير: حدد لنا عدم الترك، ويحتمل أن يكون في محل جر بحرف جر محذوف بتقدير: أمرنا بعدم الترك. والتوقيت: تعيين الوقت للشيء. • الأحكام والفوائد تقدم أن التحديد المذكور لأكثر مدة الترك، وأن الأخذ لا حدَّ لوقته دون هذه المدة، وفعل ذلك موكول إلى رغبة الإنسان. قال ابن العربي: (ذكر بعضهم أن أصلها مناجاة موسى). اهـ قلت: ولم أعرف لذلك وجهًا، لأنه شيء لا يدرك إلَّا بالنص ولا نص، ثم ذكر أن الصحيح خروجها عن التوقيت إلى حد ما يرى المؤمن نفسه من نظافة أو قذارة، يعني موكول إلى نظر الإنسان فيما يليق بحاله والله أعلم. ١٥ - إِحْفَاءِ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحية ١٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى".

стр. 129

• [رجاله: ٥] ١ - عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد أبو قدامة اليشكري مولاهم، السرخسي الحافظ نزيل نيسابور، روى عن عبد الله بن نمير وابن عيينة وحماد بن زيد والقطان وابن مهدي ووكيع وأبي أسامة والنضر بن شميل وغيرهم، وعنه الشيخان والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وأحمد بن منصور زاج وإبراهيم بن أبي طالب وحسن بن محمَّد بن زياد وعمار بن منصور النسائي وغيرهم. وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي وقال: ثقة مأمون، قل من كتبنا عنه مثله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: هو الذي أظهر السنة بسرخس ودعا إليها. قال البخاري: مات سنة ٢٤١، وزاد غيره: بغرقد. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، وفي الزهرة: روى عنه البخاري ١٣ حديثًا ومسلم ٤٨. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري العدوي المدني، أحد أعلام الفقهاء والأئمة الأجلاء والثقات الأثبات. روى عن أم خالد بنت خالد بن سعيد -ولها صحبة- وعن أبيه وخاله خبيب بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله وابنه أبي بكر بن سالم ونافع وابنه عمر بن نافع والقاسم بن محمَّد وابنه عبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه أخوه عبد الله وحميد الطويل -وهو من شيوخه- وأيوب السختياني -ومات قبله- والسفيانان ومعمر وشعبة وسفيان بن حسين وعبد الله بن إدريس وابن المبارك والقطان وغيرهم قال أحمد: أثبت أصحاب نافع وأحفظهم وأكثرهم حديثًا، قال ابن معين: عبيد الله عن القاسم عن عائشة، الذهب المشبك بالدرر، وقال: عبيد الله من الثقات. وقال النسائي: ثقة ثبت، ووثقه أبو زرعة. قال ابن منجويه: كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش، فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. وقال ابن حبان: كان ثقة كثير الحديث حجة، وقال أحمد بن صالح: ثقة ثبت مأمون، ليس أحد أثبت منه في حديث نافع، وقال ابن معين: ثقة حافظ متفق عليه. توفي سنة ٤ وقيل ٥ وقيل ١٤٧، رحمنا الله وإياه. ٤ - نافع: تقدم ١٢. ٥ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢.

стр. 130

• التخريج أخرجه مسلم والترمذي عن ابن عمر وابن عدي عن أبي هريرة بزيادة: (ولا تشبهوا باليهود)، ورواه ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: (وانتفوا الشعر الذي في الأنف)، قال المنذري: قال البيهقي: هذا اللفظ غريب. ورواه الإِمام أحمد عن القطان كرواية المصنف، ورواه من طريق مؤمل عن ابن عمر بلفظ: (أمر رسول الله ﷺ أن تعفى اللحى وأن تجزَّ الشوارب). وهي من رواية عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عمر. ورواه أيضًا من طريق مهدي عن ابن عمر بلفظ: "أعفوا اللحى وحفوا الشوارب". وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "جزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس". وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "خالفوا المشركين: وفروا اللحى وأحفوا الشوارب"، زاد البخاري: (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر؛ قبض على لحيته فما فضل أخذه). • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أحفوا الشوارب) أمر من الإحفاء، وأصله: استئصال الشيء، وذكر النووي ﵀ أن همزته همزة قطع، وأن المراد به هنا: أخذ ما طال على الشفة، وذكر عن ابن دريد أنه يقال أيضًا: حفا الرجل شاربه يحفوه حفوًا: إذا استأصل أخذ شعره. قال: فعلى هذا تكون همزة أحفوا همزة وصل. قلت: فالفعل ثلاثي إذا جرّد فالهمزة همزة وصل، وإن اعتبر مزيدا فيه بالهمزة فالهمزة قطعية. والشوارب جمع شارب -وقد تقدم معناه- وهو شعر شفة الرجل، وجمعه على تقدير تجزئته، وكل جزء يعتبر شاربًا. وقوله: (أعفوا اللحى) فعل أمر من أعفاه: إذا تركه، والمعنى: اتركوها. وهمزته -على ما ذكره النووي- همزة قطع، وحكي فيه: أعفيت الشعر وأعفوته؛ لغتان، واللحى جمع لحية، يقال فيه: لِحى ولُحى بالضم والكسر، والكسر أفصح. • الأحكام والفوائد هذا الحديث بجميع طرقه ورواياته يدل دلالة واضحة على تحريم حلق اللحى، لأن الأمر فيه بالإعفاء، وكذلك رواية (أرخوا اللحى) و (أرجوا اللحى)

стр. 131

و (أوفوا اللحى) و (فروا اللحى) كلها بصيغة الأمر، ومعناها: تركها وعدم أخذ شيء منها. واللحية: الشعر النابت على عظمي اللحيين، والأصل في صيغة الأمر الوجوب، لاسيما وقد تأكد ذلك بكون الحلق سمة اليهود أو المجوس، ونحن مأمورون بمخالفة الكل. وما روي فيها من حديث عمرو بن شعيب عند الترمذي قال: حدثنا هناد، قال: أخبرنا عمر بن هارون عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها، قال الترمذي: غريب. قال: وسمعت محمَّد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، ولا أعرف له حديثًا ليس له أصل -أو قال: ينفرد به- إلا هذا الحديث: (كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها)، ولا نعرفه إلا من حديث ابن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون، قال: وسمعت قتيبة يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث، وكان يقول: الإيمان قول وعمل اهـ. وقال ابن حجر فيه: إنه متروك الحديث، وكان حافظًا من كبار السابعة، مات سنة ٩٤، وقال فيه الذهبي: اتهمه بعضهم. فهذا الحديث معلول، وعلى فرض صحته؛ فالمراد به الأخذ الذي لا ينافي التوفير المأمور به، بل هو محمول على إصلاح الشعر وأخذ ما تطاير منه. ولهذا لم يختلف من وصف النبي ﷺ في أن لحيته كانت كثَّة، وكان إذا رجَّلها ملأت صدره، وأقرب ما يبيّن حدّ ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر -وهو من عرفت حالته في الاتباع- أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ منها ما زاد على القبضة؛ لأن طولها المفرط فيه قبح وبشاعة. قيل: إن عادة الفرس قص اللحية، فأمرنا بخلافه. قال القاضي عياض: أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزّها. وقد اختلف السلف في ذلك: فمنهم من لم يحدّه بحد بل قال: لا يتركها إلى حد الشهرة، ومنهم من حدّها بالقبضة فيؤخذ ما زاد عليها. وكره مالك طولها جدًا، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. قلت: فهذا يبيّن أن الأخذ المراد إنما هو تصليح الشعر الذي جرت العادة بأنه يحسنه ويجمله، وبهذا يتبين أن الذي يفعله كثير من الناس الآن من حلقها باسم التقصير، ولا يترك إلَّا سَوادَ أصول الشعر أنه بعيد من السنة بل هو الحلق بعينه، واقتداء بمن

стр. 132

نهي النبي ﷺ عن الاقتداء بهم من الأعاجم، وإن رأى كثير من الناس الفرق بينه وبين مسحها بالكلية ففي الواقع أنه مثله: وإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمها بلبانها فهو بعيد من الامتثال بل هو قريب إلى الاستهزاء، فلا يصدق عليه الإعفاء ولا التوفير ولا الإرخاء، فإن هذه الألفاظ الخمسة: أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، أوفوا اللحى، وفروا اللحى، أعفوا اللحى؛ لا ينطبق ما ذكر على شيء منها ولا يحصل الامتثال إلا بها، وما أقبح بالرجل أن يرضى لنفسه أن يتنازل عن سمة الرجولة وعلامة الرجال إلى الخنوثة والتشبه بالنساء، ولا ترى الأعين أقبح في عين العاقل من ذي شيبة حليق اللحية فهو كما قيل: وهل أبصرت عيناك أقبح منظرًا ... من أشيب لا علم لديه ولا حلم هي السوءة السوآء, فاحذر شماتها ... فأولها خزي وآخرها ذم ولهذا رجح كثير من العلماء الترك بالكلية ولم ير الأخذ منها مطلقًا، لمقتضى الروايات ولعدم ثبوت الحديث السابق ثبوتًا تقوم به الحجة، ومعارضته لما هو أصح منه بكثير من الأحاديث التي سبق بيانها، وهو اختيار الإِمام أبي زكريا يحيى بن شرف النواوي الشافعي ﵀. ١٦ - الإِبْعَادِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَاجَةِ ١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ وَعِمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ. • [رجاله: ٦] ١ - عمرو بن علي بن بحر الفلاس: تقدم ٤. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - أبو جعفر عمير بن حبيب بن خماشة -ويقال: ابن حباشة- الأنصاري الخطمي المدني نزيل البصرة، روى عن أبيه وأبي أمامة بن سهل

стр. 133

وسعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القرظي وعمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل الخطمي. وعنه حماد بن سلمة وهشام الدستوائي وشعبة والقَطَّان. وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان. قال ابن مهدي: كان أبو جعفر وأبوه وجدّه قومًا يتوارثون الصدق بعضهم عن بعض. ووثّقه ابن نمير والعجلي والطبراني. ٤ - الحارث بن فضيل الأنصاري الخطمي أبو عبد الله المدني، روى عن محمود بن لبيد والزهري وعبد الرحمن بن أبي قراد وغيرهم، وعنه صالح بن كيسان وعمير بن يزيد الخطمي والدراوردي وفليح بن سليمان وأبو إسحاق وغيرهم. وثقه النسائي وابن حبان، وذُكر عن أحمد أنه ليس بمحفوظ الحديث، ومثل هذا لا يضر كما هو معلوم عند أهل الفن. ٥ - عمارة بن خزيمة الأوسي أبو عبد الله -ويقال: أبو محمَّد- المدني، روى عن أبيه وعمه وعثمان بن حنيف وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي قراد، وعنه ابنه محمَّد وأبو خزيمة عمرو بن خزيمة والزهري وأبو جعفر الخطمي. وثقه النسائي وابن حبان، مات ١٠٥، وذكر ابن حبان أنه ابن ٧٥ سنة. ٦ - عبد الرحمن بن أبي قراد الأنصاري ويقال: السلمي، وجزم بالثاني أبو نعيم وابن عبد البر وعدّاه في أهل الحجاز، وكذا قال ابن منده، ويقال له ابن الفاكه. قال ابن سعد وأبو حاتم وابن السكن: له صحبة، قال مسلم والأزدي: تفرد عمارة بن خزيمة بالرواية عنه. قلت: وهو متعقب لأن البخاري ذكر في تاريخه رواية الحارث بن فضيل عنه، وحديثه عند المصنف عنهما عنه. قال ابن حجر: وضم ابن عبد البر رواية أبي جعفر الخطمي إليهما عنه، فوهم إنما روايته عنهما عنه. • التخريج الحديث حسن أو صحيح لغيره. أخرجه ابن ماجه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن أبي جعفر كرواية المصنف، لكن قال فيه: (حججتُ مع النبي ﷺ فذهب لحاجته فأبعد)، ومن حديث بلال بن الحارث المزني من طريق عباس بن عبد العظيم العنبري وفي إسناده: كثير بن عبد الله المزني، ضعيف بل نسبهُ الشافعي إلى الكذب.

стр. 134

• اللغة والإعراب والمعنى (الإبعاد) مصدر أبعد بمعنى ابتعد، من البعد: ضد القرب، ويتعدى بعن إذا أريد البعد عن الشيء فيقال: أبعد عن الناس وعن المحل، كما يقال: أبعد بنفسه بمعنى جعلها بعيدة، أي تسبب لها في البعد والمراد: البعد بالنفس عن الناس (والحاجة) ما يعرض في نفس الإنسان مما يحب فعله أو حصوله، وهي هنا كناية عن البول والغائط, لأن عادة العرب استقباح ذكر كل منهما باسمه الصريح، فكنّوا عنهما أحيانًا بلفظ الحاجة، وأحيانًا باسم المكان كالبراز والغائط، كما يأتي إن شاء الله، ولم يكونوا يستعملون الكنف في البيوت استقذارًا. وقوله: (إلى الخلاء) تقدم الكلام على لفظة "إلى"، والخلاء - بالمد: أصله المكان الخالي، كانوا يقصدونه لهذا الفعل. وتقدم معنى "إذا". • الأحكام والفوائد فيه استحباب البعد عن الناس عند قضاء حاجة الإنسان كما ترجم له المصنف، وهو يدل على استحباب المبالغة في التستر عند التكشف وما في معناه، وفيه استعمال الكناية في الكلام عن الأسماء المستقبحة، وفيه كمال حيائه ﷺ وأدبه لأنهما الحاملان على ذلك، وفيه المحافظة على العورة واستصحاب الإنسان لغيره ممن يخدمه أو يصحبه عادة عند الذهاب لقضاء الحاجة، لاسيما إن ترتبت على ذلك مصلحة كالمساعدة على الطهارة، وقد تكرر منه ذلك ﷺ . وفيه استخدام الأحرار إذا كان ذلك برضاهم لاسيما من تنفعهم صحبته وتزيدهم فضلًا، لتعلمهم منه أو إصلاح حالهم بصحبته، لكن على شرط ألا يؤدي إلى ارتكاب محظور كالنظر للعورة ونحوه. ١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ. قَالَ: فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ: "ائْتِنِى بِوَضُوءٍ" فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ: إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْقَارِئُ. • [رجاله ٥] ١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.

стр. 135

٢ - إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم أبو إسحاق القارئ، روى عن عبد الله بن دينار ومالك وجعفر الصادق وغيرهم، وعنه يحيى بن يحيى النيسابوري وأبو الربيع الزهراني وقتيبة ويحيى بن أيوب المقابري وعلي بن حجر. وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن المديني وأبو زرعة وابن سعد وقال: هو من أهل المدينة، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات، وهو صاحب الخمسمائة حديث التي سمعها منه الناس. وقال الخليلي: إنه شارك مالكًا في أكثر شيوخه. مات سنة ١٨٠. ٣ - محمَّد بن عمرو بن وقاص الليثي أبو عبد الله -ويقال أبو الحسن- المدني، روى عن أبيه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ومحمد بن إبراهيم التيمي وجماعة كثيرين، وعنه موسى بن عقبة -ومات قبله- وابن عمه عمر بن طلحة بن عقبة وشعبة والثوري وحماد بن سلمة وابن زريع ومعتمر بن سليمان وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. قال أحمد بن مريم: وثقه ابن معين، قال ابن المبارك: لم يكن به بأس، روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، وقال النسائي: لا بأس به، ومرة قال: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وهو شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وقال ابن معين: ما زال الناس يتّقون حديثه. قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وروى عنه مالك في الموطأ، قال ابن عدي: وأرجو أنه لا بأس به. توفي سنة ١٤٥ وقيل ١٤٤. تنبيه: قد يلتبس اسم هذا الراوي مع محمَّد بن عمرو بن حلحلة وهو معاصر له، لكن المعروف بالرواية عن أبي سلمة هو هذا، وكلاهما مدني كناني، أحدهما ليثي والآخر ديلي، يروي عن كل منهما: إسماعيل بن جعفر والدراوردي. ٤ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدم ١. ٥ - المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي -وهو ثقيف- أبو عيسى -ويقال أبو محمَّد- الثقفي شهد الحديبية وما بعدها، روى عن النبي ﷺ ، وعنه أولاده

стр. 136

عروة وحمزة وعقار ومولاه ورّاد وابن عم أبيه جبيرة بن حية والمسور بن مخرمة وقيس بن أبي حازم ومسروق بن الأجدع وخلق غيرهم. وكان ﵁ من الدهاة المشهورين، وكان واليًا لعمر على البصرة ثم على الكوفة، وأقره عثمان ثم عزله، واعتزل الفتنة ثم ولاه معاوية على الكوفة حتى مات وهو عليها، وكان لا يرضى بقتل أحد في حكمه كافًا عن سفك الدماء. ومات سنة ٥٠ على الصحيح وقيل ٤٩ وقيل ٥١، وقد شهد فتوحات كثيرة، وعَوِرَت عينه يوم اليرموك، وكان من خدام النبي ﷺ ، والأحاديث في ذلك معروفة ﵁ وأرضاه. • التخريج الحديث صحيح الإسناد لأنه بهذه الطريقة قوي، وأصل الحديث في قصة المغيرة مع النبي ﷺ في ذهابه معه ومسحه على الخفين في الصحيحين، وأخرجه أبو داود وأخرجه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن عليّة عن محمَّد بن عمرو ومختصرًا على قوله: (كان إذا ذهب المذهب أبعد). وأخرجه الترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن محمَّد بن عمرو بلفظ: (فأتى النبي ﷺ حاجته فأبعد) وقال: حديث حسن صحيح. والظاهر أن ذلك في سفر تبوك، فإنه سيأتي إن شاء الله حديث المغيرة في ذلك، وفيه المسح على الخفين مع أنه ليست فيه هذه اللفظة لفظة (أبعد). وأخرجه الدارمي عن أبي سلمة عن المغيرة قال: أخبرنا يعلى بن عبيد حدثنا محمَّد بن عروبة عن أبي سلمة عن المغيرة، ثم ذكر من طريق ابن سيرين عن عمرو بن وهب عن المغيرة بلفظ: (إذا تبرّز تباعد). • اللغة والإعراب والمعنى تقدم معنى كلمة (إذا) وقوله: (ذهب المذهب) المذهب أصله: المنهج الذي يتبعه الإنسان، وهو هنا يحتمل أن يكون اسم مكان كنى به عن محل قضاء الحاجة، أو عن نفس القضاء للحاجة، وأل فيه للعهد الذهني أو هي عوض عن المضاف إليه، أي: مذهب الغائط. وقوله: (فذهب لحاجته) تبين أن المراد بالمذهب محل قضاء الحاجة، وجوّز بعضهم أن يكون مصدرًا بمعنى الذهاب ولكنه هنا بعيد لقوله: ذهب، لأنه يصير معناه: ذهب الذهاب، وليس

стр. 137

بجيد والله أعلم. (فذهب لحاجته) الفاء عاطفة وتحتمل السببية على بعد، والحاجة كناية عن الغائط كما تقدم، وجملة: (وهو في بعض أسفاره) حالية فيحتمل أنه سفر تبوك كما تقدم أو غيره. (فقال: ائتني بوضوء) الفاء كذلك عاطفة أو سببية مبينة أن طلب الوضوء سببه إتيان الحاجة. والوضوء -بفتح الواو- تقدم، وسيأتي الكلام على مسح الخفين. • الأحكام والفوائد تقدم أكثر ما يتعلق به في الحديث السابق، وفيه المسح على الخفين وسيأتي في بابه إن شاء الله. وفيه استصحاب الماء ونحوه عند إرادة قضاء الحاجة للاستنجاء به. ١٧ - الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ ١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَدَعَانِي وَكُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. • [رجاله: ٥] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨. ٣ - الأعمش سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمَّد الكوفي، أصله من طبرستان ولد بالكوفة، روى عن أنس ولم يثبت له منه سماع وقد رآه، وعن ابن أبي أوفى وقيل إن روايته عنه مرسلة، وروى عن زيد بن وهب وأبي وائل والشعبي والنخعي وعبد الملك بن عمير وغيرهم، وعنه أبو إسحاق السبيعي -وهو من شيوخه- وسهيل بن أبي صالح -وهو من أقرانه- والسفيانان وفضيل بن عياض وسليمان التيمي وغيرهم وآخرهم أبو نعيم وعبد الله بن موسى. قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمَّد ﷺ ستة: عمرو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق والأعمش بالكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير

стр. 138

بالبصرة. وكان شعبة يسميه بالمصحف لصدقه، قال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضًا إلَّا أن الأعمش أعرف منه بالمسند. قال العجلي: كان ثقة ثبتًا، محدّث أهل الكوفة في زمانه، رأسًا مقدمًا في القرآن، وكان عسرًا سيء الخلق عالمًا بالفرائض، وكان لا يلحن حرفًا واحدًا، وكان فيه تشيع، ويقال إنه ولد يوم قتل الحسين بن علي سنة ٦١، وقيل سنة ٥٩. وقال عيسى بن يونس: لم نر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته، قال يحيى القطان: كان من النُّساك وهو علامة الإِسلام، وذكروا أنه مكث قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، وذكروا أنه كان يدلس عن الصحابة ولم يثبت له سماع، وذكر ابن حجر عن الكديمي أنه سمع من أنس حديثًا واحدًا: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) والكديمي متهم والله أعلم. مات سنة ١٤٥ وقيل ١٤٧ ﵀. ٤ - شقيق بن سلمة: تقدم ٢. ٥ - حذيفة بن اليمان ﵁: تقدم ٢. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه وابن الجارود والدارمي والطيالسي. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (الرخصة) أي الترخيص في الأمر، بمعنى: التسهيل فيه بعد التشديد، فهي نقل الحكم من صعوبة إلى سهولة. وقوله: (ترك ذلك) الإشارة ترجع إلى الإبعاد عند قضاء الحاجة. وجملة (أمشي مع النبي ﷺ ) في محل نصب خبر كان، وقوله: (فانتهى) أي وصل في مشيه إليها (والسباطة) الكناسة وهي ملقى الأوساخ بأفنية البيوت، (فانتهى) الفاء عاطفة (وإلى) للغاية (فبال) الفاء عاطفة، و (قائمًا) حال من قوله: بال. وقوله: (فتنحيت) الفاء للعطف، وتنحى عن المكان: انحرف وزال عنه. وقوله: (فدعاني) أي ناداني النبي ﷺ (وكنت عند عقبيه) المراد أنه وقف خلفه قريبًا منه، والعقب: أصله مؤخر القدم، ولكن العرب قد تستعمله في جهة القفا

стр. 139

والرجوع إلى الوراء، ويكون حسيًا أو معنويًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. وقوله تعالى حكاية عن إبليس لما رأى الملائكة يوم بدر فولى هاربًا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. وقوله: (حتى فرغ) حتى للغاية، وسيأتي الكلام عليها وعلى مسح الخفين إن شاء الله تعالى. • الأحكام والفوائد فيه جواز البول قائمًا، لكنه قد علل بكونه كان به وجع في مأبضه فلذلك بال قائمًا، وقد ضعف الحديث فيه، وعلى صحة ذلك يكون فعله للضرورة فلا يكون فيه دليل على الجواز، وقيل: إن العرب كانت تستشفى بالبول قائمًا من وجع الصلب، وقيل: لأن المحل كان غير صالح للقعود، وكل هذه الوجوه تفيد أنه اضطراري لا اختياري، وقيل: فعله لبيان الجواز، وعلى ذلك يكون جائزًا جوازًا لا ينافي الكراهة. وقد وردت أحاديث تدل على النهي عنه ولكنها ضعيفة، وأصحها حديث عائشة: "من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسًا"، وسيأتي للمصنف. وأما بوله على سباطة القوم ففيه وجوه من الاحتمال: يحتمل أنها كانت مشاعة ونسبتها للقوم لقربها منهم، ويحتمل أنها لهم ولكنهم قد أباحوها لذلك، وذكر النووي احتمال أن يكون قد علم حبهم لذلك. ودل الحديث على ما ترجم له المصنف: وهو ترك الابتعاد، وقد علل ذلك باحتمال كونه مشغولًا بشيء من مصالح المسلمين فحصره البول، ولا يبعد أن يكون فعل خلاف عادته لبيان الجواز. وفيه كما قدمنا من استتباع الخادم والرفيق وقت الحاجة، والاستعانة في الوضوء وغيره من الطهارة. قلت: لا شك أن غالب حالاته ﷺ أن يبول جالسًا، ولم يحفظ عنه أنه بال قائمًا إلَّا في حديث حذيفة هذا، وفيه ما فيه من الاحتمال، وأقصى أمره أن يكون فعل لبيان الجواز ولا ينافي أن السنة خلافه، وأما نفي عائشة لذلك فبحسب علمها، والمثبت مقدم على النافي، لاسيما أن هذا السياق يدل على أنها مسألة نادرة ربما حصلت اتفاقًا، فلا يستغرب أن لا تطلع عليها عائشة وهي خارجة عن محلها الذي هي فيه والله أعلم.

стр. 140

١٨ - الْقَوْلِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ ١٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ". • [رجاله: ٤] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر المعروف بابن عُلية البصري، روى عن عبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمي وحميد الطويل وعاصم الأحول وابن عون وغيرهم، وعثه شعبة وابن جريج -وهما من شيوخه- وبقية وحماد بن زيد -وهما من أقرانه- وإبراهيم بن طهمان -وهو أكبر منه- والشافعي وأحمد ويحيى وخلق كثير. قال شعبة: إسماعيل بن عُليّة ريحانة الفقهاء، وقال يونس بن بكير: ابن علية سيد المحدثين، وقال أحمد: إليه المنتهى في الثبت بالبصرة، وقال أيضًا: فاتني مالك فأخلف الله عليَّ سفيان، وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي ابن عُلية. قال ابن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلمًا ورعًا تقيًا، قال أبو داود السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلَّا إسماعيل بن عُلية وبشر بن المفضل، وقال النسائي وابن سعد: ثقة ثبت في الحديث حجة، وعُلية اسم جدته أم أمه، على قول ابن حجر. قال أحمد والفلاس: ولد سنة ١١٠ وتوفي ١٩٣، قال ابن حجر: قال أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي: لا يعرف لابن عُلية غلط إلا في حديث المدبَّر، جعل اسم الغلام المولى واسم المولى اسم الغلام، وثناء الأئمة عليه كثير، وله مع ابن المبارك قصة في اتصاله بالسلطان وإنكار ابن المبارك عليه. ٣ - عبد العزيز بن صهيب البُناني مولاهم البصري الأعمى، روى عن أنس بن مالك وأبي نضرة العبدي ومحمد بن زياد الجمحي وغيرهم، وعنه إبراهيم بن طهمان وشعبة ووهيب وحماد بن سلمة وزكريا بن يحيى وعلي بن المبارك وابن عُلية وهُشيم وأبو عَوانة وآخرون. قال القطان عن شعبة: هو أثبت

стр. 141

من قتادة، وقال أحمد: ثقة ثقة وهو أوثق من يحيى بن أبي إسحاق، قال: وأخطأ فيه معمر فقال: عبد العزيز مولى أنس، وإنما هو مولى بُنانة. وقال ابن معين: ثقة، مات سنة ١٣٠ ووثقه النسائي والعجلي وابن سعد ﵏. ٤ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وسعيد بن منصور في سننه بزيادة: (بسم الله اللهم إلخ). وفي مسند الطيالسي عن زيد بن أرقم: "إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم" الحديث، وأخرجه الدارمي بدون لفظ البسملة. قال ابن حجر في الفتح: وقد روى العمري الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ: وإذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله إلخ، قال: وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة البسملة ولم أرها في غير هذه الرواية. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أعوذ) أي ألوذ وألتجئ، من العوذ: وهو عود يلتجئ إليه الحشيش عند مهب الريح، يقال: عذت به أعوذ به عوذًا وعياذًا أو معاذًا: لجأت إليه، والمصدر والزمان والمكان: المعاذ. وتقدم أن (الخلاء) بالمد أصله المكان الخالي كنّوا به عن قضاء الحاجة، و (الخبث) بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، قال الخطابي: "ذكران الجن وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون "الخُبْثِ" وهو غلط والصواب بضم الباء"، وتعقبه البدر العيني بأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء وكذا الفارابي والفارسي؛ لأن فعلًا بضم العين قد تسكن عينه قياسًا كَكُتْب وكُتُب، قال التوربشتي: هذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف -وهو التسكين- فيه أولى، لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر. وفي شرح السنة: الخبث بضم الباء وبعضهم يرويه بالسكون، والخبث: الكفر، والخبائث: الشياطين. اهـ. وقال ابن بطال: إنه بالضم يعم الشر، وبالسكون مصدر خبث الشيء.

стр. 142

وقوله: (إذا دخل) تقدم الكلام على إذا في أول شرح الآية، وأنها ظرف مضمن معنى الشرط غير أنه لا يجزم إلا في ضرورة الشعر كما تقدم، وهو مقصور على السماع، وتقدم أيضًا أن التعبير بالماضي في مثل هذا يأتي كثيرًا بمعنى القصد والإرادة، أي: إذا أراد أحدكم دخول الخلاء، كما قدمنا في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ومثله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. فالذكر المطلوب يكون قبل الدخول، والغالب على مكان قضاء الحاجة الاستقذار، وسيأتي أن الأكثرين على كراهة ذكر الله في المكان القذر، وجوّز بعضهم أن يكون بعد الدخول إذا كان المكان طاهرًا، وغير الطاهر يكون الذكر فيه بالقلب، ونظير هذا: الحديث الذي سيأتي إن شاء الله "لو أن أحدكم إذا أتى أهله" الحديث أي أراد أن يأتي أهله. وقد صرح البخاري به في الصحيح تعليقًا، ووصله في الأدب المفرد من رواية سعيد بن زيد الجهضمي أخي حماد بن زيد فقال: حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثنا أنس بن مالك قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء". فبيّنت هذه الرواية المراد بقوله: إذا دخل أحدكم الخلاء، والتعبير بقوله (دخل) قد يدل على أن المراد المكان المعد لذلك، وهو المتفق على هذا التأويل فيه عند أكثر أهل العلم، وأما غير المعد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: يقول ذلك عند إرادة نزع الثوب، ومنهم من قال: عند الدخول في نفس المكان الذي يقصده لذلك، أي: الوصول إلى محله، ورواية "إذا أتى" أعم لشمولها المعد وغيره، وخلوها من القرينة السابقة وهي لفظ الدخول. • الأحكام والفوائد الحديث دليل على استحباب هذا الذكر في هذه الحالة ويزيد: بسم الله، كما تقدم في رواية العمري من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب: (إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله)، وذكر الحافظ أنه على شرط مسلم. وفيه حرص النبي ﷺ على تعليم الأمة، واستحباب البداءة بالبسملة في كل شيء، كما سيأتي ذلك في مواضع من الكتاب إن شاء الله. وصيغة الأمر تقتضي الوجوب، ولعل القرينة الصارفة عنه ذكر العلة كما في الرواية الأخرى: (إن هذه الحشوش محتضرة) أي يحضرها الشياطين، وعلى حمله على السنة

стр. 143

فهي سنة مؤكدة، اجتمع فيها فعله ﷺ كما في حديث الباب، وأمره للأمة كما في الروايات الأخر، والله أعلم. ١٩ - النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قضاء الْحَاجَةِ ٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِىَّ وَهُوَ بِمِصْرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَايِيسِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ أَوِ الْبَوْلِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا". • [رجاله: ٧] ١ - محمَّد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة المرادي الجملي مولاهم أبو الحارث المصري الفقيه، روى عن ابن وهب وابن القاسم وزياد بن يونس وعبد الله بن كليب والحجاج بن سليمان الرعيني وجماعة، وعنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: "كان ثبتًا في الحديث وذكره النسائي يومًا ونحن عنده فقال: كان ثقة ثقة". توفي لست خلون من ربيع الآخر سنة ٢٤٨، قال أبو عمر الكندي: كان فقيهًا واستكتبه الحارث بن مسكين القاضي، وقال مسلمة في الصلة: ثقة. ٢ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٣ - عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي أبو عبد الله المصري الفقيه، روى عن مالك الحديث والمسائل، وعن بكر بن مضر ونافع بن أبي نعيم القارئ وابن عُيَيْنة وغيرهم، وعنه ابنه موسى وأصبغ بن الفرج ومحمد بن سلمة المراري والحارث بن مسكين وسحنون بن سعيد وعبد الله بن عبد الحكم وعيسى بن حماد زغبة وغيرهم. قال أبو زرعة: مصري ثقة رجل صالح كان عنده ثلاثمائة جلد أو نحوهُ مسائل عن مالك، مما سأله أسد -رجل من المغرب كان سأل محمَّد بن الحسن عن مسائل، وأتى ابن وهب وسأله أن يجيبه بما كان عنده عن مالك، وما لم يكن عنده عن مالك فمن عنده، فتورع

стр. 144

وأبى ذلك، فأتى عبد الرحمن بن القاسم فأجابه على هذا، فالناس يتكلمون في هذه المسائل. قال النسائي: ثقة مأمون، وكذا قال الحاكم. أثنى عليه الفسوي ووثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات قال: كان خيرًا فاضلًا ممن تفقه على مالك، وقال مسلمة بن قاسم: كان فقيه البدن من ثقات أصحاب مالك، وكان ورعًا صالحًا ولم يكن صاحب حديث، وقال ابن معين: ثقة ثقة. قال ابن وضاح: لم يكن عنده إلا الموطأ الذي روى عن مالك، وسماعه منه المسائل كان يحفظها حفظًا وقال بعضهم: رآه ابن معبد في المنام فقال له: كيف وجدت المسائل؟ فقال: أف أف، إلى أن قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالًا منه، قال الخليلي: زاهد متفق عليه، أول من حمل الموطأ إلى مصر قال ابن عبد الأعلى: مات في صفر سنة ١٩١، وقيل إن مولده سنة ١٢٨، وقيل ١٣١، وقيل ١٣٢. له في صحيح البخاري حديث واحد. ٤ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧. ٥ - إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل النجَّاري الأنصاري المدني، روى عن أبيه وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي عمرة والطفيل بن أبي وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي وابن جريج ومالك وهمام وعبد العزيز الماجشون وغيرهم. قال ابن معين: ثقة حجة، ووثقه أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم. قال الواقدي: كان مالك لا يقدم عليه في الحديث، وقال ابن حبان: كان مقدمًا في رواية الحديث والإتقان فيه. قيل: كنيته أبو يحيى، وقيل: أبو نجيح. توفي سنة ١٣٠، وقيل: ١٣٢، وقيل: ١٣٤. ٦ - رافع بن إسحاق الأنصاري مولى الشفاء، وقيل مولى أبي طلحة، ويقال مولى أبي أيوب، روى عن أبي أيوب وأبي سعيد الخدري، وعنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه مولى الشفاء، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. قال ابن عبد البر: هو من تابعي أهل المدينة، ثقة فيما نقل، والشفاء امرأة من قريش، وهي أم سليمان بن أبي حثمة. ٧ - أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف، ويقال: ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم، ويقال: ابن عبد عوف بن جشم بن غنم بن النجار،

стр. 145

النجاري الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ونزل عنده فاختصَّه الله بهذه النعمة والمنقبة العظيمة دون الناس حين قدم من مكة حتى بنى مسجده ومسكنه. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بن كعب، وعنه البراء بن عازب وجابر بن سمرة وزيد بن خالد وابن عباس وعبد الله بن يزيد الخطمي وغيرهم من الصحابة، وجماعة من التابعين منهم: عبد الله بن حنين وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعطاء بن يزيد الليثي وعروة بن الزبير في جماعة آخرين. شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وحضر مع علي حرب الخوارج وعاش إلى زمن معاوية، ومات غازيًا ببلاد الروم سنة ٥٠، وقيل: ٥٢، وقيل: ٥٥، وشهد مع علي صفين، ولما حضرته الوفاة قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، وفي رواية: إذا أنا مت فقدموني في بلاد العدو ما استطعتم ثم ادفنوني، وكانوا محاصرين للقسطنطينية فقدّموه حتى دفن إلى جانب الحائط، ﵁ وعنا معه وجمعنا به في جنات النعيم. • [التخريج] حديث أبي أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها سيأتي للمصنف من طريقين، وهو في الصحيحين للبخاري في الصلاة والطهارة، ولمسلم في الطهارة، ولأبي داود ولابن ماجه كذلك، وهكذا الترمذي كلهم أخرجوه من طريق الزهري عن عطاء عن أبي أيوب، لكنه بهذه الطريق وهذا اللفظ لم يخرجه إلا المصنف والإمام أحمد والإمام مالك -رحمة الله على الجميع-. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (وهو بمصر) جملة حالية و (ما) نافية و (لا أدري) من درى إذا علم وهو من أفعال القلوب (وكيف) سيأتي الكلام عليها في حديث عبد الله بن زيد في الوضوء ٩٧، وهي هنا استفهامية علّقت الفعل عن العمل، وهي في محل نصب بالفعل بعدها وهو قوله (أصنع)، و (الكراييس) جمع كرياس وهي بياءين: المراحيض، قيل سميت بذلك لأن الوسخ يتكرس أي يتجمع فيها، وفي النهاية: إنه المشرف على سطح بقناة إلى الأرض. وقد قيل: إنه بالنون قبل الياء، والمراد أنها بنيت على جهة القبلة فأشكل
следующие страницы →