Полный текст (1 806 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧.
٣ - عبد الله بن ذكوان أبو الزناد: تقدم ٧.
٤ - عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: تقدم ٧.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي، وأبو عوانة في مسنده وابن حبان في صحيحه والدارمي والطيالسي في مسنده وابن أبي شيبة عن جابر وعن أبي هريرة مختصرًا.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إذا نودي) تقدم الكلام على (إذا) أول الكتاب. و (نودي) من النداء، وتقدم في الأذان الحديث الأول، والمراد: إذا شرع المؤذن في الأذان، وقوله: (للصلاة) أي لحضورها، فالمعنى: نادى المؤذن الناس لأجل حضور الصلاة، وقوله: (الصلاة) أل فيها للجنس لأن المراد: لأي صلاة كانت، ولفظ الماضي في (نودي) أريد به الشروع في النداء بدليل أنه قال: (إذا قضي النداء رجع)، وقوله: (أدبر الشيطان) ضد أقبل، يقال منه: أدبر، ودبر: ولى لأن المولّي عن الشيء يولّيه جهة دبره، وفي التعبير به نوع من التشنيع، أي: هرب من المكان الذي ينادى فيه، والمراد بالشيطان هنا: إما إبليس، وهو ظاهر التعريف به، ويكون إدباره يدل على إدبار غيره بالأولى لأنهم أتباعه، ويحتمل أن أل فيه للجنس لا للعهد الذهني، وحينئذ يدخل فيها كل شيطان، والشيطان: العاتي المتمرد من الجن والإنس، وتكون القرينة في قوله: (يخطر بين المرء) إلخ دليل على أن المراد شياطين الجن، والأكثرون من الشراح على أن المراد هنا إبليس. قوله: (وله ضراط) جملة اسمية في محل نصب على الحال، والضراط: صوت الريح الخارج من الدبر. قال القاضي عياض: (يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم مجوف منفذ يصح منه خروج الريح) اهـ.
стр. 1367
قال العيني: (هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان حال من طَرَقهُ أمرٌ عظيم واعتراه خطب جسيم، حتى لم يزل يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه، لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف أو غيره؛ تسترخي مفاصله ولا يقدر على إمساك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشيطان لعنه الله تعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء للصلاة فيهرب حتى لا يسمع الأذان؛ شبّه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد. وفي الحقيقة ما ثم له ضراط، ولكن يجوز أن يكون له ريح؛ لأنه روح ولكن لم تعرف كيفيته). اهـ كلامه ومثله ما حكاه عن الطيبي قال: (شبّه شغل شيطان نفسه عند سماع الأذان؛ بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له). اهـ قلت: وهذا منهما رحمهما الله عجبًا، وأي مانع عقلًا أو شرعًا من أن يكون الأمر على ظاهره، وما الداعي لصرف قول الرسول ﷺ عن ظاهره؟ بل الواجب حمله على ظاهره وأنه يدبر وله ضراط كما قال ﷺ ، ويحتمل أن يكون ذلك يحصل له من شدة الانزعاج، وأن يكون يتعمده لئلا يسمع ذكر الله. وقال بعضهم: إنه يفعل ذلك خشية أن يشهد لصاحبه يوم القيامة، وهو غير ظاهر لأنه لو كان كذلك لما كان يتعدى آخر مدى صوت المؤذن، فإنه هو الذي يشهد له من فيه على فرض أن إبليس داخل فيه. وأما على قول من خصّ ذلك بمؤمن الجن دون الكفار؛ فلا إشكال، وفيه تخصيص العموم بدون مخصص، وورد في إحدى روايات مسلم أنه يكون عند الروحاء، ففي رواية جابر فيه: حتى يكون مكان الروحاء من المدينة مرحلتان قيل: إن بينهما ستة وثلاثين ميلًا. وقوله: (حتى لا يسمع التأذين) علة لذلك الإدبار وإخراج الصوت، وظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك الصوت، ولهذا قال بعضهم: يفعل ذلك مضادة لحالة أهل الصلاة. من الطهارة. وقوله: (حتى إذا قضى النداء) قضى: يعني فرغ منه، وهو أحد معاني القضاء التي ورد لها في اللغة، وهي القضاء بمعنى الفراغ، (فإذا قضيت الصلاة) ﴿قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، وبمعنى الأمر: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وبمعنى الفعل للشيء وتسويته. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، وقول أبي ذؤيب:
وعلبهما مسرودتان قضاهما ... داود أوضع السوابغ تبع
стр. 1368
والقضا: بمعنى البيان: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، وبمعنى العهد والإخبار: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾، وبمعنى الحكم ومنه: قضى القاضي، قيل: منه قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾، وقيل: بمعنى افعل، وبمعنى القضاء في الأزل، وهو الملازم في القدر لا ينفك عنه، وبمعنى الموت ومنه قول عائشة ﵂ في وفاة النبي ﷺ : ثم قضى. وأصل الكلمة: من القطع، ولامها ياء والألف فيها زائدة فلما وقعت الياء أخيرة بعد الألف الزائدة أبدلت همزة، ويروى: قضي، بالبناء للمجهول. و (النداء) الأذان، بالرفع نائب الفاعل، وروي قضى بفتح القاف، والفاعل ضمير يعود على المؤذن المعلوم من الأذان، (أقبل) والإقبال ضد الإدبار، أي رجع من هربه. وتقدم الكلام على حتى وإذا في أول الكتاب. وقوله: (ثوّب بالصلاة) أي نودي لها مرة أخرى بالإقامة، والتثويب: إعادة النداء، وكل من رجّع صوتًا فهو مثوّب. قال الشاعر:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا
وقيل: هو الإعلام، وأصله أن العرب كان أحدهم إذا رأى المكروه من عدو ونحوه وخشي أن يسبقه، ارتفع على محلٍ عالٍ ونزع ثوبه ولاح به، ومنه قوله ﷺ : "أنا النذير العريان". وثوّب هنا بضم الثاء وكسر الواو المشددة، جعل الإقامة كأنها إعادة الأذان، وسماها ﷺ أذانًا في قوله: "بين كل أذانين صلاة". وقوله: (أدبر) من الإدبار: ضد الإقبال، أي هرب مرة أخرى. وقوله: (يخطر) بالكسر أكثر ويروى بالضم، قال عياض: ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، والكسر الوجه، من: خطر الفحل بذنبه. والمعنى أنه يدنو من المصلي حتى يوسوس له في صلاته ويشغله عن الخشوع فيها، بما يذكّره به من الأمور التي تشغل فكره عن الخشوع، وهذا معنى قوله: (بين المرء ونفسه)، وفي رواية: (وقلبه). وقوله: (اذكر كذا. . . اذكر كذا) أي للأمور التي لم تكن في باله، وفي رواية: (فهنّاه ومنّاه) وكله عبارة عن الوسوسة والسعي فيما يشغل القلب عن الصلاة، ولهذا ذكروا الحكاية المشهورة تعزى لمالك وتعزى لأبي حنيفة: أن رجلًا دفن مالًا وضَيَّعَ محله، فشكا إليه؟ فقال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين وأقبل عليهما بإخلاص وخشوع، فإذا فعلت ذلك
стр. 1369
رجوت لك. فلما شرع في الصلاة واجتهد في الخشوع؛ جاءه الشيطان فذكره المحل فقطع الصلاة. وهذا من كيده حتى لا يحصل للعبد ثواب تلك الصلاة، لأنه خير له من الدنيا وما فيها. وسيأتي الكلام على الخشوع، وتقدم طرف في حديث عثمان في الطهارة. وقوله: (حتى يظل المرء) بالظاء المفتوحة، وأصله: اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، ثم استعمل بمعنى يصير أو يبقى، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. و (إن) نافية بمعنى: ما، ويروى: يضل بالضاد المكسورة بمعنى. ينسى، كما في قوله (أن تضل إحداهما) الآية، وهي للأصيلي وقوله (إن) بكسر الهمزة رواية الجمهور نافية بمعنى (ما) كما تقدم. وذكر القاضي عياض أن رواية ابن عبد البر بالفتح، وادعى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيلي، ويتجه مع رواية: يضل؛ لأنها تكون بمعنى: يجهل و (إن) وما دخلت عليه: في محل تأويل مصدر مفعول به و (يدري) من: درى بمعنى علم، وهي من أفعال القلوب، وقوله: (كم صلى) (كم) استفهامية، مفعول به لصلى، و (درى) معلق عن العمل بالاستفهام، بمعنى: أنه يشك في عدد ما صلى بشغل قلبه بالوسوسة.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على فضل الأذان وقد تقدم ذكر ذلك، وفيه: دليل على فضل المؤذنين لأن بفعلهم يتأذى الشيطان، وفيه: فضل الصلاة والدعاء لحضورها، وفيه: أن الذكر يطرد الشيطان، ولهذا ورد الحديث بأن من وجد وحشة وهو منفرد فليؤذن. وفيه: دليل على خبث الشيطان وكراهته لاشتغال بني آدم بطاعة ربهم، ويستفاد: عدم جواز التولي عن جهة الصلاة وقت الأذان من غير ضرورة؛ لأنه فعل الشيطان. وفيه: حرص الشيطان على صرف العباد عن الخير، وأن اشتغال، القلب عن الخشوع إنما يكون من الشيطان.
الاِسْتِهَامِ عَلَى التَّأْذِينِ
٦٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ؛ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ
стр. 1370
لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمُوا مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧.
٣ - سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن: تقدم ٥٧٣.
٤ - أبو صالح ذكوان السمان: تقدم ٤٠.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
تقدم حديث أبي هريرة هذا رقم ٥٣٧، وتقدم تخريجه وشرحه.
اتِّخَاذِ الْمُؤَذِّنِ الَّذِي لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا
٦٦٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي؟ قَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا".
• [رواته: ٧]
١ - أحمد بن سليمان بن عبد الملك الجزري: تقدم ٤٢.
٢ - عفان بن مسلم: تقدم ٤٢٥.
٣ - حماد بن سلمة: تقدم ٢٨٨.
٤ - سعيد بن إياس الجريري أبو مسعود البصري، روى عن أبي الطفيل وأبي عثمان الهندي وعبد الرحمن بن أبي بكرة وأبي نظرة العبدي وأبي العلاء يزيد بن عبد الله الشخير وعبد الله بن بريدة وغيرهم، وعنه ابن علية وبشر بن المفضل وجعفر الضبعي وأبو قدامة والحمادان وخالد الواسطي والثوري وشعبة وابن المبارك وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ومعمر ووهيب ويزيد بن زريع وآخرون. قال أحمد: الحريري محدث أهل البصرة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: تغيّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو
стр. 1371
حسن الحديث. وعن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون، قال يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة ٤٢ وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم ننكر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعد ذلك، وعنه أيضًا: ربما ابتلانا الجريري، وكان قد أنكر. وعن ابن عدي: لا نكذب الله، سمعنا من الجريري وهو مختلط، وعن أبي داود: أرواهم عن الجريري، ابن عليّة، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد، وقال النسائي: ثقة، أنكر أيام الطاعون. قال ابن سعد وابن حبان: توفي سنة ١٤٤، قال ابن حبان: اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ولم يكن اختلاطه فاحشًا وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، اختلط في آخر عمره: وعن أحمد: سألت ابن علية؛ أكان الجريري اختلط؟ فقال: كبر الشيخ فَرَقَّ وقال النسائي: هو اْثبت عندنا من خالد الحذاء، وقال العجلي: (بصري ثقة اختلط بآخره، روى عنه في الاختلاط: يزيد بن هارون وابن المبارك وابن أبي عدي، وكلما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه: حماد بن سلمة والثوري وشعبة وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثمان سنين) اهـ والله أعلم.
٥ - يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري أبو العلاء البصري، روى عن أبيه وأخيه مطرف وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمران بن حصين وحنظلة الكاتب وعثمان بن أبي العاص الثقفي وعياض بن حمار والنمر بن تولب وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، وعنه سليمان التيمي وسعيد الجريري وخالد الحذاء وقرة بن خالد وكهمس بن الحسن وفرقد السنجي وغيرهم. قال أبو العلاء: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، ومطرف أكبر مني بعشر سنين. روى ذلك البخاري في تاريخه، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ١١١، وقال خليفة وغيره. سنة ١٠٨. قال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة، وذكروا أنه كان يقرأ في الصحف فخر مغشيًا عليه، وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة وعزاه لابن منده معلقًا برواية وقعت له من طريق سريج بن يونس عن هشيم عن يونس بن عبيد عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: وأظنه رأى النبي ﷺ . اهـ.
стр. 1372
٦ - مطرف بن عبد الله بن الشخير: تقدم ٦٧.
٧ - عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي أبو عبد الله، استعمله النبي ﷺ على الطائف وأقرّه أبو بكر وعمر ﵄. روى عن النبي ﷺ ، وعن أمه قالت: شهدت آمنة لما ولدت رسول الله ﷺ ، وعنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاصي وسعيد بن المسيب ونافع بن جبير بن مطعم ومطرف وأبو العلاء ابنا عبد الله بن الشخير وموسى بن طلحة بن عبد الله ومحمد بن عياض والحسن وابن سيرين وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني وغيرهم. قال ابن حبان: أقام على الطائف إلى أيام عمر، ثم انتقل منها إلى البصرة في آخر أمره وأعقب بها، ومات في ولاية معاوية، وقال ابن سعد: كتب إليه عمر: استخلف على الطائف وأقبل، فاستخلف أخاه الحكم وأقبل إلى عمر، فوجهه إلى البصرة فابتنى بها دارًا وبقي ولده بها، وقيل: استعمله عمر على عمان، ومات سنة ٥٥ أو نحوها. قال ابن عبد البر: هو الذي افتتح توج واصطخر في زمن عثمان، وهو الذي أمسك ثقيفًا عن الردة وقال لهم: يا معشر ثقيف: كنتم آخر الناس إسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادًا. وقيل: إن موته كان سنة ٥١. والله أعلم.
• التخريج
أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي، وأخرج مسلم الطرف الأول منه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (اجعلني إمام قومي) أي في الصلاة، والمراد بقومه: ثقيف بالطائف، و (إمام) مفعول ثاني لجعل، وهو من الأوزان التي جاءت على فعال وهي بمعنى مفعول، أي مؤتمًا به، ككتاب بمعنى مكتوب وإله بمعنى مألوه وركاز بمعنى مركوز. وقوله: (أنت إمامهم) أي قد أجبتك لذلك، وقوله: (اقتد بأضعفهم) أي خفف الصلاة بهم، سيأتي في قوله: فإن من ورائه المريض والكبير وذا الحاجة. وقوله: (واتخذ مؤذنًا) أي اتخذ شخصًا مؤذنًا، أي يؤذن لك، وقوله: (لا يأخذ على أذانه أجرًا) الجملة صفة للمؤذن الذي يتخذه، وهو
стр. 1373
أن يكون محتسبًا بأذانه لا يأخذ على أذانه أجرًا من الناس، لأنه يكون مخلصًا في أذانه في الغالب لا يطلب عليه شيئًا من الدنيا.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه: دليل على جواز سؤال الإنسان لوظائف الدين إذا كان محتسبًا فيها، وكذلك إذا ألجأته الضرورة للإرتزاق عليها على وجه شرعي، حسبما يأتي من الخلاف، وتقدم سؤال أبي محذورة للأذان، وسأل يوسف ﵇ العمل فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، وقد يتعين ذلك على الإنسان. وفيه: أنه يتأكد على الإِمام أن يراعي حال المصلين ويرفق بهم وسيأتي لذلك نظائر، وعلى أنه ينبغي لكبير القوم والمسؤول فيهم أن يتخذ لهم مؤذنًا يجمعهم به على صلاتهم، وعلى استحباب أن يكون المؤذن لا يأخذ على الأذان أجرًا إن لم يكن واجبًا، إن أمكن ذلك. وقد اختلف العلماء في اتخاذ المؤذنين بالأجرة على الأذان: فمنعه أبو حنيفة ومن وافقه وبعض الزيدية، وروى ابن حبان وغيره عن ابن عمر: أن رجلًا قال له: إني لأحبك في الله، فقال ابن عمر: إني لأبغضك في الله، فقال: سبحان الله! أحبك وتبغضني في الله؟ فقال: نعم، إنك تأخذ على أذانك أجرًا وتغني فيه. وروي عن ابن مسعود: أنه لا يؤخذ عليه أجرًا. قلت: وهو ظاهر هذا الحديث، وعند مالك فيه قولان، وظاهر كلام الشافعي في الأم أنه لا يجوز إلا لضرورة، ويكون من خمس الخمس. ومنهم من رخص فيه إذا كان الأجر من بيت المال أو من وقف على ذلك، ولم يرخص فيه إذا كان من آحاد الناس. ويقال: إن أول من رزقهم عثمان، فإن ثبت عنه ذلك كان فيه حجة على جواز ذلك من بيت المال، والله أعلم. وذهبت الحنابلة إلى عدم الجواز إن وجد متبرع، وإلا جاز من بيت المال، وجوّزوا الجعالة عليه كما قال الأوزاعي.
الْقَوْلِ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ
٦٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ".
стр. 1374
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧.
٣ - محمَّد بن شهاب ﵀: تقدم ١.
٤ - عطاء بن يزيد الليثي: تقدم ٢١.
٥ - أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان ﵁: تقدم ٢٦٢.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، ومالك في الموطأ والطحاوي في شرح معاني الآثار، وأبو عوانة والدارمي، وعبد الرزاق في مصنفه وابن خزيمة في صحيحه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إذا سمعتم النداء) يعني الأذان (فقولوا مثل ما يقول) ظاهره أن هذا الأمر خاص بمن سمع، دون من علم أن شخصًا يؤذن وهو يراه ولكن لا يسمعه، فلا تلزمه إجابته. و (مثل) نعت لمصدر محذوف التقدير: قولًا مثل قول المؤذن. وهذا ظاهره العموم، ولكن خصصه حديث ابن عمر وغيره بإبدال الحيعلتين بلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد بوّب لذلك ابن حبان على أن المراد بعض الألفاظ كلها. "وما": يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف التقدير: بقوله، وهو في هذه الحالة يطرد حذفه كما قال ابن مالك ﵀:
والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب ... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
والتعبير بالمضارع يشعر بأن المطلوب متابعته كلمة كلمة، وهو صريح في حديث ابن عمر عند مسلم وغيره. وادعى ابن وضاح -على ما ذكره صاحب العذب: أن لفظ (المؤذن) مدرج، وهو مردود باتفاق الصحيحين وغيرهما على إثباته، والأصل عدم الإدراج حتى يدل عليه دليل. وظاهر الحديث أنه لابد من حكاية ذلك باللسان، وأن التعبد حاصل بالتلفظ به فلا يكفي إمراره على القلب، لكن لا تجب المماثلة في رفع الصوت؛ لأن المراد المماثلة في
стр. 1375
الألفاظ المحكية دون حال الحكاية. وظاهره أيضًا العموم، فيحكيه كل سامع من طاهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهما، إلا المجامع في حال الجماع أو من هو في أثناء قضاء الحاجة، حتى جوّز بعض المالكية حكايته في الصلاة للمتنفل والمجامع وقاضي الحاجة إذا فرغا يحكيانه، وكذا المصلي بعد الفراغ من الصلاة فرضًا أو نفلًا، إلا عند من تقدمت الإشارة إليهم من فقهاء المالكية المجوزين لحكايته في النافلة. والجمهور على أن الأمر فيه للندب، والصارف له ما رواه مسلم والطحاوي عن عبد الله بن مسعود من أنه ﷺ سمع مناديًا وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال: على الفطرة؛ الحديث ولم يحكه ﷺ . قال ابن حجر: وتعقب بأن الحديث ليس فيه نفي القول، فيحتمل أن الراوي اختصره، وأيضًا فإنه يحتمل أن يكون ذلك قبل الأمر بالحكاية. اهـ ومما يؤيد قول الجمهور كون الأذان الذي هو الأصل غير واجب فلا تجب حكايته، وفائدة الأذان أكثر من الحكاية وبذلك علل ابن عبد السلام عدم الوجوب وجعل أتبعيته لحكم الأذان صارفة عن الوجوب، وإن كان هو الظاهر من الحديث. والله أعلم.
ثَوَابِ ذَلِكَ
٦٧١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ خَالِدٍ الزَّرْقِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ سُفْيَانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
• [رواته: ٧]
١ - محمَّد بن سلمة المرادي: تقدم ٢٠.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٣ - عمرو بن الحارث بن يعقوب: تقدم ٧٩.
٤ - بكير بن عبد الله بن الأشج: تقدم ٢١١.
٥ - علي بن خالد الدولي المدني، روى عن أبي هريرة وأبي أمامة والنضير بن سفيان الدولي، وعنه سعيد بن أبي هلال والضحاك بن عثمان
стр. 1376
وبكير بن عبد الله بن الأشج. قال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني: شيخ يعتبر به. ذكره ابن حبان في الثقات، له عند النسائي حديث في فضل القول كما يقول المؤذن. قلت: وسماه علي بن خالد الزُّرقي، وفرّق البخاري وابن أبي حاتم بين الذي يروي عن أبي أمامة وعنه سعيد بن أبي هلال وبين الآخر، وأما ابن حبان فلم يذكر. الراوي عن أبي أمامة، وذكر الراوي عن أبي هريرة في التابعين، ثم أعاده بروايته عن النَّضْر بن سفيان في أتباع التابعين. والله أعلم.
٦ - النضر بن سفيان الدؤلي -بضم الدال وفتح الواو وبهمزة- قال في التقريب: مقبول من الثانية، ويقال: إن له إدراكًا. اهـ. ولم نجد له ترجمة في التهذيب النسخة التي بأيدينا.
٧ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
• بعض ما يتعلق به
فيه: الترغيب في حكاية الأذان، وأن من قال مثل ما يقول المؤذن معتقدًا معناه دخل الجنة، أي إذا مات وهو على ذلك الاعتقاد. وقوله: (يقينًا) حال بمعنى: متيقن لمعنى هذه الكلمات.
الْقَوْلِ مِثْلَ مَا يَتَشَهَّدُ الْمُؤَذِّنُ
٦٧٢ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَكَبَّرَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتَشَهَّدَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَتَشَهَّدَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي هَكَذَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
• [رواته: ٥]
١ - سويد بن نصر المروزي: تقدم ٥٥.
стр. 1377
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - مجمع بن يحيى بن يزيد بن جارية الأنصاري الكوفي ويقال: ابن زيد. روى عن خالد بن زيد بن جارية الأنصاري وعثمان بن عبد الله بن موهب وأبي العيوق وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف وسعيد بن أبي بردة بن أبي موسى وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وعنه مسعر وابن عيينة وابن المبارك ومروان بن معاوية وحسين بن علي الجعفي ومحمد بن بشر العبدي وأبو نعيم وآخرون. قال أحمد فيه: لا أعلم إلا خيرًا، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن عمارة ويعقوب بن أبي شيبة وأبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: أصله مدني وله أحاديث. قال ابن حجر: أفاد الخطيب أن حفص بن غياث روى عن مجمع بن جارية عن رجل عن ابن عمر شيئًا، وجوّز أنه مجمع بن يحيى المذكور، نسبه حفص بن غياث إلى جده الأعلى. والله أعلم.
٤ - أبو أمامة واسمه أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، ولد في حياة النبي ﷺ وسمّي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكنّي بكنيته. روى عن النبي ﷺ مرسلًا وعن عمر وعثمان وعمه عثمان بن حنيف وأبيه سهل وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن ثابت وعائشة رضي الله عن الجميع، وعنه ابناه سعد ومحمد، وابنا عمه عثمان وحكيم ابنا حكيم بن عباد بن حنيف، وابن عمه أبو بكر بن عثمان بن حنيف والزهري ويحيى بن سعيد وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وآخرون. قال ابن حجر: اسم أمه حبيبة بنت أسعد بن زرارة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال سعيد بن السكن: ولد على عهد النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا، وقال ابن شهاب: كان من أكابر الأنصار وعلمائهم، وقال أبو حاتم: لا يُسأل عن مثله، هو أجلّ من ذاك. وبالجملة ولد في آخر حياته ﷺ وسماه وحنّكه ولم يسمع منه، وقيل: قبل وفاته ﵇ بعامين، وقال أبو معشر المدني: رأيته شيخًا كبيرًا يخضب بالصفرة. مات سنة ١٠٠. والله أعلم.
٥ - معاوية بن أبي سفيان ﵁: تقدم ٢٩٤.
• التخريج
أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه، والبخاري لكن من طريق عيسى بن
стр. 1378
طلحة عنده، وكذا لأبي عوانة. وعند الدارمي وعبد الرزاق وابن خزيمة ثلاثتهم من الطريقين: طريقه وطريق عمرو بن علقمة.
• الفوائد
فيه دليل على الاقتصار على تكبيرتين في أول الأذان.
٦٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مُجَمِّعٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ.
• [رواته: ٦]
١ - محمَّد بن قدامة: تقدم ٢١٤.
٢ - جرير بن عبد الحميد الضبي: تقدم ٢.
٣ - مسعر بن كدام: تقدم ٨.
٤ - مجمع بن يحيى الأنصاري: تقدم ٦٧٣.
٥ - أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف: تقدم ٦٧٣.
٦ - معاوية بن أبي سفيان ﵄: تقدم ٢٩٤.
رواية ثانية للحديث السابق.
الْقَوْلِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ
٦٧٤ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
• [رواته: ٩]
١ - مجاهد بن موسى: تقدم ١٠٢.
стр. 1379
٢ - إبراهيم بن الحسن بن الهيثم المقسمي المصيصي: تقدم ٦٤.
٣ - حجاج بن محمَّد الصواف المصيصي: تقدم ٣٢.
٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي: تقدم ٣٢.
٥ - عمرو بن يحيى: تقدم ٩٦.
٦ - عيسى بن عمر ويقال: ابن عمير، حجازي. روى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن معاوية في القول كما يقول المؤذن، وعنه عمرو بن يحيى المازني. قال الدارقطني: مدني معروف يعتبر به، وقال الذهبي: لا يعرف.
٧ - عبد الله بن علقمة بن وقاص الليثي: روى عن أبيه، وعنه ابن أخيه عمر بن طلحة بن علقمة وعيسى بن عمر. ذكره ابن حبان في الثقات. اهـ.
٨ - علقمة بن وقاص الليثي: تقدم ٧٩.
٩ - معاوية بن أبي سفيان ﵄: تقدم ٢٩٤.
• التخريج
هذه طريق أخرى لحديث معاوية عن علقمة بن وقاص الليثي، أخرجه ابن خزيمة وأحمد والبيهقي وابن حبان في صحيحه والدارمي. وقد تقدم بعض تخريج هذا الحديث.
وفيه إبدال الحيعلتين كما تقدم بلا حول ولا قوة إلا بالله (٦٧٢).
الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الأَذَانِ
٦٧٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عَلْقَمَةَ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ".
• [رواته: ٦]
١ - سويد بن نصر المروزي: تقدم ٥٥.
стр. 1380
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - حيوة بن شريح: تقدم ٤٧٥.
٤ - كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي أبو عبد الحميد المثري، رأى عبد الله بن جزء الوزبيدي، روى عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني وبلال بن عبد الله بن عمر وسالم أبي النضر وعبد الرحمن بن جبير المصري وعبد الرحمن بن شماسة وعيسى بن هلال وكثير أبي الهيثم مولى عقبة بن عامر وعبد العزيز بن مروان بن الحكم وعياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح وغيرهم، وعنه إبراهيم بن نشيط الوغلاني وحيوة بن شريح وسعيد بن أبي أيوب وعمرو بن الحارث وابن لهيعة ويحيى بن أيوب وحرملة بن عمران التجيبي والليث بن سعد وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة ١٢٧، وقيل: ١٣٠. والله أعلم.
٥ - عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي الفقيه المصري الفرضي المؤذن العامري، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وعمرو بن غيلان بن سلمة الثقفي وأبي الدرداء والمستورد الفهري وعن من خدم النبي ﷺ ، وعن عمرو بن العاص وقيل: بينهما أبو قيس، وغيرهم. وعنه كعب بن علقمة وعمران بن أبي أنس وبكر بن سوادة وعبد الله بن هبيرة وعقبة بن مسلم ويزيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب وآخرون. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن لهيعة: كان عالمًا بالفرائض، وكان عبد الله بن عمرو به معجبًا، وقال ابن يونس: كان فقيهًا عالمًا بالقراءة، ووثقه يعقوب بن سفيان. قيل: مات سنة ٩٧، وقيل: ٩٨. والله أعلم.
٦ - عبد الله بن عمرو بن العاص: تقدم ١١١.
• التخريج
أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه، ولابن أبي شيبة طرف من أوله، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (يقول إذا سمعتم المؤذن) هذه جملة حالية، العامل فيها قوله:
стр. 1381
سمعت رسول الله، وجملة (إذا سمعتم) مقول القول، وقوله: (المؤذن) أي أذان المؤذن لأنه المسموع. وقوله: (فقولوا) الفاء واقعة في جواب (إذا)، و (مثل) تقدم أنها صفة لمصدر محذوف التقدير: قولًا مثل، و (ما) إما موصولة أو مصدرية كما تقدم، فعلى الأول التقدير: مثل الذي يقول، والعائد محذوف أي: يقوله، وتقدم هذا في شرح حديث أبي سعيد الخدري ٦٧٠. وقوله: (وصلوا علي) أي بعد قولكم مثل قول المؤذن، وقوله: (فإنه) الضمير للشأن، (من صلى علي صلاة) أي: واحدة، (صلى الله عليه عشرًا) لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصلاة الله على عباده رحمته لهم ومغفرته وإكرامه. وقوله: (ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة) الوسيلة: أصلها الحاجة والقربى من الشيء، قال عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وفسّرها هنا بأنها منزلة في الجنة، ويقال: الواسلة والجمع الوسائل، وهي أيضًا بمعنى: المنزلة عند الملك ونحوه والدرجة والوصلة وما يتقرب به إلى الغير، ووسل إلى الله وسيلا: عمل عملًا يتقرب به إليه، كتوسل إليه والواسل: الواجب، والواسل أيضًا: الراغب إلى الله. قال لبيد ﵁:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسل
وقوله: (لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله) أي: لا تصلح ولا تليق إلا لعبد واحد من عباد الله. وقد تكلم بعض العلماء في تفسير الوسيلة هنا، ولا ينبغي الكلام في ذلك عندي؛ لأنه لم يرد فيه بيان منه ﷺ ولا سبيل إلى معرفته إلا من قبله، فالسكوت عنه أولى واعتقاد أنها منزلة خاصة به ﷺ . وقوله: (أرجو أن أكون أنا هو) اختلفوا في توجيه هذه الجملة، فقيل: إن كلمة (أنا) توكيد للضمير المستتر، وكلمة (هو): إما من باب وضع الضمير موضع اسم الإشارة أي: أنا ذلك العبد، وإما أن يكون (هو) وُضع موضع إياه، وهو في الحالين خبر كان. وهذان الوجهان عندي غير مرضيين، والأولى عندي: أن يكون مبتدأ و (هو) خبره أو العكس، والجملة في محل نصب خبر لكان فيحتمل أنه عرف أنه صاحبها وقال هذا على سبيل التواضع، والسياق يؤيد ذلك لقوله: (لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله)، ويكون هذا فيه عدم الاغترار بالله وعدم أمن مكر الله، وجوَّز بعض العلماء أن يكون قال هذا قبل العلم بأنه صاحبها. وأما كونه طلب السؤال من
стр. 1382
المسلمين؛ فهو كذلك على هذا السبيل، وزيادة أن فيه الخير للمسلمين بما يحصل لهم من شفاعته لهم يوم القيامة. وقوله: (حلت له) أي وجبت له واستحقها بوعد من الله بسبب ذلك الفعل، وهذه شفاعة خاصة. والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
والحديث يدل على استحباب حكاية الأذان أو وجوبها، على ما تقدم من الخلاف، وهذه الرواية مما يؤيد قول القائلين بالوجوب لصريح الأمر فيها، وتقدم الخلاف فيه. والكلام في الأمر بالصلاة عليه ﷺ وسؤال الوسيلة له؛ كالكلام على الحكاية. وفيه: فضل الصلاة على النبي ﷺ ، والصيغة تدل على أن هذا ليس خاصًا بهذه الحالة، أعني: قوله ﷺ : عشرًا. وفيه: حجة لمن قال بجواز فصل الصلاة عليه عن السلام، وليس هناك صريح في وجوب الملازمة. واستدل به بعض العلماء على بطلان قول من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تدرك، إلا إذا قارن الدخول في الصلاة أول جزء من دخول الوقت؛ لأن هذا يقتضي الفصل بين الأذان والإقامة، وتقدم أن ظاهره الإطلاق في حكاية جميع ألفاظ الأذان، ولكنه مخصص بالأحاديث الدالة على إبدال الحيعلتين بالحوقلة. وفيه: طلب الدعاء من الفاضل ممن هو دونه في الفضل، ومثله قوله لعمر: "أشركنا في دعائك". وفيه: تواضعه ﷺ . وفيه: دليل على أفضل الخلق وأكرمهم على الله. وفيه: بيان لكثرة طرق الخير لهذه الأمة وبركة نبيها عليها، وفضل الأذان وحكايته، وتقدم بعض ما يتعلق به في شرح حديث أبي سعيد (٦٧٠). وفيه: إثبات الشفاعة له ﷺ ، وأن العبد المسلم يستوجبها في الدنيا بعض أعمال الطاعة، وهذا من كرم الله عليهم. ويستحب للمؤذن نفسه أن يقول هذا القول بعد فراغه، بأن يصلي على النبي ﷺ ويسأل الله له الوسيلة، لعموم قوله: فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي.
الدُّعَاءِ عِنْدَ الأَذَانِ
٦٧٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
стр. 1383
وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥.
٣ - الحكيم بن عبد الله -بالتصغير- بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي المصري، روى عن ابن عمر ونافع بن جبير بن مطعم وعامر بن سعد وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعنه يزيد بن أبي حبيب والليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة وعبيد الله بن المغيرة وحنين بن أبي حكيم المصريون .. قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي بمصر سنة ١١٨.
٤ - عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني، روى عن أبيه وعثمان والعباس بن عبد المطلب وأبي أيوب وأسامة بن زيد وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة وجابر بن سلمة وأبان بن عثمان وخباب صاحب المقصورة، وعنه ابنه داود وأبناء إخوته إسماعيل بن محمَّد وأشعث بن إسحاق وبجاد بن موسى وابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وابن أخته أيضًا محمَّد بن محمَّد بن الأسود الزهري، وسعيد بن المسيب وهو من أقرانه، والزهري ومجاهد وخلق آخرون. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٠٤، وقيل: في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقيل غير ذلك، وذكره ابن حبان في الثقات، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، قال ابن حجر: ذكر البخاري فيمن قال: لا طلاق قبل النكاح؛ عامر بن سعد. قال: لا أدري أراد هذا أو عامر بن سعد البجلي. والله أعلم.
٥ - سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهب الزهري: تقدم ١٢١.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وابن ماجه والطحاوي في شرح معاني الآثار، وأبو عوانة في مسنده بزيادة: وما تأخر، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وكذا ابن حبان.
стр. 1384
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد) الظاهر أن المراد: أن يقول ذلك عند كل شهادة في الأذان لا مرة واحدة، وأن يدعو بالدعاء السابق، لكن ظاهر هذه الرواية أنه يقدم قوله: رضيت بالله ربًا؛ على الدعاء المتقدم والصلاة على النبي ﷺ . ولا أرى في ذلك حرجًا، فإن المراد حصول هذه الأذكار عند سماع الأذان، قدم منها ما شاء. وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفي رواية عن أبي عوانة في مسنده: وما تأخر.
٦٧٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ؛ إِلَّا حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
• [رواته: ٥]
١ - عمرو بن منصور النسائي: تقدم ١٤٧.
٢ - علي بن عياش بن مسلم الإلهاني الحمصي: تقدم ١٨٥.
٣ - شعيب بن أبي حمزة واسمه دينار الأموي مولاهم: تقدم ٥١.
٤ - محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي: تقدم ١٣٨.
٥ - جابر بن عبد الله ﵄: تقدم ٣٥.
• التخريج
أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه والطحاوي والبيهقي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من قال حين يسمع) (من) شرطية في محل رفع مبتدأ، و (حين) ظرف لقال و (يسمع) جملة فعلية في محل جر بالإضافة، لأن (حين) ظرف زمن لا يضاف إلا إلى جملة، وقد تقدم الكلام على (حين). وقوله: (النداء) يعني
стр. 1385
الأذان، وظاهر التعبير أن هذا القول يقارن النداء، وقد تقدم إنما يكون الدعاء بعد النداء أي عند تمامه، وتقدم التعبير بالماضي في الأحاديث السابقة وهو قوله: (إذا سمعتم المؤذن) كما في حديث عبد الله بن عمرو، السابق لهذا الحديث قبله بحديث واحد. وقوله: (اللهم) مقول القول الواقع في سياق الشرط؛ وقوله: اللهم؛ أي: يا الله، ولكنهم يحذفون حرف النداء ويعوضون عنه الميم، كما قال ابن مالك ﵀:
والأكثر اللهم بالتعويض ... وشذ ياللهم في قريض
وقد تقدم ذلك أول الطهارة في الوضوء بالثلج (٦٠). وقوله: (رب هذه الدعوة) منادى أيضًا حذف منه حرف النداء، أي: يا رب هذه الدعوة، والمراد بها الأذان، ووصفها بكونها تامة لأنها اشتملت على توحيد الله، كما قدمنا أول أحاديث الأذان. وقوله: (والصلاة القائمة) والدعوة -بالفتح-: المرة من الدعاء بخير أو بشرّ، ودعوة الحق: شهادة أن لا إله إلا الله والدعوة -بالكسر- في النسب، والفتح فيها لغة تيم الرباب، والدعوة في الطعام بالفتح وحكي فيها الضم. وقوله: (والصلاة) تقدم الكلام على الصلاة، وقوله: (القائمة) أي الباقية التي لا تزول ولا يزول فرضها على الناس، و (آت) بالمد: أعط، والوسيلة تقدم الكلام عليها في الحديث السابق. وقوله: (الفضيلة) زيادة الكمال في الفضل وكثرة الخير ورفعة المقام عند الله، وهي الدرجة الرفيعة في الرواية الأخرى، وقوله: (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) أي في قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. والمقام المحمود الأكثرون على أنه الشفاعة الكبرى وقيل: أن يعطيه لواء الحمد، وقيل: بأن يجلسه على العرش يوم القيامة. ونصب المقام على تضمين (وابعثه) معنى: أعطه عند البعث، فيكون المفعول الثاني، أو بنزع الخافض. أي إلى المقام المحمود. وجوّز فيه بعضهم الظرفية، واعترض عليه بأنه اسم مكان غير مختص، وهو اعتراض غير مسلَّم.
• الأحكام والفوائد
تقدم أن هذه الأحاديث دلت على فضيلة الأذان وفضيلة حكايته، وتقدم ذكر الصلاة عليه ﷺ بعده وسؤال الوسيلة، وكل هذا يدل على فضل الدعاء
стр. 1386
عند الفراغ من الأذان كما يكون ساعة. وفيه إثبات المقام المحمود له واستحباب سؤاله له من الله، ويقال فيه مثل ما تقدم في الوسيلة. وفيه: ترغيب الناس في الخير بذكر الثواب المرتب عليه يوم القيامة.
الصَّلَاةِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ
٦٧٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ كَهْمَسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ".
• [رواته: ٥]
١ - عبيد الله بن سعيد اليشكري: تقدم ١٥.
٢ - يحيى بن سعيد بن فروخ القطان: تقدم ٤.
٣ - كهمس بن الحسن التميمي البصري أبو الحسن، روى عن أبي الطفيل وعبد الله بن بريدة وعبد الله بن شقيق وأبي السليل ضريب بن نفير ويزيد بن عبد الله بن الشخير وسيار بن منظور وأبي نضرة العبدي وغيرهم، وعنه ابنه عون والقطان وابن المبارك ووكيع ومعتمر بن سليمان وسفيان بن حبيب ويوسف بن يعقوب السدوسي ومعاذ بن معاذ وخالد بن الحارث وجعفر بن سليمان والنضر بن شميل وآخرون. وثقه أحمد وابن معين وأبو داود، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ١٤٩، وقال أحمد مرة: ثقة ثقة، ووثقه ابن سعد، وقال الساجي: صدوق يهم، ونقل أن ابن معين ضعفه، وتبعه الأزدي في نقل ذلك عن ابن معين: ونقل ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه ثقة. اهـ والله أعلم.
٤ - عبد الله بن بريدة: تقدم ٣٩١.
٥ - عبد الله بن مغفل ﵁: تقدم ٣٦٠.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي.
стр. 1387
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (بين كل أذانين) تقدم الكلام على (بين) في شرح أول حديث الإسراء، والمراد به هنا: الظرف الفاصل بين الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب فإن العرب قد تعبر عن الاسمين المختلفين باسم أحدهما، كالعمرين والقمرين والأسودين. ويحتمل أن كلا منهما -أي الأذان والإقامة- يسمى أذانًا؛ لأن الأذان هو الإعلام، والأذان إعلام للبعيد بدخول الوقت والإقامة إعلام للقريب بالشروع في الصلاة، فكل منهما بهذا الاعتبار أذان وقوله: (صلاة) أي محل للصلاة أو استحباب الصلاة لقوله: (لمن شاء في الثالثة)، لأنها دلت على عدم الوجوب، ولهذا كان قرينة مانعة من إرادة أذاني كل من الصلاتين، لأن الصلاة بينهما واجبة. والحديث ظاهر في الإطلاق، وهو محل اتفاق في غير المغرب والجمعة. أما المغرب فالصحيح دخوله فيه، والحديث في صلاة الركعتين قبله دليل على ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما الجمعة فلا خلاف أنها في عهد الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وبعض عهد عثمان لم تدخل، لأنه لم يكن لها أذان إلا بعد جلوس الخطيب، وبعد فراغ المؤذن عند ذلك يشرع الخطيب في الخطبة وتحرم الصلاة حينئذ، إلا ما سيأتي من الخلاف في تحية المسجد. فلما اتفق المسلمون في خلافة عثمان على الأذان الأول وأصبح أذانًا شرعيًا؛ منهم من رأى أنه يدخل تحت العموم وقال باستحباب الصلاة بعده كالحنفية والشافعية، ومنهم من رأى أن الجمعة لم تدخل في ذلك الحكم في العهد الأول، فالواجب أن لا تدخل بعد ذلك.
• بعض ما يستفاد منه
فيه: استحباب الصلاة بعد الأذان وقبل الإقامة، وفيه دليل على الفصل بينهما، وقد اختلفوا في مقداره: فقدّره بعضهم بمقدار صلاة ركعتين، وبعضهم بجلوس أو قيام، وبعضهم لم يحدد له شيئًا.
٦٧٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ يُصَلُّونَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ
стр. 1388
كَذَلِكَ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ.
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وهو ابن راهويه: تقدم ٢.
٢ - أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي: تقدم ٣٢٦.
٣ - شعبة بن الحجاج أبو الورد الواسطي: تقدم ٢٦.
٤ - عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي: تقدم ١٣١.
٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد.
• بعض فوائد الحديث
فيه: دليل على استحباب صلاة النافلة بعد أذان المغرب، والظاهر أنها لا تزيد على ركعتين لقوله: ولم يكن بين الأذان والإقامة منه شيء، أي شيء كثير بل وقت قليل، وقد تقدم ذلك في الحديث الذي قبله. وفي الحديث استحباب الصلاة إلى السواري، وسيأتي في سترة المصلي. إن شاء الله تعالى.
التَّشْدِيدِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ
٦٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ حَتَّى قَطَعَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ .
• [رواته: ٦]
١ - محمَّد بن منصور: تقدم ٢١.
٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١.
٣ - عمر بن سعيد بن مسروق الثوري أخو سفيان، روى عن أبيه والاْعمش وعمار الدهني وأشعث بن أبي الشعثاء وزياد بن فياض وغيرهم، وعنه أخوه مبارك بن سعيد وابنه حفص بن عمر وابن عيينة وعمرو بن أبي قيس
стр. 1389
وإبراهيم بن طهمان وأبو بكر بن عياش. قال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه الدارقطني. والله أعلم.
٤ - أشعث بن أبي الشعثاء واسمه سليم بن أسود المحاربي: تقدم ١١٢.
٥ - سليم بن أسود أبو الشعثاء المحاربي: تقدم ١١٢.
٦ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في آخره من طريق شريك: أمرنا رسول الله ﷺ : إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على عدم جواز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا من ضرورة لا يمكن معها البقاء.
٦٨١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو صَخْرَةَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ .
• [رواته: ٦]
١ - أحمد بن عثمان بن حكيم تقدم ٢٢.
٢ - جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي أبو عون الكوفي روى عن إسماعيل بن أبي خالد وإبراهيم بن مسلم الهجري والأعمش وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد المسعودي وأبي العميس وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وجماعة.
وعنه أحمد بن حنبل، والحسن بن علي الحلواني، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وبندار وهارون الجمال، وابنا أبي شيبة، وأبي خيثمة، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن محمَّد بن المثنى الموصلي خاتمة
стр. 1390
أصحابه، ولم يذكر الراوي عنه هنا وهو أحمد بن عثمان بن حكيم، قال أحمد، رجل صالح ليس به بأس، وقال أبو أحمد الفراء: قال لي أحمد عليك بجعفر بن عون، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن قانع وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات، مات سنة ٢٠٦، وقيل ٢٠٧، قيل: كان عمره ٨٧، وقيل ٩٧ والله أعلم.
٣ - عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو العميس المسعودي الكوفي، روى عن أبيه وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وأبي صخرة جامع بن شداد، وعون بن أبي جحيفة، وقيس بن مسلم الجدلي، وابن أبي مليكة، وغيرهم. وعنه: إسحاق، وهو من أقرانه، وشعبة، ومحمد بن ربيعة الكلابي، ووكيع، وأبو معاوية وعبد الواحد بن زياد، وابن عينية، وحفص بن غياث، وجعفر بن عون، وأبو نعيم وأبو أسامة، وعمر ابن علي المقدمي، وآخرون، قال علي بن المديني: له نحو ٤٠ حديثًا ووثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن سعد. اهـ والله أعلم.
٤ - صخرة بن جامع بن شداد: تقدم ١٤٥.
٥ - أبو الشعثاء سليم بن أسود: تقدم ١١٢.
٦ - أبو هريرة ﵁ تقدم ١.
رواية ثانية لحديث أبي هريرة ﵁ السابق.
إِيذَانِ الْمُؤَذِّنِينَ الأَئِمَّةَ بِالصَّلَاةِ
٦٨٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيُونُسُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ
стр. 1391
حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ بِالإِقَامَةِ فَيَخْرُجُ مَعَهُ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ.
• [رواته: ٨]
١ - أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر الأموي البصري: تقدم ٣٩.
٢ - عبد الله بن وهب القرشي مولاهم المصري: تقدم ٩.
٣ - محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي العامري: تقدم ٦٥٧.
٤ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩.
٥ - عمرو بن الحارث بن يعقوب: تقدم ٧٩.
٦ - ابن شهاب الزهري: تقدم ٧٩.
٧ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٨ - عائشة ﵂: تقدم ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي.
• الأحكام والفوائد
قولها: (كان النبي ﷺ يصلي فيما بين) أي: في الوقت الذي بين، وقولها: (أن يفرغ) أي: ينتهي، وقولها: (إلى الفجر) غاية لآخر الوقت الذي يصلي فيه التهجد بالليل. وتقدم الكلام على (بين)، وهي هنا ظرف: صلة لما، والمصدر المنسبك من (أن) وما دخلت عليه مجرور بالإضافة إليها، أي: في الوقت الذي بين الفراغ من صلاة العشاء إلى نهايته، وهي طلوع الفجر. وقولها: (إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين) ظاهر هذا أنه يدخل السلام بين كل ركعتين، ولكن المراد: بين كل ركعتين واللتين بعدهما، والروايات الأخر تبين ذلك، والاتفاق على أنه لا تصلى نافلة أقل من ركعتين إلا الوتر، فيتعين حمله على ما ذكرنا. وفي حديث أبي داود ومحمد بن نصر من طريقي الأوزاعي وابن أبي ذئب كلاهما عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصلي فيما بين أن يفرغ من العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين لفظ النسائي. قال ابن حجر ﵀: (إسنادهما على
стр. 1392
شرط الشيخين، فهذه الرواية توضح المراد من هذه) اهـ. وهو صريح في حديث ابن عمر: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى: وحديث ابن عباس، صلى ركعتين ثم ركعتين، الحديث. وقد قال ابن دقيق العيد في حديث ابن عمر: (فيه دليل على عدم النقصان عن الركعتين في النافلة ما عدا الوتر، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في أبواب الوتر إن شاء الله). وقولها: (ويوتر بواحدة) أي بركعة واحدة مستقلة، وقولها: (ويسجد قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية) ظاهر هذه الرواية أن السجود بعد الوتر، ولكن في رواية البخاري: فيسجد السجدة من ذلك؛ فبينت هذه الرواية أن المراد: تطويله للسجود في هذه الصلاة المذكورة، وفي رواية النسائي السابقة: ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية.
وقولها: (فإذا سكت المؤذن) أي فرغ من الأذان، وقولها: (من صلاة الفجر) أي من أذان صلاة الفجر، وقولها: (يتبين له الفجر) أي ظهر للنبي ﷺ طلوع الفجر ركع، أي صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع حتى يأتيه المؤذن، أي: استراح، وسيأتي الخلاف من هذه الضجعة إن شاء الله (حتى) غاية لنهاية اضطجاعه، وقوله: (يأتية المؤذن) أي يخبره باجتماع الناس للصلاة فيخرج معه. هذا هو محل الشاهد من الحديث المطابق لترجمة المصنف، وإلا فالحديث يأتي الكلام عليه وعلى أحكامه في التطوع إن شاء الله. وقوله: (يزيد بعضهم على بعض) يعني: يونس وابن أبي ذئب وعمر والحارث الذين اشتركوا في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب.
٦٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَوَصَفَ أَنَّهُ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى اسْتَثْقَلَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْفُخُ، وَأَتَاهُ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
стр. 1393
• [رواته: ٨]
١ - محمَّد بن عبد الله بن الحاكم: تقدم ١٦٦.
٢ - شعيب بن الليث بن سعد الفهمي: تقدم ١٦٦.
٣ - الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري: تقدم ٣٥.
٤ - خالد بن يزيد الجمحي أبو عبد الرحيم المصري مولى الصبيغ، قال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وقال البخاري: قال زيد بن الحباب: هو السكسكي. روى عن سعيد بن أبي هلال وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي الزبير والمثنى بن الصباح وغيرهم، وعنه سعيد بن أبي أيوب ونافع بن يزيد ويحيى بن أيوب والليث بن حيوة بن شريح وبكر بن مضر وابن لهيعة والمفضل بن فضالة وهو آخر من حدث عنه بمصر، وجماعة، وثقه النسائي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي: ثقة، ووثقه يعقوب بن سفيان. مات سنة ١٣٩ والله أعلم.
٥ - سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم المصري أبو العلاء، يقال: أصله من المدينة روى عن جابر وأنس مرسلًا، وزيد بن أسلم وأبي الرجال محمَّد بن عبد الرحمن وربيعة وأبي الزناد وأبي حازم بن دينار ونافع مولى ابن عمر ومخرمة بن سليمان وجماعة، وعنه سعيد المقبري وهو أكبر منه وخالد بن يزيد المصري وعمرو بن الحارث وهشام بن سعد والليث ويحيى بن أيوب ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: ولد بمصر سنة ٧٠، ونشأ بالمدينة ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، ويقال: توفي سنة ١٣٥ وقيل: سنة ١٣٣ وقيل: ١٤٩، وحديثه عن جابر مرسلًا وهو في البخاري معلقًا متابعة: صرّح الترمذي بأنه مرسل. قال سعيد بن أبي هلال: لم يدرك جابرًا، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الساجي: صدوق، وكان أحمد يقول: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث ووثقه العجلي وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وغيرهم، وقد ورد اسم أبيه: مرزوق. اهـ. والله أعلم.
٦ - مخرمة بن سليمان الأسري الوالبي المدني. روى عن ابن عباس وابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر والسائب بن يزيد وكريب مولى ابن عباس
стр. 1394
وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة والأعرج ونافع بن جبير بن مطعم وغيره، وعنه عمرو بن شعيب ومات قبله، وعبد ربه بن سعيد وسعيد بن أبي هلال وعياض بن عبد الله الفهري ومالك بن أنس والضحاك بن عثمان الحزامي وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الواقدي: قتلته الحرورية بقديد سنة ١٣٠ وهو ابن سبعين سنة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، والله أعلم.
٧ - كريب مولى ابن عباس: تقدم ٢٥٣.
٨ - عبد الله بن عباس ﵄: تقدم ٣١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي والبيهقي.
والحديث سيأتي الكلام عليه في التطوع إن شاء الله والغرض من ذكره هنا كالذي قبله قوله: أتاه بلال، وهو المراد في حديث عائشة بقولها: أتاه المؤذن.
إِقَامَةِ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ خُرُوجِ الإِمَامِ
٦٨٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ".
• [رواته: ٦]
١ - الحسين بن حريث: تقدم ٥٢.
٢ - الفضل بن موسى السيناني: تقدم ١٠٠.
٣ - معمر بن راشد: تقدم ١٠.
٤ - يحيى بن أبي كثير: تقدم ٢٤.
٥ - عبد الله بن أبي قتادة: تقدم ٢٤.
٦ - أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري: تقدم ٢٤.
стр. 1395
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
• المعنى
قوله: (إذا أقيمت الصلاة) أي: ذكرت ألفاظ الإقامة، (حتى تروني) أي تبصروني، (خرجت) أي: فإذا رأيتموني خرجت فقوموا.
• الأحكام والفوائد
اختلف العلماء متى يقوم الناس للصلاة؟ فذهب الجمهور إلى أنه ليس لوقت قيامهم حد، وهو مذهب مالك ﵀. واستحب جماعة كثيرون أو الأكثرون القيام مع أوّل الإقامة، وقال بعضهم: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وكان أنس يفعله. وقال جماعة من السلف: إذا قال: الله أكبر؛ قاموا، وإذا قال: حي على الصلاة؛ سووا الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله؛ كبّر الإِمام. والأكثرون على أن الإِمام لا يكبّر حتى تنتهي الإقامة، بل السنة أي يسوي الصفوف ثم يكبّر كما ثبت عن عمر ﵁: وعن هشام بن عروة مثل قول أنس، ولكنه كره القيام قبل قوله: قد قامت الصلاة وفيه بعد. وعن الشافعي وأبي يوسف: يقوم بعد الفراغ من الإقامة، وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة؛ قاموا، وقال أبو حنيفة: إذا قال: حي على الفلاح؛ قاموا وإذا قال: قد قامت الصلاة؛ كبر الإِمام، وبه قال صاحبه محمَّد، وفيه بعد لأن الثابت عن النبي ﷺ خلافه في حديث النعمان في تسوية الصفوف. وهذا فيما إذا كان الإِمام في المسجد، وأما في هذا الحديث فهو محمول على ما إذا كان الإِمام خارج المسجد، لئلا يطول عليهم القيام فيشق ذلك عليهم. والله أعلم.
آخر الجزء الرابع من المنن شرح السنن
стр. 1396
شرح سنن النسائي
المسمى
«شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية»
تأليف
فضيلة الشيخ محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي
المدرس بالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة
المتوفى في المدينة سنة ١٤٠٥ هجرية، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[الجزء الخامس]
стр. 1397
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنبيه: لم يتم الشيخ ﵀ شرح هذا الجزء، وقد ترك فراغًا في بعض المواضع، وذلك ليرجع إلى الإكمال، ولكن المنيَّة عاجلته ﵀ قبل ذلك.
وقد أشير إلى تلك المواضع بترك الفراغ والنقاط.
كما أن هذا الجزء لم يبيض الشيخ ﵀ مسودته.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكتب للشيخ أجره كاملًا وأن يضاعفه بفضله ومنه وكرمه وهو أرحم الراحمين.
стр. 1398
كتاب المساجد
الْفَضْلِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ
٦٨٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ بَحِيرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
• [رواته: ٦]
١ - عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير القرشي الحمصي: تقدم ٥٣٢.
٢ - بقية بن الوليد الميتمي الحميري: تقدم ٥٥٤.
٣ - بحير بن سعيد بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة السحولي أبو خالد الحمصي روى عن خالد بن معدان ومكحول وعنه إسماعيل بن عياش وبقية بن الوليد وثور بن يزيد وهو من أقرانه ومعاوية بن صالح وغيرهم، قال أحمد: ليس بالشام أثبت من جرير إلا أن يكون بحيرا فقدمه عليه وقدَّمه على ثور بن يزيد، وقال فيه دحيم وابن سعد والنسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي: شامي ثقة وقال أبو حاتم: صالح الحديث. اهـ.
٤ - خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي أبو عبد الله الشامي الحمصي روى عن ثوبان وابن عمرو وابن عمر وعتبة بن عبد السلمي ومعاوية بن أبي سفيان والمقدام بن معدي كرب وذي مخبر ابن أخي النجاشي وغيرهم من الصحابة وأرسل عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح وأبي ذر وعائشة وعنه بحير بن سعيد ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وثور بن يزيد وحريز بن عثمان وعامر بن جشيب وحسان بن عطية وفضيل بن فضالة وغيرهم قال يعقوب بن شيبة لم يلق أبا عبيدة وهو من الطبقة الثالثة كلاعي من فقهاء الشام بعد
стр. 1399
الصحابة قال العجلي: تابعي شامي ثقة ووثقه ابن سعد والنسائي، روى عنه أنه أدرك سبعين من الصحابة قال بحير: ما رأيت أحدًا ألزم للعلم منه، كان علمه في مصحف عنده له أزرار وعرى يعني به كتابه قال بقية: كان الأوزاعي يعظمه وسأل عنه هل له ولد؟ فقالوا بنت فقالوا ائتوها فاسألوها عن هدى أبيها؟ قال: فكان ذلك سبب إتياننا عبدة يعني ابنة خالد وكان إذا رأى حلقته كبرت قام عنها مخافة الشهرة مات، وهو صائم سنة ١٠٣ وقيل ١٠٤ وقيل ١٠٥ وقيل ١٠٦ وقيل ١٠٨ ذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من خيار عباد الله وحديثه عن المقدام في صحيح البخاري مع أن الإسماعيلي نفى سماعه من المقدام وقال بينهما جبير بن نفير. والله أعلم.
٥ - كثير بن مرة الحضرمي الرهاوي أبو شجرة ويقال أبو القاسم الحمصي روى عن النبي ﷺ مرسلًا وعن معاذ بن جبل وعمر بن الخطاب وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي فاطمة الأزدي وابن عمر وابن عمرو وأبي هريرة وتميم الداري وغيرهم من الصحابة وعنه خالد بن معدان ومكحول وصالح بن أبي عريب وأبو الزاهرية جدير بن كريب وعبد الرحمن بن جبير بن نفير وغيرهم ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل الشام من التابعين وقال: كان ثقة ووثقه العجلي وقال: تابعي قال النسائي: لا بأس به وقال ابن خراش: صدوق وذكره ابن حبان في الثقات قيل إنه أدرك سبعين من أهل بدر وقال له عوف بن مالك: أرجو أن تكون رجلًا صالحًا وقال دحيم: إنه مع طبقة جبير بن نفير وأبي إدريس الخولاني وذكره البخاري في التاريخ الأوسط فيمن مات في السبعين إلى الثمانين وقال العسكري: أخرجه ابن أبي خيثمة في الصحابة الذين يعرفون بكناهم. والله أعلم.
٦ - عمرو بن عبسة ﵁: تقدم ١٤٧.
• التخريج
أخرجه الإِمام أحمد وسنده جيد وأشار له الترمذي وأخرجه ابن حبان كرواية المصنف من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وكذا ابن ماجه من حديث أبي ذر بلفظ: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة" وعند البخاري ومسلم والترمذي وابن أبي شيبة حديث عثمان ومن حديث أبي ذر
стр. 1400
عند البزار وابن حبان ومن حديث ابن عباس عند أبي مسلم الكج ومن حديث أبي هريرة عند الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان وحديث عائشة عند مسدد في مسنده الكبير وحديث أم حبيبة عند الطبراني في الأوسط وحديث علي عند ابن ماجه وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد وأبي نعيم وحديث واثلة بن الأسقع عند الطبراني في المعجم الكبير ومن حديث الصديق بسند ضعيف ومن حديث أبي قرصافة وثبيط بن شريط وعمر بن مالك وأسماء بنت يزيد ومعاذ وأبي أمامة وأبي موسى وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين فالحديث له طرق كثيرة وإن كان بعضها ضعيفًا فبعضها صحيح وبعضها متفق عليه وإن كانت ألفاظه مختلفة اختلافًا لا يؤثر في صحته.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من بنى) من شرطية وهي في محل رفع مبتدأ وبنى فعل الشرط في محل جزم به والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا يعود على من و (مسجدًا) مفعول به والجملة من الفعل والفاعل والمفعول به في محل رفع خبر المبتدأ عند الأكثرين وقيل خبر المبتدأ جملة الجواب لا جملة الشرط وقيل جملة الشرط والجزاء معًا خبر للمبتدأ والأكثرون على الأول وقوله: (يذكر الله فيه) أي قصد ببناء المسجد ليذكر الله فيه كان مخلصًا في بنائه وجملة يذكر الله فيه يصح أن تكون معللة لبناء المسجد أي لأجل أن يذكر الله فيه ويصح أن تكون صفة للمسجد والأول أظهر في الإعراب وقوله: (بنى الله له بيتًا في الجنة) هذا جواب الشرط الذي هو من وقوله: (بيتًا في الجنة) وعد بدخوله الجنة وإسناد البناء لله لأنه هو الذي يكرمه بذلك والجنة من خلقه وكله وجد بقوله: كن فكان فهي مخلوقة له فظاهره أن بناءه في الجنة يحدث عند بناء المسجد ويحتمل أنه يكتبه له عندما يعمل هذا العمل في صحيفة عمله بعد كتابته له في الأزل جزاء لعمله والجزاء من جنس العمل والمسجد مفعل محل السجود والتنوين فيه للشيوع لعمومه لكل ما يصدق عليه هذا الاسم ولهذا جاء في حديث أنس عند الترمذي صغيرًا كان أو كبيرًا وكذا رواية من روى في حديث عثمان وأصله في الصحيحين وفي بعض رواياته عند ابن أبي شيبة ولو كمفحص قطاة أو أصغر وهكذا لأبي ذر كمفحص قطاة ورواية أم حبيبة عند. . . في فوائده قال ابن حجر: إسنادها حسن. (من بنى لله
стр. 1401
بيتًا) وحديث جابر عند ابن ماجه وصحح المنذري إسناده من بنى لله مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر وهذه اللفظة اختلفوا في المراد بها لأن قوله مسجدًا وإن كانت صريحة في العموم لكن لفظة بنى تقتضي شيئًا مبنيا وهذا القدر المذكور لا يتأتى فيه البنيان ولفظ المسجد شرعًا ينصرف إلى المحل المخصوص للصلاة التي من أجزائها السجود فلذلك قال بعض العلماء: إن هذه الغاية خرجت مخرج المبالغة وهي مهيع في كلام العرب معروف وهذا أقرب عندي إلى الصواب وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بالبناء عمومه الصادق بالمشاركة فيه بحيث لو قسم المكان على المشتركين لا ينال أحدهم إلا هذا المقدار وقال آخرون: بل لو وسع فيه بقدر هذا المذكور ناله الأجر وما قدمنا أولى ومفحص القطاة المكان الذي يسع جثتها وهي نوع من الطير يقرب من قدر الحمامة وعادتها تفحص في الأرض قدر جرمها وتبيض فيه أحيانًا فتبرك على بيضها.
• الأحكام والفوائد
الحديث يدل على فضل بناء المساجد وهو حقيقة فيمن بنى مسجدًا في أرض يملكها بأي نوع من أنواع التملك أو يجده خرابًا فيعمره ولو كانت أرضه ليست ملكًا له بأن كانت وقفًا أو ملكًا لمن جعلها مسجدا وكذلك إذا تسبب في بنائه أو باشر بناءه لغيره وكل لا يحصل ثوابه إلا بنية خالصة لله ، أما إذا بناه بأجرة فإن لم تكن له نية إلا في أخذ الأجرة فلا أجر له فيه وإن نوى مع الأجرة الاحتساب بالبناء فلا يبعد أن يؤجر فيه لاسيما إذا كان محتاجًا للأجرة لأنه ﷺ قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة" فذكر الرامي به ومنبله يعني الذي أعطاه للرامي وصانعه يحتسب به فهذا نص في أن المحتسب في الصنعة يؤجر، فهل من شرط ذلك أن لا يحصل له نفع غير الأجر ولا ينافي الأجر أن يأخذ عليه نفع.
الْمُبَاهَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ
٦٨٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ".
стр. 1402
• [رواته: ٦]
١ - سويد بن نصر المروزي: تقدّم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدّم ٣٦.
٣ - حماد بن سلمة: تقدّم ٢٨٨.
٤ - أيوب بن أبي تميمة: تقدّم ٤٨.
٥ - أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: تقدّم ٣٨٠.
٦ - أنس بن مالك ﵁: تقدّم ٦.
• التخريج
لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير المصنف وهو عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والدارمي عن أنس بلفظ: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد وهكذا رواه ابن حبان وأخرج السيوطي حديث المصنف ولم يعزه لغير النسائي وتعقبه المناوي في شرحه وقال: رواه عنه يعني أنسًا أبو داود وابن ماجه في الصلاة فما أوهم صنيع المصنف من تفرد النسائي به عن الستة غير جيد ولم أجده لغير المصنف من الستة باللفظ الذي ذكره المصنف فالظاهر أنه تعقبٌ غير سليم.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من أشراط الساعة) أي علاماتها جمع شرط كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ وقيل: أول الشيء وهما قريبان لأن علامة الشيء أوله والدني من الناس الساقط اللايم قال الكميت:
وجدت الناس غير ابني نزار ... ولم أدعهم شرطا ودونا
وكذلك الشرط المدني ومنه قول جرير:
تساق من المعزى مهور نسائهم .... ومن شرط المعزى لهن مهور
ويقال: إنه في المال من الأضداد الشرط المدني والشرط أيضًا الخيار وأشراط الساعة على قسمين علامات كبرى وعلامات صغرى، فالصغرى ظهر منها كثير ككثرة التسري وتطاول الرعاة في البناء وكتأمير السفهاء وقلة العلم وكثرة الجهل وكثرة الزنا وفشو الربا، وهكذا التباهي في المساجد وزخرفتها
стр. 1403
وعدم عمارتها المعنوية واتباع الأمة المسلمة للأمم الكافرة في التقاليد إلى غير ذلك مما هو مشاهد وأما الكبرى فهي طلوع الشمس من مغربها وعند ذلك يغلق باب التوبة والدجال والدابة والمسيح والمهدي وآخر ذلك بعد خروج يأجوج ومأجوج نار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر وهي أرض الشام نسأل الله اللطف والعافية في الدين والختم بالإيمان وقوله: (الساعة) تقدم أنها اسم لظرف صادق بالقليل منه والكثير لكنها صارت علمًا على يوم القيامة وهو يوم المحشر وقوله: (أن يتباهى الناس في المساجد) أي يتفاخرون فيها، وباهيته أباهيه فبهوته أي فاخرته فغلبته ومنه الحديث: "إن الله يباهي بأهل الموقف الملائكة" وأصل ألفها واو من البهاء وهو الحسن ومنه تسمية المرأة بَهِيَّة وتصغر على بُهَيّة كسمية والجار والمجرور في قوله: (من أشراط) خبر مقدم وأن يتباهى الناس المصدر المنسبك من أن وما دخلت عليه في محل رفع مبتدأ مؤخر فتقدير الكلام: "تباهى الناس في المساجد من أشراط الساعة" و (في المساجد) متعلق بيتباهى والرواية الأخرى "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس" إلخ بمعناها.
• الأحكام والفوائد:
الحديث فيه: معجزة للرسول ﷺ حيث أخبر بما أطلعه الله عليه من الغيب في المستقبل في أمته فأخبر به فحصل طبق ما أخبر به ﷺ ، فإن التباهي بالمساجد واتخاذها مثل الكنائس في الزخرفة وتعليق الزينة من النجف وغيره أصبح فاشيًا في الناس حتى أصبح كأنه من السنة فهو داخل في عموم (لتركبن سنن من كان قبلكم) الحديث وفيه: دليل على عدم جواز المباهاة بالمساجد لأنها محل عبادة فيجب أن يكون بناؤها لله خالصًا من أي شائبة تشوبه قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ويؤخذ منه: عدم جواز زخرفتها لأن الغالب أنه لا يحمله على ذلك إلا حب المباهاة. والله أعلم.
ذِكْرِ أَيِّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا
٦٨٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السِّكَّةِ فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ
стр. 1404
فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى"، قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَامًا، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ فَحَيْثُمَا أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ فَصَلِّ".
• [رواته: ٦]
١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.
٢ - علي بن مسهر: تقدم ٦٦.
٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي: تقدم ١٧٠.
٥ - يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأبي مسعود وحذيفة وأبي معمر وعنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وجواب التيمي والحكم بن عتيبة وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون قال يحيى بن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن سعد: كان ثقة وكان عريف قومه، وله أحاديث. وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال إنه أدرك الجاهلية. والله أعلم.
٦ - أبو ذر ﵁: تقدم ٣٢١.
• التخريج
أخرجه ابن ماجه، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كنت أقرأ على أبي القرآن) أبوه يزيد بن شريك بن طارق التيمي كما تقدم وقوله (في السكة) يعني الطريق وقوله: (فإذا قرأت السجدة سجد) وفي رواية أحمد كنت أعرض عليه ويعرض علي وقال أبو عوانة: كنت أقرأ عليه ويقرأ علي وهي أوضح وإن كان المعنى في الروايات الأخر واضح كذلك وفيها فيمر بالسجدة فيسجد أي إذا قرأ آية فيها سجدة سجد في السَّكة وقوله: (فقلت يا أبت) وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم إلا أنه أبدل من الياء تاء
стр. 1405
على القاعدة المعروفة في باب النداء المشار إليها بقول ابن مالك:
وفي الندا أبت أمت عرض ... وافتح أو اكسر ومن اليا التا عوض
وهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة فكانت الحركة كسرة فلما حرك بالفتح لزوال الياء لإبدالها بالتاء صارت حركة إعراب قوله: (أتسجد) بهمزة الاستفهام الإنكاري قوله: (فقال) يعني أباه (إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله ﷺ ) قوله: سمعت أبا ذر جملة في محل رفع خبر إن والجملة بعدها في محل نصب على الحال وجملة (سألت رسول الله ﷺ ) مقول القول قوله: (أيَّ مسجد) أي قلت له أي مسجد؟ وجملة أي مسجد أول محكية بالقول مفسرة للسؤال قلت له: أيّ مسجد كما في رواية أحمد وغيره وأي استفهامية (وضع أول) يعني بني قبل جميع المساجد وفي رواية البخاري وضع في الأرض وقوله: (أولا) هكذا هو في رواية المصنف وعند البخاري وغيره أول بالبناء على الضم والوجهان جائزان في هذه الظروف إذا قطعت عن الإضافة فالأول: وهو رواية المصنف على عدم نية الإضافة لا لفظًا ولا معنى والثاني: على قطعها عنها في اللفظ دون المعنى. وقوله: (قال: المسجد الحرام) المسجد خبر مبتدأ محذوف دل عليه أي الذي وضع أولًا المسجد الحرام والمراد به المحل المخصص للصلاة والعبادة وإن كان هذا الإطلاق قد يتناول الحرم كله لكن ذلك كان عن وجود قرينة لأنه نوع من المجاز فلا يصار إليه إلا بمبرر له والقرآن يدل على أنه المسجد الذي فيه البيت قال: (إن أول بيت وضع للناس) أي للعبادة فيه (للذي ببكة) فخصصه من سائر بكة وهي مكة وقد أخرج إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم بسند قال ابن حجر: صحيح عن علي ﵁ قال: كانت البيوت قبله ولكن كان أول بيت وضع للعبادة وقوله: (قلت) القائل أبو ذر (ثم أيٌ؟ ) بالتنوين ويروى بتركه وكله جائز كما قدمنا "أيّ" في هذه الحالة معربة ويجوز صرفها وعدمه على تقدير أي مسجد وقوله: (المسجد الأقصى) هو كقوله المسجد الحرام والأقصى الأبعد بالنسبة إلى المسجدين اللذين هما الحرمان وقيل: لبعده عن مكة وقيل: لأنه لم يكن بعد مسجد للعبادة ويقال له: المقدس أي المطهر من الأقذار والخبائث ويقال
следующие страницы →