والمتقاطر من أعضاء الوضوء وكل هذا تقدم، وفيه: دليل على أن أصل كل ماء الطهارة والطيب وفيه: اتخاذ معابد الكفار مساجد إلا أنها إن كانت لها علامة أو شعار للكفار يزال منها وفيه: استحباب نضح مكانها وقد تقدم أن مالكًا وبعض العلماء يرون النضح تطهيرًا للنجاسة المشكوك في إصابتها وفيه اعتراف النصارى بصدق رسالته ﷺ وأن دعوة الأذان دعوة حق.
نَبْشِ الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِ أَرْضِهَا مَسْجِدًا
٦٩٩ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فِي عُرْضِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - رَدِيفُهُ وَمَلأٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، فَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: وَاللَّهُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ .
قَالَ: أَنَسٌ وَكَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَتْ فِيهِ خَرِبٌ وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ وَبِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَةِ ... فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ
• [رواته: ٤]
١ - عمران بن موسى: تقدم ٦.
٢ - عبد الوارث بن سعيد العنبري: تقدم ٦.
٣ - أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي: تقدم ٦٧.
٤ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
стр. 1437
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عوانة الإسفرائيني في مسنده وأخرجه الإِمام أحمد وابن ماجه كلاهما بدون ذكر النزول في بني عمرو.
• اللغة والإعراب والمعنى
(لما) هي الرابطة وتقدم الكلام عليها وجوابها نزل. قوله: (نزل في عرض المدينة) وهو بضم العين الجانب والناحية والجمع أعراض والعرض الوادي بكسر العين قال كعب بن مالك ﵁:
ولما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا ... علام إذ لم نمنع العرض نزرعوا. اهـ
وقوله: (في حيٍّ) بتشديد الياء قبيلة يقال لهم بنو عمرو بن عوف وهم أهل قباء وقريتهم تسمى العصبة وهي لبني حججبا منهم خاصة وعوف هو ابن مالك بن الأوس وتفرعت فروعه منهم حججبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف ونزل أكثر المهاجرين قبل هجرة النبي ﷺ بها وأما هو ﷺ فنزل عند المسجد الذي بناه لهم وهو مسجد قباء وكانت بنو حججبا قتلوا منهم قتيلًا في الجاهلية فلذلك تميزوا عنهم في العصبة قال بشر بن عمرو الحججبي لبشر بن السائب تدري لم سكنا العصبة؟ قال: لا قال: لأنا قتلنا قتيلًا منكم في الجاهلية فقال بشر والأمانة لوددت أنكم قتلتم منا آخر وأنكم وراء عير و (في) هنا للظرفية وكان نزوله ﷺ عندهم في الجاهلية قيل الثاني عشر من ربيع الأول وقال الحاكم لثمان خلون منه وذكر ابن سعد في الطبقات أن خروجه من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون منه وأنه قال من القيلولة يوم الثلاثاء بقديد وقدم علي بني عمرو بن عوف فنزل على كلثوم بن الهدم ورجح ابن إسحاق أنه قدم لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع قال ابن كثير ﵀ (وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور). اهـ وكان قدومه على قباء قبل الزوال حين اشتد الحر وقوله: (فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) وهي رواية الأكثرين في هذا الحديث وهي رواية مسدد عند أبي داود وكذا هو في صحيح البخاري عن شيخه مسدد وفي رواية الحموي والمستملي أربعًا وعشرين ليلة وقال الزهري: بضع عشرة وعن عويم بن ساعدة ثماني عشرة ليلة قال ابن كثير فأقام بها أكثر ما قيل ثنتين وعشرين وقيل ثماني عشرة وقيل بضع عشرة قال والأشهر ما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه أقام
стр. 1438
بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة وأسس مسجده فيها في هذه المُدّةِ. وقوله: (ثم أرسل إلى ملأ بني النجار) وهم بنو تيم الله والنجَّار كشداد هو ابن تيم الله ويقال له المعتز بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج سمي نجارًا لأنه اختتن بالقدوم وقيل ضرب رجلًا بقدوم فجرحه، ذكره الكلبي وهم قبيل من الأنصار وتفرعت منه بطون وعمائر وأفخاذ وفصائل وإنما أرسل إليهم لأنهم كانوا أخوال عبد المطلب بن هاشم أمه سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار إحدى نسائهم فهم أخواله ﷺ والملأ هم الأشراف والرؤساء وقوله: (فجاؤوا متقلدي سيوفهم) بالإضافة وفي رواية متقلدين السيوف بالنصب وثبوت النون وعلى كل من الروايتين هو منصوب على الحال وعلى رواية الإضافة فهي من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله أما مع عدم الإضافة فالسيوف منصوب على الحال وعلى رواية الإضافة فهي من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله أما مع الإضافة فالسيوف منصوب على أنه مفعول به لمتقلدين ومعنى متقلد سيفًا أي جاعلًا نجاد السيف على عاتقه وقوله: (كأني أنظر إليه ﷺ على راحلته) أي أتصور رؤيته في ذلك الوقت والراحلة المركوب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى وكانت راحلته ﷺ ناقة تسمى القصواء وقوله: (وأبو بكر ﵁ ردفه) جملة اسمية في محل نصب على الحال والردف بكسر الراء وسكون الدال هو الذي يركب خلف الراكب وموضع ركوبه يسمى الرداف وكل شيء تبع شيئًا فهو ردفه وتقدم في الطهارة في حديث أبي موسى والردف أيضًا المقدم عند الملك الذي يجلس عن يمينه ويشرب بعده وينوب عنه إذا غاب وكانت ردافة ملوك الحيرة في يربوع قال جرير:
ربعنا وأردفنا الملوك فظللوا ... وطاب الحليب التمام المنزعا
وقال أيضًا:
منهم عتيبة والمحل وقعنب ... والحنتفان ومنهم الردفان
وقد كان لأبي بكر راحلة ولعله قصد ﷺ ارتدافه في هذا اليوم لبيان فضله وشرفه أو لغير ذلك من الأسباب وقوله: (وملأ بني النجار حوله) جملة اسمية في محل نصب على الحال أيضًا وتقدم أن الملأ الأشراف سموا بذلك لأنهم ملئون بما حملوا أو أنهم يملؤون العين جلالة والقلب مهابة والجمع
стр. 1439
أملاء وقوله: (حتى ألقى) تقدم الكلام على حتى في الطهارة وقوله: (ألقى) أي حط رحله ونزل والفناء المحل المتسع أمام الدار والباء بمعنى في وجمع الفناء أفنية والمعنى نزل في فناء أي ساحة دار أبي أيوب وأبو أيوب اسمه خالد بن زيد بن كليب وقوله: (وكان يصلي) يعني ﷺ كان يصلي في المكان الذي يدخل عليه وقت الصلاة وهو فيه وقوله: (فيصلي في مرابض الغنم) جمع مربض المحل الذي تأوي إليه وهو مراحها أي يصلي إذا أدركته الصلاة عنده لا أنه يتوخاه للصلاة فيه. وقوله: (ثم أمر بالمسجد) أي أمره الله تعالى ببناء المسجد أي المحل المخصص للسجود أي العبادة التي فيها السجود وهي الصلاة وفي رواية (أمر) بالبناء للفاعل فعلى الأول أمر بالبناء للمفعول يكون الضمير في أنه للشأن وعلى الرواية الثانية يكون للنبي ﷺ أي أمر أصحابه ببناء المسجد الموضع الذي يسجد فيه بفتح الجيم وكسرها وفي الصحاح: (أنه بفتح الجيم موضع السجود وبكسرها البيت الذي يصلى فيه ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين). اهـ
وعن الزجاج كل موضع يتعبد فيه مسجد وأل في المسجد يحتمل إنها للعهد الذهني أي مسجده ﷺ ويحتمل إنها لإرادة الجنس أي ببناء مسجد للصلاة وقوله: (فأرسل) الفاء تحتمل السببية والعطف وقوله: (ثامنوني) أي اذكروا ثمنه وخذوه مني من قولهم ثامنته أي ساومته لأعرف ثمنه وهو بالثاء المثلثة والحائط أصله البستان وقد ورد أنه كان مربدًا فقد يكون حائطًا في الأصل فذهب نخله ولم يبق منه إلا القليل فاتخذوه مربدًا وهو المحل المعد لإصلاح التمر فيه وصح في هذه الرواية وغيرها أنه كان فيه نخل والباء في قوله: (بحائطكم) أي خذوا الثمن بدله أو اذكروا الثمن الذي تريدون بدله كما يقال هذا لك بدرهم ونحوه وقولهم: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي من عند الله بمعنى نحتسب أجره ونطلب ثوابه من الله تعالى فإلى هنا بمعنى من وقد تقدم في شرح الآية أول الكتاب أنها تكون بمعنى من، كما في قول الشاعر:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا
أي بمعنى من يوضحه رواية الإسماعيلي "لا نطلب ثمنه إلا من الله" وذلك لأن طلب إنما يتعدى بمن ولا يتعدى بإلى إلا بتضمينها معناها وجوَّز
стр. 1440
العيني أن تكون لانتهاء الغاية أي ننهى طلب الثمن فيه إلى الله تعالى وليس عندي بجيد لأن الغرض يبين من يطلب منه لا نهاية الطلب والمقصود لا نطلب أو لا نأخذ الثمن منك بل نأخذه من الله وظاهر هذا أنه لم يشتره منهم بل تبرعوا به، وفي الطبقات لابن سعد أن النبي اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها إليهم أبو بكر الصديق ﵁ وقيل: كان ليتيمين فدعاهما ﷺ فساومهما ليتخذه مسجدًا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى ﷺ حتى اشتراه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر بدفعها لهما وفيه: أن اليتيمين في الغالب لا تصرف لهما دون الولي وفي مغازي أبي معشر أن أبا أيوب اشتراه منهما وأعطاه الثمن وعلى كل حال إن كان المشتري له النبي ﷺ أو بعض أصحابه فهو محمول على أن ذلك بحضور وليهما ورضاه إن لم يكونا بلغا سن التصرف واليتيمان هما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار من بني النجار كانا في حجر أسعد بن زرارة وقيل: في حجر معاذ بن عفراء فقال معاذ: يا رسول الله أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا وقيل: إن بني النجار جعلوه وقفًا فأجاز ذلك رسول الله ﷺ ويجمع بين الروايات التي فيها أنه اشتراه أو اشتراه بعض أصحابه بأن أرض اليتيمين منه بأنهم لما قالوا له لا نطلب ثمنه إلا من الله عوض اليتيمين عنه بما أرضاهم وأعطاهم الرسول مع ذلك ما ذكر من الثمن أو أن البعض منه دفع ﷺ ثمنه والباقي تحمل بعض النجار قيمته لليتيمين أو أن اليتيمين لما قالا ذلك قبله وعوضهم منه ما ذكر من الثمن وعوضهم أيضًا بعض بني النجار على أن المحل واحد وإما على أنه زيد فيه على القدر الذي اشتراه أولًا فيكون الذي عوض عنه أبو أيوب أو أسعد بن زرارة الباقي وكذلك ابن عفراء والأصح أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة بالهمزة ووهم من سماه سعدًا لأن أسعد هو السابق للإسلام وتأخر إسلام أخيه، وقول أنس: (كانت فيه قبور المشركين) أي بعض قبورهم وقوله: (وكانت فيه خرب) قال العيني: (قال أبو الفرج الرواية المعروفة بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة كما يقال كلمة وكلم) قال ابن حجر: (وكذا ضبط في سنن أبي داود وحكى الخطابي كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة وللكشميهني "حرث" بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة) قوله:
стр. 1441
(وكان فيه) أي في ذلك المربد المذكور (نخل) أي بعض النخل أي بعض من النخل وقوله: (فأمر رسول الله ﷺ ) أي أمر أصحابه وقوله: (بالقبور) أي المذكورة وهي قبور المشركين التي في ذلك المكان أمر بنبشها (فنبشت) أي حفرت وأخرج ما فيها من عظامهم وقوله: (وبالنخل) أي وأومر بالنخل أي بقطعها فقطعت (وأمر بالخرب التي هناك) أي أمر بتسوية أرضها فسويت وقوله: (فصفوا النخل) أي جذوع النخل المذكور بعد القطع (قبلة) منصوب على الظرفية أي في قبلة المسجد وقوله: (جعلوا عضادتيه الحجارة) العضادتان تثنية العضادة وهي من كل شيء ناحيته وعضادتا الباب جانباه وهما الخشبتان عن يمين الداخل وعن شماله بينهما الباب إذا صفد والمعنى أنهم بنوا مدخله مبنيًا بالحجارة وقوله: (وجعلوا ينقلون) أي شرعوا ينقلون الحجارة للبناء (والصخر) هي الحجارة وقوله: (وهم يرتجزون) جملة في محل الحال أي ينشدون الرجز نوع من الشعر وبحر من بحوره وقوله: (ورسول الله ﷺ معهم) أي مشاركًا لهم في العمل فجملة ورسول الله أيضًا في محل نصب على الحال وقوله: (وهم يقولون) الواو واو الحال والجملة بعدها أيضًا في محل نصب على الحال وقوله: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) مقول القول وهو تفسير لقوله: (يرتجزون) والشطر الثاني فارحم الأنصار والمهاجرة.
• الأحكام والفوائد
الحديث صريح في أن أول قدومه المدينة نزل في بني عمرو بن عوف واتفق رواة الأخبار على أن ذلك كان عند اشتداد الحر في الضحاء بفتح الضاد وهو ما قبل الظهر وهو يدل على أن ما اشتهر عند الناس. . . . . . (١)
وفيه: منقبة لبني عمرو بن عوف، وفيه: فضيلة مسجد قباء وأنه أول مسجد أسسه رسول الله ﷺ على التقوى وقد تقدم ذلك، وفيه: فضيلة بني النجار وتقدم أنهم أخوال جده عبد المطلب لكن الذي نزل فيهم هم بنو مالك بن النجار وأخواله بنو عدي بن النجار غير أنهم كانوا متجاورين وفيه: فضيلة ومنقبة عظيمة لأبي بكر كما أن فيه فضيلة لأبي أيوب وفيه: بيع مال
стр. 1442
اليتيم إذا اقتضت ذلك المصلحة وقد استدل به بعضهم على رواية أنهم جعلوه وقفًا على صحة وقف المشاع وفيه خلاف وفيه: استحباب اتخاذ المسجد وبنائها وقد تقدم حديث من بنى لله مسجدًا الحديث.
فيه: الصلاة في مرابض الغنم وفي كل مكان إلا ما دل الدليل على النهي عنه ويدل على ذلك قوله ﷺ : جعلت الأرض مسجدًا وطهورًا وتقدم في كتاب التيمم وفيه: جواز نبش قبور المشركين لأنهم لا حرمة لهم، وأما المسلمون فلا يجوز ذلك في حقهم إذا كان المحل مما يملكونه بالدفن، وفيه: اتخاذ المسجد في المكان الذي سبق أنه كان قبرًا إذا نبش وكان الغرض الحامل على بناء المسجد هو الصلاة لا تعظيم صاحب القبر فإنه سيأتي النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد أي لتعظيم أهلها وفيه: شراء المكان لاتخاذه مسجدًا أو غيره من مشاريع الخير العامة وفيه: جواز قبول هبة ذلك ممن احتسب به أي طلب به الأجر وفيه: اشتغال أهل الفضل بأنفسهم في بناء المساجد وغيرها مما يؤول عليهم نفعه في الدنيا أو في الآخرة وفيه: جواز كون بناء المسجد من نوعين أو أكثر وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ومواساته للصحابة بنفسه ومشاركته لهم وفيه: جواز إنشاد الرجز في العمل وكذا في الحرب والحداء وهذا ما لا خلاف فيه إلا أن يشتمل الرجز على ما لا يحل.
النَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ
٧٠٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ وَيُونُسَ قَالَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
• [رواته: ٨]
١ - سويد بن نصر المروزي: تقدّم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك المروزي التميمي: تقدّم ٣٦.
стр. 1443
٣ - معمر بن راشد: تقدّم ١٠.
٤ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدّم ٩.
٥ - ابن شهاب الزهري: تقدّم ١.
٦ - عبيد الله بن عبد الله الهذلي: تقدّم ٥٦.
٧ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
٨ - عبد الله بن عباس ﵄: تقدم ٣١.
• التخريج
أخرجه البخاري من حديث عائشة في الجنائز بلفظ لعن الله اليهود، وأخرجه مسلم كرواية المصنف عن ابن وهب عن يونس بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس بلفظه وزاد فيه: "يحذر ما صنعوا" وكذا أخرجه الإِمام أحمد عن معمر عن الزهري وهكذا أخرجه ابن الجارود في المنتقى عن طريق معمر عن الزهري وكذا لأبي عوانة في مسنده وأخرجه الدارمي عن شعيب عن الزهري به وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس به.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (لما نزل برسول الله ﷺ ) تقدم الكلام على "لما" وأنها على ثلاثة أقسام: قسمان متفق على حرفيتهما فيهما وهما: أن تكون نافية بمعنى لم نحو قوله تعالى: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي لم يقض وقول بعض الأنصار يوم أحد وقد رأى دواب قريش في مزارع الأنصار: أترعى زروع بني قبيلة ولما نضارب أي ولم تضارب عند ذلك والثاني: أن تكون إجابية بمعنى حرف الاستفهام كقولك عزمت عليك لما فعلت كذا، المعنى إلا فعلت أي لا أطلب منك إلا فعل كذا فهي في هذين النوعين حرف باتفاق وأما النوع الثالث: فهي الرابطة لوجود شيء بوجود غيره كقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ الآية فلما رأوه عارضًا فذهب وقوله: لما جاءني أكرمته فهي عند سيبويه أنها حرف وجود لوجود لأنها ربطت وجود الإكرام بوجود المجيء وعند جماعة من النحويين منهم الفارسي أنها ظرف بمعنى حين ورد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ الآية لأنها
стр. 1444
هنا لو كانت ظرفًا لابد لها من عامل وليس هنا إلا قضينا ودلهم وكل لا يصح أن يكون عاملًا فيها النصب لأن القائلين باسميتها يجعلونها بمعنى فيلزم أن تكون مضافة إلى الجملة بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف وأما دلهم فإنها مسبوقة بما النافية ولا يعمل ما قبلها فيما بعدها وإذا لم يكن لها عامل تعين أن لا موضع لها من الإعراب وذلك يقتضي الحرفية وقوله: (نزل) بالبناء للمجهول أي نزل به مرض الموت كما في الرواية الأخرى في مرضه الذي لم يقم منه. وقوله: (فطفق) أي شرع وجعل رواية الأكثرين بدون الفاء و (الخميصة) كساء أسود مربع له علمان فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة قال الأعشى:
إذا جردت يومًا حسبت خميصة ... عليها وجريال النضير الدلامصا
فشبه شعرها بلون الخميصة وهي سوداء وشبه لون بشرتها بالذهب والنضير الذهب والدلامص البراق ذكره في اللسان وبعضهم يقول: هي كساء من خز أو صوف وقيل: لا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء والجمع خمائص وقوله: (له) جار ومجرور في محل نصب صفة لخميصة وقوله: (على وجهه) أي يغطي بها وجهه وقوله: (فإذا اغتم) أي ضاق نسمه كشفها أي عن وجهه وقوله: (قال) يعني النبي ﷺ (وهو كذلك) وجملة وهو كذلك في محل نصب على الحال وكذلك أي على تلك الحالة الموصوفة من طرحه الخميصة ونزعها وقوله: (لعنة الله على اليهود) اللعنة الطرد والإبعاد لعنه كمنعه طرده فهو لعين قال الشماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
ولعنة الله إبعاده الملعون عن رحمته وقوله: (لعنة) مرفوع على الابتداء والخبر الجار والمجرور والجملة خبرية أريد بها الدعاء عليهم بذلك وقوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فيه بيان سبب الدعاء عليهم بذلك وهو لاتخاذ المذكور ويحتمل أن الجملة خبرية بأنهم طردوا من رحمة الله بسبب ذلك وغيره من كفرهم بالله ومساجد منصوب باتخذوا فهو المفعول الثاني.
• الأحكام والفوائد
وفي الحديث: التنفير من هذا الفعل وبيان تحريمه وقد اتفق الفقهاء على
стр. 1445
عدم جواز اتخاذ مسجد على قبر غير داثر وأما إن كان القبر داثرًا أو قبر مشرك نبش فإنه حينئذ لم يبق عليه اسم القبر فصار بقعة من الأرض خالية كما فعل في مسجد الرسول ﷺ فإنه بعد نبش قبور المشركين منه لم يبق لهم اعتبار بعد ذلك وقد تقدم ذلك وفيه: جواز لعن اليهود والنصارى وكذا المشركين وسائر الكفرة على وجه العموم وإنما نهى عن لعن الكافر المعين لاحتمال أنه يتوب وذلك مقيد بحياته فإذا مات على كفره جاز لعنه من غير كراهة وفيه: حرص النبي ﷺ على نصح الأمة حتى في آخر لحظة من حياته الشريفة وفي الروايات الأخر قالت عائشة ولولا ذلك أي هذا الدعاء منه لأبرز قبره أي أخرج للناس.
٧٠١ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
• [رواته: ٧]
١ - يعقوب بن إبراهيم: تقدّم ٢٢.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٥ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
٦ - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂: تقدّم ١٨٠.
٧ - أم سلمة هند بنت أبي أمية ﵂: تقدّم ١٨٢.
• التخريج
تنبيه: لم يكمل الشيخ ﵀ تخريجه وترك بياضًا في الأصل ليرجع إليه فتوفي ﵀ قبل كتابته.
стр. 1446
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (ذكرنا) أي عند النبي ﷺ وقوله: (كنيسة) معبد النصارى وهي بفتح الكاف وأم حبيبة اسمها رملة بنت أبي سفيان وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية وكلتاهما من السابقات للإسلام وقوله: (رأتاها بالحبشة) أي حينما هاجرتا إلى الحبشة لأن كل واحدة منهما هاجرت مع زوجها الأول إليها فأما أم حبيبة فهاجرت مع زوجها عبيد الله -بالتصغير- بن جحش فتنصر بالحبشة ومات فبعث النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إليها وتزوجها وهي بالحبشة وأما أم سلمة فهاجرت إليها مع زوجها وابن عمها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد ورجعا إلى مكة حينما بلغهم أن قريشًا أسلموا ثم هاجر زوجها ثانية إلى المدينة ومنعها أهلها من الهجرة ثم هاجرت إليه وجرح يوم أحد والتأم جرحه فبعثه النبي ﷺ في السنة الرابعة في سرية فغنموا ورجعوا سالمين فانتفض عليه جرحه فمات منه وحديثها عنه في المصيبة مشهور وقولها بعد الاسترجاع اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها ثم قالت: ومن خير من أبي سلمة فأخلف الله عليها رسوله ﷺ وقوله: (فيها تصاوير) أي في تلك الكنيسة صور معبودات أو غيرها والتصاوير جمع صورة (فقال رسول الله إن أولئك) أولئك اسم إشارة للجمع المطلق ذكورًا كانوا أو إناثًا عقلاء وغير عقلاء كما قال ابن مالك ﵀:
وبأولا أشر لجمع مطلقًا ... والمد أولى ولدى البعد انطقا
بالكاف حرفًا دون لام أو معه ... واللام إن قدمت ها ممتنعه
فبين أنها للجمع على نوع كان وأن الأولى أن تكون ممدودة أي أولاء بالهمزة وذلك يدل على أنها تقصر قال النحاس: (أهل نجد يقولون أولاك وبعضهم يقول ألاك والكاف للخطاب قال الكسائي من قال أولئك فواحدة ذلك ومن قال ألاك فواحدة ذاك). اهـ ويقولون أولا لك مثل أولئك قال الشاعر:
أولئك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالك
وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وقال جرير:
ذم المنازل بعد منزلة الألى ... والعيش بعد أولئك الأيام
وقال كعب بن مالك ﵁:
أولاك نجوم لا يعبك منهم ... عليك بخس في دجى الليل طالع
قوله: (إذا كان فيهم الرجل الصالح) تقدم الكلام على إذا أول الكتاب
стр. 1447
وكان هنا يحتمل أنها عاملة والجار والمجرور خبرها مقدم على اسمها والرجل اسمها أي إذا كان الرجل الصالح موجودًا فيهم ويحتمل أنها تامة بمعنى وجد فيهم الرجل ويكون الجار والمجرور في محل نصب حال من الرجل مقدم وقوله: (فمات) معطوف على قوله فيهم وقوله: (بنوا على قبره مسجدًا) أي قبروه وبنوا على قبره مسجدًا وهي الكنيسة لأنها في عرف الشرع مسجد وهو المحل المخصوص للعبادة أي فعلوا ذلك تعظيمًا له لأن من عادتهم عبادة أحبارهم ورهبانهم والسجود لأصنامهم وقوله: (وصوروا فيه تيك الصور) يعني التي ذكرناها في الكنيسة وأمثالها لأن تصوير الصور أصل عبادة الأوثان وقوله: (أولئك) أي أصحاب هذه الأفعال المذكورة وهم النصارى واليهود مثلهم في ذلك (شرار الخلق عند الله يوم القيامة) أي من شرار الخلق وأكد وصفهم بذلك لكفرهم وشركهم به وقد استشكل ذكر النصارى لأنهم لم يكن فيهم أنبياء كاليهود ونبيهم عيسى لم يمت، وقد أجاب عن ذلك السيوطي: بأن فيهم أنبياء غير مرسلين وهم الحواريون أو ضمير الجمع لليهود والنصارى أو الأنبياء وكبار أتباعهم والمراد أن اليهود فعلوا والنصارى اتبعوهم في ذلك ولا ريب أنهم يعظمون قبور الأنبياء. اهـ بتحريف قليل. والذي يظهر لي في ذلك جوابان: أحدهما أن الكل من بني إسرائيل ذلك دأبهم قبل المسيح إذ تفرق اليهود والنصارى بعد المسيح فذكر ذلك من عادتهم وهو عندي أوجه أو أن النصارى لما فعلوا ذلك بصالحيهم عبّر عن الكل بلفظ واحد من باب التغليب. والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على تحريم بناء المساجد على القبور كما سيأتي النهي عن الصلاة فيها وهذا الوعيد يدل على أن البناء للمساجد عليها كبيرة من الكبائر لأن حد الكبيرة عند الأكثرين كل ذنب ورد عليه وعيد في الآخرة أو لعن صاحبه أو رتب عليه غضب أو عقوبة في الدنيا كما ثبت النهي عن رفع القبور وتجصيصها والبناء عليها ولو غير مسجد وما نسب للبيضاوي من قوله: إن المسجد إذا بني عند الرجل الصالح لا على القبر وأريد الصلاة فيها للتبرك أنه جائز كما نقله عنه ابن حجر والعيني والسيوطي مردود بأن أقل درجاته إن لم نقل بأنه داخل في البناء عليه أن يكون ذريعة لهذا الذنب العظيم، فالصواب
стр. 1448
القول بعدم الجواز مطلقًا على نفس القبر أو بإزائه لهذا الغرض أو لغيره وقد كره مالك وغيره دفن الميت في المسجد وكثيرًا ما يعبر عن التحريم بالكراهة والحديث فيه دليل على عدم جواز الصور وأشنع حالاتها أن تجعل في المساجد ومواضع العبادة.
الْفَضْلِ فِي إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ
٧٠٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حِينَ يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدِهِ فَرِجْلٌ تُكْتَبُ حَسَنَةً وَرِجْلٌ تَمْحُو سَيِّئَةً".
• [رواته: ٦]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - ابن أبي ذئب محمَّد عبد الرحمن: تقدّم ٦٥٧.
٤ - الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي روى عن أبي سلمة وعمرة بنت عبد الرحمن ومولى لسليمان بن عبد الملك وعنه أيوب بن موسى وجعفر بن ربيعة وعبد الحميد بن جعفر وابن أبي ذئب قال أبو زرعة شيخ ليس بالمشهور قال ابن حجر: قال النسائي في التمييز ثقة وكذا قال العجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال من قال العلاء بن الأسود بن جارية فقد وهم يشير إلى أن بعضهم قد قلبه وأشار البخاري في التاريخ إلى أنه يقال أيضًا سويد. والله أعلم.
٥ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدّم ١.
٦ - أبو هريرة ﵁: تقدّم ١.
• التخريج
أخرجه ابن حبان في صحيحه أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا يحيى بن سعيد فذكره وفيه مسجدي بدل مسجده وترجمة ابن
стр. 1449
حبان يدل على ذلك لأنه قال الخبر الدال على أن الخارج من بيته يريد مسجد المدينة إلخ.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (حين يخرج) أي من حين تخرج كما في رواية ابن حبان أي من وقت خروج الرجل من بيته إلى المسجد، فقوله: (إلى مسجده) أي الذي يصلي ولا يخص ذلك مسجد دون مسجد وإن كانت رواية ابن حبان في ظاهرها أنه مسجد الرسول ﷺ ، فإن النصوص الأخر تدل على العموم وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي خطاهم إلى المساجد وهذا عام وقوله: (تكتب) أي يكتب له بخطوها بكل خطوة حسنة (ورجل تمحو) أي يمحو الله بها أي بخطوها عنه سيئة فإسناد المحو إليها من إسناد المسبب إلى سببه والأكثرون في مثل هذا من الوعد على أنه إن لم يكن له سيئات يعطى من الحسنات بقدر ما لو كانت له سيئات يمحى عنه. والله أعلم.
وفيه دليل ظاهر على فضل كثرة المشي إلى المساجد والأحاديث فيه كثيرة وقد تقدم بعضها في الطهارة في فضل الوضوء.
النَّهْي عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ مَنْ إِتْيَانِهِنَّ الْمَسَاجِدَ
٧٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
٢ - سفيان بن عيينة الأسد: تقدم ١.
٣ - ابن شهاب الزهري: تقدم ١.
٤ - سالم بن عبد الله بن عمر: تقدم ٤٨٧.
٥ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدم ١٢.
стр. 1450
• التخريج
أخرجه البخاري في باب خروج النساء إلى المساجد بالليل من طريق موسى بن عبيد الله بن حنظلة عن سالم عن ابن عمر بلفظ إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وفي استئذان المرأة عن معمر عن الزهري بلفظ: إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها وأخرجه أيضًا في باب هل على من لم يشهد الجمعة تحت ترجمة باب بلفظ: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد عن طريق مجاهد عن ابن عمر ثم بعده بلفظ: لا تمنعوا إيماء الله مساجد الله وأخرجه أيضًا في كتاب النكاح من غير قيد بالليل وأخرجه مسلم بلفظ: إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها وفي لفظ: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها وفي لفظ: لا تمنعوا إيماء الله مساجد الله وفي لفظ: إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن وفي لفظ: لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل وكلها عن ابن عمر ﵄ ولأبي داود: لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن، وفي رواية له: ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل ومن حديث أبي هريرة: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وفي رواية وليخرجن تفلات. وأخرجه أحمد كما قال ابن حجر من رواية عقيل وابن السراج من رواية الأوزاعي عن الزهري بغير قيد كرواية البخاري في النكاح عن ابن المديني عن سفيان ومثلها لأبي عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى ابن عيينة وقال في آخره يعني بالليل ورواه ابن خزيمة وبين فيه أن قوله: (يعني بالليل) من كلام ابن عيينة من رواية عبد الجبار بن العلاء وفي رواية له أن قائلها نافع مولى ابن عمر ذكر ذلك ابن حجر وأخرج الحديث أحمد من رواية معمر عن الزهري بلفظ: إذا استأذنت أحدكم امرأته أن تأتي المسجد فلا يمنعها ولابن ماجه من طريق لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد وعند مالك في الموطأ بلاغًا: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وفي الطيالسي: لا تمنعوا النساء المساجد بالليل من حديث ابن عمر وفيه: ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد والروايتان عن مجاهد عنه ولابن أبي شيبة من رواية حنظلة الجمحي عن سالم عن ابن عمر: إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن وأخرجه الدارمي من رواية الأوزاعي عن الزهري عن سالم
стр. 1451
عن أبيه بلفظ: إذا استأذنت أحدكم امرأته فلا يمنعها.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إذا استأذنت) تقدم الكلام على إذا أول الكتاب واستأذنت طلبت الإذن لها في الخروج إلى المسجد أي للصلاة فيه قوله: (فلا يمنعها) الفاء في جواب الشرط ولا ناهية ويمنعها أي إلى الخروج إلى المسجد.
• الأحكام والفوائد
الحديث صريح في النهي عن منع الرجل امرأته من المسجد إذا استأذنته إليه للصلاة فيه فالصيغة الواردة تدل على أن محل النهي عن منعهن إذ استأذن لأن قوله: (لا تمنعوا) يشعر بتخصيص ذلك بحال الاستئذان لأن المنع لا يتحقق إلا مع وجود مقتضيه وهو الطلب ويلزم من النهي عن المنع من الخروج إباحته لهن إذ لو كان ممتنعًا لم ينه الرجال عن منعهن منه والحديث من هذه عام في الأوقات وفي أصناف النساء وقد جاء في بعض الروايات تقييده بالليل وقد تقدم في التخريج وهو يقتضي أن المنع المنهي عنه خاص بالليل إن حمل المطلق فيه على المقيد وهي ثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أعني رواية تقييد النهي بالليل فلهذا خصصه به بعضهم وقد يقال إنه مفهوم لقب وهو ضعيف وقد يقال إنه لم يذكر للتقييد والمحظور بالليل أشد منه بالنهار فإن انتشار الظلمة يساعد على الشر وانتشار أهله وتعرضهم لما لا يحل ولهذا قال بعضهم:
وقابل الليل على ما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
وكذلك ورد ما يدل على اشتراط عدم استعمالها الطيب عند الخروج كما في صحيح مسلم وأحمد وأبي داود ويأتي للمصنف من حديث أبي هريرة: أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ولمسلم وكذا للمصنف: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا وفي رواية: إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة وفي بعض روايات حديث: وليخرجن تفلات والتفلة بفتح التاء وكسر الفاء واللام التي لم تمس طيبًا وتغير ريحها وهو في أبي داود وابن خزيمة من حديث أبي هريرة وألحقوا بالطيب ما في معناه من لبس الثياب
стр. 1452
الفاخرة والحلي الظاهر وما شاكل ذلك من أنواع الزينة المسببة للفتنة لأن مصلحة خروجها للمسجد مع كونها مرجوحة بفضل صلاتها في بيتها إذا عارضتها مفسدة مظنونة أو محققة تعين تركها, ولهذا قالت عائشة ﵂: لو أن رسول الله ﷺ رأى وفي رواية البخاري: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت: وهذا في زمن عائشة وعصرها فكيف بعصرنا اليوم وما انتشر فيه من الفساد والاختلاط وعدم المبالاة بأي قيد من قيود الشريعة في غالب الناس، وألحقوا أيضًا بما ذكر السلامة من اختلاطهم بالرجال ويشهد له ما ثبت في الصحيح من: أنه ﷺ كان يتأخر هو ومن صلى معه من الرجال حتى ينصرف النساء قال ابن دقيق العيد ﵀ بعد ذكره لما اشترطه الفقهاء لخروجهن: (وبالجملة فمدار هذا كله النظر إلى المعنى فما اقتضاه المعنى من المنع جعل خارجًا عن الحديث وخص العموم به وفي هذا زيادة وهو أن النص وقع على بعض ما اقتضاه التخصيص وهو عدم الطيب). اهـ يعني أن تقريره هذا وهو قوله وبالجملة .. إلخ. زيادة تفيد هذا المعنى وهي أن هذا النص من الشارع حصل على الطيب والنص عليه نص على بعض ما يقتضي التخصيص فألحق به ما في معناه فخصص به فالتخصيص بالقياس بما في معنى النص. اهـ وقال ابن دقيق العيد أيضًا: (وقيل إن في الحديث دليلًا على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه قال وهذا إن أخذ من تخصيص بالخروج إلى المساجد وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع بغير المساجد فقد يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول). اهـ وأجاب بما حاصله أن منع الرجال للنساء أمر مقرر معلوم عند الناس وعلق محل الجواز بالمساجد لإخراجه من ذلك تقييد المنع المعلوم المستمر فيبقى ما عداه على المنع المعلوم وحينئذٍ فلا يكون منع الرجل لامرأته من الخروج مأخوذًا من تقييد النهي بالمسجد فقط قال الإِمام الصنعاني ﵀: (ويمكن أن يؤخذ الحكم وهو جواز منع النساء من الخروج إلى غير المسجد من تعليق الحكم وهو عدم المنع بمساجد الله وكون الأرواح المعلق عليها الحكم إماء الله ناسب أن يكون من تعليق الحكم على الوصف المناسب كأنه قيل لا تمنعوا هؤلاء المملوكات مالكهن لكونه مالكًا لهن فإذا
стр. 1453
انتفى الخروج إلى بيت المالك انتفى الحكم وهو منعهم من عدم الإذن لزوال الحكم بزوال علته). اهـ. قلت: والحديث نص في الزوجات لكن قوله في الرواية الأخرى لا تمنعوا إماء الله. إلخ دليل على أن الحكم عام في كل من له عليها ولاية من بنت أو أخت أو غيرهن فيكون الحكم في الكل واحدًا ويشهد له كون الرجال قوامين على النساء فهم ناظرون في مصالحهن ومع هذا كله فإن صلاة المرأة في بيتها أفضل للحديث الذي تقدم في التخريج وهو حديث أم حميد الساعدية: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال: قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة أخرجه أحمد والطبراني وإسناد أحمد حسن وله شاهد في أبي داود من حديث أبي مسعود ولأبي داود وابن خزيمة وصححه عن ابن عمر: لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن.
مَنْ يُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ
٧٠٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ: الثُّومِ، ثُمَّ قَالَ: الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن منصور الكوسج: تقدم ٨٨.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: تقدم ٣٢.
٤ - عطاء بن أبي رباح: تقدم ١٥٤.
٥ - جابر بن عبد الله ﵄: تقدم ٣٥.
стр. 1454
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأخرجه ابن حبان من حديث حذيفة وأخرجه الطبراني من حديث أبي ثعلبة وأبو نعيم من حديث علي ﵁ وهو في الموطأ من مراسيل سعيد بن المسيب والساقط منه أبو هريرة كما هو مبين عند مسلم وابن حبان وأحمد وغيرهم وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: من أكل من هذه البقلة ومثله لابن حبان من حديث جابر بلفظ: هذه البقلة الثوم والبصل والكرات وأخرجه الإِمام أحمد عن جابر بلفظ: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا وأخرجه عبد الرزاق مختصرًا من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر بلفظ: من أكل من هذه الشجرة يريد الثوم فلا يغشى مسجدي هذا.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من أكل من هذه الشجرة) من شرطية وهذه إشارة إلى حاضرة وهي حاضرة في الذهن لجريان ذكرها أو لوجود ريحها فيمن أكلها والكل ورد في بعض الروايات والشجرة فسرها بقوله: (الثوم) وقول الراوي: (قال أول يوم الثوم) الظاهر أنه من كلام عطاء والضمير في قال يرجع إلى جابر بن عبد الله فكأنه حدث بالحديث مقتصرًا فيه على الثوم وحدث به مرة أخرى فذكر الثوم والبصل والكراث وهذا إما إنه اختصر الحديث في بعض الأوقات واستوفاه في بعضها أو أنه سمعه على الوجهين من النبي ﷺ وهو ثابت عن جابر بالاقتصار على الثوم وبالزيادة عليه مرة بالبصل فقط ومرة بالبصل والكراث ولا إشكال في ذلك من تكرير النهي لتعدد موجبه كالقدر الذي فيه البقول يوم خيبر وكدخول بعض الصحابة المسجد بريح الثوم كقصة المغيرة ﵃ أجمعين وليس في ذلك اختلاف يقدح في صحة الحديث كما لا يخفى والشجرة عند أكثر أهل اللغة إنما تطلق على ما يقوم من النبات على ساق وما ليس كذلك يسمى نجمًا قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ وقيل يطلق كل منهما على الأخرى والحديث صحيح وهو من أدلة صحة الإطلاق وفي بعض الروايات من هذه البقلة وإذا صح عن النبي ﷺ هذا الإطلاق كان أقوى حجة لأنه في الدرجة العليا من الفصاحة وقوله: (يوم) منصوب على الظرفية أي: قال جابر في أول
стр. 1455
يوم سمعه عطاء منه وفي رواية وهي عند مسلم من أكل من هذه البقلة الثوم (وقال مرة من أكل البصل والثوم والكراث) وقوله: (ثم قال) أي مرة أخرى كما تقدم (الثوم) أي من أكل الثوم (والبصل والكراث) فجمع بين الثلاثة لأن علة النهي وهي نتن الريح موجود فيها وقوله: (فلا يقربنا في مساجدنا) الفاء واقعة في جواب الشرط ويقربنا بفتح الباء أي يختلط بنا ويتلبس بنا في مساجدنا من قولهم قرب يقرب إذا تلبس وقرب يقرب إذا دنا من الشيء وقوله: (في مساجدنا) الجار والمجرور في محل نصب على الحال والمساجد جمع مسجد والمراد به جنسه والضمير لجماعة المسلمين لا يقرب جماعة المسلمين في مساجدهم ورواية مسجدنا تحتمل الجنس فتعم ويدل على ذلك ما ورد من النهي بهذه الصيغة في قصة قدر البقول بخيبر ومع ذلك فلو لم يعتبر ذلك لوجب العموم بعموم العلة المنصوصة هنا وهي قوله: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) قال النووي هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما وهو ظاهر قال وفي أكثر الأصول تأذى مما يأذى بتخفيف الذال قال لغة يقال أذى يأذى مثل عمى يعمى، ومعناه تأذى. وفي رواية يؤذينا بريحه. فإن هذا التعليل يدل على عموم النهي في كل المساجد وقوله: (فإن) الفاء تعليلية أي فإن ريحها يؤذي وقوله: (إن الملائكة تتأذى مِمَّا) أي من الذي يتأذى منه الإنس يعني بني آدم وبنو آدم يتأذون من الريح الكريه، وقد خصصوا هذا النهي بالنيء منه أي غير المطبوخ لأن المطبوخ لا تبقى فيه رائحة كريهة وذلك لما في صحيح البخاري وغيره من قول بعض الرواة قال ابن حجر: لم أقف على تعيين القائل يعني الذي قال في رواية البخاري ما يعني به قال: ولا المقول وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء وفي مصنف عبد الرزاق ما يرشد إلى ذلك وجزم الكرماني بأن القائل عطاء والمسؤول جابر وعلى هذا فالضمير في أراه للنبي ﷺ وهو بضم الهمزة أي أظنه والنيء بكسر النون هو الذي لم يطبخ قلت: وقع في صحيح مسلم وغيره في خطبة عمر بن الخطاب ما يدل على أن النهي عن غير المطبوخ وهو قول عمر "إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين" وفيه: "فمن أكلهما فليتمهما طبخًا" وفي سنن أبي داود حدثنا مسدد قال حدثنا الجراح أبو وكيع عن أبي إسحاق عن شريك عن علي ﵁ قال: نهى عن أكل الثوم
стр. 1456
إلا مطبوخًا وفيه أيضًا من حديث معاوية بن قرة عن أبيه: أن النبي ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين وقال: من أكلها فلا يقربن مسجدنا وقال: إن كنتم لابد آكليهما فأميتموهما طبخا. اهـ وظاهر النهي العموم في المعذور وغيره وفيه: حديث المغيرة وقوله ﷺ له: أنت معذور بعدما أخذ يده فوضعها على صدره وقد ربط صدره ولكن ليس فيه أنه رخص له ولا لغيره في دخوله المسجد بريحه.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على كراهة أكل الثوم والبصل والكراث لمن يريد دخول المسجد وهو مخصوص كما قدمنا بغير المطبوخ من هذه الأشياء ولم يحرم لأن النبي ﷺ صرح بأنه غير حرام كما تقدم بيانه قريبًا في حديثي أبي داود وغيرهما لأن الصيغة لا تدل على التحريم بل قد قال فيها ابن بطال إنها تدل على الإباحة لأنه قال من أكل قال وهذا يدل على إباحة لكنه تعقب بأن هذه الصيغة إنما تفيد تعليق الحكم بوجود الأكل أي حكم النهي عن دخول المسجد ولا تعطى حكم الأكل؛ لا إباحة ولا غيرها كما تقدم قريبا وفي الترمذي من حديث جابر بن سمرة أن أبا أيوب سأل رسول الله ﷺ فقال: أحرام؟ قال: ولكن أكرهه من أجل ريحه وفي حديث جابر في قصة القدر الذي فيه البقول قال: قربوه لبعض أصحابه وقال: كلوا فإني أناجي من لا تناجون وفيه: أيضًا عن أبي العالية الثوم من طيبات الرزق واسم أبي العالية رفيع وهو الرياحي أدرك أنس بن مالك وسمع منه عند أهل الحديث، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله ﷺ من تلك البقلة الثوم والناس جياع فأكلنا منها أكلًا شديدًا ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد فقال الناس: حرمت حرمت فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها وهذا صريح لا يحتاج معه إلى تكلف الاستدلال على الإباحة مع أن قوله في بعض الروايات وليقعد في بيته حتى يذهب ريحها يدل على عدم التحريم قال النووي ﵀: (فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به وحكى
стр. 1457
القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنها تمنع من حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين قال وحجة الجمهور قوله ﷺ من أحاديث: "كل فإني أناجي من لا تناجي" وقوله ﷺ : "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي"). اهـ ولهذا قال ابن حزم من الظاهرية بعدم التحريم وإن كان يقول بوجوب الجماعة وظاهر الحديث يدل على منع آكل الثوم وما عطف عليه من المسجد وإن كان خاليًا للعلة المذكورة وقد ألحق العلماء بآكل هذه البقول كل من تلازمه رائحة كريهة نحو السمَّاك ومن يتعاطى بيع ما فيه نتن وينبغي أن يلحق به شارب الدخان لنتن رائحته وهكذا قالوا يلحق به من به قروح أو جروح منتنة وألحق به بعضهم المجذوم لأن الناس يتأذون منه والحديث في بعض رواياته يؤذينا بريحه فدل ذلك على العلة شاملة لأذية الناس والملائكة وأما إلحاق الأبرص به فهو عندي بعيد لأنه لا رائحة فيه والتأذي منه دون درجة المجذوم وقد ألحق به بعضهم من به بخر شديد يتأذى منه الناس وفي التعليل بتأذي الملائكة ما يرد قول من قال إن القوم إذا كانوا كلهم آكلين الثوم لا يمنعون من المسجد ولكن هذا يصلح في حق من قال بأن مجامع الناس كلها مثل المسجد فإنهم شملتهم الرائحة الكريهة كلهم لا بأس باجتماعهم أما في المسجد فلا وألحق بما ذكر من يؤذي الناس بلسانه قال العيني: ولا يبعد أن يعذر من كان معذورًا بأكل ما له رائحة كريهة لما روى ابن حبان من حديث المغيرة وفيه: فأخذت يده فأدخلتها فوجد صدري معصوبًا فقال أنت معذور. اهـ قلت: وهذا ليس صريحًا في جواز الدخول له لأنه وإن كان معذورًا يجلس في بيته حتى يذهب عنه الريح. والله أعلم.
مَنْ يُخْرَجُ مِنَ الْمَسْجِدِ
٧٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا.
стр. 1458
• [رواته: ٧]
١ - محمَّد بن المثنى الزمن أبو موسى العنزي: تقدم ٨٠.
٢ - يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي القطان: تقدم. .
٣ - هشام بن عبد الله وهو ابن سنبر الدستوائي: تقدم. .
٤ - قتادة بن دعامة السدوسي الضرير: تقدم ٣٤.
٥ - سالم بن أبي الجعد: تقدم ٧٧.
٦ - معدان بن أبي طلحة ويقال ابن طلحة الكناني اليعمري الشامي تابعي روى عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ وأبي الدرداء وثوبان وعمرو بن عبسة وعنه سالم بن أبي الجعد والسائب بن حبيش والوليد بن هشام المعيطي ويعيش بن الوليد على خلاف فيه قال ابن معين أهل الشام يقولون ابن طلحة وقتادة وهؤلاء يقولون ابن أبي طلحة وأهل الشام أثبت فيه وقال ابن سعد والعجلي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قلت ذكره ابن سعد ومسلم وخليفة في الطبقة الأولى من أهل الشام.
٧ - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁: تقدم ٧٥.
• التخريج
هذا طرف من حديث عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بالمدينة بعد رجوعه من الحج وقبل مقتله ﵁ وهي في البخاري من غير ذكر الثوم والبصل وهذا القدر منها أخرجه مسلم وابن ماجه والإمام أحمد وابن أبي شيبة من طريق ابن علية عن ابن أبي عروبة عن قتادة كإسناد المصنف وهذا الإسناد أخرجه به ابن ماجه عن ابن أبي شيبة في الفرائض وفي الأطعمة وروايته إلا أنه قال في يوم جمعة وأخرجه أبو عوانة مطولًا فذكر الخطبة بتمامها من طريق شعبة عن قتادة إلخ الإسناد.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (أن عمر بن الخطاب) هو أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين وقوله: (أي) في خطبة الجمعة أول خطبة خطبها مرجعه من الحجة التي هي آخر حجة حجها ﵁ فقال في آخرها: ثم إنكم أيها الناس والهمزة في أي
стр. 1459
النداء وهي أحد حروفه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ﴾ أي يا أيها، وتقدم الكلام على أيها أول الكتاب وكذا الناس وقوله: (تأكلون) أي في الغالب أو في العادة شجرتين تقدم الكلام على تسمية الثوم شجرة في الحديث الذي قبله والبصل مثله في ذلك وتقدم أن هذا دليل على الإباحة وقوله: (ما أراهما إلا خبيثتين) أي أظن وأعتقد إلا أنهما خبيثتان خبث رائحة لا خبث تحريم فإن الخبث أمر نسبي في كل شيء تحبه ولو كان الخبث بمعنى التحريم لصرح بذلك وقد تقدم التصريح عن النبي ﷺ بخلاف ذلك وأرى بضم الهمزة وهذا بيان لوجه العلة في النهي عنهما وقوله: (هذا البصل) إشارة إلى الجنس المعلوم في الذهن كما تقدم مثله وقوله: (البصل) بالرفع على أن هذا خبر لمبتدأ محذوف أي هما هذا البصل أو بالنصب على أنه بدل من قوله شجرتين فالتقدير يأكلون هذا البصل والثوم معطوف عليه وقوله: (ولقد رأيت نبي الله ﷺ ) اللام للابتداء أو موطئة للقسم والتقدير والله لقد رأيت وقد للتحقيق وقوله: (إذا وجد ريحهما) تقدم الكلام على إذا وجملة الشرط وجوابه في محل نصب على الحال لأن رأى بصرية لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وقوله: (وجد ريحها) أي شمها من الوجدان الذي هو الحصول على الشيء ضد الفقدان أي عدم الوجود وقوله: (الرجل) متعلق بوجد أي شم ريحها من الرجل أي والحال أنه في المسجد وأما في غير المسجد فلم يثبت ذلك عنه وقوله: (أمر به) أي أمر أصحابه بإخراجه فأخرج امتثالًا لأمره أي أمر الصحابة بأن يخرجوه إلى البقيع فيخرجونه امتثالًا لأمره ﷺ والبقيع محل معروف كان قريبًا من المسجد ولعله غير بقيع الغرقد أو هو بقيع الغرقد قبل أن يكثر الدفن فيه لأنه جاء في باب الصلاة ما يقتضي أنهم كانوا يقضون فيه حوائجهم والبقيع في الأصل الموضع الذي فيه أروم الشجر من ضروب شتى وبه سمي البقيع الغرقد والغرقد نبت كان فيه وهو شجر معروف سمي به لكثرته فيه وهو مقبرة المدينة وقد جاء ذكره في الشعر كثيرًا قال عمرو بن النعمان البياضي يرثي قومه وقد قتل بعضهم بعضًا:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفردي بالسؤدد
أين الذين عهدتهم بغبطة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
стр. 1460
وقال حسان ﵁ في النبي ﷺ :
وجهي يقيك الترب للعين ليتني ... غيبت قبلك في بقيع الغرقد
وفي المدينة أماكن يطلق على كل منها البقيع فلهذا ميز محل المقبرة بإضافته إلى الغرقد وقد فسره السمهودي بأنه كبار العوسج وبجانبه بقيع الخجبة ويجانبهما بقيع الخيل شرقي المسجد وبقيع الزبير نسب إليه لأن النبي ﷺ أقطعه إياه فكان صدقة على ولده وابتنوا به دورهم وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة:
ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرة بقيع الزبير
ذاك مغني أحبه وقطين ... تشتهي النفس بأن ينال بخير
وبقيع الخجبة قريب من بقيع الغرقد أيضًا له قصة في بناء المسجد الشريف وبالمدينة أيضًا بقيع الخضمات ويقال بالنون أول موضع صليت فيه الجمعة قبل مقدم النبي ﷺ وبقيع بطحان وبه منزل الأشعريين أبي موسى وأصحابه والمحتمل من هذه هو بقيع الغرقد وبقيع الخجبة وهو قريب من المسجد وبقيع الزبير وكذا بقيع الخيل وكلها كانت قريبة من المسجد وقوله: (فمن أكلهما) يحتمل أن الفاء سببية ويحتمل أنها عاطفة والأول أظهر أي فبسبب ذلك من أكلهما أي أراد أكلهما فليمتهما طبخًا أي ليطبخهما حتى يذهب عنهما الريح الخبيثة لأن كسر حدة الشيء وقوته يعتبران قتلًا له ومنه قتل الخمر بالماء قال حسان ﵁ قبل تحريم الخمر:
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلتك فهاتها لم تقتل
وقال آخر:
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل
وقوله: (طبخًا) مصدر نصب على التمييز أي بالطبخ.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه: تنبيه الإِمام الناس على المسائل المحظورة في الخطبة لأن هذا من أعظم مقاصد الخطبة وفيه: جواز وصف ما ليس حرامًا بالخبث ولا يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ لأن المراد بالخبائث هنا
стр. 1461
الأشياء المحرمة في الشرع النجسة وأما هنا فالمراد به خبث الرائحة بمعنى نتنها وفيه: جواز أكل الشيء الذي فيه رائحة كريهة لمن لا يؤذي ولا يدخل به المسجد وفيه: جواز أكل الثوم والبصل والأفضل أن يكون بعد الطبخ وفيه أن العلة المانعة لآكله من المسجد هي الرائحة كما هو منصوص في بعض الروايات وفي الذي ذكره عمر من فعل النبي ﷺ جواز إخراج من تحصل منه الأذية من المسجد وهو من تغيير المنكر باليد وهو أبلغ درجاته وفيه: إرشاد الناس إلى الوجه الذي ينتفعون به من الأمر الذي يكون فيه عليهم محظور وفيه: إسناد الفعل إلى الجماعة وإن كان الفاعل له البعض منهم وأما حكم دخول المسجد برائحة الثوم أو غيره فقد تقدم في شرح الحديث الذي قبله.
ضَرْبِ الْخِبَاءِ فِي الْمَسجِدِ
٧٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهَا أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آلْبِرَّ تُرِدْنَ"؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.
• [رواته: ٥]
١ - أبو داود سليمان بن سيف الحراني: تقدم ١٣٦.
٢ - يعلى بن عبيد: تقدم ١٤٠.
٣ - يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري: تقدم ٢٣.
٤ - عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية بنت سعد بن زرارة: تقدم ٢٠٣.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري من طريق حماد عن يحيى بن سعيد عن عمرة ومن طريق مالك عن يحيى عنها وأخرجه مسلم من عدة طرق وأخرجه أحمد
стр. 1462
وكلهم عن يحيى عن عمرة ومالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عمرة وعند أبي داود عن يعلى وأبي معاوية كلاهما عن يحيى عن عمرة ورواه ابن ماجه عن يحيى بن سعيد عن عائشة هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا والذي يغلب على الظن أنه ساقط على بعض النساخ ذكر عمرة لأن جميع من رواه من طريق يحيى عن عمرة ومالك عن ابن شهاب عنها وأخرجه ابن الجارود في المنتقى كرواية الجماعة عن يعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، الحديث وأخرجه ابن أبي شيبة مقتصرًا على أوله وأخرجه الترمذي.
• اللغة والإعراب
قولها: (إذا أراد أن يعتكف) تقدم الكلام على إذا وعلى الاعتكاف في الحيض وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى وقولها: (صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه) أي الذي يخصصه لاعتكافه من المسجد وقولها: (فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان) أي على عادته في ذلك قولها (فأمر) وفي رواية (فأمرني) وقوله: (فضرب له خباء) أي نصب له والخباء هو واحد الأخبية وهي ما يبنى للاتقاء من الشمس والبرد عادة مثل الخيمة والقبة يكون من صوف أو وبر أو من قطن أو غير ذلك وبعضهم قال: لا يكون من شعر وسماه الخيمة والخباء بكسر الخاء المعجمة وقولها: (وأمرت حفصة) وفي رواية: (أنها استأذنت فضرب لها خباءٌ كذلك) وفي رواية أن عائشة استأذنته فأذن لها وضربت خباء ثم حفصة كذلك فلما رأت زينب أي بنت جحش خباء حفصة أمرت أي بضرب خباء لها فضرب لها خباء فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ والإشارة ترجع إلى الأخبية المذكورة وقولها: (قال) أي رسول الله ﷺ (آلبر) أي أتردن بفعلكن هذا البر؟ والاستفهام للإنكار لأنه عرف أن الغيرة دخلتهن فخاف عليهن من أن يستهويهن الشيطان فتكون عبادتهن غير خالصة وقولها: (فلم يعتكف) وفي رواية: (أمر بخبائه فقوّضه فقوضت كل واحدة منهن عند ذلك خباءها) فترك الاعتكاف شفقة عليهن من المحذور السابق ذكره والبر المراد به الطاعة فهي كلمة شاملة لفعل كل ما يكون فيه رضاء الله وأبدلت همزة الوصل مدًا للاستفهام لأنه لو حذفت إحدى الهمزتين لالتبس
стр. 1463
المحذوف هل هو الاستفهام فيبقى الكلام مثبتًا أو الوصل بخلاف همزة وصل الفعل لأنها لا تفتح فلا تلتبس بهمزة الاستفهام والبر منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور والتقدير أتردن البر وقولها: (فلم يعتكف في رمضان) أي في تلك السنة واعتكف عشرًا من شوال بدل العشر التي أراد اعتكافها من رمضان.
• الأحكام والفوائد
احتج بهذا الحديث من قال إن مبدأ الاعتكاف من بعد صلاة الصبح فإذا صلى الصبح دخل معتكفه وهو قول الأوزاعي وأحد قولي الليث بن سعد واختاره ابن المنذر قال العيني ﵀: (وذهب الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبيل الغروب إذا أراد اعتكاف عشر أو شهر وأوّلوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح يعني أنه لا يتعين أن يكون ذلك مبدأ اعتكافه بل من الجائز أن يكون قد نوى الاعتكاف وهو في المسجد قبل الصبح) وقال النووي ﵀: (احتج به من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي والثوري والليث بن سعد في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد يدخل فيه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو عشر وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لأن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في جملة المسجد فلما صلى الصبح انفرد) قلت: والدخول في هذا الوقت قبل الغروب مستحب.
٧٠٧ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَمْيَةً فِي الأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ.
• [رواته: ٥]
١ - عبيد الله بن سعيد اليشكري: تقدم ١٥.
٢ - عبد الله بن نمير: تقدم ١٠٤.
٣ - هشام بن عروة: تقدم ٦١.
стр. 1464
٤ - عروة بن الزبير ﵁: تقدم ٤٤.
٥ - عائشة ﵂: تقدم ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأخرجه الإِمام أحمد في ضمن حديث عائشة عن قصة الخندق وبني قريظة من طريق علقمة بن وقاص عنها وفيه قبة بدل خيمة وفي بعض طرقه بلفظ: الخيمة وهي طريق علقمة أيضًا ذكر ابن كثير مطولة وحكى ابن إسحاق في السيرة خبر الخيمة عليه وقال: إنها لامرأة من أسلم تُسمى رفيدة كانت تداوي الجرحى.
• اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (أصيب سعد يوم الخندق) وقد صح عنها أن الذي رماه ابن العرقة [واسمه] حبان بن العرقة ومعنى أصيب أصابه سهم وقولها: (رجل من قريش) تقدم أنه ابن العرقة وفي رواية أنه قال: خذها وأنا ابن العرقة فقال: عرق الله وجهك في النار ذكرها ابن إسحاق، وروى عن عبد الله بن كعب بن مالك أن الذي أصاب سعدًا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وأنه قال في ذلك:
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي ... فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدًا مريشة ... لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشحط العذارى النواهد
قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان قال ابن هشام: (ويقال إن الذي رمى سعدًا يوم الخندق خفاجة بن عاصم بن حبان). اهـ وقولها: (رمية) مصدر من رمى ويحتمل أنه عبر بالرمية عن السهم لأن الرمية إنما تكون به وقولها: (في الأكحل) وفي رواية في الأبجل وهو عرق معروف في البدن ولكنه في الغالب يطلق على ذلك العرق في الفرس والبعير، وهو عرق غليظ في اليد أو الرجل منهما، وإطلاقه على الإنسان مجازي، وهو أنه بإزاء الأكحل أو هو الأكحل نفسه وجمعه الأباجل قال أبو محجن الثقفي ﵁ في يوم أليس بالعراق:
وما رمت حتى خرقوا برماحهم ... ثيابي وجادت بالدماء الأباجل
стр. 1465
وحتى رأيت مهرتي مزو بئرة ... من النبل يرعى نحرها والشواكل
والأكحل عرق في وسط الذراع إذا قطع لا يرقأ الدم وقيل هو عرق الحياة في كل عضو منه شعبة ولها اسم وهو في الرجل يقال له النسا وفي الظهر يقال له الأبهر وقولهم عرق الأكحل من إضافة الشيء إلى نفسه والخلاف فيها معروف ولهذا نقل عن سيبويه أنه لا يقال عرق الأكحل أو عرق الأبجل ولكن يقال الأكحل والأبجل هذا معنى ما نقل عنه وقولها: (فضرب) أي بني رسول الله ﷺ عليه خيمة في المسجد تقدم أنها لامرأة من أسلم كما في رواية إسحاق ومعنى هذا أنه أمر أن تبنى تلك الخيمة ويجعل سعد فيها ليعوده من قريب أي ليتمكن من عيادته لقربه منه وهو في المسجد بخلاف ما لو ذهب إلى بيته فإنه يبعد عليه وهذا محل الشاهد من الحديث هنا لأن فيه دليلًا على جواز بناء خيمة ونحوها في المسجد إذا دعت إلى ذلك حاجة أو مصلحة كالحديث الذي قبله. والله أعلم.
إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ في الْمَسَاجِدَ
٧٠٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا- فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الليث بن سعد الفهمي المصري: تقدم ٣٥.
٣ - سعيد بن أبي سعيد المقبري: تقدم ١١٧.
٤ - عمرو بن سليم بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي روى عن أبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي حميد الساعدي وابن عمر وابن الزبير وسعيد بن المسيب وعاصم بن عمرو المدني
стр. 1466
وعبد الرحمن بن أبي سعيد وأمه وغيرهم وعنه ابنه سعيد وأبو بكر بن المنكدر وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم وبكير بن الأشج وسعيد المقبري والزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون وعامر بن عبد الله بن الزبير وآخرون قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال النسائي ثقة وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر قال ابن حجر: وقال ابن خراش في حديثه اختلاط وقال العجلي مدني تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة ١٠٤.
٥ - أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁: تقدم ٢٤.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك في الموطأ والإمام أحمد وابن حبان وعبد الرزاق والدارمي وابن الجارود في المنتقى وأبو عوانة وأبو داود الطيالسي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (بينا نحن جلوس) تقدم أن بين تشبع العرب فتحتها فيتولد منها الألف فيقولون: بينا وربما زادوا ميمًا فقالوا بينما، وتقدم الكلام على ذلك مستوفى في الطهارة وفي حديث الإسراء أول الجزء الرابع من هذا الشرح المبارك والمعنى لا يختلف في هذه الحالات فهي ظرف فيها مضافة إلى الجملة بعدها والعامل فيها خرج فالتقدير بين أوقات نحن في المسجد خرج إلخ وقوله: (جلوس في المسجد) وفي رواية لأبي داود بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظهر أو العصر وهي تدل على أن الصلاة كانت فرضًا لا نفلًا كما زعمه بعض فقهاء المالكية على ما يأتي إن شاء الله تعالى: (إذ خرج علينا) تقدم الكلام على إذ في أول الجزء الرابع من هذا الشرح المبارك في شرح حديث الإسراء وأنها إذا وقعت بعد بينا أو بينما تحتمل أوجهًا من الإعراب خمسة أن تكون مفاجأة أو حرف توكيد أو حرفًا زائدًا وأن تكون ظرف زمان أو ظرف مكان وهي هنا للمفاجأة أي فاجأنا خروج رسول الله ﷺ والمراد بالخروج أي من بيته وباب البيت وباب المسجد واحد كما هو معلوم وقوله:
стр. 1467
(يحمل أمامة) جملة فعلية في محل نصب على الحال وقوله: (بنت أبي العاص) نعت لأمامة وكذا قوله: (وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ) وكان يسمى جرو البطحاء وكان مؤاخيًا لرسول الله ﷺ واختلف في اسمه فقيل: اسمه لقيط وقيل مقسم وقيل القاسم وقيل الزبير وقيل هشيم وقيل مهشم وقيل ياسر وأما أبوه فالأكثرون على أنه ابن الربيع وهو المشهور ورواية معن بن عيسى ويحيى بن بكير وأبي مصعب وجماعة عن مالك ورواه البخاري والجمهور عن مالك "ربيعة" وقال الأصيلي إنه ابن الربيع بن ربيعة فنسبه مالك مرة إلى جده ومرة إلى أبيه وهذا جمع جيد لولا أن النسابين أطبقوا على أنه ابن الربيع بن العزى بن عبد شمس وبذلك رد القاضي عياض والقرطبي وجماعة قول الأصلي وهذا هو الخلاف في اسم أبيه بين ربيعة والربيع وأمامة هي بنت زينب وهي بضم الهمزة وتخفيف الميم تزوجها علي ﵁ بعد موت فاطمة ﵂ وقيل إنها أوصته بذلك وذكر ابن حجر: أنها لم تعقب وقال العيني: إنها ولدت له ولدًا اسمه محمَّد وكانت زينب أكبر بنات النبي ﷺ وكلهن من خديجة وهن أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة أصغرهن وكان أبو العاص تزوج زينب في حياة خديجة وهي التي طلبت من النبي ﷺ أن يزوجه بها لأنه ابن أختها شقيقتها واسمها هالة وقيل هند وقد أثنى عليه النبي ﷺ في صهره وأمانته وكان أسر يوم بدر فأطلقه ﷺ واشترط عليه إرسالها فأرسلها إليه ثم أسلم أبو العاص قيل بعد تحريم المسلمات على المشركين وذلك التحريم كان في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وكان إسلام أبي العاصي بين الفتح والحديبية، وتوفيت زينب ﵂ سنة ثمان من الهجرة ومات أبو العاصي سنة ١٢ من الهجرة. وقوله: (وهي صبية يحملها) الجملتان في محل نصب على الحال وقوله: (فصلى) الفاء عاطفة وقوله: (وهي على عاتقه) جملة في محل نصب على الحال أيضًا والعاتق ما بين المنكب والعنق وفي رواية عند أحمد على رقبته ولا منافاة وقوله: (يضعها) أي عن عاتقه وقوله: (إذا ركع) أي في وقت ركوعه وقوله: (يعيد) أي يعيد حملها إذا قام وقوله: (حتى قضى) حتى للغاية وقضى أتم وفرغ وقوله: (من صلاته) أي من تلك التي فعل فيها هذا الفعل وقوله: (يفعل ذلك) أي وهو مستمر على ذلك الفعل الذي هو حملها ووضعها.
стр. 1468
• الأحكام والفوائد
فيه: دليل على إدخال الصبيان للمساجد وله نظائر وفيه: الحكم بطهارة ثياب الصبيان وأبدانهم وإن كان ذلك خلاف الغالب وفيه: تواضعه ﷺ ورأفته وشفقته ورحمته للصبيان وفيه: فضيلة الإمامة وفيه: أن الفعل الذي تدعو الحاجة إليه في الصلاة لا يبطلها إلا إذا كثر، وكثرته ترد إلى العرف وتحديده بحركات معدودة ليس عليه دليل واستدل به الشافعي ومن وافقه على جواز حمل الصبي والصبية في الصلاة وكذا غيرهما من الحيوان لكن ينبغي تقييد ذلك بالحاجة إليه وأطلقوا الجواز في الفرض والنفل والإمام والفذ والمأموم لعدم الفارق وعند الحنفية أن كثرة العمل تعتبر على ما ذكره صاحب البدائع بحاجة الإنسان في العمل إلى أن يعمل فيه بيديه معًا وحمل الصبي عندهم ليس من ذلك لكن إذا حملته امرأة وأرضعته فسدت صلاتها لأنه عندهم يدخل في العمل الكثير واستدلوا بهذا الحديث وهو محمول على أنه كان محتاجًا لذلك إما لتعلق الصبية به أو لعدم من يحفظها غيره أو قصد بيان الجواز والتيسير على الأمة والكل محتمل وهو مبرر لمثل هذا الفعل في الصلاة، وروى أشهب عن مالك أن هذا كان في نافلة ولم ير جوازه في الفرض وأيده ابن عبد البر بقوله: (وحسبك بتفسير مالك قال ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم خلافًا في أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه) ا. هـ. ورده النووي: (بأن قوله يؤم كالصريح أو هو صريح في أنه كان في الفريضة) وهذا غير مسلم وإن كان هو الظاهر والغالب، ولكن احتمال النفل موجود لأنه كان ربما صلى بهم نافلة لكن الذي يرده ما ثبت في رواية أبي داود من طريق سفيان بن عيينة في روايته لحديث أبي قتادة هذا أن أبا قتادة صرح بأنهم كانوا ينتظرونه لصلاة الظهر أو العصر كما تقدم التنبيه عليه قريبًا، وذكر العيني نقلًا عن الزبير بن بكار في كتاب النسب له أن ذلك كان في صلاة الصبح قال النووي: (ادعى بعض المالكية أن ذلك منسوخ) وقال الشيخ تقي الدين: هو مروي عن مالك أيضًا وقال أبو عمر: لعل هذا نسخ بتحريم العمل في الصلاة ورد بأن النهي عن العمل في الصلاة وقوله ﵊ إن في الصلاة لشغلًا متقدم على هذه القصة قلت: لأن تحريم الكلام والعمل في الصلاة بعد رجوع عبد الله بن
стр. 1469
مسعود وبعض المهاجرين من الحبشة والنبي ﷺ بمكة لم يهاجر وهذه القصة بعد الهجرة لأن زينب إنما قدمت المدينة بعد بدر بلا خلاف وأيضًا فإن فيه دعوى النسخ بالاحتمال وهو لا يثبت.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه فعله للضرورة وعن القاضي عياض أنه خاص به ﷺ وتعقب ذلك النووي بأنه لا داعي إليه ولا ضرورة له، والحديث صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع لأن أجساد الآدميين طاهرة وما في أجوافهم من النجاسة مفعو عنه لأنهم معدنه وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة ونصوص. . . تدل على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلّت أو تفرقت. اهـ المراد منه قلت واشتراط التفرقة لا نص فيه وحكى العيني عن بعض أهل. . . أنه لا يحب فعله ولكن فعله أحد فلا إعادة عليه ولم يعينه ونقل الأثرم عن أحمد أنه سئل أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي قال: نعم واحتج بحديث أبي قتادة يعني هذا قال الخطابي: (يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله ﷺ عن غير قصد وتعمد له في الصلاة ولعل الصبية لطول ما ألقته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه في الصلاة فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه وضعها بأن يحطها على الأرض أو يرسلها حتى يفرغ من سجوده فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يمنعها حتى إذا قام بقيت محمولة معه قال هذا عندي وجه الحديث ولا يكاد يتوهم عليه ﷺ أنه كان يتعمد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرر والمصلى يشتغل بذلك عن صلاته وإذا علم الخميصة يشتغل به عن صلاته حتى يستبد لها بالانبجابية فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟ وفي ذلك بيان ما تأولناه). اهـ. قلت وحاصل هذا أنه يرى أن هذا الفعل صادر من الصبية أعني ركوبها عليه في الصلاة وهو بعيد لأن ألفاظ الحديث صريحة في إسناد الفعل إليه ﷺ من الحمل لها والوضع تعقبه بقوله هذا باطل ودعوى مجرّدة إلى آخر كلامه إلا أنه فرق بين حملها وبين الخميصة بأن الخميصة تشغل البال بلا فائدة والحمل لا نسلم أنه يشغل القلب وفيه نظر لكن يقال إن هذا للضرورة أو لبيان الجواز وحمله بعض المالكية على ارتكاب أخف
стр. 1470
الضررين لأنه لو تركها لبكت وشغلت قلبه أكثر ولهذا قال الباجي: (إن وجد من يكفيه جاز ذلك في النافلة دون الفرض) ا. هـ. قلت وهذا يرجع إلى التعليل بالضرورة والذي ينبغي الاعتماد عليه جواز ذلك لأن فعله هذا ثابت ثبوتا صحيحًا وأقل درجاته بيان الجواز وقد قال ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي وقد رأوه يصلي على هذه الحالة فلا داعي ولا ملجئ إلى التأويلات نعم ترك ذلك وتفريغ القلب للصلاة قد يكون لاسيما في حق بعض الناس. والله أعلم.
رَبْطِ الأَسِيرِ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ
٧٠٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرُبِطَ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ. مُخْتَصَرٌ.
• [رواته: ٤]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الليث بن سعد الفهمي: تقدم ٣٥.
٣ - سعيد بن أبي سعيد المقبري: تقدم ١١٧.
٤ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وعبد الرزاق ورواه ابن إسحاق في السيرة وقد تقدم الحديث مختصرًا للمصنف عند غسل الكافر إذا أسلم وتخريجه هناك وهو عند هؤلاء مختصرًا ومطولًا وتمامه أنهم ربطوه بالمسجد فمر عليه النبي ﷺ فقال ما وراءك يا ثمامة؟ قال: خير يا محمد إن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فخذ منه ما شئت ففعل ذلك ثلاث مرات وفي الثالثة أمر بإطلاقه فذهب واغتسل ثم أسلم وأخبر أنه كان يريد العمرة فأمره أن يعتمر.
стр. 1471
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (بعث رسول الله خيلًا) أي بعث سرية على خيل عليها محمد بن مسلمة قيل: إنها سنة ست وذكر ابن كثير: أن كلام الواقدي يدل على أن أبا هريرة شهدها وأبو هريرة إنما قدم مهاجرًا حين فتحت خيبر وذلك في شهر صفر سنة سبع من الهجرة وقوله: (قِبَلَ نجد) أي جهة بلاد نجد وقوله: (فجاءت) جاء أصحاب السرية وأسند المجيء إلى الخيل لأنها عبارة عن السرية أو هي من مجاز الحذف أي فجاء أهلها (برجل) الباء للتعدية وقوله: (من بني حنيفة) الجار والمجرور في محل جر صفة لرجل ويحتمل أن يكون في محل نصب مراعاة لمحل الجار والمجرور وبنو حنيفة بن لجيم قبيلة من ربيعة مشهورة وهم أهل اليمامة وقوله: (يقال له) أي يسمى (ثمامة بن أثال) بضم الهمزة وقوله: (سيد أهل اليمامة) أي كبيرهم والمقدم فيهم وقوله: (فربط بسارية من سواري المسجد) أي أمر النبي ﷺ بربطه بسارية من سواري المسجد وقوله: (مختصر) تقدم في التخريج ذكر بعضه وفي آخر أنه قال للنبي ﷺ : إنه لم ير على ظهر الأرض وجهًا أبغض إليه من وجهه فقد أصبح وجهه أحب الوجوه كلها إليه وفيه: أنهم أخذوه وهو يريد العمرة فأمره أن يعتمر وفيه: أنه لما قدم مكة قالوا له: صبوت يا ثمامة؟ قال: بل أسلمت وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا والله لا تأتيكم حبَّة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، وكانت اليمامة ريف الحجاز ومحل الشاهد من الحديث: ربط الأسير المشرك في المسجد وهو يدل على جواز دخول الكافر المسجد بإذن المسلمين إذا ترتبت على ذلك مصلحة والمانعون يجيبون عن هذا بأنه كان قبل التحريم وهو غير جيد لأن وفد ثقيف أنزلوا في المسجد بعد ذلك وحبست أسارى طيء فيه فالظاهر عدم نسخ هذا الفعل وقد علل بكونه يشاهد الصلاة ولعله يكون سببًا لإسلامه وغاية هذه العلة بيان مصلحة ربطه وهذا مشروع في حق غيره كما لا يخفى. والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
مذهب مالك أنه لا يجوز دخول المشرك المسجد وهو قول عمر بن عبد العزيز والمزني وقتادة وقال أبو حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره واحتج بما
стр. 1472
أخرجه أحمد قال العيني: بسند جيد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل الكتاب وخدمهم ومذهب الشافعي أن الكافر يدخل المسجد بإذن المسلمين كتابيًا أو غيره إلا مسجد مكة وحرمها وحجته هذا الحديث وأمثاله وأما مالك فيحتج للمنع بظاهر الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والنجس يجب صيانة المسجد عنه ولأن المشرك لا يحفظ من النجاسة في بدنه وثيابه وقد أمر الله برفع المساجد ودخول مثل هذا ينافي الرفع. وفي الحديث: جواز أسر الكافر وجواز المن عليه وفي بقيته: حكمة النبي ﷺ وفيه: اغتسال الكافر وقد تقدم في الطهارة.
إِدْخَالِ الْبَعِيرِ في الْمَسْجِدَ
٧١٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
• [رواته: ٦]
١ - سليمان بن داود بن حماد المهري: تقدّم ٧٩.
٢ - عبد الله بن وهب المصري: تقدّم ٩.
٣ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدّم ٩.
٤ - محمد بن شهاب الزهري: تقدّم ١.
٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه الهذلي: تقدّم ٥٦.
٦ - عبد الله بن عباس ﵄: تقدّم ٣١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأخرجه مسلم أيضًا من حديث جابر وأبي الطفيل وأخرجه أبو داود من حديث ابن عباس وحديث صفية بنت شيبة وكذلك أخرجه ابن ماجه من الوجهين وأخرجه ابن الجارود في المنتقى كرواية المصنف من طريق محمد بن عبد الحكم عن ابن وهب إلى آخر السند ومن حديث أبي الطفيل وأخرجه الدارمي.
стр. 1473
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ) أي حدثنا أن رسول الله أي بأن فالمصدر إما منصوب بنزع الخافض أو في محل جر بالحرف المحذوف وقد تقدم له نظائر كثيرة وجملة (فطاف) في محل رفع خبر إن وقوله: (في حجة الوداع) الجار والمجرور في محل نصب إما على الظرفية أو على الحال والأول هو الظاهر وقوله: (الوداع) بفتح الواو وضمها وبهما روي الحديث وقد تقدم ذلك في الطهارة وهو اسم من ودعه كوضعه أو ودّعه كوكلّه توديعًا بمعنى تركه ومنه توديع المسافر للناس لأنه يتركهم وادعين وتوديع الناس له تفاؤلًا بالدعة وهي السكون والراحة قال لبيد ﵁:
فودع بالسلام أبا حريز ... وقلّ وداع أربد بالسلام
وقال الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
وقال القطامي:
قفى قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
وقد تقدم في الطهارة وقيل حجة الوداع لأن النبي ﷺ ودع المسلمين فيها وقوله: (على بعيره) أي راكبًا على بعيره فالجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من قوله: (طاف) وقوله: (يستلم الركن) أي يمسه بمحجن والباء للاستعانة كما في قولك كتبت بالقلم والجملة حالية و (المحجن) مفعل من الحجن وهو الاعوجاج والجمع محاجن قال ابن مقبل:
وصرح السير عن كتمان وابتذلت ... وقع المحاجن بالمهدية الذقُن
وهو عصا معوجة الرأس يرتفق بها الإنسان.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على جواز الركوب في الطواف وقيّده بعضهم بالعذر لما روى أبو داود من طريق يزيد بن أبي زياد وفيه مقال: قدم النبي ﷺ وهو يشتكي فطاف على راحلته فلما أتى على الركن استلم بمحجن وفي مسلم من حديث جابر ﵁: أنه طاف على راحلته ليراه الناس وليشرف ليسألوه وقد
стр. 1474
اختلف العلماء في جواز الطواف راكبًا من غير عذر: فذكر النووي أن الأفضل عند الشافعية أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر من مرض ونحوه أو كان يحتاج إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة لكنه خلاف الأفضل وقال أيضًا: وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف منهم الماوردي والبندنيجي والعبدري وأبو الطيب والمشهور الأول والمرأة والرجل في ذلك سواء والمحمول كالراكب قال: وبه قال أحمد وداود وابن المنذر وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه ولا شيء عليه وإن كان لغير عذر فعليه دم عند المالكية وقال أبو حنيفة: يعيد مادام بمكة وأجابوا عن الحديث بكونه ركب لعلّة، واستدل به المالكية والحنابلة ومن وافقهم على طهارة بول البعير لأن الغالب في البعير بل من اللازم أن يكون بوله على فخذيه ورجليه وقد تقدم ذلك في الطهارة وقال الشافعية والحنفية: بنجاسته قلت: وينبني على هذا الخلاف جواز الطواف على الحمار وغيره مما اتفقوا على نجاسته فعند القائلين بنجاسة بول مأكول اللحم لا فرق عندهم بين ركوب البعير والحمار والفرس، وأما القائلون بالطهارة فيفرقون بين مأكول اللحم وغيره وفيه دليل: على أن من عجز عن الاستلام بيده يستلم بآلة وفيه: تسمية حجة الوداع وفيه: ما ترجم له المصنف وهو إدخال البعير في المسجد.
النَّهْي عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
٧١١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ.
• [رواته: ٦]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - ابن عجلان هو محمد بن عجلان المدني: تقدم ١٤٠.
стр. 1475
٤ - عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: تقدم ١٤٠.
٥ - أبوه شعيب بن محمَّد: تقدم ١٤٠.
٦ - جده قيل جد عمرو فيكون محمدا وقيل جد شعيب فيكون عبد الله بن عمرو.
أما عبد الله بن عمرو فترجمته تقدمت ١١١.
وأما ابنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص فالمفروض أنه تقدمت ترجمته ١٤٠ وسأكتبها هنا محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، روى عن أبيه وعنه ابنه شعيب وحكيم بن الحارث الفهمي كذا قال ابن يونس في تاريخ مصر وذكر الأزرقي في تاريخ مكة عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج عن عمرو بن سعيد عن أبيه قال: طاف محمد بن عبد الله بن عمرو مع أبيه عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر قصته وجاء عنه من الرواية شيء يسير على خلاف روى أبو داود عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو رفعه حديث: لا يحل سلف وبيع وقد رواه أحمد بن منيع وغيره عن ابن علية عن أيوب عن عمرو عن أبيه عن جده على الجادة، وروى النسائي عن عثمان بن خرزاد عن سهل بن بكار عن وهيب عن ابن طاوس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن أبيه محمد بن عبد الله بن عمرو قال مرة: عن أبيه وقال مرة: عن جده في النهي عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة هكذا وقع في رواية الأسيوطي ووقع في رواية ابن حيوية عن عمرو بن شعيب عن أبيه محمد بن عبد الله بن عمرو كذا فيه فكأنه سقط منه شيء رواه أبو داود في السنن عن سهل بن بكار بإسناده وقال: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده على الجادة وهذا جميع ماله في الكتب مما يمكن أن يكون له فيه رواية قال ابن حجر: وله أيضًا مما يدخل في هذا ما قال ابن ماجه حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق سمعت المثنى بن الصباح يحدث عن عمرو عن أبيه عن جده قال: طفت مع عبد الله بن عمرو فلما فرغنا. . . الحديث وفيه: ذكر الملتزم وجده عمرو والد والده هو محمَّد بن