Полный текст (1 806 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فيهما، وهو نوع من المجاز المرسل معروف علاقته المحلية. واللام للتوكيد والعذاب مشتق من الحبس والمنع، ومنه استعذاب الماء: حبسه حتى يطيب للشارب أو لمنعه العطش، ثم استعمل في كل ما يؤلم الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الزانيين، والعقوبة تمنع معاودة الذنب، والمراد هنا عذاب القبر في البرزخ أعاذنا الله منه. وقوله: (ما يعذبان في كبير) وفي رواية "بلى إنه لكبير" ولا معارضة؛ فإنه ليس بكبير على النفس فعل ما أوجب تركه هذا العذاب ولا ترك ما أوجبه فعله، فهو كبير بالنسبة لما ترتب عليه من العذاب، غير كبير بالنسبة لأن التحفظ من البول وترك النميمة أمران لا يشق فيهما الفعل والترك، فهو كبير من حيث الإثم وليس مما يشق فيه الفعل أو الترك. ونقل السيوطي عن البوني احتمال كونه ظن أنه غير كبير، فأوحي إليه أنه كبير، وهو عندي بعيد، وظاهر الاستدراك يدل على بُعده كسائر الأقوال الأخر التي نقلها على سبيل الاحتمال، والله أعلم. والبوني اسمه عبد الملك.
وقوله: (أما) حرف شرط وتوكيد وتفصيل، والفاء لازمة في جوابها، وذكر سيبويه أنها بمثابة: مهما يكن من شيء، ولذا قال ابن مالك معتمدًا على قول سيبويه المذكور، ومبينًا أن حذف الفاء قليل إذا لم يضمر القول معها:
أما كمهما يك من شيء وفا ... لتلو تلوها وجوبًا ألفا
فالفاء لازمة عند عدم إضمار القول، وحذفها مسموع وهو قليل، كقول الشاعر:
أما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب
أي: تسيرون سيرًا.
وإليه أشار ابن مالك ﵀ بقوله:
وحذف ذي الفا قل في نثر إذا ... لم يك قول معها قد نبذا
أما مع إضمار القول معها فهو مقيس، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وتبعه الفاء الداخلة عليه، وقد يجوز في التبع ما لا يجوز في الاستقلال ومن أمثلته في الشرع: أن الشخص لو صلى عن غيره استقلالًا لا تجوز صلاته، وإذا حج عنه فهو يصلي ركعتين للطواف عنه تبعًا للطواف
стр. 177
بالإجماع. وقال بعضهم: إن الجواب في الآية قوله: (فذوقوا) لأنه بعد الحذف انتقلت الفاء إلى القول.
ومن أمثلته في اللغة: حديث بريرة في قوله ﵊: أما بعد، ما بال أقوام. . . . إلخ.
وقول عائشة في حديث المناسك: أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا. . . . إلخ أي فطافوا. وأكثر معانيها التفصيل، وهي مضمنة معنى الشرط وإفادتها التوكيد مع ذلك في الغالب.
وقوله: (أحدهما): أي أحد المقبورين وقوله: (فكان) الفاء واقعة في جواب أما، و (كان) أي: من عادة ذلك المذكور، وهو قوله: (لا يستنزه) وفي رواية: "لا يستتر" من بوله. والاستتار: استفعال من الستر، قيل المراد به: كشف العورة وعدم سترها، وهذا الوجه ضعيف لكونه يجعل علة العذاب كشف العورة، والأحاديث تدل على أن علة العذاب: التهاون بالبول وعدم التحفظ مما يصيب الثوب أو البدن منه، والتهاون بالطهارة يسبب فساد الصلاة، ولهذا جاء في حديث الدارقطني: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه"، ولابن خزيمة من حديث أبي هريرة وصححه: "أكثر عذاب القبر من البول". وإذا كان سبب العذاب كشف العورة؛ لم يبق لذكر البول فائدة في تخصيصه بسبب العذاب، ولا شك أن السياق يدل على أن البول له خصوصية في السبب، ويدل على ذلك قصة الإسرائيلي التي تقدم ذكرها، ورواية المصنف (يستنزه) أي: يتحفظ، وهي تدل على أن الوعيد على عدم التحفظ من البول وقوله: (يمشي بالنميمة) فعيلة من: نمّ الحديث ينُمه بالضم وينِمه بالكسر، وقيل: الضم في المتعدي والكسر في اللازم، وهي: نقل الحديث من شخص إلى آخر بقصد الإفساد والفتنة، ويقال لفاعلها: نمام وقتات، وكلٌّ ورد في الحديث، والغالب أن فاعل ذلك يخفيه، ويقال لوسوسة الصوت والكلام: نميمة؛ إذا كان خفيًا. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه:
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم
ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نمَّ لو نفع النمُّ
فرتب على هذا الفعل الذميم عذاب القبر، لما فيه من توليد الفتنة والشر
стр. 178
بين الناس، ولهذا وجب تكذيبه إذا لم يكن لمصلحة شرعية كما يأتي إن شاء الله، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية.
وقوله: (ثم دعا) تقدم الكلام على ثم في حديث رقم ٤، ودعا: أي طلب، والباء في قوله: (بعسيب) إما لتضمين دعا معنى أمر، أو لأن طلبه من أحد من أصحابه أمر له، أي: أمر بإحضار عسيب، والعسيب: جريدة النخل التي نزع خوصها، قال الشاعر:
وقل لها مني على بعد دارها ... قنا النخل أو يهدي إليك عسيب
وقال امرؤ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني
وعسيب: اسم جبل بعينه، كما في قوله أيضًا:
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
ويقال لعظم الذنب وظهر القدم وشق في الجبل. وقوله: (رطب) أي: أخضر، صفة لعسيب وهو ضد اليابس، وقوله: (فشقه) الفاء هي التي يسميها بعض النحويين الفصيحة لأنها تدل على محذوف، أي فأُتي به فشقه، والباء زائدة أي: قسمه على نصفين وقوله: (فغرز) أي نصب وثبّت في الأرض على كل من القبرين أحد النصفين المذكورين. وقوله (لعله) تقدم الكلام على "لعل"، والهاء للعذاب أي: العذاب المدلول عليه بقوله (يعذبان .. ). وقوله: (يخفف عنهما) أي عن المقبورين، وقوله: (ما لم ييبسا): ما مصدرية ظرفية أي مدة كون النصفين لم ييبسا، ويحتمل أن الضمير في "لعل" ضمير الشأن. وقد اختلف العلماء في وجه ذلك، فقيل: إنما فعل ذلك لأن الرطب من النبات يسبِّح، فتسبيحه يكون سببًا لتخفيف العذاب عن صاحبي القبرين، وقائل هذه المقالة يستدل بها على أن الميت ينتفع بالذكر عنده وقراءة القرآن له، وهذا الوجه ضعيف. أما أولًا: فلأن التسبيح من الجماد لا يخص الأخضر، بل اليابس وغيره يسبّح على وجه الله أعلم به، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فشمل اليابس والأخضر وثانيًا: أنه لو كان الأمر كذلك؛ لكان هذا الفعل على كل مقبور سنة ليحصل له هذا الفضل الحاصل من تسبيح الأخضر، وعدم نقل ذلك عنه ولا عن أحد من أصحابه وهم أحرص الناس
стр. 179
على الخير إلا في هذه المرة، أو ما ورد في حديث جابر الطويل في آخر مسلم، وكلاهما محمول على الخصوصية. وأما قراءة القرآن على الميت فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى-. والصحيح في التعليل لهذا الفعل: أنه ﷺ شفع لهذين المقبورين فخفف الله عنهما، وجعل مدة التخفيف عليهما تنتهي بيبس الجريدتين، والله أعلم. ولا يمنع ذلك كون (لعل) في الأصل للترجي والتوقع، لأنها إذا كانت من الله تعالى في مقام الإطماع كانت واجبة الوقوع، وهكذا هنا الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا بوعد من الله له.
ما روي عن بريدة ﵁ من أنه وصى أن يجعل على قبره جريدة؛ فهو فعل صحابي فيما فيه مجال للرأي، ولم يصح ذلك عن أحد منهم غيره. وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي فيما فيه مجال للرأي؛ لا يعطى حكم الرفع، وهذا من قبيل ذلك والله أعلم.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل ظاهر على إثبات عذاب القبر، كما دلت أحاديث أخر على إثبات نعيمه، فهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ حيث أطلعه الله على حال المقبورين وسبب عذابهما، والظاهر أنهما مسلمان، ويدل على ذلك تعليل العذاب بالأمرين المذكورين، لأنهما لو كانا كافرين لكان عذابهما لكفرهما، وذلك يدل على أن القصة كانت بالمدينة، وكون ابن عباس حضر ذلك يدل على تأخر القصة، وعند ابن ماجه: "بقبرين جديدين" وهو يدفع رواية الشك كما في البخاري: "من حيطان المدينة أو مكة". وفيه أن التهاون بالمعاصي لا ينبغي للمسلم، وفيه قبح هاتين الخصلتين وأنهما يسببان عذاب القبر، وفيه حرص النبي ﷺ على الخير، وشفاعته لهما تدل على أنهما مسلمان. قلت: وقد يقال إن شفاعته لهما لا تستلزم ذلك، ويكون من باب الخصوصية لتظهر هذه المعجزة، ولينبّه أصحابه على عظم إثم هذين الفعلين، وقد فعل ﷺ مثل هذا الفعل كما ثبت في حديث جابر الطويل في آخر صحيح مسلم. لكن يشكل عليه النهي عن الشفاعة للمشركين، وقد يجاب باحتمال أنهما كان ممن مات على شريعة موسى أو عيسى قبل التبديل أو غيرهما من الشرائع، لأن الحكم عليهما بالإِسلام يبعده
стр. 180
أن قصة جابر كانت في إحدى غزواته، وهي خارج المدينة والمسلمون في ذلك الوقت إنما كان وجودهم بالمدينة. أما قصة ابن عباس هذه فالظاهر أنها بالمدينة، وأنها غير تلك الرواية التي أشرنا إليها عند ابن ماجه وفيها أنهما قبران جديدان، غير أنه تقدم أنهما لو كانا كافرين لكان الموجب للعذاب هو الكفر والله أعلم. وفي الحديث دليل على نجاسة البول، وهو مجمع عليه في الإنسان البالغ أو الصغير الذي أكل الطعام.
٢٨ - باب الْبَوْلِ فِي الإِنَاءِ
٣٢ - أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ.
• [رواته: ٥]
١ - أيوب بن محمَّد الوزان: وهو ابن زياد بن فروخ، أبو محمَّد الرقي، روى عن عمر بن أيوب ومروان بن معاوية الفزاري وحجاج بن محمَّد وابن علية وابن عيينة وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان وقال: شيخ لا بأس به، وعبدان وجماعة. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات في ذي القعدة سنة ٢٤٩، وقال الخطيب: حديثه مشهور. قال ابن حجر: ذكر الشيرازي في الألقاب أن الوزان هو الذي يلقب بالقلب.
٢ - حجاج بن محمَّد المصيصي الأعور أبو محمَّد مولى سليمان بن مجالد، ترمذي الأصل سكن بغداد ثم تحول إلى المصيصة، روى عن حريز بن عثمان وابن أبي ذئب وابن جريج والليث وشعبة ويونس بن أبي إسحاق إسرائيل بن يونس وحمزة الزيات وغيرهم، وعنه أحمد وابن معين وأبو عبيد وأبو خَيْثَمة والنفيلي وقتيبة وصاعقة والذهلي وابن المنادي والدوري وجماعة غيرهم، وروى عنه خالد الأحمر وهو من أقرانه. قال أحمد: ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف، ورفع أمره جدًا، وقال مرة: كان يقول: حدثنا ابن جريج، وإنما قرأ على ابن جريج ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ.
وقال معلي الرازي: ما رأيت أثبت منه في أصحاب ابن جريج، ووثقه
стр. 181
النسائي وابن المديني، وقال إسحاق بن عبد الله السلمي: حجاج نائمًا أوثق من عبد الرزاق يقظانًا. قال ابن سعد: تحول إلى المصيصة ثم قدم بغداد لحاجة فمات بها سنة ٢٠٦. كان ثقة صدوقًا إن شاء الله، وقد كان تغيّر في آخر عمره حين رجع إلى بغداد، ولما دخل عليه يحيى في آخر قدمة قدمها بغداد سمعه يخلط، قال لابنه: لا تدخل عليه أحدًا، ثم دخل عليه الناس آخر النهار فأعطوه كتاب شعبة فقال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة، فقال لابنه: ألم أقل لك لا تدخل عليه أحدًا. وذكر ما يدل على أنه حدّث بعد الاختلاط، ولذا عدّه أبو العرب القيرواني في الضعفاء بسبب الاختلاط، وقد وثقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلم بن قاسم، كذا في التهذيب ولعله مسلمة بن قاسم، وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.
٣ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي أبو الوليد وأبو خالد المكي مولى بني أمية أصله رومي، روى عن حُكَيْمَة بنت رُقَيْقَة وأبيه عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح وإسحاق بن أبي طلحة ونافع مولى ابن عمر وخلق كثير، وعنه ابن عبد العزيز ومحمد والأوزاعي والليث ويحيى بن سعيد الأنصاري -وهو من شيوخه- وحفص بن غياث وخلق غيرهم. قال أحمد: إن أول من صنف الكتب هو وابن أبي عروبة. قال القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك، وقال أحمد: أثبت الناس في عطاء. قال يحيى بن سعيد: كنا نسمي كتب ابن جريج كتب الأمانة. قال أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت؛ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني وسمعت؛ فحسبك به. وعن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل، وعن ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وعن ابن معين أيضًا: ثقة في كل ما ورد عنه من الكتاب، وعن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا: إذا قال: حدثني؛ فهو سماع، وإذا قال: أخبرت، فهو قراءة، وإذا قال: قال فلان؛ فهو شبه الريح. قال مخلد بن زيد: ما رأيت أصدق لهجة من ابن جريج قال عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج. مات سنة ١٤٩ وقيل ١٥٠ وقيل ١٥١. قال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، قال الدارقطني: إنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل: إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن أبي عبيدة، وأما ابن عيينة فهو يدلس عن الثقات. وذكره ابن حبان في
стр. 182
الثقات وقال: كان من فقهاء أهل الحجاز وقرائهم ومتقنيهم، وكان يدلس. قال أبو زرعة: بخ من الأئمة، وقال ابن خراش: كان صدوقًا. قال العجلي: مكي ثقة، وقال الشافعي: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة، وقال ابن عاصم: كان من العبّاد، وكان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر.
٤ - حُكيمة بنت أُميمة بنت رُقيقة، روت عن أمها أُميمة بنت رُقيقة، وعنها ابن جريج، وذكرها ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر في التقريب: لا تعرف، من السادسة.
٥ - أمها أميمة بنت رُقيقة، وهي أُميمة بنت عبد الله بن بجاد بن عمير ابن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة، ورُقيقة أمها، ويقال: أُميمة بنت أبي البجاد، ويقال: هما اثنتان. روت عن النبي ﷺ وعن أزواج النبي ﷺ ، وعنها ابنتها حُكيمة ومحمد بن المنكدر. قال الحافظ: اسم أبيها بجاد -بموحدة ثم جيم- ابن عبد الله بن عمير بن الحارث بن حازم بن تيم بن مرة.
• التخريج
صحيح أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي، وأخرجه أبو داود وابن حبان، ويشهد له ما أخرجه الحاكم والطبراني والدارقطني والحسن بن سفيان في مسنده وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح قال: يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة. قلت: قد والله شربته، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: أما والله لا يَيْجَعَنَك بطنك أبدًا. ورواه أبو أحمد العسكري في مستدركه بلفظ: "لن تشتكي بطنك"، لكن أبا مالك ضعيف، ونبيح لم يلحق أم أيمن. وأخرج عبد الرزاق من طريق أخرى عن ابن جريج أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عَيْدَانَ يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة: أين البول الذي كان في القدح؟ فقالت: شربته فقال: صحة يا أم يوسف، -وكانت تكنى أم يوسف، فما مرضت حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. قلت: وهذا إن ثبت؛ ظاهره أنها غير أم أيمن حاضنة النبي ﷺ .
стр. 183
• اللغة والإعراب والمعنى
(القَدَحُ) بالتحريك واحد الأقداح: وهي آنية الشرب، تطلق على الكبار والصغار وتكون من الخشب وما جرى فيه الماء من الشجر، تتخذها العرب للشراب والطعام وما تستعمل فيه الأواني، ويطلق على إناء الخمر كما قال الشاعر -وينسب إلى ابن عباد الصاحب:
رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
قوله: من (عَيْدَانَ) بفتح العين وسكون الياء: وهي النخل الطوال جمع عيدانة، وهي لفظة القاموس: كان للنبي ﷺ قدح من عيدانة. و (من) لبيان الجنس. والمعنى أنه ﷺ قد اتخذ إناء يبول فيه إذا قام بالليل.
• الأحكام والفوائد
فيه جواز مثل هذا الفعل وجواز ترك الإبعاد في وقت قضاء الحاجة، وإنما كان يفعل ذلك لما تقدم من أنهم لم يكونوا يتخذون الكُنُفَ في البيوت. وفي رواية عبد الرزاق والرواية التي تقدم ذكرها قبلها عند الحاكم والطبراني وغيرهما، معجزة ظاهرة له ﷺ من حيث كون بوله صار أمانًا لها من وجع البطن، وخصوصية له في إقراره على شربها له، ومعجزة أخرى في إخباره بأنها لا تشتكي بطنها.
٢٩ - الْبَوْلِ فِي الطسْتِ
٣٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَزْهَرُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِي، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ وَمَا أَشْعُرُ، فَإِلَى مَنْ أَوْصَى؟ قَالَ الشَّيْخُ: أَزْهَرُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ.
• [رواته: ٦]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤.
٢ - أزهر بن سعد السمان أبو بكر الباهلي البصري، روى عن سليمان
стр. 184
التيمي وابن عون وهشام الدستوائي ويونس بن عبيد، وعنه ابن المبارك -وهو أكبر منه- وعلي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس وأبو مسعود الرازي الكديمي قال ابن سعد: ثقة وأوصى إليه عبد الله بن عون، وتوفي وهو ابن ٩٤ سنة، وقال غيره: مات سنة ٢٠٣. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حبان: مولده سنة ١١١، وقال ابن قانع: ثقة مأمون، وقال البخاري: أزهر أروى عن ابن عون وأعرفهم به، وقال: لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سليم بن أخضر قال ابن معين: ثقة.
٣ - عبد الله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم أبو عون البصري، رأى أنس بن مالك، وروى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس وأنس بن سيرين وموسى بن أنس بن مالك ومجاهد والحسن والقاسم بن محمَّد وغيرهم، وعنه الأعمش وداود بن أبي هند -وهما من أقرانه- والثوري وشعبة والقطان وأزهر السمان ويزيد بن هارون وغيرهم. قال ابن المديني: جمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم بن محمَّد وسالم، وبالبصرة من الحسن وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي والنخعي، وبمكة من عطاء ومجاهد، وبالشام من مكحول ورجاء بن حيوة، ومات سنة ١٥١. قال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا بمصر مثل هؤلاء: أيوب ويونس والتيمي وابن عون، ومناقبه كثيرة وثناء الناس عليه كثير. قيل إنه ولد سنة ٩٦.
٤ - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، روى عن خاليه: الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، ومسروق وعلقمة وأبي معمر وهشام بن الحارث وشريح القاضي وسهم بن منجاب وجماعة غيرهم، وروى عن عائشة ولم يثبت سماعه منها، وعنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن سلمة ومغيرة بن مقسم الضَّبي وجماعة. قال العجلي: رأى عائشة رؤيا، وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا متوقيًا قليل التكلف، مات وهو مختف من الحجاج. قال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي، وقال الشعبي: ما ترك أحدًا أفقه منه مات سنة ٩٦ وهو ابن ٤٩، وقيل: ابن ٥٨.
٥ - الأسود بن يزيد النخعي أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن، روى
стр. 185
عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وبلال وعائشة وأبي موسى وغيرهم، وعنه ابنه عبد الرحمن وأخوه عبد الرحمن وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي وعمارة بن عمير وأبو إسحاق السبيعي وأبو بردة بن أبي موسى وجماعة. قال أحمد: ثقة من أهل الخير، ووثقه إسحاق، وابن سعد قال: له أحاديث صالحة. توفي بالكوفة سنة ٧٥ وقيل: ٧٤، وذكر ابن أبي خيثمة أنه حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، وقيل: كان يصوم الدهر وذهبت عينه من الصوم، وقال العجلي: كوفي جاهلي ثقة رجل صالح. قال ابن حبان: كان فقيهًا زاهدًا. والله أعلم.
٦ - عائشة أم المؤمنين ﵂ تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري في باب الوصايا، ومسلم كذلك في الوصايا ولكن بدون لفظ "يبول"، وأخرجه الترمذي في الشمائل وابن ماجه في الجنائز وليس فيه لفظ البول.
• اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (يقولون): أي الناس، وقائلو هذه المقالة هم الشيعة بأن (النبي ﷺ أوصى) وجملة "أن النبي ﷺ " إلخ في محل نصب مقول القول، والهمزة مكسورة كما هي القاعدة فيها إذا كانت محكية.
وقولها: (إلى علي) أي عهد إليه، ولهذا -أي تضمين أوصى معنى عهد- عدّي بإلى، وقولها: (لقد) اللام للتوكيد وهي للقسم، وقد للتحقيق.
وقولها: (دعا) أي طلب، وعليه فالباء زائدة لأنه يتعدى بدونها، أو تكون دعا بمعنى أمر. و (الطست) أصله الطس بالسين لكنهم أبدلوا من السين الثانية تاء، وهي مؤنثة عند طيء، وهذا على سبيل التخفيف كما قالوا في لص: لصت، وإذا جمع أو صغر عادت السين للفصل بالألف أو الواو في الجمع، فقالوا: طساس أو طسوس أو طسيس؛ في التصغير، وربما جمعوه باعتبار اللفظ فقالوا: طسوت، وفيه وجه بالتذكير، وقد قيل إنها أعجمية دخيلة في كلام العرب، وقيل بالشين المعجمة أعجمية فعرّبوها بالسين المهملة، وهي آنية من الأواني معروفة تكون من الصفر
стр. 186
وغيره. واللام في (ليبول) لام كي أو لام التعليل، أي: لأجل البول فيه.
وقولها: (انخنثت) انخنث الشيء أي انثنى وانكسر، ومنه الحديث في النهي عن اختناث الأسقية، والمعنى: أنه انثنى بدنه وسقط، ولم يتمكن من شيء يفعله أو يقوله، وأن ذلك آخر حاله، فهو يدل على أنه لم يوص، وهي أعرف الناس بذلك لما أكرمها الله به من اختصاصها بتمريضه. وقولها: (وما أشعر) أي ما أعلم، من: شَعَرَ بالشيء إذا علم به، وقد تقدم ٤. وقولها: (فإلي من أوصى؟ ). أي: فإذا كان ذلك آخر عهده فكيف أوصى، فلهذا جاءت بالاستفهام المشعر بالإنكار.
• الأحكام والفوائد
والحديث فيه كالذي قبله جواز البول في الطست، وفيه جواز بول المريض بحضرة أهله لأنها حالة ضرورة، وقد تقدم أنه يجوز أن يبول وحوله رفيقه أو خادمه ونحو ذلكَ، وعلى جواز البول في الإناء وقد تقدم، وفيه الرد على الرافضة وغيرهم من غلاة الشيعة الذين يزعمون أنه ﷺ أوصى إلى علي.
٣٠ - كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ
٣٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ". قَالُوا لِقَتَادَةَ: وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ.
• [رواته: ٥]
١ - عبيد الله بن سعيد أبو قدامة: تقدم ١٥.
٢ - معاذ بن هشام بن أبي عبد الله -واسمه سنبر- الدستوائي البصري، سكن اليمن ثم البصرة، روى عن أبيه الرازي وابن عون وشعبة وأشعث بن عبد الملك وبكر بن أبي السميط ويحيى بن العلاء الرازي وغيرهم، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وابن عون وابن معين وبندار وأبو موسى وغيرهم. قال ابن عدي: لمعاذ عن أبيه عن قتادة حديث كثير، وله عن غيره أحاديث صالحة، وربما غلط في الشيء بعد الشيء. وأرجو أنه صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين: ليس بذاك القوي. قال عثمان الدارمي:
стр. 187
قلت ليحيى بن معين: معاذ بن هشام أثبت عندك في شعبة أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقه قال ابن قانع: ثقة مأمون. مات سنة ٢٠٠.
٣ - هشام الدستوائي: تقدم ٢٥.
٤ - قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس أبو الخطاب السدوسي البصري، وُلد أكمه، روى عن أنس بن مالك وعبد الله بن سرجس وأبي الطفيل وصفية بنت شيبة، وأرسل عن سفينة وأبي سعيد الخدري وسنان بن سلمة وعمران بن الحصين، وروى عن سعيد بن المسيب وعكرمة وأبي الشعثاء جابر بن زيد وحميد بن عبد الرحمن والحسن البصري وخلائق غيرهم، وعنه أيوب السختياني وسليمان التيمي وجرير بن حازم وشعبة ومسعر ويزيد بن إبراهيم التستري ومعمر وجمع كثير غير هؤلاء. روى عنه معمر أنه قال: أقمت عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال لي في اليوم الثامن: ارتحل يا أعمى فقد أنزفتني، فلما أكثر في السؤال قال له سعيد: كل ما سألتني عنه حفظته؟ قال: نعم. سألتك عن كذا فقلت فيه كذا. وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وقال فيه الحسن: كذا، حتى رد عليه حديثًا كثيرًا، فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك، وقال فيه: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة وهو أحفظ الناس. وقال لسعيد بن أبي عروبة: خذ المصحف، فعرض عليه سورة البقرة فلم يخطئ فيها فقال: يا أبا النضر أحكمت؟ قال: نعم. فقال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة. قال مطر الوارق: ما زال قتادة متعلمًا حتى مات، وكان طاوس يفر منه وكان قتادة يرمى بالقدر، وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: أترك كل من كان رأسًا في بدعة، قال: كيف تصنع بقتادة وابن أبي عروبة وعمر بن ذكوان، وذكر قومًا، ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب تركت ناسًا كثيرًا. وعن شعبة أن قتادة إذا جاءه ما سمع قال: حدثنا، وإذا جاءه ما لم يسمع قال: قال فلان. قال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين من حميد الطويل، قال أبو حاتم: صدق ابن مهدي وقال قتادة: ما قلت لمحدث قط أعد علي، وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي قال أبو داود في السنن: لم يسمع قتادة من أبي رافع. وهو محمول على نفي السماع في حديث مخصوص، لأنه ثبت في صحيح البخاري
стр. 188
التصريح بالسماع منه. قال أبو حاتم: سمعت أحمد ذكر قتادة وجعل ينشر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قلّما تجد من يتقدمه، أما المثل فلعل، وكان أحفظ أهل البصرة لم يسمع شيئًا إلا حفظه، قُرِئَتْ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، وكان له ٥٥ سنة يوم مات، وقيل: ولد سنة ٦١ ومات سنة ١١٧، وكان موته بالطاعون بواسط بعد الحسن بسبع سنين، قيل: كان عمره ٥٧ أو ٥٦. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وقال ابن حبان في الثقات: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه وحفاظ أهل زمانه وكان مدلسًا. وتقدم أنه كان يرمى بالقدر. قلت: وقد ذكر صاحب التهذيب عن جماعة من المحدثين نفي سماعه من كثير ممن حدث عنهم، ونفى الحاكم سماعه من أحد من الصحابة غير أنس، والله أعلم.
٥ - عبد الله بن سرجس المزني -وقيل: المخزومي- حليف لهم، سكن البصرة، روى عن النبي ﷺ وعن عمر وأبي هريرة، وعنه عاصم الأحول وقتادة وعثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف.
• التخريج
أخرجه أحمد وأبو داود، وابن الجارود في المنتقى، والحاكم والبيهقي.
• اللغة والإعراب والمعنى
(الجحر) بالضم: كل شيء تحفره الهوام لأنفسها أو السباع، والجُحران أيضًا كثعبان. والجَحْر بالفتح: الغار البعيد القعر، وجعله بعضهم خاصًا بالضم وفي غيره مجازًا، وجمعه جحرة وأجحار. والجَحْرَة بالفتح: السنة الشديدة المجدبة، قال زهير:
إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الجحرة الأكل
(لا) ناهية و (يبولن) فعل مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، وقول قتادة (يقال: إنها مساكن الجن) تعليل للنهي بذلك، وإذا كان كذلك صح أن يقال إنها قرينة صارفة للنهي عن التحريم، لكنها ليست من نص الحديث.
• الأحكام والفوائد
فيه عدم جواز البول في كل جحر، وإن عُلّل بالعلة السابقة صح أن يقال
стр. 189
إنه مكروه، وإلّا بقي على ما هو الأصل في النهي الصريح أنْ يدل على التحريم لعدم وجود ما يصرفه عنه، وفيه شفقته ﷺ على الأمة وحرصه على إرشادهم إلى الخير. والتغوط الظاهر أنه من باب أولى لاسيما إن اعتبرت العلة، ويجوز أن تكون علة النهي خشية أن يخرج منه ما يؤذي الإنسان، وقد اتفق العلماء على النهي عن ذلك.
٣١ - النَّهْي عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ
٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
• [رواته: ٤]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري -قال يحيى بن بكير سعد: "أبو الليث"- مولى قريش، وإنما افترضوا في "فهم" فنسب إليهم وأصلهم من أصبهان -قيل: أصلهم من الفرس. ولد بقلقشندة على نحو أربعة فراسخ من الفسطاط، روى عن نافع وابن أبي مليكة ويحيى بن سعيد الأنصاري وأخيه عبد ربه بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم في جماعة كثيرة، وعنه من شيوخه: شعيب ومحمد بن عجلان وهشام بن سعد، ومن أقرانه: هشيم بن بشير وابن لهيعة وقيس بن الربيع وعطاف بن خالد، وروى عنه ابن المبارك وابن وهب وأبو النضر وخلق كثير غيرهم، وآخر من حدث عنه: عيسى بن حماد المعروف بزغبة. وثقه النسائي، والعجلي، وابن المديني وقال: ثبت، ووثقه يعقوب بن شيبة. قال ابن وهب: سألني مالك عن الليث كيف صدقه؟ قلت: إنه لصدوق، فقال: أما إنه إن فعل مُتّع بسمعه وبصره. وهو متفق على فضله وإمامته وكرمه، قيل: كان دخله ثلاثين ألفًا وما وجبت عليه الزكاة.
٣ - محمَّد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي أبو الزبير روى عن العبادلة الأربعة وعائشة وجابر وأبي الطفيل وسعيد بن جبير وطاوس وخلق سواهم، وعنه عطاء وهو من شيوخه، والزهري وابن عون وأيمن بن نابل وأيوب والأعمش وسلمة بن كهيل وجماعة كثيرون. وعن ابن عينية عنه أن
стр. 190
عطاء كان يقدمه إلى جابر يحفظ لهم الحديث. سئل أحمد عنه فقال: احتمله الناس، وأبو الزبير أحب إليّ من سفيان لأنه أعلم بالحديث منه، وقال يعلى بن عطاء: كان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم، وعن شعبة أنه ترك حديثه وقال: إنه رآه يزن ويسترجح في الميزان.
وقال فيه الشافعي: يحتاج إلى دعامة، وثقه ابن معين وقال: صالح الحديث، وقال: هو أحب إلي من سفيان، وقال يعقوب: ثقة صدوق وإلى الضعف ما هو، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو أحب إلي من سفيان. ووثقه النسائي وقال ابن عدي: روى عنه مالك، وكفى بأبي الزبير صدقًا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا يروي إلا عن الثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: لم ينصف من قدح فيه لأن من استرجح لنفسه في الوزن لم يستحق الترك. قال البخاري: مات قبل عمرو بن دينار، وذكر الترمذي وعمرو بن علي موته سنة ١٢٦، وسئل ابن المديني عنه فقال: ثقة ثبت. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة. والله تعالى أعلم.
٤ - جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السلمي أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعلي، وعن أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد وأبي طلحة وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، وروى عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وهي من التابعين، وعنه أولاده عبد الرحمن وعقيل ومحمد وسعيد بن المسيب ومحمود بن لبيد وأبو الزبير وعمرو بن دينار وخلائق من الناس، وكان من المكثرين كما تقدم. قيل: إنه غزا مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة ولم يشهد بدرًا، وخلفه أبوهُ يوم أحد على أخواته، وشهد حمراء الأسد، وكان من أهل العقبة هو وأبوه، ومناقبه ﵁ ومواقفه مع النبي ﷺ وكثرة ما دعا له، كل ذلك كثير مشهور. مات ﵁ سنة ٧٣، وقيل: ٧٧ وقيل: ٧٨ وقيل بعدها، ويقال: بلغ من العمر ٩٤ سنة.
• التخريج
أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه، وسيأتي لفظ النهي للمصنف.
стр. 191
• اللغة والإعراب والمعنى
(الركود) السكون، ركد الماء والريح: إذا سكن كل منهما، والمراد به هنا الثابت في المكان الذي لا يجري، كما جاء في بعض الروايات مفسرًا بذلك، ويكون بلا مدد؛ لأنه إذا كان له مدد كماء العين والبئر لا يسمى راكدًا.
• الأحكام والفوائد
فيه النهي عن البول في الماء، وهو يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة كما تقدم نظيره، وحمله بعضهم على التحريم إذا كان البول يفسد الماء، لاحتمال أن يأتي إنسان فيشرب منه أو يتوضأ، وأما إذا كان البول لا يفسد الماء فيكره ذلك. وسيأتي الكلام على ما يفسد الماء وما لا يفسده، إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
٣٢ - كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْمُسْتَحَمِّ
٣٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الأَشْعَث بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ".
• [رواته: ٦]
١ - علي بن حجر: تقدم ١٣.
٢ - عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة، روى عن سليمان التيمي وحميد الطويل وابن عون ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلائق، وعنه الثوري وبقية بن الوليد وداود بن عبد الرحمن العطار ومعمر وجعفر بن سليمان وأبو إسحاق الفزاري وابن عيينة والفضيل بن عياض وأبو بكر بن عياش وجماعة غيرهم، وآخر من حدث عنه الحسين بن داود البلخي. قال ابن مهدي: الأئمة أربعة: مالك والثوري وحماد بن زيد وابن المبارك. ويقال: أمه خوارزمية وأبوه تركي. قال أحمد: لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرًا عظيمًا، ما كان أحد أقل سقطًا منه، كان رجلًا صاحب حديث حافظًا. قال الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. قال ابن عيينة: لقد كان
стр. 192
فقيهًا عالمًا عابدًا زاهدًا شيخًا شجاعًا شاعرًا. قلت: وكان سخيًّا كريمًا، وكان ابن مهدي لا يقدم عليه وعلى مالك أحدًا في الحديث. ولد سنة ١١٨، ومات منصرفًا من الحج سنة ١٨١ وله ٦٣ سنة، وهو أحد أعلام الدنيا علمًا وورعًا ﵁.
٣ - معمر بن راشد: تقدم ١٠.
٤ - الأشعث بن عبد الملك الحمراني أبو هانئ البصري مولى حمران، روى عن الحسن وابن سيرين وخالد الحذاء وغيرهم، وعنه شعبة وهشيم وحماد بن زيد ويحيى القطان وغيرهم. قال القطان: هو عندي ثقة مأمون، وكان بشر بن المفضل ويحيى بن سعيد يثنون عليه كما نقل عن البخاري، ووثقه النسائي وابن معين. مات سنة ١٤٢، وقيل: ١٤٦. ووثقه بندار والبزار، وقال ابن حبان: كان فقيهًا متقنًا.
٥ - الحسن بن أبي الحسن -واسمه يسار البصري- أبو سعيد مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى وكان فصيحًا. رأى عليًا وطلحة وعائشة وكتب للربيع بن زياد وهو والي معاوية على خراسان، روى عن جماعة من الصحابة لم يدركهم منهم: أُبيّ وعمر وسعد بن عبادة، وجماعة لم يسمع منهم، وعن عثمان وعلي وأبي موسى وأبي بكرة وعمران بن حصين وجندب البجلي وجماعة من الصحابة والتابعين، وعنه حميد الطويل وقتادة وعوف الأعرابي، وبكر بن عبد الله المزني، وخلائق كثيرون. وفضائله وشمائله وزهده وورعه وقيامه في الحق أشهر من أن يذكر، وقال ابن المديني: مراسيله إذا رواها عنه الثقات صحاح. قال ابن سعد بعدما أثنى عليه: كل ما أسند من حديثه وروى عنه من سمع منه فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة. وقال ابنه: إنه بلغ ٨٨ سنة. قال ابن علية وجماعة: مات سنة ١١٠، رحمنا الله وإياه، وصحح البخاري سماعه من سمرة.
٦ - عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب أبو سعيد -ويقال: أبو عبد الرحمن- الزمني سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة، وهو من أصحاب الشجرة. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعثمان ﵄، وعنه حميد بن هلال وثابت البناني والحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهم. مات بالبصرة سنة ٥٧، وقيل: سنة ٦٠.
стр. 193
• التخريج
أخرجه أبو داود والترمذي والإمام أحمد، وابن ماجه وابن الجارود.
• اللغة والإعراب والمعنى
(المستحم) محل الاستحمام، وهو المغتسل كما في رواية لأبي داود والمصنف بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله". واشتقاقه من الحميم: وهو الماء الحار، لأنهم يستعملونه كثيرًا في الغسل فسمي به محل الاغتسال ولو كان الماء باردًا، وكذلك أطلق على الاغتسال استحمام ولو كان بماء بارد. وذكر ثعلب أنَّ الحميم من الأضداد، وفسّر قول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أغص بالماء الحميم
بأنه الماء البارد. و (عامة) الشيء: جميعه أو جلّه، ينزّل منزلة الكل، وأصل عامة: عاممة، وهو من ألفاظ التوكيد كما قال ابن مالك:
واستعملوا أيضًا ككل فاعله ... من عم في التوكيد مثل النافلة
والفاء في قوله: (فإن) تفيد التعليل، والوسواس: اسم للشيطان، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ و (الوسواس) أيضًا: الصوت الخفي، ومنه قيل لصوت الحلي: وسواس، قال الأعشى:
تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل
أي: صوتًا عليها إذا تحركت، ومنه قيل لصوت الصائد: وسواس، قال ذو الرمة يصف ثورًا وحشيًا:
فبات يشئزه ثَأْدٌ ويسهره ... تذؤب الريح والوسواس والهضب
"يشئزه" يقلقه، والثأد: الندا، وتذؤب الريح: هبوبها من كل وجه، ويروى تذاؤب بألف بعد الذال، والوسواس فسّروه بصوت الصائد ويحتمل عندي أنه هواجس النفس، وربما كان هنا أظهر لأن الصائد عادة لا يصيد بالليل.
والوسوسة: ما يلقيه الشيطان مما لا خير فيه وحديث النفس، كما قيل - وهو منسوب لابن أذنية:
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
стр. 194
أي: إذا خطر في القلب سلوٌّ عنها، غلبت محبتها الثانية في القلب حتى يذهب ذلك الخاطر.
وقوله: (منه) أي بسببه أي البول مطلقًا، أو البول في المستحم؛ وهو أظهر لأن التعليل جاء بعد النهي عنه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: يحصل أو يكون ونحو ذلك، وهو في محل رفع خبر إن.
• الأحكام والفوائد
ظاهر النهي: عدم الجواز، ولكنه قد يقال: إن التعليل بهذه العلة يصلح دليلًا صارفًا عن التحريم إلى الكراهة، لاسيما إذا أمنت العلة، ووجهه عند الفقهاء أن البول في الحمام يستلزم بقاء عين البول، وفي أثناء الاغتسال ربما تخيل الإنسان أنه يتطاير عليه منه ويصيبه مما خالط البول، فيشك في ذلك حتى يجد الشيطان طريقًا إلى الوسوسة، ولهذا قال بعضهم: إذا كان فيه بالوعة أو مكان يذهب منه البول فلا بأس به. قلت: وهذا مبني على أن حصول الوسوسة بهذا الفعل معقول المعنى وهو محتمل، ومحتمل أيضًا أن حصولها على وجه غير ما بيّن لنا أطلع الله عليه نبيه ﷺ ، فلا يقتصر فيه على هذا التعليل.
٣٣ - السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَبُولُ
٣٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَقَبِيصَةُ قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ ﵇.
• [رواته: ٧]
١ - محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروري الحافظ نزيل بغداد، روى عن وكيع وابن عيينة والنضر بن شميل والفضل بن موسى السيناني وأبي نعيم وجماعة فيهم كثرة، وعنه الجماعة سوى أبي داود، وأبي حاتم وأبي زرعة والذهلي وابن أبي الدنيا ومطين وغيرهم. وثقه النسائي وأثنى عليه أحمد بأنه صاحب سنة يعرف بالحديث، وحُبس على القرآن -يعني على أنه لم يوافق على القول بخلق القرآن-، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٣٩
стр. 195
وقيل ٢٤٩ بعد انصرافه من الحج إلى مرو في ذي القعدة، أي من السنة المذكورة والله أعلم.
٢ - زيد بن الحباب بن ريان -ويقال: ابن رومان- التميمي العكلي، هكذا هو في التهذيب ومثله في تهذيب الأنساب لابن الأثير، وهو خطأ -كما قال ابن الأثير وغيره- من السمعاني، والصواب أن عكلًا أولاد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناف بن أد بن طابخة، وأولاد عوف بن وائل المذكور خمسة: الحارث وجشم وسعد وقيس وعلي، أمهم بنت ذي اللحية ماتت فحضنتهم أمة سوداء كانت لها أو لأبيهم، يقال لها: عكل -بضم العين- فنسبوا إليها وهم من قبائل الرباب، أبو الحسن الكوفي أصله من خراسان رحل في طلب العلم وسكن الكوفة. روى عن أيمن بن نابل وعكرمة بن عمار اليمامي وإبراهيم بن نافع المكي ومالك والثوري وابن أبي ذئب وجماعة آخرين، وعنه أحمد وابنا أبي شيبة وأبو كريب وأبو خيثمة وأحمد بن منيع وغيرهم، وابن وهب ويزيد بن هارون وهما أكبر منه. وثقه ابن المديني والعجلي وابن معين، وقال أبو حاتم البستي: صدوق صالح، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. ووثقه أبو جعفر وأحمد بن صالح قال: وكان معروفًا بالحديث صدوقًا. وقال ابن قانع: كوفي صالح، ووثقه الدارقطني وابن ماكولا وعثمان بن أبي شيبة، وأثنى عليه أحمد وقال: كان كثير الخطأ، ومات سنة ٢٠٣. قال ابن عدي: له حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه، والله أعلم.
٣ - قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جندب بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة السوائي أبو عامر الكوفي، روى عن الثوري وشعبة وفطر بن خليفة والجراح والد وكيع وحماد بن سلمة وغيرهم، وعنه البخاري والباقون بواسطة ابنه عقبة، والمصنف بواسطة محمود بن غيلان، وهناد بن السري والذهلي وعثمان بن أبي شيبة وخلق غيرهم. قال أحمد: كان رجلًا صالحًا ثقة لا بأس به، وأي شيء لم يكن عنده -يعني كثير الحديث- إلا أنه ذكر أن حديثه عن سفيان كثير الغلط. وقال ابن معين: قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وأثنى عليه كثير من الأئمة في حفظه وصلاحه، توفي سنة ٢١٣، وقيل ٢١٥ - رحمنا الله وإياه- وفي الزهرة: له في البخاري ٤٤ حديثًا.
стр. 196
٤ - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، من ثور عبد مناة على الصحيح، وهي إحدى قبائل الرباب وهم أبناء أدْ بن طابخة، وقيل: من ثور همدان. روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني وعبد الملك بن عمير والأسود بن قيس وحماد بن أبي سليمان وعون بن أبي جحيفة وعمرو بن دينار وخلائق غيرهم، وعنه جعفر بن برقان وابن إسحاق وخصيف بن عبد الرحمن -وهم من شيوخه- وأبان بن تغلب وشعبة وزائدة ومالك بن أنس والأوزاعي ووكيع ومسعر وابن مهدي وابن عيينة ويحيى بن سعيد وغيرهم ممن يطول ذكرهم. قال شعبة وأبو عاصم وابن معين وابن عيينة وغيرهم من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان. وثناء الأئمة عليه لا يحصى كثرة في الفقه والحديث والورع والزهد وفي كل شيء من الخير. قال شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع، وقال محمد بن سهيل بن عسكر عن عبد الرزاق: بعث المنصور الخشابين حين خرج إلى مكة فقال: إن رأيتم سفيان فاصلبوه، فجاء النجارون ونُصِبَ الخشب ونودي سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة فقالوا: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء. قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، فمات قبل أن يدخل مكة -يعني أبا جعفر- فإنه أصيب بالجدري ومات ببئر ميمون بأعلى مكة. وبالجملة لا خلاف أنه كان من أجلّ أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله عنا وعنه. توفي بالبصرة سنة ١٦١ لأنه كان خرج من الكوفة سنة ٥٠ فلم يرجع إليها، ومولده سنة ٩٧، ومع ذلك فقد قال ابن معين: مرسلاته شبه الريح، وكان سفيان يدلس. قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وربما دلس، والله أعلم.
٥ - الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني القرشي، روى عن نافع مولى ابن عمر وسالم وأبي النضر وإبراهيم بن عبد الله بن حنين وعبد الله بن دينار وجماعة غيرهم، وعنه ابنه عثمان وابن عمه عيسى بن المغيرة بن الضحاك والثوري ووكيع وجماعة آخرون. قال أحمد وابن معين ومصعب الزبيري: ثقة، قال أبو داود: ثقة وابنه عثمان ضعيف،
стр. 197
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثبتًا ثقة كثير الحديث، وقال ابن بكير: مدني ثقة، وقال ابن نمير: لا بأس به. قال ابن المديني: ثقة، وقال ابن عبد البر: كثير الخطأ ليس بحجة، والله تعالى أعلم.
٦ - نافع مولى ابن عمر: تقدم ١٢.
٧ - عبد الله بن عمر: تقدم ١٢.
• التخريج
أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأبو داود كرواية المصنف، ثم قال أبو داود: روى عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل. قلت: سيأتي ذلك إن شاء الله. وأخرجه ابن الجارود في المنتقى، وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي هريرة وفيه: فلما فرغ ضرب بكفيه على الأرض فتيمم ثم رد ﵇. وفيه حديث جابر سيأتي الكلام عليه في أحكام الحديث.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (مر رجل) قيل هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، كما جاء في شرح السنة للبغوي عنه أنه قال: "مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى جدار فحته بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي".
وقوله: (سلَّم) تكلم بكلمة السلام، وهي التحية التي اختارها الله لهذه الأمة فيما بينهم في الحياة وعلى موتاهم في البرزخ وفي الجنة، وكان العرب يحيي بعضهم بعضًا بقولهم: "أنعم صباحًا" ونحوها من الألفاظ، فأبدل الله تعالى المسلمين من ذلك لفظة السلام وهي اسم من أسماء الله تعالى، ولهذا لما قال عمير بن وهب للنبي ﷺ : أنعم صباحًا، قال: أبدلنا الله خيرًا منها تحية الإسلام. وجملة (وهو يبول) جملة حالية، والرد: أصله الإجابة، وإجابة المسلم عليه واجبة بأن يقول ما قال أو يزيد عليه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والمراد بالأحسن الزيادة، كما سيأتي إن شاء الله في السلام.
стр. 198
• الفوائد والأحكام
الحديث دليل على عدم ترك السلام عند اللقاء ولو على من يبول أو يقضي حاجة الإنسان، خلافًا لمن قال إنه يكره السلام على من يقضي حاجة الإنسان مع مسائل ذكرها بعض الفقهاء، ونظمها بعضهم فقال:
على المؤذن المقيم والملب ... وواطئ وسامع لمن خطب
والقاضي للحاجة يكره السلام ... كرد الأخيرين ولو بعد التمام
ورد الأولين شرعًا يلزم ... إن تمموا وحضر المسلم
وهو على غيرهم استنانًا ... إلا ذوي البدع فالهجرانا
ولو مصليًا وبالإشارة ... يرده فرضًا كغير الستة
فإقرار النبي ﷺ للرجل على السلام واعتذاره له -كما يأتي إن شاء الله- بأنه ما منعه أن يرد إلا أنه كره أن يذكر الله على غير طهارة؛ دليل على أن فعله جائز بل الأصل فيه أنه سنة، لكن في سنن ابن ماجه من حديث جابر أنه قال للرجل: "إذا وجدتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك"، لكن من رواية مسلمة بن علي قد اتفقوا على ضعفه، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وكذا قال ابن حبان: وزاد هو في حد الترك، وكذا قال غير واحد من الأئمة. فهذا لو صح كان دليلًا على الكراهة وهي عند القائلين بها كراهة تنزيه، وفي قوله في الرواية الأخرى واعتذاره له دليل على جواز السلام، وكراهة الرد في هذه الحالة. ويؤخذ منه عدم الذكر ساعة قضاء الحاجة، فلو عطس حمد الله في نفسه دون أن يتكلم.
٣٤ - رَدِّ السَّلَامِ على من يبول
٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حُضَيْنٍ أَبِي سَاسَانَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ ﵇ حَتَّى تَوَضَّأَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ.
• [رواته: ٧]
١ - محمد بن بشار: تقدم ٢٧.
стр. 199
٢ - معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش العنبري أبو المثنى التميمي الحافظ البصري قاضي البصرة، روى عن سليمان التيمي وابن عون وعمران بن حدير وعوف الأعرابي وشعبة وعبد الله بن الحسن العنبري وجماعة آخرين، وعنه ابناه عبد الله والمثنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد -وهو من أقرانه- وأحمد وإسحاق وغيرهم. قال أحمد: ما رأيت أحدا أعقل من معاذ بن معاذ، وقال فيه: إنه قرة عين في الحديث، وقال: إليه المنتهى في الثبت بالبصرة. ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وقال فيه: ثبت، وقال فيه يحيى: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، وذكره ابن حبان في الثقات، وثناء الأئمة عليه كثير. ولد معاذ سنة ١١٩ ومات سنة ١٩٦، رحمنا الله وإياه.
٣ - سعيد بن أبي عروبة -واسمه مهران- العدوي مولى بني عدي بن يشكر أبو النضر البصري، روى عن قتادة والنضر بن أنس والحسن البصري وأبي نضرة العبدي ومطر الوراق وغيرهم، وعنه الأعمش -وهو من شيوخه- وشعبة وعبد الأعلى ويزيد بن زريع وجماعة آخرون قال أحمد: لم يكن له كتاب وإنما كان يحفظ ذلك كله، ووثقه النسائي وابن معين وأبو زرعة، وقال مأمون: قال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحفظ منه. ولم يختلفوا في توثيقه وحفظه، إلا أنه اختلط في سنة ١٤٥ سنة خروج إبراهيم بن عبد الله، ومات سنة ١٥٥ فيحتج بما روي عنه قبل الاختلاط دون ما روي عنه بعده، ولكنه يُعتبر به كما نقل عن ابن حبان والله أعلم. وقيل بدأ به الاختلاط سنة ١٣٣ ولم يستحكم، وإنما استحكم سنة ١٤٥.
٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدم ٣٤.
٥ - الحسن بن أبي الحسن البصري: تقدم ٣٦.
٦ - حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي أبو ساسان البصري، كنيته أبو محمد وأبو ساسان لقب له. روى عن عثمان وعلي والمهاجر بن قنفذ وأبي موسى ومجاشع بن مسعود، وعنه الحسن البصري وداود بن أبي هند وعبد الله بن فيروز الداناج وابنه يحيى بن حضين وغيرهم. وثقه العجلي والنسائي وقال ابن خراش: صدوق. قال أبو أحمد العسكري: كان صاحب راية علي يوم صفين. قلت: وفي ذلك يقول الشاعر وتنسب إلى علي:
стр. 200
لمن راية حمراء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمها حضين تقدما
فيوردها في الصف حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
ثم ولاه إصطخر، وقد حضر حضين الفتوح التي كانت على يد قتيبة في أيام الحجاج، وحضر فتح مدينة الصغد وعاصمتهم سمرقند، وكان من سادات ربيعة ولا يعرف له نظير في الاسم -حضين بالضاد المعجمة- إلا من ينسب إليه من ولده، وذكر خليفة أنه أدرك سليمان بن عبد الملك، وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن منجويه: إنه مات ٩٧، ولكن ذكر الحافظ أن البخاري ذكره فيمن مات بعد المائة. والله تعالى أعلم.
٧ - المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي، جد محمد بن زيد بن المهاجر من مسلمة الفتح. روى عن النبي ﷺ أنه سلّم عليه وهو يتوضأ فلم يرد عليه، وفي رواية المصنف ومن وافقه: "وهو يبول" كما يأتي إن شاء الله. وعنه أبو ساسان البصري حضين بن المنذر الرقاشي. قال الحافظ: ذكر ابن سعد والعسكري أن عثمان استعمله على شرطته. قال ابن عبد البر: سكن البصرة ومات بها والله أعلم.
• التخريج
أخرجه أبو داود كرواية المصنف وعند أحمد: "وهو يبول" أو "قد بال"، وفي رواية لأحمد وكذا لابن ماجه من حديث أبي هريرة وفيه: أنه تيمم فردّ عليه، وفي إسناده سلمة بن علي وهو ضعيف.
تقدم ما يتعلق بالمسألة في الحديث الذي قبله.
٣٥ - النَّهْي عَنْ الإسْتِطَابَةِ بِالْعَظْمِ
٣٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ سَنَّةَ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدُكُمْ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ".
• [رواته: ٦]
١ - أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصري أبو الطاهر
стр. 201
مولى بني أمية، روى عن ابن وهب فأكثر وعن الشافعي والوليد بن مسلم وخالد بن نزار الأيلي وعبد الله بن نافع الصائغ وغيرهم، وعنه مسلم والنسائي وابن ماجه وبقي بن مخلد، وأبو زرعة وأبو حاتم وقالا: لا بأس به، وعلي بن الحسن وقال: كان ثقة ثبتًا صالحًا، وخلق غيرهم. قال ابن يونس: كان فقيهًا من الصالحين الأثبات، ووثقه النسائي. توفي سنة ٢٥٥، وقيل: ٢٤٩.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٣ - يونس بن يزيد: تقدم ٩.
٤ - محمد بن شهاب: تقدم ١.
٥ - أبو عثمان بن سنة الخزاعي الكعبي الدمشقي، روى عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وعنه الزهري.
٦ - عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة، وأمه أم عبد بنت عبد سواء بن هذيل الصحابي الجليل وأمه صحابية كذلك، وفي حديث الأشعري: "ما كنا نظن ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ " أي لكثرة اختلاطهما بهم. أسلم قديمًا بمكة وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان صاحب نعلي رسول الله ﷺ وقال له: "إذنك عليّ أن ترى سوادي في البيت" فلهذا كان يسمى صاحب السواد، وكان أيضًا يقوم على وساده وسواكه ولهذا قيل فيه:
ومن هذيل صاحب السواد ... والنعْل والسواك والوساد
روى عن النبي ﷺ وسعد بن معاذ وعمر وصفوان بن عسال، وعنه ابناه عبد الرحمن وأبو عبيدة وابن أخيه عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو سعيد الخدري وجابر وابن عمر وأبو موسى الأشعري وخلائق غيرهم من الصحابة والتابعين. مات على قول البخاري وغيره: بالمدينة قبل مقتل عثمان، قيل سنة ٣٢ وقيل: ٣٣ وقيل: مات بالكوفة (وهو ضعيف) ومناقبه كثيرة ﵁.
• التخريج
الحديث بهذه الرواية انفرد به المصنف عن ابن سنة الخزاعي، وبغير هذا
стр. 202
السند ثابت في الأحاديث الصحيحة كما يأتي إن شاء الله. وهو عند مسلم من حديث ابن مسعود بغير هذه الطريق، وأبي داود والدارقطني والحاكم كلهم رووا النهي عن ابن مسعود، وعند البخاري من حديث أبي هريرة وكذا للبيهقي، ومثله عن سلمان وجابر عند مسلم، وله طرق أخرى عن غير المذكورين من الصحابة.
• الأحكام والفوائد
فيه دليل على عدم جواز الاستنجاء بعظم أو روث، وقد اختلف العلماء في إجزاء المسح بهما وفي حكمه، فظاهر النهي يدل على التحريم، وبه قال الجمهور. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه مكروه، وقال بعض العلماء: إنه إن فعل ذلك أثم وأجزأه. وأما العلة فقد ورد فيها أنها من زاد الجن، وأن النبي ﷺ زوّدهم كل عظم ذكر عليه اسم الله يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحمًا، وكل روثة طعام لدوابهم، فعلى هذا يكون النهي للاحترام لحق الجن، وألحقوا بهما كل محترم مما هو من جنس الطعام ونحوه. وسيأتي في حديث ابن مسعود التعليل في الروثة بأنها ركس، فيكون على ذلك علة النهي النجاسة ويلحق بها كل نجس. والحديث يدل على جواز الاستجمار كما يأتي التصريح به، وأنه يكون بغير هذين المذكورين، وورد النهي كذلك عن الفحم، وألْحَق الفقهاء بذلك كل شيء يكون أملس لا ينظف المحل لأنه لا يحصل به الغرض، وكل شيء يزيد المحل وسخًا أو نجاسة فإنه لا يجوز الاستنجاء به، كالعذرة والأشياء المتلوثة.
٣٦ - النَّهْي عَنْ الإسْتِطَابَةِ بِالرَّوْثِ
٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَعْقَاعُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ: إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ. وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ".
• [رواته: ٦]
١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢.
стр. 203
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - محمد بن عجلان المدني القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله، أحد العلماء العاملين، روى عن أبيه وأنس بن مالك وسلمان ورجاء بن حيوة وأبي حازم الأشجعي وغيرهم، وعنه صالح بن كيسان -وهو أكبر منه- وعبد الوهاب بن بخت -ومات قبله- وابن أبي عبلة -وهو من أقرانه- ومالك ومنصور وشعبة وخلائق. وثقة أحمد وقال ابن عينية: كان ثقة، ووثقه ابن معين وإسحاق بن منصور، ووثقه النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة ووثقه الأكثرون، وأخرج له مسلم في المتابعات. مات بالمدينة سنة ١٤٨، وقيل: ١٤٩، رحمنا الله وإياه.
٤ - قعقاع بن حكيم الكناني المدني، روى عن أبي هريرة -وقيل: لم يلقه- وعن جابر وعائشة وعبد الرحمن بن وعلة وغيرهم، وعنه زيد بن أسلم ومحمد بن عجلان وسعيد المقبري وسمي مولى أبي بكر وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس.
٥ - أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الأحمر الغطفاني، شهد الدار زمن عثمان وسأل سعد بن أبي وقاص مسألة فيها الزكاة، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وعقيل بن أبي طالب وغيرهم، وعنه أولاده سهيل وصالح وعبد الله وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن دينار ورجاء بن حيوة والأعمش وأبو حازم سلمة بن دينار في آخرين، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال ابن سعد: كثير الحديث مات سنة ١٠١.
٦ - أبو هريرة: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مالك وأبو داود وأحمد وابن ماجه ومسلم بلفظ: "إذا جلس أحدكم على حاجته. ." إلخ وابن حبان، كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة، وأخرجه الدارمي وأبو عوانة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إنما) هذه اللفظة أصلها كلمة (إن) التي هي للتوكيد وتختص بالدخول على الأسماء وتعمل فيها، فإذا جاءت متصلة بـ (ما) أزالت اختصاصها
стр. 204
بالأسماء، فتحدث فيها أمرين: أحدهما: في العمل وهو كونها يبطل اختصاصها بالأسماء فتهيئها للدخول على الأفعال، فيجوز فيها حينئذ الإعمال على الأصل، والإهمال على أن الحرف إذا بطل اختصاصه بطل عمله. والثاني: من جهة المعنى فإنها حينئذٍ تفيد الحصر، ويكون الحصر بحسب المقام كما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث عمر ٧٥، وهو نفي الحكم عما عدا المذكور وإثباته للمذكور، وهي هنا لإثبات صفة الشفقة عليهم في أمر دينهم وتمكينهم من سؤاله عنه، ونفي الموجب لعدم السؤال عن الحكم ونفي الاستنكاف عن الإجابة فيما يسألونه عنه، كما هي عادة الابن مع أبيه فإنه قد يسأله عن أشياء لا يقدر على أن يسأل غيره عنها.
وقوله: (مثل) بالرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو (أنا) و (ما) كافة لإن عن العمل، والمثل والمثيل: الشبه والنظير، والمراد كما تقدم في الشفقة والمحبة والحرص على الخير بل أشد وأعرف بذلك، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: (أعلمكم) يحتمل أنها جملة حالية، ويحتمل أنها استئنافية لبيان ما يترتب على كونه مثل الوالد، وهو أنه يعلمهم فيكون المعنى: فأنا أعلمكم أي: كل ما تحتاجون إليه وقوله: (إذا ذهب) إلخ، تقدم الكلام على هذه الألفاظ: إذا، والخلاء، واستقبال القبلة واستدبارها، ويأتي الكلام على الاستنجاء باليمين إن شاء الله. وقوله: (وكان) هذا من كلام أنس والضمير يعود على النبي ﷺ ، أي: كان النبي ﷺ . قوله: "يأمر. ." إلخ أي يأمر من أراد الاستنجاء أن يستنجي بثلاثة أحجار، ولا مفهوم للأحجار بل ما في معناها له حكمها، لكنه يدل على أن الغالب عليهم الاستنجاء بالأحجار دون غيرها.
وقوله: (ونهى عن الروثة والرمّة) هذا هو محل الشاهد في الحديث للترجمة، والروثة معروفة وهي: بعرة الحمار والفرس، وما شاكلهما يلحق بهما على أن النهي معلل بأنه لمنفعة الجن، وأما على أنها نجسة فلا يصح الإلحاق عند من يرى أن بعر ما يؤكل لحمه طاهر. والرِّمَّة بالكسر: العظم البالي، والمراد هنا: العظم مطلقًا.
• الأحكام والفوائد
فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها وقد تقدم الكلام عليه، وفيه دليل
стр. 205
على جواز الاستجمار بالأحجار، وعلى طلب أن يكون ثلاثًا وسيأتي الكلام عليه، وفيه: عدم جواز الاستنجاء باليمين وسيأتي إن شاء الله، وتقدم النهي عن مس الذكر باليمين، وفيه: عدم جواز الاستنجاء بالروثة والعظم، وقد اختلفوا فيه هل هو حرام أو مكروه؟ وتقدم تعليله في الحديث الذي قبله. فأما كونه ثلاثًا فهو الواجب عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقالوا: إن ثلاث مسحات تجزئ ولو على حجر واحد، وكل شيء عندهم يحصل به الإنقاء ولم ينه عنه فهو مثل الأحجار، لأن التنصيص عليها خرج مخرج الغالب، وسيأتي في حديث ابن مسعود حجة القائلين بعدم وجوب الثلاث. وفيه الأمر بالاستعداد عند دخول الخلاء بالمزيل من ماء أو غيره، وفيه الحرص على تعليم الناس الخير وعناية الشرع بالنظافة والأدب في كل الأمور.
٣٧ - النَّهْي عَنْ الإكْتِفَاءِ فِي الإسْتِطَابَةِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ
٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا أَوْ نَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
• [رواته: ٦]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
٢ - أبو معاوية محمد بن خازم الضرير: تقدم ٣٠.
٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي: تقدم ٣٣.
٥ - عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، روى عن أخيه الأسود وعمه علقمة، وعن حذيفة وعثمان وجماعة من الصحابة، وعنه ابنه محمد وإبراهيم بن يزيد النخعي وأبو إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر وجماعة. ووثقه ابن معين وابن سعد وقال: كان له أحاديث كثيرة، ووثقه
стр. 206
ابن حبان والدارقطني. قيل: قتل بدير الجماجم سنة ٨٣، وقيل: مات في تلك السنة قبل الواقعة. والله أعلم.
٦ - سلمان الخير الفارسي أبو عبد الله، أصله من أصبهان -وقيل: من رامهرمز، أسلم عند مقدم النبي ﷺ المدينة، أول مشاهده الخندق. روى عن النبي ﷺ ، وعنه جماعة من الصحابة منهم أنس وابن عباس وكعب بن عجرة في آخرين، وجماعة من التابعين منهم: عبد الرحمن بن يزيد النخعي وسعيد بن وهب الهمداني وشهر بن حوشب -على قول- وغيرهم، وأصله من أبناء الرؤساء من الفرس، ولكنه طلب الإِسلام قبل ظهور النبي ﷺ ، وله قصة معلومة في ذلك. قيل: إنه عاش ثلاثمائة وخمسين عامًا، وقيل: ٢٥٠، وقيل: إن اسمه ماية بن لوذخشان بن مرسلان، مات ﵁ بعد الثلاثين في خلافة عثمان، رضي الله عن الجميع.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ونحوه لأحمد، ورواه أبو داود الطيالسي وابن الجارود في المنتقى والبيهقي في السنن، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وفيه: "حتى يوشك أن يعلمكم إلخ".
• اللغة والإعراب والمعنى
تقدم أكثر هذه الألفاظ، و (الخراءة) فعالة من هذا اللفظ، والمراد: هيئتها وأدبها، فهو على سبيل المبالغة في كونه لم يترك شيئًا إلا علمه للأمة، وقوله (أجل) حرف جواب بمعنى نعم، فهي إعلام للمخبر وتصديق للخبر ووعدٌ للطالب، وعن الأخفش: هي بعد الخبر أحسن من نعم، ونعم أحسن منها بعد الاستفهام. و (الاستنجاء) استفعال من النجاة، وأصلها: النجوة، وهي المرتفع من الأرض، ومنه: النجاة من المكروه؛ لأنه يرتفع عنه ويسلم منه، قال عبيد بن الأبرص:
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
النجوة هنا: المرتفع من الأرض، وقال زهير:
ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن امرأ كان ناجيا
والمراد هنا: طلب النجاة من النجاسة والسلامة منها بالغسل أو بالمسح. وقيل: هو من نجوة الأرض، لأنه يطلبها ليستتر بها، ويقال لما يخرج من
стр. 207
الإنسان: نجا، ويقال استنجى أيضًا: إذا أسرع. وقوله: (أيماننا) جمع يمين، وقد تقدم الكلام على اليمين أنها من اليمن والبركة في حديث ٢٤. وقد جاء في بعض الروايات أن القائل يهودي، وفي الرواية الأخرى الآتية حديث ٤٩ أن القائل المشركون، وهي من رواية أبي معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد، فمخرج الحديث واحد فيدل ذلك على أنه رجل من المشركين. ونسبة القول للجميع مع أن المباشر له واحد مستعملة كثيرًا.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه دليل على عنايته ﷺ بتعليم الناس الخير، وفيه من آداب قضاء الحاجة جملة مجموعة: ففيه: النهي عن استقبال القبلة وقد تقدم، والنهي عن الاستنجاء باليمين وسيأتي، وفيه: دليل للقائلين بوجوب الثلاثة في الاستنجاء، وتقدم فيه أن الثلاثة تجزئه كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية، وتقدم أنه لا مفهوم للأحجار بل كل ما في معناها مما يقوم مقامها في حكمها، وفيه: جواز الاقتصار على التمسح بدون غسل بالماء، لكن بشرط أن لا يتجاوز الخارج محل الخروج وأن يحصل الإنقاء بها، ومع ذلك فالمحل نجس حتى يغسل، وإن كان المصلي يصلي بدون غسل على سبيل الرخصة، وفيه: بيان فضيلة اليمين واحترامها، وسيأتي ذلك إن شاء الله. قال جرير:
ليربوع على النخبات فضل ... كتفضيل اليمين على الشمال
وتقدم أن اليمين من اليمن والبركة في حديث ٢٤، وتطلق على القوة، ومنه الأخذ باليمين كما في الآية الكريمة: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، وقول الشاعر وهو الشماخ:
رأيت عرابة الأوسى يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
فهم يعبرون عن الاهتمام بالشيء بأخذه باليمين لهذا المعنى، وبالعكس إذا استهان به قالوا: أخذه بشماله، كما قال الشاعر:
وخبرني من كنت أرسلت إنما ... أخذت كتابي معرضًا بشمالكا
نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلًا أخلقت من نعالكا
стр. 208
٣٨ - الرُّخْصَةِ فِي الإسْتِطَابَةِ بِحَجَرَيْنِ
٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُ بِهِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: "هَذِهِ رِكْسٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ.
• [رواته: ٧]
١ - أحمد بن سليمان بن عبد الملك بن أبي شيبة الجزري أبو الحسين الرهاوي الحافظ، روى عن أبي داود الحفري وأبي نعيم وزيد بن الحباب وجعفر بن عون ومحاضر بن المورع ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه النسائي كثيرًا، وأبو عروبة ومكحول البيروتي والأرغياني وابن متويه إبراهيم بن محمد. قال النسائي: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة. قال أبو عروبة: كان ثبتًا في الأخذ والأداء، مات ٢٦١.
٢ - أبو نعيم الفضل بن دكين -لقب له، واسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم- مولى آل الملائي الكوفي الأحول، روى عن الأعمش وأيمن بن نابل وسلمة بن وردان وسلمة بن نبيط والثوري ومالك بن أنس وخلائق غيرهم، وعنه البخاري فأكثر، وروى عنه أيضًا هو وبقية الجماعة بواسطة يوسف بن موسى القطان وجماعة آخرين، وروى عنه أيضًا ابن المبارك ومات قبله، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن خشرم وخلائق كثيرون.
وقد أجمع العلماء على حفظه وإتقانه وجلالة قدره، وقد امتحنه بعض الولاة في القول بخلق القرآن. قال محمد بن إسحاق: سمعت الكديمي يقول: لما دخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه وثم أحمد بن يونس وأبو غسان وغيرهما، فأول من امتحن فلانًا فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم وقال له: قد أجاب هذا، ما تقول؟ قال: والله ما زلت أتهم جده بالزندقة، ولقد أدركت
стр. 209
الكوفة وبها سبعمائة شيخ كلهم يقول: القرآن كلام الله، وعنقي أهون على من زري هذا، وفي رواية: أخذ زره فقطعه، فقام إليه أحمد بن يونس وقبّل رأسه وكان بينهما شحناء، وقال: جزاك الله من شيخ خيرًا. ولد سنة ١٣٠ ومات ٢١٩ وقيل: ٢١٨، وذكروا أنه كان إذا أعطي على الحديث أخذ، وأنه قال: يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر وما في بيتي رغيف. قال أحمد بن الفراء: وكان يسمى أمير المؤمنين. وقال أحمد بن صالح: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نعيم، وكان يدلس.
٣ - زهير بن معاوية بن جريج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة الجعفي أبو خيثمة الكوفي سكن الجزيرة، روى عن أبي إسحاق السبيعي وسليمان التيمي وعاصم الأحول والأسود بن قيس وجماعة كثيرين، وعنه ابن مهدي والقطان والطيالسي وأبو النضر هاشم بن القاسم وكثير غيرهم، وآخر من حدث عنه عبد السلام بن عبد الحميد الحراني. قال ابن عيينة: ما بالكوفة مثله، قال أحمد: من معادن الصدق، وعنه أيضًا: زهير عن المشايخ بخ بخ، وفيما يرويه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخرة -يعني أن أبا إسحاق اختلط في آخر حياته. ووثقه ابن معين وأبو زرعة وقال: إلا أنه روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط، ووثقه العجلي وقال: ثقة مأمون، وهكذا قال غيره. مات سنة ١٧٢ وقيل: ١٧٣ وقيل: ١٧٧. قال ابن منجويه: كان حافظًا متقنًا، وكان أهل العراق يقدمونه على أقرانه، وثناء الناس عليه كثير، وقيل: إنه ولد سنة ١٠٠.
٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد -وقيل: ابن علي وقيل: ابن أبي شعيرة- أبو إسحاق السبيعي الكوفي الهمداني، والسبيعي -بفتح السين- بطن من بطون همدان. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، روى عن علي والمغيرة وقد رآهما، وقيل: لم يسمع منهما، وعن سليمان بن صرد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وجماعة آخرين من الصحابة، وروى عن ابني يزيد: الأسود وعبد الرحمن النخعيين، وعبد الرحمن بن الأسود وخلائق كثيرين، وعنه ابنه يونس وابن ابنه إسرائيل بن يونس وابن ابنه الآخر يوسف بن إسحاق وقتادة وسليمان التيمي وجرير بن حازم وابن عجلان وناس غيرهم كثيرون. قال ابن المديني: أحصينا مشيخته نحوًا من ثلاثمائة شيخ، روى عن سبعين أو
стр. 210
ثمانين لم يرو عنهم غيره واتفقوا على توثيقه وجلالته. مات سنة ١٢٦ وقيل: ١٢٧، وقيل: ١٢٩، وعاش ٩٦ سنة، وقيل: إنه كان يدلس.
٥ - عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو جعفر -ويقال أبو بكر- الفقيه، أدرك عمر، روى عن أبيه وعم أبيه علقمة بن قيس وعائشة وأنس وابن الزبير وغيرهم، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني ومالك بن مغول وهارون بن عنترة والأعمش وليث بن أبي سليم وغيرهم، وثقه النسائي وابن معين والعجلي وابن خراش وزاد: من خيار الناس. قال محمد بن إسحاق: قدم علينا حاجًا فاعتلّت إحدى قدميه فقام يصلي على قدمه حتى أصبح فصلى الفجر بوضوء العشاء. مات سنة ٩٩، ونبّه ابن حجر على أن الذي وقع في شرح البخاري لابن التين تبعًا للداودي، أن عبد الرحمن بن الأسود الذي أخرج البخاري حديثه: "لا يَسْتنجي بروث" عن أبيه عن عبد الله بن مسعود في الاستجمار: هو عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهو وهم فإن هذا الراوي روى عن أبيه وهو الأسود بن يزيد التابعي الشهير الراوي عن ابن مسعود، وأما الأسود بن عبد يغوث فمات كافرًا بمكة، قيل: قبل الهجرة، وقيل: بعدها، اهـ. قلت: الظاهر أنه مات قبل الهجرة لأنه من المستهزئين، وفيهم نزلت الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ وكان ذلك قبل الهجرة، وقد مات أكثرهم عند نزول هذه الآية كما هو مبيَّن في محله من التفسير والسيرة.
٦ - أبوه الأسود: تقدم ٣٣.
٧ - عبد الله بن مسعود: تقدم ٣٩.
• التخريج
أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه والطيالسي والبيهقي وأحمد وزاد فيه: "ائتني بحجر"، ورواه ابن خزيمة لكن عنده وعند ابن ماجه "رجس" بدل ركس، وهو عند الدارقطني بالزيادة المذكورة عند أحمد وبدونها. وقول أبي إسحاق: "ليس أبو عبيدة" هو ابن عبد الله بن مسعود، وإنما عدل عنه للخلاف في سماعه من أبيه، فلذلك ترك روايته واختار رواية عبد الرحمن بن الأسود، للاتفاق على وصلها.
стр. 211
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (التمست) أي طلبت وقوله: (ركس) فسّره بأنه طعام الجن كذا فسّره النسائي، فإن صح في اللغة فهو بيّن، والحديث الوارد في تزويد النبي ﷺ الجن يشهد له، وإلا فهذه اللفظة حاصل ما قالوه فيها تحتمل أن تكون من ركس وأركس: إذا ردّ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. والروث رجع من حال كونه طعامًا إلى كونه روثًا مستقذرًا، فهو شبيه بتسمية ما يخرج من البطن رجيعًا لأنه بتلك المثابة، لكن يشكل عليه أن المصدر من هذا قياس الفتح وهو هنا اسم فلا إشكال، و ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ -أي: ردّهم. وقيل: هو بمعنى الرجس بالجيم الذي هو النجس المستقذر، وعليه فالكسر بيّن وهو الرواية المعروفة، والركس: بكسر الراء وسكون الكاف.
• الأحكام والفوائد
تقدّم أكثر ما يتعلّق به، وفيه دليل كما تقدّم على وجوب الاستنجاء وعلى استحباب إعداد الإنسان عند قضاء الحاجة ما يستنجي به، وجواز الاستعانة في ذلك بمن هو يصلح لأن يستعان به كالخادم والزوج ونحوهما، وفيه كما سيأتي الاقتصار على المسح بدون الماء وقد تقدّم مثله، واستدل بهذه الرواية من يقول بعدم وجوب الثلاث، لكن في الزيادة التي ذكرناها طلب ثالث، وليس في الحديث ما يدل على أنه حصّله وقد أخبر أنه عجز عنه أولًا، وهو أيضًا دليل على عدم جواز الاستنجاء بالروثة، وقد تقدّم الخلاف في التعليل على أنها نجس يلحق بها كل نجس، وعلى التعليل بأنها طعام الجن لا يلحق بها إلا ما يجامعها في العلة المذكورة، كالعظم ونحوه مما ذكر معها.
٣٩ - الرُّخْصَةِ فِي الإسْتِطَابَةِ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ
٤٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢.
стр. 212
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدّم ٢.
٣ - منصور بن المعتمر: تقدّم ٢.
٤ - هلال بن يساف -ويقال ابن إساف- الأشجعي مولاهم الكوفي، أدرك عليًا، روى عن الحسن بن علي وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري وسعيد بن زيد وغيرهم، وعنه أبو إسحاق السبيعي والأعمش وسلمة بن كهيل ومنصور بن المعتمر وغيرهم. وثقه ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن سعد. وإن صح سماعه من أبي الدرداء فقد أدرك عثمان، ولكن قال ابن حجر: ما إخاله صحيحًا، والله أعلم.
٥ - سلمة بن قيس الأشجعي الغطفاني: له صحبة، سكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ في الوضوء، وعنه هلال بن يساف وأبو إسحاق السبيعي، قال ابن حجر: ذكر أبو الفتح الأزدي أن هلالًا تفرّد بالرواية عنه، وكذا قال أبو صالح المؤذّن، وذكر أبو القاسم البغوي أنه روى ثلاثة أحاديث.
• التخريج
أخرجه مسلم وابن خزيمة وأحمد، وفي سنن أبي داود: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" الحديث، وللدارمي: "من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج". وأخرجه ابن حبان كرواية أبي داود.
• اللغة والإعراب والمعنى
تقدم الكلام على (إذا) وقوله: (استجمرت) الاستجمار: استفعال من استعمال الجمار، وهي الحصى الصغار لأن الغالب أن التمسّح يكون بها، وتقدّم أن كل ما يقوم مقامها ينوب عنها، وروي عن مالك ﵀ أن معنى قوله: (إذا استجمرت) تبخّرت من الاستجمار، وهو استعمال الجمر للطيب، ومنه المجمرة للآلة التي يفعل بها. وقوله: (فأوتر) الوتر ضد الشفع، صادق بالواحد والثالث والخامس والسابع، وهكذا في الأعداد كلها. وجملة (فأوتر) واقعة في جواب (إذا).
• الأحكام والفوائد
استدل المصنف بالحديث على عدم وجوب الثلاث، لأن الأمر بالوتر
стр. 213
أعم من الثلاث ويدخل فيه الواحد، وظاهر الأمر الوجوب لكن لما ثبت عنه ﷺ قوله: "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" دلّ ذلك على عدم وجوب الثلاث، والقائلون بهذا القول -أعني عدم وجوب الثلاث- يستدلّون بالحديث السابق: حديث ابن مسعود في الروثة -وقد تقدّم- ويرون أن الأمر بالوتر للندب وليس خاصًا بالثلاث، بل في السبع والتسع وما دونهما من أعداد الوتر، وتقدّم تفصيل المذاهب في شرح حديث ٤٠.
٤٠ - الإجْتِزَاءِ فِي الإسْتِطَابَةِ بِالْحِجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا
٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَلْيَسْتَطِبْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ".
• [رواته: ٦]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المحاربي مولاهم أبو تمام المدني الفقيه، روى عن أبيه وسهيل بن أبي صالح وهشام بن عروة وموسى بن عقبة ويزيد بن الهاد وكثيرين غيرهم، وعنه ابن مهدي وابن وهب والقعنبي وعلي بن المديني والحميدي وجماعة آخرون لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، كما روي عن أحمد وقد قيل: إنه لم يكن يعرف الحديث إلا كتب أبيه، وقعت عنده بالسماع منه، وثقه ابن معين، وقال فيه: ثقة صدوق، ووثقه النسائي. ولد سنة ١٠٧، ومات سنة ١٨٤ وهو ساجد، وقيل: سنة ١٨٢. وروي عن مالك أنه قال: قوم فيهم ابن أبي حازم لا يصيبهم العذاب، ووثقه العجلي وابن نمير.
٣ - أبوه سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفرز التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان المخزومي، ويقال: مولى بني شجع من بني ليث، وقيل: أشجع، ووهَّموا من قال ذلك. روى عن سهل بن سعد الساعدي وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وسعيد بن المسيب وابن عمر -ولم يسمع منهما- وعبد الله بن أبي قتادة وجماعة غيرهم، وعنه الزهري وعبيد الله بن عمر
стр. 214
وابن إسحاق وابن عجلان وابن أبي ذئب ومالك والحمادان والسفيانان وغيرهم، وآخر من روى عنه أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي. وثقه أحمد والنسائي والعجلي، وقال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله، مات في خلافة أبي جعفر سنة ١٤٠، ووثقه ابن سعد وقيل: مات ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: سنة ١٣٣ و ١٣٥ وقيل: ١٤٤.
٤ - مسلم بن قرط حجازي، روى عن عائشة بواسطة عروة بن الزبير في الاستطابة بثلاثة أحجار، وعنه أبو حازم سلمة بن دينار. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. قال ابن حجر: هو مقلّ جدًا، وإن كان مع قلة حديثه يخطئ فهو ضعيف، وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف، وحسَّن الدارقطني حديثه.
قلت: إن الصواب -والله أعلم- قول الدارقطني، لأن الحكم عليه بالضعف بمجرّد كونه يخطئ مع قلة الحديث فالخطأ لا يسلم منه أحد، وإن صح قول الذهبي فقد عرفه غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والله أعلم.
٥ - عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة المشهورين والأئمة الأجلّاء المذكورين، روى عن أبيه وأخيه عبد الله وأمه أسماء وخالته عائشة وعلي بن أبي طالب وسعيد بن زيد وحكيم بن حزام وجماعة من الصحابة والتابعين، وعنه أولاده عبد الله وعثمان وهشام ويحيى ومحمد وابن ابنه عمر بن عبد الله وابن أخيه محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن الأسود يتيم عروة، وسليمان بن يسار وخلائق كثيرون من الأئمة المحدثين وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث فقيهًا عالمًا ثبتًا مأمونًا، وقدره أجلّ من أن يحتاج إلى التزكية. ولد قبل سنة ٢٣ في خلافة عمر، وقيل: لست خلون من خلافة عثمان، وكان بين مولده ومولد أخيه عبد الله أكثر من عشرين سنة، مات سنة ٩٤، على قول الأكثرين وكانت تسمى سنة الفقهاء، وقيل سنة ٩٥، وقيل ٩٣، وقيل ٩٢، وقيل ٩١، والأول أثبت وأقوى، وقيل غير ذلك وهو ضعيف والله أعلم.
٦ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
• التخريج
رواه أبو داود وأحمد والدارقطني والدارمي والبيهقي.
стр. 215
• اللغة والإعراب والمعنى
تقدّم ما في ألفاظ الحديث، وفيه التصريح بإجزاء الثلاثة وهو الذي أخرجه المصنف هنا دليلًا عليه، وتقدّم أنه حجة لمن قال بوجوب الثلاثة، وقد يقال إنه ليس صريحًا في ذلك فيدخله الاحتمال، وتقدّم الكلام على المسألة وتقدّم تفصيل ذلك.
٤١ - الإسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعِي نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم: تقدّم ٢.
٢ - النضر بن شميل المازني أبو الحسن النحوي نزيل مَرْو، وشُمَيْل هو أبو خراشة بن زيد بن كلثوم بن عنزة بن زهير بن عمرو بن حجر بن خزاعي بن مازن بن عمرو بن تميم، روى عن حميد الطويل وابن عون وهشام بن عروة وهشام بن حسان وجماعة يطول ذكرهم، وعنه يحيى بن يحيى النيسابوري وإسحاق بن إبراهيم ويحيى بن معين وابن المديني وجماعة كثيرون. قال فيه ابن المبارك: درة بين مروين ضائعة، وثقه أبو حاتم وقال: صاحب سنة، وقال غيره: هو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وأثنى عليه غير واحد، وحكي عنه أنه قال: إن أباه خرج به من مرو إلى البصرة سنة ١٢٨ وهو ابن خمس أو ست سنين، ومات سنة ٢٠٤، وقيل ٢٠٣، والله أعلم.
٣ - شعبة: تقدّم ٢٦.
٤ - عطاء بن أبي ميمونة واسمه منيع البصري أبو معاذ مولى أنس بن مالك، ويقال: مولى عمران بن حصين. روى عن أنس وعمران وجابر بن سمرة وجماعة من الصحابة والتابعين، وعنه ابناه إبراهيم وروح، وخالد الحذاء وشعبة وغيرهم. وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح لا
следующие страницы →