الجواب في الأولى، وهذا مما ينبغي للعالم والمفتي، وهو من كمال النصيحة أنه إذا سئل عن مسألة أن يبالغ في توضيحها وبيان ما يتعلق بها أو يشاكلها، مما يعلم أو يظن أن الحاجة تمس إلى بيانه. وفيه: حكمته ﷺ في الجواب حيث عدل عن قوله نعم أو توضؤوا منه، لأن ذلك يوهم أن الوضوء منه خاص بهم وبمن هو على مثل حالهم ممن يضطر إلى ذلك، فأجاب بصيغة ترفع هذا الإيهام وتبيّن عموم الحكم كما قدمنا.
٤٨ - باب الْوُضُوءِ بِالثَّلْجِ
٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ.
• [رواته: ٥]
١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شبرمة وكان أكبر من عمه، روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وعبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي والحارث العكلي والأخنس بن خليفة الضبي، وعنه شيخه الحارث العكلي وابنه القعقاع والأعمش والسفيانان وغيرهم. قال البخاري: عن علي بن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا. وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، والله أعلم.
٤ - أبو زرعة بن عمرو: تقدم ٥٠.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
стр. 247
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة) كان فعل ماض تدل على تكرار الفعل، قال ابن دقيق العيد: كان يفعل كذا بمعنى: تكرر منه فعله وكان عادة له.
قلت: هذا هو الغالب، وقد جاء هذا اللفظ معبرًا به عن مجرد الفعل مرة واحدة، كما في أحاديث المناسك: "كان النبي ﷺ يفعل كذا"، ولم يحج في الإِسلام إلَّا حجة واحدة كما لا يخفى! ! فدلالتها على التكرار في الغالب.
وقوله: (افتتح الصلاة) أي كبّر فيها، وافتتاح الشيء بمعنى الشروع فيه، وفي حديث عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير" الحديث. فمعنى افتتحها: كبّر تكبيرة الإحرام التي هي مفتاحها، كما في حديث علي: "افتتاحها التكبير"، وكما في الرواية الأخرى بلفظ: "إذا كبّر". وقوله: (سكت) أصله: أمسك عن الكلام، يقال: يسكت سكوتًا؛ إذا أمسك عن الكلام، ورواية البخاري: (يسكت) بصيغة المضارع. قال الجوهري: تقول: تكلم الرجل ثم سكت؛ من غير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: اسكت، قال الراجز:
قد رابني أن الكرى أسكتا ... لو كان معنيًا بها لهيتا
قوله: (هنية) رواية الأكثرين بضم الهاء وشد الياء، ويروى: "هنيهة" و"هنيئة"، وذكر النووي: (أن الهمزة خطأ وأن الأصل هنوة، فلما صغّر صار هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء ثم أدغمت). اهـ.
قلت: يعني أدغمت الأولى في الثانية المبدلة من الواو في سيّد وهيّن ونحوهما، على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك:
إن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا ومن عروض عريًا
فياء الواو اقلبن مدغما ... وشذ معطى غير ما تقدما
وتعقب كلام النووي ﵀ بأنه لا يمنع ذلك رواية الهمزة، لجواز أن تكون الياء قلبت همزة كما جاء في رواية الكشميهني: (هنيهة) بإبدالها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما. والمعنى: سكت مدة قليلة،
стр. 248
والمراد: سكت عن الجهر أو عن القراءة بالفاتحة لا عن الكلام، لأن قوله: (ما تقول). يدل على أنه قد علم أنه يقول شيئًا، فعبّر بالسكوت عن تركه الجهر بما يقوله. وقوله: (بأبي أنت وأمي) معناه: أفديك بأبي وأمي؛ على أن المحذوف فعل، ويجوز أن يكون المحذوف اسمًا والتقدير: أنت مفدي بأبي وأمي، ففي كل من التقديرين الجار والمجرور متعلق بمحذوف كما هو المعروف في نظائره، والحذف عند النحويين في مثل هذا لكثرة الاستعمال. وعلى التقرير الأول: الجملة فعلية، وعلى الثاني: اسمية، وهذه اللفظة تستعمل لإبداء المحبة والتعظيم للشخص، كأنه جعله أحب إليه من أبيه وأمه. والحديث يدل على جواز استعمالها للرسول ﷺ فقيل: خاص به وقيل: يجوز استعمالها لغيره، ومنه حديث سعد بن أبي وقاص يوم أحد حيث قال له ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي"، وهو دليل واضح لجواز هذه اللفظة لغيره ﵊؛ ولكن لا ينبغي قولها إلا لأهل العلم والصلاح ممن يكون في احترامه احترام للشرع والله أعلم. و (ما) في قوله: (ما تقول) للاستفهام (وفي سكوتك) أي في حال سكوتك أو في وقت سكوتك، وقوله: (بين التكبير والقراءة) تعيين لمحل السكوت المذكور، وقوله: (أقول: اللهم) أصله: يا الله؛ فحذفت الياء وعوّض عنها الميم، وهذه الصيغة خاصة بلفظ الجلالة، والأكثر في استعماله مع الميم حذف الياء كما تقدم، وسمع الجمع بينهما في قول الشاعر:
إني إذا ما حدث ألمّا ... أقول يا اللهم يا اللهمّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك ﵀ بقوله:
والأكثر اللهم بالتعويض ... وشذّ يا اللهمّ في قريض
وقوله: (باعد) أي: أبعد، وصيغة المفاعلة إما للمبالغة كما قاله الكرماني، أو للتكثير مثل ضاعف بمعنى ضعف. وقوله: (بيني وبين خطاياي) كرر كلمة (بين) لأن عود الخافض عند العطف على الضمير المخفوض؛ لازم عند الأكثرين، كما قال ابن مالك:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازمًا قد جعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا
و(الخطايا) جمع خطية كالعطايا جمع عطية، من قولهم: خطئ في دينه؛
стр. 249
إذا أثم، والخطأ: الإثم والذنب. قال أبو عبيد: خطئ وأخطأ بمعنى، وأنشد لامرئ القيس:
يا لهف هند إذا خطئن كاهلًا ... القاتلين الملك الحلاحلا
وفي القاموس: أخطيت لغة رديئة. وخطئ في دينه وأخطأ: سلك سبيل خطأ عمدًا كان أو غير عامد. قال البدر العيني -رحمه الله تعالى-: (وأصل خطايا: خطائي، فقلبوا الياء همزة كما في قبائل جمع قبيلة، فصارت: خطائئي بهمزتين فقلبت الثانية ياء فصارت: خطائي، ثم قلبوا الهمزة ياء مفتوحة فصارت: خطايي أي بياءين، فقلبت الياء -أي الأخيرة- ألفًا فصارت: خطايا). اهـ. فيحتمل أن المراد بهذا الدعاء محو ما سلف منها، فتكون المباعدة: المبالغة في عدم المؤاخذة بها، أو المراد العصمة منها في المستقبل، وتكون إضافتها حينئذٍ لاحتمال حصولها كما هي العادة في جنس البشر، أو على تقدير حصولها. وقد استشكل هذا الدعاء ونحوه وما هو كثير في السنة من طلبه المغفرة ومبالغته في ذلك، مع كونه معصومًا عند الأكثرين من الذنوب: أما من الكبائر فباتفاق، وأما من الصغائر فعند الأكثرين -وعلى فرض تجويزها- فقد أخبره الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد يجاب عن هذا وما فيه معناه: أنه من طلبه الدرجة العالية. ويتضمن أمورًا منها: عدم الاغترار بالله وأمن مكره، ومنها: إظهار الحاجة والفقر إليه تعالى، ومنها: تعليم أمته الدعاء، ومنها: أن الدعاء في نفسه قربة يزاد بها العبد رفعة عند الله، وفيه: شكر نعمه . وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، كما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
والأحاديث في فضل الدعاء والحث عليه كثيرة مشهورة، مع أن فعله لذلك فيه تعليم للأمة وحث لهم على الدعاء. وقوله: (كما باعدت) الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية والتقدير: مباعدة مثل مباعدتك، أو: تبعيدًا مثل تبعيدك، أو: إبعادًا مثل إبعادك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن المشرق والمغرب لا يجتمعان، فكذلك يكون حالُه مع الذنوب: أنه لا يجتمع معها كما لا يجتمع المشرق والمغرب. وقوله: (نقّني) فعل طلب بصيغة الأمر وهو، من: التنقية من الشيء، وهو مجاز عن إزالة الذنب ومحوه حتى لا يكون
стр. 250
له أثر، والجملة مؤكدة لمعنى التي قبلها، جعل محو الذنوب كغسل الشيء من الوسخ ونحوه حتى ينقى منه، واستعار لفظ التنقية للإزالة. وقوله: (كما ينقى) مثل قوله: (كما باعدت). و (الدنس) بفتح الدال والنون: الوساخة، وتخصيص الثوب الأبيض لأن التنقية فيه أظهر من غيره. وقوله (البرد) حَبُّ الغمام، والمبالغة في الغسل إنما تكون عادة بالماء، فقد يكون ذكر هذه الأشياء على سبيل المبالغة بذكر كل شيء من شأنه أن يغسل به.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على استحباب دعاء الاستفتاح وأنه يكون بهذا اللفظ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في كتاب الصلاة، وفيه: جواز قول الإنسان لغيره فداك أبي وأمي، وقد تقدم ذلك، وفيه: استعمال الأدب في السؤال وحرص الصحابة على الفائدة وأنه ينبغي لمن يكون مع العلماء سؤالهم عن كل ما أشكل عليه من فعلهم ليستفيد وليس في ذلك منافاة للأدب، وفيه: جواز التطهير بالثلج والبرد وأنهما كالماء في ذلك وهذا محل الشاهد ومناسبة الحديث للترجمة، وفيه: استحباب الإلحاح في الدعاء، وأنه لا ينبغي لأحد تركه، وإن عظمت منزلته عند الله، وفيه: استعمال التوكيد في الألفاظ، وأن افتتاح الصلاة يكون بالتكبير وسيأتي إن شاء الله تعالى.
٤٩ - الْوُضُوءِ بِمَاءِ الثَّلْجِ
٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ.
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم: تقدم ٢.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - هشام بن عروة بن الزبير الأسدي أبو المنذر، وقيل أبو عبد الله، رأى ابن عمر ومسح رأسه ودعا له، وسهل بن سعد وجابرًا وأنسًا، روى عن
стр. 251
أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان، وابن عمه عباد بن عبد الله وابنه يحيى بن عباد وابن عمه عباد بن حمزة بن عبد الله وزوجه فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وعنه أيوب السختياني -ومات قبله- وعبيد الله بن عمر ومعمر وابن جريج وابن إسحاق وابن عجلان ومالك بن أنس والسفيانان والحمَّادان وخلائق يطول ذكرهم. وثقه ابن سعد والعجلي وقال: "ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار في العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده. والذي أرى أن هشامًا تساهل لأهل العراق لأنه كان لا يحدث عن أبيه إلَّا بما سمع منه، فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه بما كان يسمعه من غير أبيه". قال ابن خراش: كان صدوقًا تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكًا نقم عليه حديثه لأهل العراق. وقال له المنصور: أتذكر يوم دخلنا عليك فقال لنا أبي: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فقال: ما أذكر ذلك، فعوتب في ذلك فقال: لم يعودني الله في الصدق إلَّا خيرًا. قال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا ورعًا فاضلًا حافظًا. سمع منه بآخرة: وكيع وابن نمير ومحاضر. وذكر ابن حجر عن أبي الحسن بن القطان أنه تغير بآخرة، قال: ولم نر له في ذلك سلفًا. وقيل: إنه ولد هو والأعمش في يوم واحد سنة ٦١، وهي سنة مقتل الحسين بن علي ﵄، وتوفي ١٤٥ وقيل: ١٤٦ وقيل: ١٤٧، وقد بلغ ٨٧ سنة ﵀.
٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٥ - أم المؤمنين عائشة: تقدم ٥.
تقدم شرحه في الذي قبله.
٥٠ - باب الْوُضُوءِ بِالْبَرَدِ
٦٢ - أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: شَهِدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ فَسَمِعْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ.
стр. 252
• [رواته: ٦]
١ - هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي أبو موسى البزاز الحافظ المعروف بالحمّال، روى عن ابن عيينة وحسين بن علي الجعفي وجعفر بن عون وأسود بن عامر وخلق كثير غيرهم، وعنه الجماعة سوى البخاري، وابنه موسى بن هارون وأبو حاتم وأبو زرعة وخلائق غيرهم. قال أبو حاتم وإبراهيم الحربي: صدوق، زاد الحربي: "لو كان الكذب حلالًا تركه تنزهًا". ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ٢٤٣، وقيل: إن مولده سنة ١٧١ أو ١٧٢، وقيل: مات ٢٤٩. وقيل: إنما سمي حَمَّالًا؛ لأنه كان بزازًا فتزهد، فصار يحمل الشيء بالأجرة فيأكل منها، والله أعلم.
٢ - معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي مولاهم القزاز، أبو يحيى المدني أحد أئمة الحديث، روى عن مالك وابن أبي ذئب وهشام بن سعد وإبراهيم بن طهمان وجماعة، وعنه ابن المديني ويحيى بن معين والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأتقنهم معن بن عيسى، وقال ابن سعد: كان يعالج القز يشتريه مات بالمدينة سنة ١٩٨، وكان ثقة كثير الحديث ثبتًا مأمونًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخليلي: متفق عليه، والله أعلم.
٣ - معاوية بن صالح بن حدير بن سعد بن فهد الحضرمي أبو عمرو -ويقال أبو عبد الرحمن- الحمصي، أحد الأعلام قاضي الأندلس، وقيل في نسبه غير ما ذكر. روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول الشامي وجماعة كثيرة، وعنه الثوري والليث بن سعد وابن وهب ومعن بن عيسى وزيد بن الحباب وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين -كما ذكره الطيالسي، ووثقه العجلي والنسائي وابن مهدي وأبو زرعة وابن سعد. يقال: إنه خرج من حمص سنة ١٢٥ إلى المغرب فولي قضاءهم، ويقال: إنه مرّ بمصر سنة ١٥٤ فكتب عنه أهلها. وذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - حبيب بن عبيد الرحبي أبو حفص الحمصي، روى عن العرباض بن سارية والمقدام بن معدي كرب وأبي أمامة وعتبة بن عبد السلمي وحبيب بن
стр. 253
مسلمة الفهري وجبير بن نفير وغيرهم، وعنه حُريز بن عثمان وثور بن يزيد ومعاوية بن صالح وآخرون، أدرك ولاية عمير بن سعد على حمص. وثقه النسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. ويروى عنه أنه قال: أدركت سبعين من الصحابة.
٥ - جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن أو عبد الله الحمصي، أدرك زمن النبي ﷺ ، وروى عنه وعن أبي بكر ﵁ مرسلًا، وقيل: عن عمر وعن أبيه وأبي ذر وأبي الدرداء وجماعة كثيرة من الصحابة، وعنه ابنه عبد الرحمن ومكحول وخالد ابن معدان وأبو الزاهدية وغيرهم. وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: "ليس من كبار التابعين أحسن رواية عن الصحابي من ثلاثة: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وجبير بن نفير". قال الزيادي: مات سنة ٧٥، وكان جاهليًا أسلم في خلافة أبي بكر، وقيل: مات سنة ٨٠. ووثقه العجلي وابن سعد وأثنى عليه غير واحد، ويقال: إنه أدرك إمارة الوليد، وعلى ذلك يكون عاش بعد الثمانين لأن الوليد تولى سنة ٨٦، والله أعلم.
٦ - عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، أبو عبد الرحمن أو أبو عبد الله أو أبو محمَّد أو أبو حماد أو أبو عمرو شهد فتح مكة ويقال كانت معه راية أشجع، ثم سكن دمشق. روى عن النبي ﷺ وعن عبد الله بن سلام، وعنه أبو مسلم الخولاني وجبير بن نفير وعاصم بن حميد الكوفي وكثير بن مرة وخلق غيرهم. قال الواقدي: شهد فتح مكة وخيبر، ونزل حمص وبقي إلى خلافة عبد الملك ومات سنة ٧٣، وفيها أرّخه غير واحد. قال ابن حجر: ذكر ابن سعد أن النبي ﷺ آخى بينه وبين أبي الدرداء.
• التخريج
أخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي مختصرًا، وأخرجه ابن ماجه بأطول من رواية المصنف وفي أوله زيادة: (اللهم صل عليه)، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى كرواية المصنف، وأخرجه الإِمام أحمد في المسند بلفظ: "ففهمت" بدل "فحفظت" أو "فسمعت" لأن كلا من اللفظين في هذه الروايات.
стр. 254
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (يصلي على ميت) جملة حالية، والميْت والميّت -بالتخفيف والتشديد- كهيْن وهيّن، وقوله: (فسمعت من دعائه) الفاء عاطفة و (من دعائه): من بيانية وتحتمل التبعيض، والهاء راجعة إلى النبي ﷺ ، فيحتمل أنه جهر بالدعاء على خلاف عادته ليسمعهم، ويحتمل أنه لم يجهر به ولكن عوفًا كان قريبًا منه فسمع كلامه، وذكر النووي أنه يحتمل أنه علّمه إياه بعد الصلاة، وفيه بُعد والله أعلم، لأن الصيغة لا تعطي ذلك، والحامل على هذا التأويل كون الدعاء على الجنازة عند أغلب العلماء سرًا لا جهرًا، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وقوله: (اللهم اغفر له) المغفرة: ستر الذنب وعدم المؤاخذة به، والعفو: المحو والخلو من الشيء، ومنه قول لبيد في خلو الديار من ساكنها:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها
وقال عباس السلمي:
عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
أو: محوه وعدم المؤاخذة به، من قولهم: عفى الأثر؛ إذا محته الريح ونحوها، ومنه قول حسان:
عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفيها الروامس والسماء
الروامس: هي الرياح، وتعفيها: تمحو معالمها وآثار أهلها.
قال في القاموس: العفو عَفْوُ الله عن خلقه والصفح، وترك عقوبة المستحق: عفا عنه وعفا له وعن ذنبه، والمحو والامتحاء، قال الزبيدي: قال شيخنا: كون العفو لا يكون إلَّا عن ذنب، وإن اشتهر في التعارف غير صحيح؛ فإنه يكون بمعنى عدم اللزوم، وأصل معناه: الترك، وعليه تدور معانيه؛ فيفسّر في كل مقام بما يناسبه من عدم عقاب وترك إلزام. اهـ.
وقوله: (وأكرم نزله) النزل: ما يقدم للضيف عند قدومه، والمراد: كرامة الله لعباده المؤمنين عند قدومهم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا
стр. 255
تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ومنه ما جاء في الحديث من سؤال يهود للنبي ﷺ عن أول نزل أهل الجنة.
وقوله: (وأوسع مدخله) المدخل بضم الميم: الإدخال، وبفتحها: بمعنى الدخول، يقال: دخل يدخل دخولًا ومدخلًا، وأدخله إدخالًا ومُدخلًا بالضم، وهكذا في الإخراج، وكلاهما يكون مصدرًا أو اسمًا لمكان الدخول أو الإدخال في المضموم، وهذا هو المناسب هنا للتوسيع والله أعلم. وقوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد) مبالغة في التنظيف كما تقدم في حديث الاستفتاح، وفيه دليل على جواز التوكيد، على ما تقدم في الذي قبله.
وقوله: (اغسله بالماء والثلج والبرد) المبالغة في التنظيف هنا المراد بها التنظيف المعنوي؛ لأنه تنظيف من الذنوب، فذكر الماء والثلج والبرد على سبيل التمثيل والتشبيه بالتنظيف الحسين الذي يحصل بهذه الأشياء، وتقدم في حديث الاستفتاح.
وفيه دليل على استحباب هذه الصيغة في دعاء الجنازة، ولا ينافي ذلك استحباب غيرها، وسيأتي ذلك في باب الجنائز إن شاء الله. وفيه أيضًا استحباب المبالغة في الدعاء للميت، وسيأتي إن شاء الله.
آخر الجزء الأول تمت مراجعته صبيحة الخميس الموافق ٢٩ رجب سنة ١٤٠٠ أعان الله على الباقي
وتم تصحيحه في السابع عشر من شهر رمضان سنة ١٤٠٣ بالمسجد النبوي، بقراءة ومشاركة الشيخ محمَّد نذير حامد الحلبي المنتدب بالجامعة الإِسلامية مع مؤلفه، غفر الله للجميع وأعان على إتمام الباقي.
стр. 256
شرح سنن النسائي
المسمى
«شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية»
تأليف
فضيلة الشيخ محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي
المدرس بالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة
المتوفى في المدينة سنة ١٤٠٥ هجرية، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[الجزء الثاني]
стр. 257
٥١ - سُؤْرِ الْكَلْبِ
٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدّم ٧.
٣ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: تقدّم ٧.
٤ - عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: تقدّم ٧.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدّم ١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ وابن ماجه وابن الجارود والبزار والدارقطني، وأخرج الدارقطني بإسناد صحيح عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في الإِناء فاغسله ثلاث مرات"، وأعلّه الدارقطني وغيره، قال البيهقي: (تفرّد به عبد الملك عن أصحاب عطاء، وعطاء عن أصحاب أبي هريرة، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه سبع مرات) اهـ. وفي ذلك دليل على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة "ثلاث مرات" وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه ولمخالفته أهل الحفظ والثقة تركه شعبة بن الحجاج ولم يحتج به البخاري، وأخرج ابن عدي في الكامل عن حسين بن علي الكرابيسي قال: حدثنا إسحاق بن الأزرق قال: حدثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله ثلاث مرات".
وأخرجه من رواية عمر بن شبة موقوفًا ولم يرفعه غير الكرابيسي.
قُلت: فتبين بذلك أن المروي عن أبي هريرة من الطرق الصحيحة هو الثابت المعول عليه المروي عن غيره من الصحابة، وأن الثلاث إنما رويت
стр. 258
موقوفة، ولعلها من رأيه واعتقاده أن الغسل سبعًا مستحب وليس بواجب كما أشار ابن حجر إلى احتماله، وقد حاول العيني ﵀ تقوية هذه الرواية والاحتجاج بها لرأي إمامه فتكلّف في ذلك بما لا يرضاه المنصف.
• اللغة والإِعراب والمعاني
تقدّم الكلام على لفظة (إذا). وقوله: (شرب) هذه رواية مالك ﵀ في الموطأ والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه "إذا ولغ"، والمعروف في اللغة التعبير عن شرب الكلب ونحوه بالولوغ. ورواه ابن سيرين عن أبي هريرة: "إذا شرب" كرواية مالك، وروى ابن خزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عنه مثله. ورواية مسلم عن هشام بن حسان بلفظ: "إذا ولغ" وهي المشهورة عنه. وقد رواه ورقاء بن عمر عن أبي الزناد شيخ مالك بلفظ: "إذا شرب". أخرجه الجوزقي، ومثله لأبي يعلى عن المغيرة بن عبد الرحمن. وقد رُوِيَ عن مالك أيضًا: "إذا ولغ"، كرواية الجمهور، فلذلك قال ابن حجر ﵀: كأن أبا الزناد حدّث باللفظين لتقاربهما في المعنى. قال: وهذا يدل على أن قول ابن عبد البر: "لم يروه بلفظ شرب غير مالك" غيرُ مُسَلَّمٍ به. وقوله: (شرب وولغ) هنا بمعنى، لأن شرب الكلب هو الولوغ وكذا غيره من السباع، ولغ الكلب في الإِناء يلغ فيه ولوغًا شرب بطرف لسانه، وقيل: إذا أدخل لسانه في الشراب وحرّكه، فإن أدخله وليس في الإناء شراب يقال لحسه. فإن كان فيه شيء غير مائع يقال: لعقه، وقيل: الولوغ أعم من الشراب لأنه إذا أدخل لسانه في المائع وحركه ولغ ولو لم يشرب.
وفي اللسان: الولغ شرب السباع بألسنتها، ولغ السبع والكلب وكل ذي خطم وولغ يلغ فيهما ولغًا شرب ماء أو دمًا، وأنشد ابن بري لحاجز الأسدي اللص:
بغزْوِ مثل ولغ الذئب حتى ... يثوب بصاحبي ثأر منيم
وقال آخر:
بغزوٍ كولغ الذئب غاد ورائح ... وسير كنصل السيف لا يتعوَّج
وفي التهذيب بعض العرب يقول يالغ، أرادوا بيان الواو فجعلوا ألفًا مكانها قال الشاعر:
стр. 259
مرضع شبلين في مغارهما ... قد نهزا الفطام أو فطما
ما مر يوم إلا وعندهما ... لحم رجال أو يالغان دما
وذكر اللحياني أن بعض العرب يقول: ولغ يولغ مثل وجل يوجل قلت: وهذا هو الأصل ولكنهم حذفوا الواو لأنه مثالي جاء على يفعل مفتوح العين كوقع يقع ووهب يهب فعومل معاملة مكسور العين فإنه تحذف فاؤه كما قال ابن مالك ﵀:
فاء أمر أو مضارع من كوعد .... احذف وفي كعدة ذاك اطّرد
وقد ذكر القاعدة الأشموني في شرح هذا البيت.
وقوله: (الكلب) قال ابن سيِّده: كل سبع عقور.
قُلت: ويدل عليه ما في حديث الدعاء على عتبه بن أبي لهب، فإن النبي ﷺ قال: "اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك، فأكله الأسد". وفي حديث المناسك في بيان ما يقتله المحرم قال: والكلب العقور، قال ابن سيِّده: وقد غلب على هذا النوع من الحيوان، قال: والجمع في القلة أكلب وفي الكثرة كلاب، وجمع أكلب أكاليب، فهو جمع الجمع، وقد سمّت العرب كلبًا وكلابًا، قال الشاعر:
وإن كلابًا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
وقد يقال في جمع كلاب كلابات.
وقوله: (في إناء أحدكم)، في بمعنى الظرف والإِناء معروف مشتق عندهم من أنا الشيء: إذا جاء وقته، وأنا نُضْجٌ في الطعام والثمر، قال تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ ومنه قول الشاعر:
وكسرى إذ تقاسمه بنوه ... بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخّضت المنون له بيوم ... أنا ولكل حاملة تمام
والإِضافة لا مفهوم لها، وفي رواية ابن مغفل وغيره في الإِناء، ولعل الإِضافة من أجل أن غاسل الإِناء إنما يغسله ليستعمله، فهو في تلك الحالة إناؤه، فيكون خُرِّجَ مخرج الغالب وما كان كذلك لا يعتبر مفهومه. وجملة (شرب الكلب) في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي جملة الشرط وقد تقدّم أنه غير جازم. وقوله: (فليغسله) الفاء واقعة في جواب الشرط. والغسل تعميم
стр. 260
الشيء بالماء، وهل يشترط الدلك مع ذلك أم لا؟ تقدّم البحث في شرح الآية والأصل في اللغة: التعميم بالماء فقط. وقوله: (سبع) منصوب على أنه نائب عن المصدر عند من لا يعتبره مصدرًا في نفسه، مبين للعدد، أو هو مصدر ومرات تمييز، وهو جمع مرة الواحدة من الفعل.
وفي رواية علي بن مسهر عند مسلم: (فليرقه) وكذا للمصنف كما يأتي قريبًا إن شاء الله لكن قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على زيادة "فليرقه".
وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة. وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وقال ابن مندة: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإِسناد، وذكر ابن حجر أنه ورد من طريق عطاء عن أبي هريرة الأمر بالإراقة ذكره ابن عدي وقال: في رفعه نظر والصحيح أنه موقوف. وكذا ما ذكره الدارقطني من طريق حمَّاد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا. قلت: وقد تقدّمت الإشارة إلى الرواية الموقوفة عن أبي هريرة في غسل الإِناء ثلاثًا، فتبين بذلك أن الرواية المرفوعة في الأمر بالإِراقة وإن صح سندها شاذة لانفراد ابن مسهر بها وإن كانت زيادة الثقة مقبولة على شرطها، لكن علتها الشذوذ عند من لم يقبلها وسيأتي ذلك إن شاء الله.
وقوله: (الكلب) ظاهره العموم في سائر الكلاب فيشمل المأذون في اتخاذه وغير المأذون فيه، والكلب الأسود وغيره، وكلب البادية والحاضرة وسيأتي قول بعض المالكية أنه خاص بغير المأذون فيه، لأن الرخصة فيه تنافي الأمر بغسل الإِناء منه لما فيه من مزيد المشقة، وقول ابن الماجشون في الفرق بين كلب البادية وغيره، وتقدّم أن الإِناء ليس مخصوصًا فيشمل سائر الأواني التي يصح فيها الولوغ ويحصل بالفعل، وظاهر الأمر الوجوب. وسيأتي الكلام عليه وأكثر الروايات الصحيحة انتهت عند ذكر السبع بدون ذكر الإِراقة أو ما يُفْهِمُ الزيادة عليها، إلا في رواية ابن مسهر المتقدّم ذكرها، ورواية ابن مغفل الآتية، وفيها: "عفّروه الثامنة بالتراب" كما يأتي إن شاء الله. وفي الترمذي: "أولاهن أو أخراهن بالتراب". ومثله للبزار، ورواية عن الشافعي، وصحح إسنادها. ولأبي عبيد في كتاب الطهور له مثل ذلك.
стр. 261
قُلت: وكذا لأبي داود من رواية ابن سيرين عن أبي هريرة "السابعة بالتراب"، وعند الدارقطني "إحداهن" لكنها في إسنادها الجارود بن يزيد وهو متروك. ولمسلم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة "أولاهن بالتراب". وسيأتي الكلام على ذلك في حديث ابن مغفل، وأن الأولى الجمع بحديث أبي هريرة عند أبي داود وسيأتي ذلك.
• الأحكام والفوائد
وهذا الحديث من الأحاديث التي يطول الكلام عليها، وتتشعّب مسائلها وفروعها، وقد تداوله العلماء مطوّلًا ومختصرًا.
والمهم فيه يتلخّص في اثنتي عشرة مسألة:
الأولى: هل الأمر بالغسل للوجوب أو الندب؟ .
الثانية: هل هو معقول العلة أو للتعبد؟ .
الثالثة: إذا قلنا هو معلل هل يدل على نجاسة الكلب أم لا؟ .
الرابعة: هل هذا الحكم خاص بالولوغ أو يتعدّى لغيره كاللحس واللعق وإدخال عضو من الأعضاء وغير ذلك من ملابسة الكلب؟ .
الخامسة: هل يلحق بالكلب غيره كالخنزير وسائر السباع أم لا؟ .
السادسة: هل المراد بالكلب نوع من الكلاب فأل فيه للعهد، أو المراد العموم فهي للجنس أو للحقيقة؟ .
السابعة: هل الولوغ في غير الإِناء -كالبركة أو المستنقع الصغير- مثل الإِناء أم لا؟ .
الثامنة: هل تجب إراقة ما في الإناء أم لا تجب، أو تجب في غير الطعام دون الطعام؟ .
التاسعة: هل تجب السبع أو يكفي أقل منها، أو تجب الثمان؟ .
العاشرة: هل يتعين التتْريبُ أم لا، وهل ينوب عن التراب غيره كالصابون والأشنان وسائر المنقّيات؟ .
الحادية عشرة: على القول بالتتريب ففي أي غسلة يكون؟ .
الثانية عشرة: هل يحكم بنجاسة ما في الإِناء أم لا، أو يفرّق بين القليل والكثير.
стр. 262
فهذا ملخّص ما اقتضى النظر الكلام عليه، وفيه مسائل محلها في كتاب الصيد تأتي إن شاء الله، وإليك التفصيل مُستَمِدًّا من الملك الجليل العون والهداية لسواء السبيل:
المسألة الأولى:
هل الأمر للوجوب؟ فذهب الجمهور من العلماء إلى أنه للوجوب وإن اختلفوا هل هو على الفور أو على التراخي؟ وذهب مالك وأتباعه في المشهور من مذهبه إلى أنه للندب ووجه ذلك: أن الأمر وإن كان الأصل فيه عند الأكثرين أنه يقتضي الوجوب لكن محل ذلك ما لم يدلَّ دليل، أو تقوم قرينة على عدم الوجوب، قالوا: والدليل والقرينة موجودان؛ أما الدليل فظاهر الآية الكريمة: آية المائدة في الصيد ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يأمر بغسل محل فم الكلب، وحديث عدي بن حاتم في الصحيح: وإذا أرسلت كلبك المُعلَّم وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك". وجاء في بعض الروايات غير رواية عدي: "وإن أكل" كما يأتي في الصيد. قالوا فظاهر القرآن والسنة دلَّا على عدم وجوب الغسل، وأما القرينة فذكر العدد، فإنه غير معهود في غسل النجاسة ولا يتوقف عليه التطهير، فذكره دليل على أن الأمر للتعبّد.
المسألة الثانية:
هل العلة فيه معقولة أم هو تعبّدي غير مُعلَّل، فقد تقدّم أن مالكًا ومن وافقه يقولون إن الأمر بالغسل للتعبّد، واستدلّوا لذلك بأمور منها: ما تقدّم من أنه أَمَرَ فيه بعدد معيَّن، وهذا يمنع أن يكون للنجاسة لعدم وجود نظير لذلك في شيء منها، ودعوى أنه للتغليظ بعيدة لأن فيه ما هو أغلظ وأقذر منه، وإذا لم يكن للنجاسة لا تُتَعقَّلُ علته، فصار تعبّديًا. ثانيًا: أنه ذكر فيه كما سيأتي التتريب، فهو وإن لم يكن في رواية مالك فقد ثبت في رواية غيره ممن يقول بالتعليل بالنجاسة. قالوا وليس للتراب دخل في تطهير النجاسة. ثالثًا: ما يأتي في الكلام على طهارة عين الكلب، مما تقدّم ذكره من دليل الآية والحديث على عدم النجاسة إلا على احتمال ما يأتي من كونه للاستقذار لتعاطيه النجاسة في الغالب، وهذا له بحث آخر، وذهب الجمهور إلى أنه مُعَلل وأن علَّته النجاسة، واستدلوا لذلك بأمور أيضًا، أولًا: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره، "طهور إناء
стр. 263
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب. ." الحديث، ووجهه: أن الطهور لا يستعمل إلا في إزالة خبث، أو رفع حدث، ولا حدث هنا فتعين الخبث وهو النجاسة، وأجيب بأن الحصر في الأمرين غير مُسَلَّم لوجوده في غير ذلك، كقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم"، وقوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم"، وقوله: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وقوله في صدقة الفطر: "إنها طهرة للصائم". وقوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وتعقَّب بأن الغالب في اللفظ عند الإطلاق أحد الأمرين: إزالة الخبث، أو رفع الحدث، فهو أقرب إلى حقيقة اللفظ وهو غير مُسلَّم لأنه لا يكفي في إثبات نجاسة الأعيان والأصل خلافها. ثانيًا: الأمر بالإِراقة كما سيأتي وهي إفساد فلو لم يكن ما في الإِناء نجسًا لما أمر بإراقته، ويجاب عنه بأمرين: أحدهما القَدْحُ في ثبوتها كما تقدّم أنها انفرد بها ابن مسهر وسيأتي ذلك، الثاني: أنه على فرض التسليم فانحصار علة الإِراقة فيها غير مُسَلَّم لاحتمال أن يكون في لعاب الكلب ما يسبّب ضررًا كما في جناح الذباب فيكون الأمر بالإِراقة من أجل ذلك والله أعلم. ولا ينافي ذلك التعبّد لأنه غير معقول لنا فهو بمثابة ما لا علة له.
المسألة الثالثة:
إذا علّل بالنجاسة فهل يدل على نجاسة عين الكلب أم لا؟ فذهب الجمهور القائلون بالتعليل بالنجاسة إلى أنه دليل على نجاسة عين الكلب وهو قول الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي ثور ونسبه القاضي عبد الوهاب إلى سحنون من المالكية على ما ذكر ابن العربي، وذكر أن أبا الهيثم الخراساني من أئمة الحنفية نقل عن أبي حنيفة القول بطهارته.
قال ابن دقيق العيد: ولهم في ذلك أي للقائلين بالنجاسة في الاستدلال بالحديث على نجاسة الكلب طريقان، أحدهما: (أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه فإنه جزء من فمه وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى). الثاني: (إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه ففمه نجس، والعرق جزء متحلّب من البدن، فجميع عرقه نجس فجميع بدنه نجس، فتبيّن بهذا أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم، وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط) اهـ.
قُلت: تَعقَّبه الصنعاني في حاشيته على العمدة ﵀ فقال: (قوله: "فإنه
стр. 264
جزء من فمه" فيه تسامح لأنه عرق فمه والعرق ليس بجزء من البدن، نعم متحلّب منه كسائر فضلاته، قال: وقوله: "فمه أشرف ما فيه" يحتاج إلى دليل؛ بل لو قيل: إنه أخبثه لأنه محل استعمال النجاسات لكان ظاهرًا) اهـ. قال ابن دقيق العيد بعد ذكر التقرير للتدليل على النجاسة بالاستنباط: (وفيه بحث وهو أن يقال: إن الحديث إنما دل على نجاسة الإِناء بسبب الولوغ وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين الفم وعين اللعاب أو تنجّسهما باستعمال النجاسات غالبًا، والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم أو عين اللعاب) اهـ. قلت: وتوضيح ذلك أنه إذا كان الحديث دل على احتمال كون نجاسة الإِناء بسبب كون اللعاب والفم نجسين واحتمال كونهما ليسا نجسين، ولكن الغالب عليهما تعاطي النجاسة فهما متنجسان لا نجسان، صار الحكم بأحد الأمرين لا يتم لتساويهما في الاحتمال، ثم ذكر ﵀ أنه يمكن الاعتراض على أن العلة التنجيس بأنه يستلزم أحد أمرين: إما ثبوت الحكم بدون علته، وإما تخصيص بدون مخصّص، وتوضيح ذلك أنه لو قلنا: أمر بغسل الإِناء من ولوغ جميع الكلاب والعلة التنجيس، ثم فرضنا أن كلبًا علمنا طهارة فمه بالغسل والحبس عن القذر أو غير ذلك، ثم ولغ في إناء فما حكمه؟ إن قلنا نغسل الإِناء أثبتنا الحكم بدون العلة التي هي تعاطي القذر، وإن قلنا: نترك غسله خصّصنا عموم الكلب بدون مخصّص، فهذا معنى عبارته ﵀.
ثم قال: ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال: الحكم منوط بالغالب وما ذكرتموه من الصورة نادر، ثم قال: وهذا البحث إذا انتهى إلى هذا يُقوِّي قول من يرى أن الغسل لأجل قذارة الكلب.
قال الصنعاني: مراده فيه بحث، لأنه ظهر ضعف كون العلة التنجيس على أحد الثلاثة التقادير، وإن لم يكن ذلك قَوِيَ أنه أمر تعبّدي لا للاستقذار.
تنبيه:
قال ابن دقيق العيد بعد ذكر قول المالكية بأن الأمر للتعبّد: (والحمل على التنجيس أولى لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبّدًا أو معقول المعنى كان حمله على كونه معقول المعنى أولى لندرة التعبّد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى) اهـ.
стр. 265
قال الصنعاني: دعوى كثرة ذلك ممنوع فإن الأحكام التعبّدية أكثر، ثم مثَّلَ لكثرتها بأحكام الصلاة في عدد الركعات والسجدات، وخصوص كل وقت بعدد معين إلى غير ذلك، ومثَّلَهُ في الزكاة في اختلاف النصب والوقت، وفي الحج أكثر لأن أعماله كلها تعبّدية، ثم قال: والعبودية بامتثال التعبّدية أظهر منها في المعقولة العلة، انتهى المراد منه والله الموفق للصواب.
وذهب مالك وشيخه ابن شهاب إلى طهارة عين الكلب وأنه كسائر الحيوان، وهو مروي عن عكرمة والبخاري، وقد استدلَّ له بما أخرج في صحيحه عن ابن عمر: "كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد". وبما تقدّمت الإِشارة إليه من حديث عدي في الصيد والآية الكريمة فيه.
المسألة الرابعة:
هل هذا الحكم خاص بالولوغ أو يعم سائر ملابسات الكلاب؟ ، قال ابن حجر ﵀: (ومفهوم الشرط في قوله: "إذا ولغ" يقتضي حصر الحكم على ذلك، ولكن إذا قلنا إن الأمر للتنجيس يتعدّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأما باقي أعضائه كيده ورجله فالمذاهب المنصوص أنه كذلك) اهـ. يعني مذهب الشافعي. قال النووي ﵀: (اعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئًا طاهرًا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبعًا إحداهن بالتراب) اهـ.
قُلت: وهذا مبني على ما تقدّم لابن دقيق العيد من أنهم يجعلون الحكم بالنجاسة في علة الغسل يستلزم نجاسة عين الكلب وتقدّم البحث في ذلك.
المسألة الخامسة:
هل يُلحَق بالكلب غيره من السباع؟ ذهب الشافعي إلى أن الخنزير كالكلب في هذه الأحكام، وهو المعمول به عند أصحابه وكذلك ما تولد منهما أو من أحدهما، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، وذكر الشوكاني في باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه في شرح حديث النهي عن لحوم الحمر: (وقال أحمد في أشهر الروايتين عنه: إنه يجب التسبيع يعني في سؤر ما لا يؤكل لحمه. قال: ولا أدري ما دليله، فإن كان القياس على لعاب الكلب فلا يخفى ما فيه، وإن كان غيره فما هو؟ ) اهـ.
стр. 266
وللشافعي قول آخر قوّاه النووي من حيث الدليل، وهو عدم الإِلحاق المذكور، ولأصحاب أحمد قول بعدم جواز الوضوء بسؤر ما لا يؤكل لحمه إلا الهر فما دونه في الخلقة، ولم يوافق الشافعي في هذه المسألة والتي قبلها من الفقهاء إلا أحمد، وظاهر كلام ابن قدامة نسبة القول بالنجاسة في الخنزير كالكلب إلى أبي عبيد.
المسألة السادسة:
هل يكون الكلب هنا عامًّا وهو قول سائر الفقهاء وال فيه للجنس أو للحقيقة؟ أو يكون خاصًا؟ وهو مروي كما تقدّم عن بعض المالكية فجعله خاصًا بالكلب الذي نُهِيَ عن اتخاذه بناء على ما يحصل من المشقة لصاحبه، وهي عنده منافية للرخصة فيه، والمشهور في مذهب مالك أنه لا فرق في الكلاب في هذا الحكم، وروي عن ابن الماجشون تخصيصه بكلب البادية ولا وجه له؛ بل لو كان بالعكس لكان أولى لأن غسل الإِناء في البادية على الدوام أصعب منه في المدن.
المسألة السابعة:
هل يلحق بالإِناء ما ولغ فيه الكلب من غير الأواني؟ تقدّم كلام النووي، ونقله لمذهب الشافعية في التسوية، ونحوه لابن حجر وتعميمه للحكم في كل ما لابسه الكلب في المسألة الرابعة.
المسألة الثامنة:
هل تجب إراقة ما في الإِناء الذي ولغ فيه الكلب؟ الكلام عليها في الحديث الثالث.
المسألة التاسعة:
هل تتعين السبع أو يكفي أقل منها أو تجب الثمان؟ أما اعتبار السبع فقد قال به جمهور العلماء حتى من يقول إن الأمر للتعبّد لا للنجاسة وذلك لثبوته في أكثر الروايات بل في جميع الروايات الصحيحة في الصحيحين وغيرهما. وذهب الإِمام أبو حنيفة ﵀ إلى عدم وجوب السبع، وقال: إنه يكفيه أن يغسله ثلاثًا وإنه كسائر النجاسات التي لا يطلب فيها أكثر من الغسل حتى تزول، واحتجوا بأن أبا هريرة روى السبع، وروى الثلاث، وذلك يقتضي نسخ
стр. 267
السبع بالثلاث. وقد تقدّم الكلام على هذه الرواية في تخريج الحديث وأنها لا تصلح للاستدلال بها. قالوا: وقياسًا على ما ورد في غسل يد القائم من النوم، وقد تقدّم ما فيه وردت رواية الثلاث باحتمال كونه أفتى بذلك لاعتقاده أن الغسل سبعًا غير واجب؛ بل هو مندوب إليه، وبأنه قد رُوِيَ عنه الغسل سبعًا، ودعوى النسخ عريضة لا برهان عليها ورواية الحديث الذي رُوِيَ عنه بالسبع أصح وأولى من جهة النظر، فإنها من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا في غاية الصحة، ورواية الثلاث تقدّم أنها موقوفة ويحتمل أن تكون فتيا، والرواية مقدّمة عليها. وتقدّم أن العيني احتج بأنه ليس بأغلظ من العذرة.
قُلت: وهو يرجع إلى قياس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار، فقول الجمهور في هذا واضح لا غبار عليه والله أعلم. وليست دعوى نسخ السبع بالثلاث بأولى من العكس وهو نسخ الثلاث بالسبع. أما الخلاف في الثامنة فسيأتي بإذن الله عند الكلام على التتريب بعد حديثين.
المسألة العاشرة:
هل يتعين التراب؟ ستأتي في بابها كذلك.
المسألة الحادية عشرة:
في أي غسلة يكون التراب؟ .
المسألة الثانية عشرة:
هل يحكم بنجاسة ما في الإِناء؟ ستأتي أيضًا عند ذكر الإِراقة. والله أعلم.
٦٤ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
• [رجاله: ٦]
١ - إبراهيم بن الحسن بن الهيثم الخثعمي أبو إسحاق المصيصي المقسمي، روى عن حجاج بن محمَّد والحارث بن عطية ومحمد بن يزيد وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وموسى الحمَّال وابن أبي داود وغيرهم،
стр. 268
وكتب عنه أبو حاتم وقال: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر ليس به بأس. قال ابن حجر: وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.
٢ - الحجاج بن محمد المصيصي: تقدم ٣٢.
٢ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: تقدم ٣٢.
٤ - زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني أبو عبد الرحمن، سكن مكة ثم تحول منها إلى اليمن، وكان شريك ابن جريج، وروى عن ثابت بن عياض الأحنف وأبي الزناد وعبد الله بن الفضل والزهري وعمرو بن مسلم الجندي وابن عجلان وأبي الزبير المكي وحميد الطويل وهلال بن أسامة وغيرهم، وعنه مالك وابن جريج وابن عيينة وهمام وأبو معاوية وزمعة بن صالح وعِدَّةٌ، قال ابن عيينة: كان عالمًا بحديث الزهري، وقال أيضًا: كان أثبت أصحاب الزهري. وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال مالك: "حدثنا زياد بن سعد وكان ثقة من أهل خراسان سكن مكة وقدم علينا المدينة وله هيئة وصلاح"، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من الحفاظ المتقنين. وقال الخليلي: ثقة يحتج به. وقال ابن المديني: كان من أهل الثبت والعلم. قال العجلي: مكي ثقة والله أعلم.
٥ - ثابت بن عياض الأعرج العدوي مولاهم وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض روى عن ابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وأنس بن مالك وأبي هريرة، وعنه زياد بن سعد وسليمان والأحول وعمرو بن دينار وفليح بن سليمان ومالك بن أنس وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وقال زياد بن سعد قيل لثابت: أين سمعت من أبي هريرة؟ قال: كان مواليَّ يبعثونني يوم الجمعة آخذ مكانًا، فكان أبو هريرة يجيء يحدث الناس قبل الصلاة. قال ابن المديني: معروف. ووثقه أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في الثقات في موضعين. والله أعلم.
٦ - أبو هريرة تقدم.
تقدم الكلام على الحديث في الرواية الأولى.
٦٥ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هِلَالُ بْنُ أُسَامَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
стр. 269
هذه الطريق رجالها تقدموا في التي قبلها إلا واحدًا.
٥ - وهو هلال بن علي بن أسامة، ويقال هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم المدني، وبعضهم نسبه إلى جده فقال: هلال بن أسامة، روى عن أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي عمرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وأبي ميمونة المدني، وروى عنه يحيى بن أبي كثير وزياد بن سعد ومالك وفليح وسعيد بن أبي هلال وعبد العزيز بن الماجشون. قال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الواقدي: مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك. وذكر صاحب الكمال في الرواة عنه محمَّد بن حمران وهو خطأ، فإنه لم يدركه وإنما ذلك هلال ابن أبي زينب. قال ابن حجر: تقدم في ترجمة هلال بن أبي زينب أن أبا عون تفرد بالرواية عنه. وأما محمَّد بن حمران فقد ذكره أبو حاتم فيمن روى عن هلال بن علي هذا، فظهر أن الصواب مع صاحب الكمال. والله أعلم. وقال الدارقطني: هلال بن علي ثقة، وقال مسلمة في الصلة: ثقة قديم ولهم شيخ آخر يقال له: هلال بن أسامة الفهري، مدني روى عن ابن عمر، وعنه أسامة بن يزيد الليثي وحده، وقد خلطه بعضهم بالذي قبله والصواب التفريق. والله أعلم.
٥٢ - الأَمْرِ بِإِرَاقَةِ مَا فِي الإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ
٦٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ بْنَ عَلِي مُسْهِرٍ عَلَى قَوْلِهِ "فَلْيُرِقْهُ".
• [رجاله: ٦]
١ - علي بن حجر: تقدم ١٣.
٢ - علي بن مسهر القرشي أبو الحسن الكوفي الحافظ قاضي الموصل. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وموسى
стр. 270
الجهني وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وجماعة، وعنه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وخالد بن مخلد وزكريا بن عدي وعلي بن حجر وآخرون. قال أحمد: صالح الحديث أثبت من أبي معاوية، وسأل عثمان الدارمي ابن معين عنه، وعن يحيى بن أبي زائدة فقال: كلاهما ثقة. قال ابن معين: قال ابن نمير: كان قد دفن كتبه. قال يحيى: هو أثبت من ابن نمير. قال العجلي: قرشي من أنفسهم كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة.
قال أبو زرعة: ثقة صدوق، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ١٨٩ هـ. وعن ابن معين أنه ولي قضاة أرمينية فاشتكى عينه فدس إليه القاضي الذي كان بها طبيبًا فَكَحّله فذهبت عينه فرجع إلى الكوفة أعمى. قال العجلي: أيضًا صاحب سنة ثقة في الحديث ثبت فيه صالح الكتاب كثير الرواية عن الكوفيين. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. قال أحمد: لا أدري كيف أقول فيه، قد ذهب بصره فكان يحدثهم من حفظه. والله أعلم.
٣ - الأعمش سليمان بن مهران: تقدم ١٨.
٤ - أبو رزين مسعود بن مالك الأسدي من أسد خزيمة مولى أبي وائل الكوفي، روى عن معاذ بن جبل وابن مسعود وعمرو بن أم مكتوم وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وابن عباس ومصدع بن يحيى والفضل بن بندار وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله وإسماعيل بن أبي خالد وعاصم بن أبي النجود وعطاء بن السائب والأعمش وعلقمة وجماعة غيرهم. قال أبو زرعة: اسمه مسعود كوفي ثقة. قال أبو حاتم: شهد صفين مع علي. قال يحيى: كان أكبر من أبي وائل وكان عالمًا فهمًا. وعن عاصم قال لي أبو وائل: ألا تعجب من أبي رزين قد هرم وإنما كان غلامًا على عهد عمر وأنا رجل. قلت: فهذا يدل على أنه أصغر منه خلاف ما قاله يحيى، وقع ذكره في البخاري في الحيض من صحيحه، ذكره ابن حبان في الثقات، قيل: إنه قتله ابن زياد بالبصرة. قال ابن حجر: وأبو رزين آخر أسدي روى عن سعيد بن جبير، اسمه مسعود بن مالك، وجعلهما الحاكم أبو أحمد في الكنى واحدًا وذلك وهم لاتفاقهما في الاسم واسم الأب والنسبة إلى القبيلة، والأعمش روى عن كل واحد منهما. قال ابن حجر: الذي ظهر أن أبا رزين الأسدي
стр. 271
المسمى بعبد هو المقتول من عبيد الله بن زياد سنة ٦٠ هـ، أو قبلها، وأن أبا رزين المسمى بمسعود بن مالك آخر تأخّر إلى حدود التسعين. والله أعلم. وذكر ابن قانع موته سنة ٨٥ هـ. وقال خليفة: بعد الجماجم، وأنكر شعبة سماعه من ابن مسعود، وأنكر القطان سماعه من ابن أم مكتوم. قلت: على ما تقدم عن عاصم من أنه كان صبيًا في خلافة عمر يتعذر سماعه من ابن أم مكتوم، على أن ابن أم مكتوم قتل بالقاصية وذلك أول خلافة عمر. والله أعلم.
٥ - أبو صالح ذكوان السمان: تقدم ٤٠.
٦ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
تقدم أن هذه الرواية أخرجها مسلم والمصنف، وأنها لا تُعرف لغير ابن مسهر هذه الزيادة.
وهذا الحديث هو حديث أبي هريرة السابق، وقد تقدم أن هذه الزيادة التي هي قوله: (فليرقه) انفرد بها علي بن مسهر وتقدم الكلام عليها في شرح الرواية الأولى من الروايات في الحديث رقم ٦٣.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (فليرقه) وفي رواية: "فليهرقه" ويهرق ويرق بمعنى: من أراق وهراق الماء إذا صبه. والأصل: أريق، ولكنهم أحيانًا يستعملون الهاء بدل الهمزة. قال الحارث بن المري:
سفهنا باتباع بني بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا
سفاهة مختلف لما تروى ... هراق السماء واتبع السرايا
أراق ماء، ظنًا أن السراب ماء.
• الأحكام والفوائد
تم شرح الحديث وبقي هنا مما يتعلق به مسألتان كما تقدمت الإشارة إليه وهما: هل تجب إراقة ما في الإناء؟ والثانية: هل يحكم بنجاسته؟
أما المسألة الأولى منهما فإن جماهير العلماء على وجوب الإراقة لما قدَّمنا من أنهم عللوا الأمر لنجاسة، ولا فرق في ذلك عندهم بين طعام يصح فيه
стр. 272
الولوغ وماء، لعموم الأمر في ذلك، وأما مالك ﵀ فلأنه لا يرى نجاسته ويرى أن الغسل تعبدي فالصحيح عنه أن الماء يراق لسهولة أمره، وأما الطعام عنده فلا يراق لما فيه من الإفساد. قال ابن عبد البر في الاستذكار: (فجملة مذهب مالك عند أصحابه اليوم أن الكلب طاهر وأن الإناء يغسل منه عبادة ولا يهراق شيء مما ولغ فيه عن الماء وحده ليسارة مؤنته، وأن من توضأ به إذا لم يجد غيره أجزاه. قال: واحتج أنه يؤكل صيده فكيف يكره لعابه، وقال مع هذا كله: لا خير فيما ولغ فيه الكلب لا يتوضأ به أحب إليّ. قال: وقد روى عنه ابن وهب أنه لا يتوضأ بما ولغ فيه كلب ضاريًا كان الكلب أو غير ضار، ويغسل الإناء منه سبعًا. قال: وقد كان مالك .. أمره يفرق بين كلب البادية وغيره. وقال داود: سؤر الكلب طاهر وغسل إناء منه سبعًا فرض إذا ولغ فيه وما في الإناء من طعام أو شراب أو ماء فهو. . . يؤكل الطعام ويتوضأ بذلك الماء ويغسل سبعًا لولوغه فيه) اهـ من الاستذكار. قال ابن عبد البر: "حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثم ساق بسنده إلى الأوزاعي وعبد الرحمن بن نمر أنهما سمعا ابن شهاب الزهري يقول في إناء قوم ولغ فيه كلب فلم يجدوا ماء غيره، قال: يتوضأ به، قال الوليد: فذكرته لسفيان فقال: هذا والله الفقه يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا ماء، وفي النفس منه شيء فأرى أن يتوضأ منه ويتيمم". اهـ. قلتُ: وهذا يدل على أن مذهب الزهري وسفيان عدم القول بالنجاسة في الكلب وفيما ولغ فيه؛ لأن نجاسة ما ولغ فيه الكلب تتوقف على الحكم بنجاسته ولا دليل عليها أصلًا إلا ذلك كما تقدم.
ومن هذا يتبين حكم المسألة الثانية من المسألتين السابقتين، وتقدم أن جمهور الفقهاء يقولون: بالنجاسة في الماء وغيره مما ولغ فيه الكلب وكذا في الكلب استلزامًا، منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والطبري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، إلا أن أبا حنيفة لا يشترط السبع في الغسلات، وقال الثوري، والليث بن سعد مثل قول أبي حنيفة: يغسل الإناء حتى تتحقق إزالة النجاسة ولا يتعين العدد وقد ضعَّف الجمهور هذا القول، وفرَّق الأوزاعي بين سؤر الكلب في الإناء وفي غيره: كالظاهرية فقصر الحكم على الإناء. والله أعلم.
والذي يترجح عندي في المقام: أن مسألة ولوغ الكلب والخلاف فيها
стр. 273
من حيث الحكم بالنجاسة فيما ولغ فيه وفي عين الكلب، الظاهر: أن أدلة القائلين بالطهارة في ذلك أقوى، ولكن العمل بالقول بالنجاسة أحوط، والقائلين به أكثر والله أعلم. وهذه الروايات الثلاث ليس فيها ذكر التراب، فرواية الأعرج التي ذكرها مالك وثابت الأعرج وأبو سلمة اتفق الثلاثة على عدم ذكر التراب. . . مالك ومن وافقه لا يرون التتريب، لكن ثبت عن أبي هريرة من طرق صحاح فتعين القول به على كل من بلغه ذلك أو وقف عليه -كما هو الشأن في نصوص السنّة- كل من قال قولًا وثبت خلافه في السنة فلا معنى للتمسك بقوله. والله الموفق للصواب.
٥٣ - باب تَعْفِيرِ الإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ بِالتُّرَابِ
٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ، وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ".
• [رجاله: ٦، تقدم منهم ٤]
١ - محمَّد بن عبد الأعلى: تقدم ٥.
٢ - خالد بن الحرث الهجيمي: تقدم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - عبد الله بن المغفل المزني ﵁: تقدم ٣٦.
٥ - يزيد بن حميد أبو التياح الضبعي البصري، روى عن أنس بن مالك وأبي عثمان النهدي وأبي الوداك وحفص الليثي والحسن البصري وثمامة بن عبد الله بن أنس وأبي حمزة الضبعي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم، وعنه سعيد بن أبي عروبة وشعبة وعبد الوارث بن سعيد والحمَّادان وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وعن شعبة: كنا نكتبه أبا حماد، وبلغني أنه كان يُكنَّى أبا التياح وهو صغير. قال أبو إسحاق: سمعت أبا أياس يقول: ما بالبصرة أحد أحبّ إليّ أن ألقى -الله تعالى- بمثل
стр. 274
عمله من أبي التياح. وذكره ابن حبان في الثقات، قال مسلم بن الحجاج: مات بسرخس، وقال الترمذي: وعمرو بن علي مات سنة ١٢٨ هـ، قال ابن حبان: سنة ١٢٨ هـ أو سنة ١٣٠ هـ، وقال ابن خياط: ١٣٠ هـ، قال الحاكم: ثقة مأمون، والله أعلم.
٦ - مطرف بن عبد الله بن الشخير بن الحريش العامري أبو عبد الله البصري، روى عن أبيه وعثمان وعلي وأبي ذر وعمار بن ياسر وعياض بن حمار وعبد الله بن مغفل وعثمان بن أبي العاص وعمران بن حصين وعائشة ومعاوية وأبي مسلم الجرمي وغيرهم، وعنه أخوه أبو العلا يزيد وابن أخيه الآخر عبد الله ابن هانئ بن عبد الله بن الشخير وحميد بن هانئ بن عبد الله بن الشخير وحميد بن هلال ويزيد الرشك وأبو نضرة والحسن البصري وغيلان بن جرير وثابت البناني وأبو التياح وغيرهم، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة قال: وروى عن أُبيِّ بن كعب، وكان ثقة ذا فضل وورع وأدب. قال العجلي: كان ثقة ولم ينج من أهل البصرة من حسد (١) ابن الأشعث إلا مطرف وابن سيرين. قال مهدي بن ميمون: عن غيلان بن جرير، كان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبًا فأمته فخر ميتًا، وعن غيلان أن مطرفا كان يلبس المطارف، ويركب الخيل ويغشى السلطان، ولكن إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين. وقال يزيد بن عبد الله بن الشخير: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين ومطرف أكبر مني بعشر سنين. قال ابن سعد: تُوفي في أول ولاية الحجاج. وقال عمرو بن علي والترمذي: مات سنة ٩٥ هـ. قال ابن حجر: الأشبه من كلام ابن سعد أنه مات في آخر ولاية الحجاج فلا مخالفة حينئذ بين القولين. وذكر له ابن سعد مناقب كثيرة، منها عن قتادة: كان مطرف وصاحب له سائرين في ليلة مظلمة فإذا طرف عصا أحدهما منيرة فقال صاحبه: لو حدّثت الناس بهذا لكذبونا فقال مطرف: المكذب أكذب. قال العجلي: بصري ثقة من كبار التابعين رجل صالح. وذكر جماعة منهم ابن حبان أنه مات في طاعون سنة ٧٨ هـ، قال ابن حبان ولد في حياة -النبي ﷺ وكان من عبَّاد أهل البصرة وزهادهم والله أعلم.
стр. 275
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن منده والبيهقي والدارقطني وأخرجه الدارمي في الطهارة وكذا ابن الجارود.
• اللغة والإِعراب والمعنى
(عفروه) التعفير هو جعل الشيء في التراب، أو جعلها عليه، يقال: مرغه في التراب يعفره عفرا وعفَّره يعفره تعفيرًا. فعفر وانعفر إذا مرَّغَهُ فيها، ومنه قول أبي جهل لعنه الله: (هل يعفر محمَّد وجهه في التراب) وقول كعب بن زهير ﵁:
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل
فالمعفور المترَّب والمعفَّر، والعفَّر ظاهر التراب، قال حسان ﵁:
فخرتم باللواء وشر فخر ... لواء حين رد إلى صؤاب
جعلتم فخركم فيه لعبد ... ألأم من يطا عفر التراب
يُعيِّر قريشا يوم أحد لما قتل حملة اللواء من عبد الدار فأخذه عبدهم صؤاب. والمراد هنا: جعل التراب فيه وفحصه بها كما يأتي إن شاء الله، وهل يكفي ذر التراب أو لا يكفي إلا أن يعرك به بعد خلطه بالماء.
وقوله: (عفروه الثامنة) أي الغسلة الثامنة، فالثامنة صفة لمحذوف فهو من إقامة الصفة مقام الموصوف بعد حذفه، وهي يحتمل أنها ظرف للتعفير، وذلك على رأي من يرى الأخذ بظاهر رواية ابن مغفل وأن الغسلات ثمان والتراب في الثامنة منها، فالتقدير عفروه في الثامنة بالتراب، أو منصوب بنزع الخافض، وأما على رأي من يرى أن الغسلات سبع فقط فيقول إن المعنى عفروه مع الغسلات بالتراب فتكون التراب بمنزلة غسلة ثامنة.
• الأحكام والفوائد
هذا الحديث يدل على غسل الإِناء من ولوغ الكلب كالذي قبله، وفيه: زيادة المسألة التي تقدمت الإِشارة إليها وهي: جعل التراب في تطهير الإِناء من ولوغ الكلب، وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، ومثله لأحمد وللترمذي والبزار "أولاهن" أو "أخراهن"، ولأبي عبيد في كتاب الطهور: "إذا
стр. 276
ولغ الكلب في الإِناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن" قُلتُ: وأخرج الدارقطني من رواية الجارود بن يزيد وهو متروك بلفظ: "أولاهن أو إحداهن". وأخرج أبو داود حديث أبي هريرة من رواية موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان حدثنا قتادة أن محمَّد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإِناء فاغسلوه سبع مرات الثامنة بالتراب" وتقدم الكلام على هذه الرواية وترجيح الجمع بها، أي أن الأولى أن يكون المراد وجود التراب في إحدى الغسلات لا بعينها.
فلذلك اختلف العلماء، فمذهب مالك أن غسل الإِناء من ولوغ الكلب ليس فيه تُراب لأنه لم يرو ذلك في الحديث عنده، فلم يقل هو ولا أتباعه بالتتريب. قال ابن عبد البر في الاستذكار: "قد روى هذا الحديث عن أبي هريرة جماعة منهم الأعرج ثم ذكر تسعة قال لم يذكروا التراب في أول الغسلات ولا في آخرها" قال البيهقي: ذكر التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة عن أبي هريرة غير ابن سيرين. وقد ذكر ابن حجر أنه رُوِيَ من طرق أخرى وأعلَّها كلها. قلت: وهذا لا يقدح في صحتها فإنها ثبتت من طريق صحيحة وسبيلها سبيل زيادة العدل وهي غير مخالفة فيجب قبولها، ولهذا قال القرافي: (وصحت بها الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها) اهـ. قُلت: وقد احتج بعضهم لعدم القول بها بأن الروايات بها مضطربة أي في محل التراب، وأجيب: بأن اختلاف الروايات في محل التراب إذا حمل على التخيير أو أن المراد حصول التراب في إحدى الغسلات لم يبق وجه لتعليل الخبر به، أي بالاضطراب.
وقالت الحنفية أيضًا والثوري والليث بن سعد: لا يشترط التراب بناء على أن غسل الإِناء يطهره فلا يحتاج إلى أكثر من الغسل حتى تزول النجاسة. وقال بالتتريب جمهور الفقهاء غير هؤلاء إلا أنهم اختلفوا في محله لاختلاف الروايات في ذلك، فإن مُقتضى رواية مسلم عن أبي هريرة السابقة أنها في الأولى ومثلها لأحمد. والروايات الأخر تقتضي أحد أمرين إما الشك في محلها، وإما التخيير، وبعضها صريح في التخيير لكنه ضعيف كما قدمنا فلهذا ذهب جماعة إلى أنها الأولى، وجماعة إلى التخيير، وقالوا إن الغرض حصول غسلة من الغسلات فيها تراب وهذا قد يحصل به الجمع بين هذه الروايات
стр. 277
وتبقى رواية ابن المغفل كما سيأتي -إن شاء الله-، وهذا الجمع رجَّحه النووي كما سيأتي وهو قول الجمهور، وقال بظاهر حديث ابن مغفل أحمد في رواية حربٍ، والحسنُ البصري، وقد احتج من خالفهم أو بعضهم بأن حديث أبي هريرة أرجح، ورُدّ بأنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع وهو هنا ممكن ولأن رواية الثامنة تدخل فيها السابعة فهي مشتملة على السابعة وزيادة.
وهذه الزيادة زيادة ثقة يجب قبولها، وأيضًا لو سير إلى الترجيح لكان عدم القول بالتتريب أرجح، لأن رواية أبي هريرة بدونه أرجح وقد تقدم ما يدل على ذلك ولكنهم قالوا به على سبيل قبول زيادة الثقة. وأما كونه في الأولى أو الثامنة أو السابعة فعلى ما ورد في الحديث من رواية "أو" وَكَونُها مَرْفوعة فهي تدل على التخيير في محل التراب من الغسلات ويكون تعيين الأولى أو السابعة ليس فيه تعارض، ويدل على هذا رواية "إحداهن" فهي تُقوِّي القول بالتخيير ويرتفع الإِشكال بين الروايتين، لكن يبقى في رواية ابن مغفل ﵁ فإن ظاهرها أن الغسلات ثمان فيبقى الإِشكال بينها وبين السبع في الروايات الأخر، وقد ذكر النووي وابن دقيق العيد: أنه يجمع بينهما باعتبار أن الغسلة التي فيها التراب بغسلتين، وتنزيل جعل التراب منزلة غسلة فيكون بهذا الاعتبار عدد السبع من الماء والثامنة باعتبار التراب. وقد يُرجِّحون كون التراب في الأولى لأنه يكون الغسل بعدها فيظن منها بخلاف كونها في الأخيرة فيحتاج إلى زيادة الغسل لإِزالتها، وهذا الجواب والترجيح حسن لكن ظاهر الحديث لا يساعد عليه لأنه يدل على أن غسلة التراب إما مع غسلة ثامنة بالماء والتراب فيه أو أن العدد من الماء سبع وبعده التراب باعتبار أنه على السابعة من الماء فكأنه زاد بعدها لأن لفظ الثامنة إنما يصدق حقيقة حسب ظاهر الرواية بغسلة مائية ثامنة أو يتجوَّز فيه باعتبار التراب على أن غسلات الماء حصل التراب في السابعة منها فزاد على السبع من الماء، وهذا يُرجِّح رواية أبي هريرة "السابعة بالتراب" أي مصْحوبة به وقد قال بظاهر الحديث الحسن البصري وأحمد في رواية حرب عنه وتقدم أنهم ألزموا الشافعية القول به ولكنهم لم يقولوا به كما تقدم. والله أعلم بالصواب.
стр. 278
٥٤ - باب سُؤْرِ الْهِرَّةِ
٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً مَعْنَاهَا فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ".
• [رواته ٦ - تقدم منهم ٤]
١ - قتيبة: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - إسحاق بن عبد الله: تقدم ٢.
٤ - أبو قتادة الحارث الربعي: تقدم ٢٤.
.. وامرأتان.
٥ - حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية الزرقية أم يحيى المدنية، روت عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك وعنها زوجها إسحاق بن عبيد الله بن أبي طلحة وابنها يحيى بن إسحاق، وقال: في حديثه عن أمه عن أبيها في تشميت العاطس. ذكرها ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: رواية يحيى بن إسحاق عن أمه حميدة من غير شك في معرفة الصحابة لأبي نعيم اهـ. والله أعلم.
٦ - كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية روت عن أبي قتادة -وكانت زوج ابنه عبد الله بن أبي قتادة- في الوضوء، وعنه بنت أختها حميدة بنت عبيد بن رفاعة زوج إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. قال ابن حجر: قال ابن حبان: لها صحبة وتبعه الزبير بن بكار وأبو موسى. والله أعلم.
• التخريج
أخرجه مالك في الموطأ، والإِمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي والبيهقي والعقيلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والشافعي،
стр. 279
والدارقطني، وأبو يعلى، وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني وصححه الحاكم، وسكت عليه الذهبي وذكر الدارقطني في الأفراد طريقًا غير طريق مالك فرواه من طريق الدراوردي عن أسيد بن أبي أسيد عن أبيه: أن أبا قتادة كان يصغي الإِناء للهرة فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها فقيل له: أتتوضأ بفضلها، فقال: "إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم".
قال ابن حجر: "وأعله ابن منده فقال: حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة ولا يعرف لهما إلَّا هذا الحديث.
وتعقَّب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود، قال: ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، قال: وأما خالتها حميدة فروى لها ابنها يحيى مع إسحاق وهو ثقة عند ابن معين. وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها" اهـ. والله أعلم. وحميدة تروي بفتح الحاء وضمها فتبين أن الحديث ثابت والقدح فيه غير مُسلَّم. والله أعلم.
• اللغة والإِعراب والمعنى
(الهرّة): هي القطة الحيوان المعروف و (أصغي) بمعنى أمال الإِناء وحرفه لها، يقال: صَغَا يصغو كدعا يدعو ويصغى كسعى يسعى. وفي المحكم يصغي بالكسر صغوًا مصدر للبابين وصغي يصغي كرضي يرضي. صغًا بالقصر وصغيًا كعتي مال. اهـ.
وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الراكب قال ذو الرمة:
تصغي إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
وقوله: (فشربت) أي شرعت لتشرب منه.
وقوله: (ليست بنجس) ضد الطاهر وفيه خمس لغات كما ذكره صاحب التاج وغيره وهي النَّجَس بفتحتين والنَّجِس بفتح وكسر والنَّجُس بفتح فضم والنجْس بفتح فسكون والنِّجْس بكسر فسكون ونجس ثوبه ونجس كسمع وكرم.
والمعنى: أن أبا قتادة دخل على كبشة بنت كعب بن مالك وهي زوج ابنه عبد الله (فسكبت) أي صبت له ماء للوضوء في إناء فجاءته هرة لتشرب منه فأمال
стр. 280
الإِناء نحوها حتى شربت فجعلت المرأة تنظر إلى فعله متعجبة منه فعرف ذلك من حالها فقال: (أتعجبين) أي مما رأيتني صنعت بهذه الهرة لأنه عرف أن إنكارها لذلك استقذارًا للهرة فإنها لا تجتنب النجاسات وتأكل الحشرات فأخبرها بأن النبي ﷺ قال: إنها ليست بنجس وإنها من الأشياء التي تطوف على الناس ولا تنفك منهم، والتحرز منها يشق فلذلك لم يعتبر الشرع تعاطيها للأقذار مقتضيًا لنجاسة عينها ولا سؤرها.
• الأحكام والفوائد
الحديث دل على طهارة سؤر الهرة وهو قول جمهور فقهاء الإِسلام، مالك وأحمد والشافعي وأبي يوسف القاضي والحسن بن صالح والأَوزاعي ونسبه ابن عبد البر للعباس وابنه عبد الله وعلي بن أبي طالب وابن عمر وعائشة وأبي قتادة والحسن والحسين وعلقمة وإبراهيم وعكرمة وعطاء بن يسار ذكره ابن عبد البر.
قال: واختلف في ذلك عن أبي هريرة والحسن البصري، فروى عطاء عن أبي هريرة أن الهر كالكلب يغسل منه الإِناء سبعًا، وروى أبو صالح ذكوان عنه قال: "السِّنور من أهل البيت" روى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا بسؤر السِّنور. وروى يونس عنه يغسل الإِناء منه مرة. قال ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ رُوِيَ عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره إلَّا أبا هريرة على اختلاف عنه، ثم ذكر جماعة من التابعين ابن المسيب وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح أنهم أمروا بإراقة ماء وَلَغَ فيه الهر، وغسل الإِناء منه، قال: وسائر التابعين بالعراق والحجاز يقولون في الهر إنه طاهر لا بأس بالوضوء بسؤره، ثم الحجة عند التنازع سنة رسول الله ﷺ وقد صح عنه ما ذكرنا من حديث أبي قتادة وعليه اعتماد الفقهاء في كل قطر إلا الإِمام أبا حنيفة ومن قال بقوله. قال أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزي: الذي صار إليه جلُّ أهل الفتوى من علماء الأمصار من أهل الأثر والرأي جميعًا أنه لا بأس بسؤر السنور اتباعًا للحديث الذي روينا يعني حديث أبي قتادة، وقال: وممن ذهب إلى ذلك الإِمام مالك بن أنس، وأهل المدينة، والليث ابن سعد فيمن وافقه من أهل العراق، قال الأوزاعي في أهل الشام وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل
стр. 281
العراق قال: وكذلك قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وجماعة أصحاب الحديث. قال: وكان النعمان يعني أبا حنيفة يكره سؤره وقال إن كان توضأ به أجزاء وخالفه أصحابه، فقالوا: لا بأس به وتعقبه ابن عبد البر ﵀ قائلًا إنما خالفه أبو يوسف وحده وأما محمَّد وزفر والحسن بن زياد فيقولون بقوله، وأكثرهم يرون أنه لا يجزئ الوضوء بفضل الهر ويحتجون لذلك، ويروون عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كرها الوضوء به وهو قول ابن أبي ليلى، ثم ذكر الاختلاف عن الثوري فقيل: إنه يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه وهو ممن يكره أكل الهر، وأسند المروزي عنه أنه قال: لا بأس به. قال أبو عمر ﵀: لا أعلم لمن كره سؤر الهرة حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بينهما في التعبد، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر، ومن حَجّته السنة خصمته، وقال: ومن حجتهم أيضًا ثم ذكر رواية قرة بن خالد عن أبي هريرة ثم عللها بما حاصله الشذوذ وفيها الأمر بغسل الإِناء من الهرة مرة أو مرتين.
وذكر ابن عبد البر: أن الحديث فيه إباحة اتخاذ الهرة وما أبيح اتخاذه جاز بيعه، وأكل ثمنه، إلَّا أن يخص شيئًا من ذلك دليل فيخرجه عن أصله، وفيه: أن الهر ليس يُنَجِّس ما شرب منه، وأن سؤره طاهر وقد تقدم ذلك وأن ما أبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر لأنه من الطوافين علينا، ومعنى الطوافين علينا الذين يخالطوننا. وقد تقدم ذلك، ومنه قوله تعالى في الأطفال: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ثم ذكر أن طهارة الهر تدل على طهارة الكلب أي من هذا الوجه، وأنه ليس في حي نجاسة سوى الخنزير والله أعلم، لأن الكلب من الطوافين علينا ومما أبيح لنا اتخاذه في مواضع من الأمور، وإذا كان حكمه في تلك المواضع كتلك فمعلوم أن سؤره في غير تلك المواضع كسؤره فيها، لأن عينه لا تنتقل، ثم ذكر أنه يدل على أن غسل الإِناء من الكلب تعبدي لمفارقته لصفة غسل النجاسات على ما تقدم اهـ. باختصار قلت: هذا يتجه أكثره في الكلب المأذون في اتخاذه والله أعلم، غير أن الحديث يدل على عموم الحكم فيه، وفي الحديث دليل على أن الرواية يستوي فيها الرجال والنساء لأن المعتبر الحفظ والضبط مع السلامة من القوادح.
стр. 282
٥٥ - باب سُؤْرِ الْحِمَارِ
٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ".
• [رجاله ٥]
• [كلهم تقدموا]
١ - محمَّد بن عبد الله بن يزيد، تقدمت ترجمته رقم ١١.
٢ - سفيان بن عينية: تقدم ١.
٣ - أيوب بن أبي تميمة: تقدم ٤٨.
٤ - محمَّد بن سيرين: تقدم ٥٧.
٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من غير رواية أنس، وأخرجه الدارمي وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد من رواية ابن عمر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند الكلام على لحم الحمر.
• اللغة والإِعراب والمعنى
قوله: (ينهاكم) بضمير الفرد على أن الناهي هو الله، والرسول مبلغ عنه أو أن ذكر الله للدلالة على أن نهي الرسول نهي الله، والخبر عند النحويين في مثل هذا محذوف، إما خبر الأول وخبر الثاني دليل عليه وإما بالعكس، فعلى الأول إن الله ينهاكم ورسوله ينهاكم والمحذوف هو الأول على حد قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه، وهو لقيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
التقدير: نحن بما عندنا راضون، ومثله قول عمير بن ضابئ أحد البراجم:
стр. 283
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيَّارٌ بها لغريب
التقدير: فإني بها غريب وقيار غريب، ولو شئت عكست فقلت: فإني غريب وقيار كذلك، وقول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريّا ومن أجل الطويّ رماني
التقدير: كنت بريًا ووالدي، وفي القرآن ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأعاد الضمير في الخبر على أحد المذكورين وذكر السندي أن فيه رواية ينهيانكم بالتثنية، اهـ.
قلت: لكن مثل هذا قد ورد فيه حديث الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى مع أنه ورد في الصحيح: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وورد مثل قول الخطيب في خطبة النبي ﷺ فإنه قال فيها: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه. قال ابن حجر عند قوله ﷺ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال: فيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال ومن يعصهما: "بئس الخطيب أنت" فليس من هذا لأن المراد في الخطب الإِيضاح وأما هنا فالمراد الإِيجاز في اللفظ ليحفظ ويدل عليه أن النبي ﷺ قاله في موضع آخر، قال: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه، واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في خطبة النكاح وأجيب: بأن المقصود أيضًا في خطبة النكاح الإِيجاز فلا نقض، وثم أجوبة أخرى منها دعوى الترجيح فيكون خبر المنع أولى لأنه عام والآخر يحتمل الخصوصية ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل إلى أن قال: ومنها دعوى أنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، قال: وإلى هذا مال ابن عبد السلام، اهـ. المراد منه. وذكر آخر البحث أنه ملخص من كلام البيضاوي وغيره وللكلام على هذا موضع آخر إن شاء الله.
وقوله: (لحوم) جمع لحم وهو باعتبار أنواعه لأنه اسم جنس، والحمر جمع حمار وهو العَير، والحمار: النهَّاق من ذوات الأربع، إنسيًا كان أو وحشيًا، ولهذا جاء تقييدها في بعض روايات هذا الحديث بالإنسية لأنها هي المعنية بالتحريم دون الوحشية، والجمع أحمرة وحمير وحُمر كما في حديث أبي هريرة
стр. 284
في إثم مانعي الزكاة في صحيح مسلم قالوا: فالحمر يا رسول الله، وحُمْر وحمور وحمرات جمع الجمع كجزرات، وطرقات، بفتح الحاء وضمها في حديث ابن عباس في تقديم الضعفة من المزدلفة "على حمرات لنا"، وفي المثل: "دعوا حمرات الجهل لا يوردنكم، مياه غطيش غب ثالثة بغضي" وقال الآخر:
إذا غرَّد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات
وهي جمع صحة لحمرة جمع حمار، فتكون جمع الجمع، والأنثى حمارة وحمر جمع حمار، وسيأتي الكلام على الحديث إن شاء الله في تحريم لحوم الحمر، وقوله: (فإنها رجس) يحتمل عود الضمير على الحمير وهو أشبه بغرض المصنف، ويحتمل عوده على اللحوم. وتقدم الكلام على لفظ رجس في الاستنجاء بالروثة في باب الاستنجاء، والغرض هنا حكم سؤر الحمار.
• الأحكام والفوائد
وجمهور العلماء على أن سؤر الحمار طاهر كسائر الحيوان على ما تقدم إلَّا الكلب والخنزير وما توالد منهما عند الشافعي وأحمد ومن وافقهما، أما الخنزير فمحل إجماع وأما الكلب فقد تقدم الكلام عليه مستوفى وتفصيل المذاهب فيه، وللإمام أبي حنيفة تفصيل في أسآر الحيوان فذكر النووي في المجموع عنه أنه قال: الحيوان أربعة أقسام: أحدها: مأكول كالبقر والغنم فسؤره طاهر، والثاني: سباع الدواب كالأسد والدب فهي نجسة، والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر فهي طاهرة السؤر إلَّا أنه يكره استعماله وكذا الهر، والرابع: البغل والحمار فمشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته ولا بنجاسته ولا يجوز الوضوء به واختلف قوله في الفرس والبرذون. اهـ. المجموع (جـ ١ ص ١٧٣) وتقدم أن الشوكاني نسب لأحمد القول بوجوب غسل الأواني من سؤر ما لا يؤكل لحمه كما تقدم في المسألة الخامسة من شرح حديث الولوغ والله أعلم.
٥٦ - باب سُؤْرِ الْحَائِضِ
٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ فَيَضَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ وَكُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الإِنَاءِ فَيَضَعُ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ وَأَنَا حَائِضٌ.
стр. 285
• [رجاله ٦]
وجميعهم تقدموا.
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤.
٢ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدم ٤٩.
٣ - سفيان الثوري: تقدم ٣٧.
٤ - المقدام بن شريح: تقدم ٨.
٥ - أبوه شريح بن هانئ بن يزيد: تقدم ٨.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد والحميدي، لكن فيه عن سفيان عن مسعر عن المقدام وغيره، منهم من يرويه عن سفيان عن المقدام، ومنهم من يرويه عن مسعر عن المقدام، وفي مسلم: حدثنا أبو بكر أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان عن المقدام، فيحتمل أنه عند سفيان بالوجهين بواسطة مسعر وبدونها.
• اللغة والإِعراب والمعنى
(العرق): العظم بلحمه فإذا أكل لحمه فهو عراق، والعرق بالفتح والعراق العظم، أكل لحمه وبقي عليه قليل منه، وقيل: الفدرة: أي القطعة من اللحم، وتعرقتهم السنون إذا أهلك الماشيةَ القحطُ، قال جرير:
إلى عبد العزيز شكوت جدبا ... من البيضاء أو زمن القتاد
سنون مع الجراد تعرقتنا ... وما تبقى السنون مع الجراد
وتعرق العظم إذا أخذ بقية لحمه أو كله نهسًا بأسنانه (فاه) فمه وتقدم بيانه في السواك، والفاء في قولها (فيضع) عاطفة و (حيث وضعت) ظرف مكان مبني على الضم مضافًا إلى الجملة بعده لأن إضافتها للجملة لازمة كما قال ابن مالك:
وألزموا إضافة إلى الجمل ... حيث وإذ وإن ينون يحتمل
وسمعتْ إضافتها إلى المفرد في قول الشاعر: