← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العراق قال: وكذلك قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وجماعة أصحاب الحديث. قال: وكان النعمان يعني أبا حنيفة يكره سؤره وقال إن كان توضأ به أجزاء وخالفه أصحابه، فقالوا: لا بأس به وتعقبه ابن عبد البر ﵀ قائلًا إنما خالفه أبو يوسف وحده وأما محمَّد وزفر والحسن بن زياد فيقولون بقوله، وأكثرهم يرون أنه لا يجزئ الوضوء بفضل الهر ويحتجون لذلك، ويروون عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كرها الوضوء به وهو قول ابن أبي ليلى، ثم ذكر الاختلاف عن الثوري فقيل: إنه يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه وهو ممن يكره أكل الهر، وأسند المروزي عنه أنه قال: لا بأس به. قال أبو عمر ﵀: لا أعلم لمن كره سؤر الهرة حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بينهما في التعبد، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر، ومن حَجّته السنة خصمته، وقال: ومن حجتهم أيضًا ثم ذكر رواية قرة بن خالد عن أبي هريرة ثم عللها بما حاصله الشذوذ وفيها الأمر بغسل الإِناء من الهرة مرة أو مرتين. وذكر ابن عبد البر: أن الحديث فيه إباحة اتخاذ الهرة وما أبيح اتخاذه جاز بيعه، وأكل ثمنه، إلَّا أن يخص شيئًا من ذلك دليل فيخرجه عن أصله، وفيه: أن الهر ليس يُنَجِّس ما شرب منه، وأن سؤره طاهر وقد تقدم ذلك وأن ما أبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر لأنه من الطوافين علينا، ومعنى الطوافين علينا الذين يخالطوننا. وقد تقدم ذلك، ومنه قوله تعالى في الأطفال: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ثم ذكر أن طهارة الهر تدل على طهارة الكلب أي من هذا الوجه، وأنه ليس في حي نجاسة سوى الخنزير والله أعلم، لأن الكلب من الطوافين علينا ومما أبيح لنا اتخاذه في مواضع من الأمور، وإذا كان حكمه في تلك المواضع كتلك فمعلوم أن سؤره في غير تلك المواضع كسؤره فيها، لأن عينه لا تنتقل، ثم ذكر أنه يدل على أن غسل الإِناء من الكلب تعبدي لمفارقته لصفة غسل النجاسات على ما تقدم اهـ. باختصار قلت: هذا يتجه أكثره في الكلب المأذون في اتخاذه والله أعلم، غير أن الحديث يدل على عموم الحكم فيه، وفي الحديث دليل على أن الرواية يستوي فيها الرجال والنساء لأن المعتبر الحفظ والضبط مع السلامة من القوادح.

стр. 282

٥٥ - باب سُؤْرِ الْحِمَارِ ٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ". • [رجاله ٥] • [كلهم تقدموا] ١ - محمَّد بن عبد الله بن يزيد، تقدمت ترجمته رقم ١١. ٢ - سفيان بن عينية: تقدم ١. ٣ - أيوب بن أبي تميمة: تقدم ٤٨. ٤ - محمَّد بن سيرين: تقدم ٥٧. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من غير رواية أنس، وأخرجه الدارمي وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد من رواية ابن عمر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند الكلام على لحم الحمر. • اللغة والإِعراب والمعنى قوله: (ينهاكم) بضمير الفرد على أن الناهي هو الله، والرسول مبلغ عنه أو أن ذكر الله للدلالة على أن نهي الرسول نهي الله، والخبر عند النحويين في مثل هذا محذوف، إما خبر الأول وخبر الثاني دليل عليه وإما بالعكس، فعلى الأول إن الله ينهاكم ورسوله ينهاكم والمحذوف هو الأول على حد قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه، وهو لقيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف التقدير: نحن بما عندنا راضون، ومثله قول عمير بن ضابئ أحد البراجم:

стр. 283

فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيَّارٌ بها لغريب التقدير: فإني بها غريب وقيار غريب، ولو شئت عكست فقلت: فإني غريب وقيار كذلك، وقول الآخر: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريّا ومن أجل الطويّ رماني التقدير: كنت بريًا ووالدي، وفي القرآن ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأعاد الضمير في الخبر على أحد المذكورين وذكر السندي أن فيه رواية ينهيانكم بالتثنية، اهـ. قلت: لكن مثل هذا قد ورد فيه حديث الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى مع أنه ورد في الصحيح: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وورد مثل قول الخطيب في خطبة النبي ﷺ فإنه قال فيها: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه. قال ابن حجر عند قوله ﷺ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال: فيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال ومن يعصهما: "بئس الخطيب أنت" فليس من هذا لأن المراد في الخطب الإِيضاح وأما هنا فالمراد الإِيجاز في اللفظ ليحفظ ويدل عليه أن النبي ﷺ قاله في موضع آخر، قال: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه، واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في خطبة النكاح وأجيب: بأن المقصود أيضًا في خطبة النكاح الإِيجاز فلا نقض، وثم أجوبة أخرى منها دعوى الترجيح فيكون خبر المنع أولى لأنه عام والآخر يحتمل الخصوصية ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل إلى أن قال: ومنها دعوى أنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، قال: وإلى هذا مال ابن عبد السلام، اهـ. المراد منه. وذكر آخر البحث أنه ملخص من كلام البيضاوي وغيره وللكلام على هذا موضع آخر إن شاء الله. وقوله: (لحوم) جمع لحم وهو باعتبار أنواعه لأنه اسم جنس، والحمر جمع حمار وهو العَير، والحمار: النهَّاق من ذوات الأربع، إنسيًا كان أو وحشيًا، ولهذا جاء تقييدها في بعض روايات هذا الحديث بالإنسية لأنها هي المعنية بالتحريم دون الوحشية، والجمع أحمرة وحمير وحُمر كما في حديث أبي هريرة

стр. 284

في إثم مانعي الزكاة في صحيح مسلم قالوا: فالحمر يا رسول الله، وحُمْر وحمور وحمرات جمع الجمع كجزرات، وطرقات، بفتح الحاء وضمها في حديث ابن عباس في تقديم الضعفة من المزدلفة "على حمرات لنا"، وفي المثل: "دعوا حمرات الجهل لا يوردنكم، مياه غطيش غب ثالثة بغضي" وقال الآخر: إذا غرَّد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات وهي جمع صحة لحمرة جمع حمار، فتكون جمع الجمع، والأنثى حمارة وحمر جمع حمار، وسيأتي الكلام على الحديث إن شاء الله في تحريم لحوم الحمر، وقوله: (فإنها رجس) يحتمل عود الضمير على الحمير وهو أشبه بغرض المصنف، ويحتمل عوده على اللحوم. وتقدم الكلام على لفظ رجس في الاستنجاء بالروثة في باب الاستنجاء، والغرض هنا حكم سؤر الحمار. • الأحكام والفوائد وجمهور العلماء على أن سؤر الحمار طاهر كسائر الحيوان على ما تقدم إلَّا الكلب والخنزير وما توالد منهما عند الشافعي وأحمد ومن وافقهما، أما الخنزير فمحل إجماع وأما الكلب فقد تقدم الكلام عليه مستوفى وتفصيل المذاهب فيه، وللإمام أبي حنيفة تفصيل في أسآر الحيوان فذكر النووي في المجموع عنه أنه قال: الحيوان أربعة أقسام: أحدها: مأكول كالبقر والغنم فسؤره طاهر، والثاني: سباع الدواب كالأسد والدب فهي نجسة، والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر فهي طاهرة السؤر إلَّا أنه يكره استعماله وكذا الهر، والرابع: البغل والحمار فمشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته ولا بنجاسته ولا يجوز الوضوء به واختلف قوله في الفرس والبرذون. اهـ. المجموع (جـ ١ ص ١٧٣) وتقدم أن الشوكاني نسب لأحمد القول بوجوب غسل الأواني من سؤر ما لا يؤكل لحمه كما تقدم في المسألة الخامسة من شرح حديث الولوغ والله أعلم. ٥٦ - باب سُؤْرِ الْحَائِضِ ٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ فَيَضَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ وَكُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الإِنَاءِ فَيَضَعُ فَاهُ حَيْثُ وَضَعْتُ وَأَنَا حَائِضٌ.

стр. 285

• [رجاله ٦] وجميعهم تقدموا. ١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤. ٢ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدم ٤٩. ٣ - سفيان الثوري: تقدم ٣٧. ٤ - المقدام بن شريح: تقدم ٨. ٥ - أبوه شريح بن هانئ بن يزيد: تقدم ٨. ٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥. • التخريج أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد والحميدي، لكن فيه عن سفيان عن مسعر عن المقدام وغيره، منهم من يرويه عن سفيان عن المقدام، ومنهم من يرويه عن مسعر عن المقدام، وفي مسلم: حدثنا أبو بكر أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان عن المقدام، فيحتمل أنه عند سفيان بالوجهين بواسطة مسعر وبدونها. • اللغة والإِعراب والمعنى (العرق): العظم بلحمه فإذا أكل لحمه فهو عراق، والعرق بالفتح والعراق العظم، أكل لحمه وبقي عليه قليل منه، وقيل: الفدرة: أي القطعة من اللحم، وتعرقتهم السنون إذا أهلك الماشيةَ القحطُ، قال جرير: إلى عبد العزيز شكوت جدبا ... من البيضاء أو زمن القتاد سنون مع الجراد تعرقتنا ... وما تبقى السنون مع الجراد وتعرق العظم إذا أخذ بقية لحمه أو كله نهسًا بأسنانه (فاه) فمه وتقدم بيانه في السواك، والفاء في قولها (فيضع) عاطفة و (حيث وضعت) ظرف مكان مبني على الضم مضافًا إلى الجملة بعده لأن إضافتها للجملة لازمة كما قال ابن مالك: وألزموا إضافة إلى الجمل ... حيث وإذ وإن ينون يحتمل وسمعتْ إضافتها إلى المفرد في قول الشاعر:

стр. 286

ألا ترى حيث سهيل طالعًا ... نجما يضئ كالشهاب لامعا والجملة في قولها: (وأنا حائض) حالية والمعنى: أنها كانت تأكل من لحم تقضمه بفيها من غير سكين ثم يتناوله ﷺ فيأكل منه بفمه ويضع فمه موضع فمها من العظم وذلك في وقت حيضها. • الأحكام والفوائد الحديث دليل على طهارة ريق الحائض وبدنها لأنها لا تمسكه للأكل إلَّا بيدها، ودليل على جواز الأكل بهذه الصفة، لكن الغالب أن الإِنسان لا يفعلها إلَّا مع الزوجة، أو من في حكمها كأم الولد، وكذلك مع الأولاد، والحديث يدل على كرم خلق النبي ﷺ وحسن عشرته للنساء. ودليل على طهارة سؤر الحائض وهذا هو محل مناسبته للترجمة، وعلى جواز أكل اللحم نهسًا بالأسنان دون قطع بحديدة. ٥٧ - باب وُضُوءِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا ٧١ - أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا. • [رجاله في الطريقين سبعة] ١ - هارون بن عبد الله بن مروان البزار: تقدم ٦٢. ٢ - معن بن عيسى الأشجعي: تقدم ٦٢. ٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٤ - عبد الرحمن بن القاسم العتقي: تقدم ٢٠. ٥ - مالك بن أنس: تقدم ٧. ٦ - نافع مولى ابن عمر: تقدم ١٢. ٧ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدم ١٢.

стр. 287

• التخريج أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ومالك في الموطأ وأشار إليه الترمذي، وفي صحيح ابن خزيمة من رواية عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر: "أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه". • اللغة والإِعراب والمعنى قوله: (جميعا): أي حال كونهم مجتمعين، وآل في قوله (الرجال والنساء) المراد بها: الحقيقة لا الاستغراق وليس المراد منها العموم وإن كان المتبادر العموم لأن القرينة خصصته بالبعض، ولذا قال بعض العلماء: إن الجمع المتناول للعموم إذا عُرِّف بأل كان دلالته على الجنس مجازية، وهو في حكم النكرة يعم في النفي ويخص في الإِثبات، فلو قلت: فلان يركب الخيل صح أنه يركب بعضها، ويعلم قطعًا أنه لم يركب الكل، وأما لو قال: والله لا أركب الخيل، ولا أتزوج النساء فإنه يحنث في كل ما يركبه، أو يتزوجه لأنه حينئذ عم. ذكر معناه العيني ﵀. • الأحكام والفوائد الحديث يدل على جواز وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد وذلك يستلزم جواز وضوء كل منهما بفضل وضوء الآخر، فإن اغتراف كل واحد من الإناء يجعل ما بقي فضل وضوئه، والأكثرون على أن الصحابي إذا أسند الفعل لزمن الرسول ﷺ كان له حكم الرفع فهذا في حكم المرفوع، ووجه الدليل ليس قول ابن عمر وإنما هو تقرير النبي ﷺ على ذلك، وفي رواية ابن خزيمة المتقدمة التصريح بنسبة الفعل إلى النبي ﷺ ، وكذلك الروايات الآتية في الغسل مع زوجاته، وأمَّا ما رُوِيَ من توجيه ذلك على أنه محمول على تعاقبهم بأن يتوضأ الرجال ثم النساء بعدهم فظاهر الروايات يردُّه، والتصريح في رواية ابن خزيمة بأنه من إناء واحد وكذلك الأحاديث الآتية في الغسل وقد اختلف العلماء في هذه المسألة. وخلاصة الخلاف: أن مالكًا، والشافعي، وأبا حنيفة، ﵏-

стр. 288

أجازوا وضوء الرجل وغسله من فضل ماء المرأة، ولا فرق عندهم بين أن تخلو به، أو يجتمعا عليه، وهو قول لأحمد -رحمة الله على الجميع- وذهب الإِمام أحمد في المشهور عنه، وداود الظاهري إلى كراهية وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء دون ما إذا اجتمعا عليه، واحتج أحمد ومن وافقه بأحاديث النهي وستأتي إن شاء الله، ويأتي الكلام عليها كحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وهو في السنن وسيأتي للمصنف، وحسَّن الترمذي إسناده، وصححه ابن حبان، وذكر النووي أن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه، وتعقَّبه ابن حجر، وفيه النهي عن وضوء كل منهما بفضل الآخر، وبما أخرجه أبو داود والمصنف كما سيأتي من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري وفيه: "لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة وقال: "نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وَلْيغترفا جميعًا" رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ثم ذكر الوهم الذي حصل لابن حزم في الراوي، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند ذكر الحديث رقم ٢٣٨. وأما القائلون بالجواز فيحتجون بهذا الحديث، والأحاديث التي في معناه وسيأتي بعضها إن شاء الله وهي ثابتة عن تسعة من الصحابة: أبي هريرة وعلي وجابر وابن عباس وأنس وعائشة وميمونة وأم سلمة وأم هانئ، وصريح في عدم الكراهة حديث ابن عباس أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جفنة فجاء النبي ﷺ يتوضأ منها فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يجنب". وروى ابن ماجه والطحاوي من حديث أم صبية الجهنية أنها قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد". وقد أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن خزيمة وسيأتي حديثه، أي حديث ابن عباس أيضًا: "أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة" وللدارقطني عن ابن عباس أيضًا، عن ميمونة قالت: "أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي ﷺ يغتسل منه فقلت له: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يجنب". قال ابن حجر: أعله قوم بسماك فإنه كان يقبل التلقين، وأجيب بأن الذي رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا

стр. 289

صحيح حديثهم، وبحديث عبد الله بن سرجس وهو يروى مرفوعًا وموقوفًا وخطَّأ البخاري من رفعه. وقال البيهقي: الموقوف أولى بالصواب لكن العيني ﵀ يرى أن كلام البخاري غير مسلَّم لأن الذي رفعه ثقة، ولم يوافقه الأكثرون على ذلك، وقد نقل النووي والطحاوي والقرطبي الاتفاق على الجواز إذا اجتمعا، وأما إذا انفرد الرجل به، أو المرأة به فهو محل الخلاف، وذكر النووي أن انفراد الرجل به قبل المرأة أيضًا متفق على جوازه، وهو غير مسلَّم، قلت: والظاهر أن هذه المسألة الأقوى فيها القول بالجمع بين هذه النصوص، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بحمل النهي على الكراهة، ويكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمله على التحريم، وإما أن يحمل النهي على الماء المتقاطر من الأعضاء دون الباقي بعد التطهير في الإِناء، لأن أحاديث الجواز صريحة في جواز التطهير به بعد الانفراد بالماء كما تقدم، ومن أمعن النظر تبين له ضعف القول بتخصيص الكراهة عند انفراد المرأة لأنه إنما ورد النهي عن الأمرين، والمأثور في الرخصة كحديث ميمونة نص في انفرادها بالماء. ولا يشكل على هذا أن الأحاديث الواردة فعل وهو لا يعارض القول لأن في بعض الأحاديث التصريح بالقول كقوله: "إن الماء لا يجنب"، ولأن حديث ابن عمر فيه التعميم في الفعل، أي فعل النبي ﷺ وغيره من الأمة، والقاعدة المذكورة إنما هي في معارضة فعله هو فقط لأمره أو نهيه للأمة. وقد قال الإِمام أحمد: ﵀ إن أحاديث الباب مضطربة وأنه ثبت عنده أن بعض الصحابة كره وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت به، من أن المأثور عن ابن عمر تخصيص ذلك بما إذا كانت حائضًا وقد قابله بالكراهة في فضلة الرجل إذا كان جنبًا. وذكر ابن عبد البر أن ابن عباس سئل عن فضل وضوء المرأة فقال: هن ألطف بنانًا، وأطيب ريحًا والله تعالى أعلم. قلت: وهذه الحالة المذكورة في الحديث محمولة على أن المسألة كانت قبل الحجاب، وإلا تعين أن يخص بذلك الرجال مع ذوات المحارم من النساء والله أعلم.

стр. 290

٥٨ - باب فَضْلِ الْجُنُبِ ٧٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الإِنَاءِ الْوَاحِدِ. • [رجاله: خمسة] ١ - قتيبة بن سعيد البغلاني: تقدم ١. ٢ - الليث بن سعد المصري: تقدم ٣٥. ٣ - محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب: تقدم ١. ٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤. ٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي وسيأتي الكلام عليه في باب الغسل إن شاء الله. ٥٩ - باب الْقَدْرِ الَّذِي يَكْتَفِي بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ ٧٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيٍّ. • [رجاله: ٥] ١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدم ٤. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - أنس بن مالك: تقدم ٦. ٥ - عبد الله بن عبد الله بن جبر، وقيل: جابر بن عتيك الأنصاري المدني، وقيل: هما اثنان، روى عن عمر وأنس وجده لأمه عتيك بن الحارث

стр. 291

وعن أبيه عبد الله بن جبر إن كان محفوظًا، وعنه مالك وشعبة ومسعر وأبو العميس المسعودي وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى وغيرهم قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة وقدَّمه أبو حاتم على موسى الجهني كما قال ابنه، وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قال أبو بكر بن منجوية: أهل العراق يقولون جبر ولا يصح إنما هو جابر. وقال البخاري في تاريخه: عبد الله بن عبد الله بن جابر سمع ابن عمر، قاله مالك، وقال شعبة ومسعر وأبو العميس وعبد الله بن عيسى: عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: ولا يصح جبر وإنما هو جابر بن عتيك. وفي الموطأ حديثان عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك. فقيل: هو هذا وقيل: غيره، وقال النووي ﵀: يقال فيه جابر وجبر وهو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك. وقال الدارقطني: لم يتابع مالكًا أحد على قوله جابر بن عتيك، وهو مما يعتد به عليه، وذكر شرف الدين أن الصواب جبر بن عتيك، ومن روى جابر بن عتيك فهو وهم، فرَّق بينهما ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فحكى عن أبيه أنه وثق ابن جابر وكذا عن عباس الدوري عن ابن معين. وقد أخرج الشيخان من طريق مسعر عن ابن جبر عن أنس حديث الوضوء بالمد والاغتسال بالصاع فلم يسمه مسعر ولا نسبه، وأخرجه مسلم من طريق شعبة فقال: عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أنس، ونسبه عبد الله بن عيسى في رواية في أبي داود إلى جده فقال: عبد الله بن جبر من طريق الثوري، وهو في أبي داود عن جبير بن عبد الله بن عتيك عن أنس، وهذا من مقلوب الأسماء وأخرج أبو داود من طريق شريك لجده فقيل هو هذا وقيل غيره وهو الراجح، والله أعلم. قال النووي ﵀: يقال فيه جابر وجبر عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، قال وممن ذكر الوجهين الإِمام البخاري، قال في التهذيب في ترجمة عبد الله بن جبر: "وقال وكيع عن أبي العميس عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أبيه عن جده يعني في حديث أبي العميس أن النبي ﷺ عاد جبرا" قال ابن حجر ﵀: (قلت: كذا يقول أبو العميس وخالفه مالك فقال عن

стр. 292

عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك عن جابر بن عتيك أنه أخبره أن النبي ﷺ عاد عبد الله بن ثابت فوقعت المخالفة بينهما في ثلاثة أشياء، في اسم جد عبد الله بن عبد الله وفي تسمية شيخه هل هو أبوه وهو صاحب الترجمة أو هو غيره وفي اسم الذي عاده النبي ﷺ ، قال: وقد رجحوا رواية مالك وبينت ذلك في ترجمة جابر بن عتيك من كتاب الإِصابة) اهـ. قلت: وبهذا يتبين أن رواية مالك، عبد الله بن عبد الله بن جابر صحيحة وليست بوهم كما زعمه الدارقطني وغيره من قوله: "وهو مما يعتد به عليه" أي على مالك فإن النووي والبخاري وافقا مالكًا على ذلك، ومالك أعلم بأنساب الأنصار من غيره وتقدم قول ابن منجويه في ذلك، إنما هو ابن جابر. • التخريج أخرجه مسلم وأبو داود والدارمي، وللبخاري من رواية مسعر عن ابن جبر بلفظ: "يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد" كما تقدم في ترجمة عبد الله بن عبد الله ومثلها لمسلم بلفظ: الصاع إلى خمسة أمداد .. إلخ. وأخرجه الإِمام ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة كلفظ رواية المصنف، وفسر المكوك بالمد. • اللغة والإِعراب والمعنى (المكوك) بفتح الميم والكاف الأولى مضمومة مشددة والجمع مكايك ومكاكي بإبدال الكاف الأخيرة ياء وإدغامها في الياء وهو مكيال، قيل: هو الصاع، قلت: وهو أظهر لأن رواية البخاري عن ابن جبر فيها يغتسل بالصاع فتكون مفسرة لهذه، والمخرج واحد، وقيل: هو المد وهو ضعيف، وقيل: مكيال يختلف قدره باختلاف الناس. (والمد) بضم الميم وشد الدال ويقال: مدى وهو مكيال يختلف باختلاف الناس والبلدان، ومد المدينة وهو المد النبوي رطل وثلث الرطل كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: (بمكوك) على حذف مضاف أي بملء المكوك من الماء لأن الوضوء إنما هو بالماء.

стр. 293

• الأحكام والفوائد الحديث يدل على استحباب الوضوء بالمد ونحوه والاغتسال بالصاع ونحوه اقتداء بالنبي ﷺ لمن قدر على ذلك، ولا خلاف أن ذلك ليس بحد لازم يلزم الإِنسان أن لا يتجاوزه بل العبرة في ذلك بأداء الواجب مع عدم الإِسراف سواء في الوضوء أو في الغسل وذلك يختلف باختلاف الناس وأجسادهم ولباقتهم والله أعلم. ٧٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيب قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِي وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَي الْمُدِّ قَالَ شُعْبَةُ: فَأَحْفَظُ أَنَّهُ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَجَعَلَ يَدْلُكُهُمَا وَيَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا وَلَا أَحْفَظُ أَنَّهُ مَسَحَ ظَاهِرَهُمَا. • [رجاله: ستة] ١ - محمد بن بشار بندار: تقدم ٢٧. ٢ - محمد بن جعفر غندر: تقدم ٢٢. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - حبيب بن زيد بن خلاد الأنصاري المدني، روى عن عباد بن تميم وأنيسة بنت زيد بن أرقم وليلى مولاة جدته أم عمارة، روى عنه شعبة وابن إسحاق ونسبه إلى جده شريك، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، ووقع في معاني الآثار للطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي: أن عبد الله بن زيد بن عاصم جد حبيب بن زيد هذا، قال ابن حجر فلعله جده من أمه والله أعلم. ٥ - عبَّاد بن تميم بن غزية الأنصاري المازني المدني، روى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو تميم لأمه وجدته أم عمارة وأبي قتادة الأنصاري وأبي بشير الأنصاري وأبي سعيد الخدري وعويمر بن أشقر، وعنه عمرو بن يحيى بن عمارة وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابناه عبد الله ومحمد ابنا أبي بكر والزهري وحبيب بن زيد وعمارة بن غزية ويحيى بن سعيد

стр. 294

وغيرهم. نقل الواقدي عن موسى بن عقبة قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، قال النسائي: ومحمد بن إسحاق ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة والله أعلم. ٦ - أم عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم واسمها نسيبة بفتح النون وكسر السين على الصحيح وقيل نُسيبة بضم اللام بدل النون، شهدت العقبة وبايعت فيها وهي بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصارية النجارية شهدت أحدًا مع زوجها زيد بن عاصم وبيعة الرضوان. تنبيه: قوله: "مع زوجها زيد بن عاصم" يدل على أنها بقيت مع زيد إلى هذا الحين أو إلى أن قتل كما يدل عليه كلام ابن حجر في الإِصابة وحينئذ يشكل عليه ما ذكره من قولها في خبر البيعة فنادى زوجي غزية إلخ، ولا يتخرج إلا على أحد احتمالين أحدهما: أن يكون زيد فارقها وتزوجها غزية ثم فارقها وتزوجها زيد مرة أخرى، أو يكون غزية حين نادى ليس زوجًا لها لكنها عندما حدثت بالحديث كان قد تزوجها". وشهدت قتال مُسيلمَة باليمامة وجرحت يومئذ أحد عشر جرحًا أو اثني عشر وقطعت يدها وخلف عليها بعد زيد بن عاصم غزية بن عمرو فولدت له تميمًا وخولة. وأسند الواقدي من طريق أبي صعصعة قالت أم عمارة: "كانت الرجال تصفق على يدي رسول الله ﷺ ليلة العقبة والعباس آخذ بيد رسول الله ﷺ فلما بقيت أنا وأم سبيع نادى زوجي غزية يا رسول الله ﷺ هاتان امرأتان حضرتا معنا تُبايعانِك فقال رسول الله ﷺ قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه إني لا أصافح النساء". • التخريج أخرجه أبو داود وابن خزيمة وصححه عن عبد الله بن زيد ومثله للبيهقي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وأحمد بلفظ: "توضأ بنحو ثلثي المد"، وللطبراني في الكبير والبيهقي من حديث أبي أمامة أنه توضأ بنصف مد ولكنه من رواية الصلت بن دينار وهو متروك، وكذلك ما يذكر أنه توضأ بثلث مد لا أصل له كما ذكره الصنعاني وابن حجر قبله، والله أعلم.

стр. 295

• اللغة والإِعراب والمعاني قولها: (توضأ) أي أراد أن يتوضأ وقولها: (فأتي) أي أحضر له ماء للوضوء، والفاء عاطفة مرتبة لذكر الوضوء بالتفصيل على ذكره بالإِجمال، والترتيب ذكرى وهو عطف المفصَّل على المجمل، وهذا أحد معاني الفاء العاطفة، وتحتمل السَّبَبِيَّة أي إرادته للوضوء كانت سبب الإِتيان بالماء، والمعنى: أنها ذكرت أنها رأته توضأ وأرادت أن تُبيَّن كيف فعل عند إرادته للوضوء بالتفصيل، وقدر منصوب على الحال أي: حال كون الماء قدر ثلثي المد، أو مقدرًا بثلثي المد، وقول شعبة: "فاحفظ" إلخ، هذا من تحري شعبة ﵀ أي حفظت من قول حبيب فيما حكاه. وقوله: (باطنهما) بدل من أذنيه. • الأحكام والفوائد في الحديث فوائد ستأتي في صفة وضوء النبي ﷺ وقد تقدم معظمها في شرح الآية أول الكتاب وللَّه الحمد والمقصود منه هنا قولها: (بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد) فهو محل مناسبة الترجمة مع الحديث فإنه تحديد للماء الذي توضأ منه بحد غير الحد السابق، وذلك يدل على أن الأمر واسع كما قدمنا والله أعلم، وفيه دليل لمن قال بوجوب الدلك لقوله: (وجعل يدلكهما) وتقدم الخلاف فيه في شرح الآية، وفيه: مسح الأذنين وأكثر الأحاديث التي في صفة الوضوء لم يُذكر فيها وهو متفق عليه في الجملة وسيأتي إن شاء الله. ٦٠ - باب النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ٧٥ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ حَمَّادٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ ح وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".

стр. 296

• [رجاله في الطريق الأول ٥ إلى مالك وفي الثانية ستة] • [الجميع ١١: تقدم منهم ثمانية] ١ - يحيى بن حبيب بن عربي الحراني وقيل: الشيباني أبو زكرياء البصري روى عن يزيد بن زريع وحماد بن زيد وخالد بن الحارث وعبد الوهاب الثقفي وبشر بن المفضل وغيرهم، وعنه الجماعة سوى البخاري وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو بكر البزار ويوسف بن يعقوب القاضي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم. قال أبو حاتم الرازي: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون قلَّ شيخ رأيته بالبصرة مثله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: هو والسراج مات سنة ٢٤٨ وقيل: بعد سنة ٥٠ هـ، قاله ابن حبان قال سلمة بن قاسم: ثقة والله أعلم. ٢ - حماد بن زيد: تقدم ٣. ٣ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٤ - عبد الرحمن بن القاسم العتقي: تقدم ٢٠. ٥ - مالك بن أنس الإِمام تقدم ٧. ٦ - سليمان بن منصور البلخي أبو الحسن ويقال أبو هلال بن أبي هلال الدهني البزار وفي التقريب الجرمي لقبه زرغندة، روى عن أبي الأحوص وابن عيينة ومسلم بن خالد وعبد الجبار بن الورد وابن المبارك وغيرهم، وعنه النسائي وأحمد بن علي الأبار ومحمد بن علي الترمذي الحكيم. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث، وقال النسائي: لا بأس به، وقال غيره: مات سنة ٢٤٠ هـ. ٧ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦. ٨ - يحيى بن سعيد الأنصاري: تقدم ٢٣. ٩ - محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي أبو عبد الله المدني كان جده الحارث من المهاجرين الأولين رأى سعد بن أبي وقاص، روى عن أبي سعيد الخدري وعمير مولى أبي اللحم وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وقيس بن عمرو الأنصاري ومحمود بن لبيد وعائشة وعلقمة وجماعة فيهم كثرة من التابعين

стр. 297

وأرسل عن أسيد بن حضير وأسامة وابن عمر وابن عباس فيما قبل، وعنه ابنه موسى وبنو سعيد الأنصاري يحيى وموسى وسعد ومحمد بن عمر وعلقمة وهشام بن عروة ويزيد بن الهاد ومحمد بن إسحاق وأسامة بن زيد الليثي وجماعة غيرهم، قال ابن معين والنسائي وأبو حاتم: ثقة، قال ابن سعد: قال محمد بن عمر وكان محمد بن إبراهيم يكنى أبا عبد الله، توفي سنة ١٢٠ هـ، وكان ثقة كثير الحديث، قال العقيلي: عن عبد الله بن أحمد عن أبيه: في حديثه بعض شيء يروي أحاديث مناكير أو منكرة، وقال أبو حسان الزيادي: كان شريف قومه مات سنة ١١٩ هـ، وقيل ١٢٠ هـ. قال الحافظ ابن حجر: له رواية عن أبيه في المعرفة لابن منده فزعم أبو نعيم أنه أراد عن أبيه جده وعلى هذا فيكون أرسل عنه لأن أباه ولد بأرض الحبشة وتبعه ابن حبَّان في الثقات، وقال: سمع من ابن عمر، وقال يعقوب ابن شيبة: كان ثقة، وعن أبي حاتم: لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد اهـ. وحديثه عند مالك والترمذي عن عائشة وصححه الترمذي، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد وجابر، والله أعلم. قال ابن حجر: ولهم شيخ آخر يقال له محمد بن إبراهيم التيمي الصنعاني ضعيف ذكره الترمذي في الضعفاء. ١٠ - علقمة بن وقاص بن محصن بن كلدة بن عبد ياليل بن طريف بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثي العتواري المدني، روى عن عمر وابن عمر وبلال بن الحارث ومعاوية وعمرو بن العاص وعائشة، وعنه ابناه عبد الله وعمرو والزهري ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وعمرو بن يحيى المازني وغيرهم، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، ذكره مسلم في طبقة الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ وكذا قال ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد في عهده ﵇، ذكره ابن مندة في الصحابة وذكره القاضي أبو أحمد والناس في التابعين وأنه توفي في خلافة عبد الملك. وذكر ابن حبان في ثقات التابعين أنه توفي في خلافة عبد الملك. وذكر ابن حجر رواية ابن مندة بإسنادها وحسَّنه وفيه أنه شهد الخندق وكان في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ، قلت:

стр. 298

وهذا عندي بعيد والله أعلم، أن يكون شهد الخندق في السنة الخامسة ويحكم عليه أكثر أهل العلم بأنَّه تابعي، ومن رفع في حاله قال: ولد في حياة النبي ﷺ ، والعلم عند الله. قيل: إنه كان يكنى أبا يحيى. ١١ - عمر بن الخطاب ﵁ هو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين، أمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقيل: حنتمة بنت هشام والأول أصح، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر ﵁ وعن أبيِّ بن كعب، وعنه: أولاده عبد الله وعاصم وحفصة وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وشيبة بن عثمان الحجبي، وجماعة من الصحابة يطول ذكرهم وعمرو بن ميمون الأودي وأسلم مولى عمر وسعيد بن المسيب وسويد بن غفلة وشريح القاضي وعبيد بن عمير وعلقمة بن وقاص في خلق من التابعين، ولد قبل الفجار بأربع سنين وقيل بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، قال الزبير بن بكار: كان عمر من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية وذلك أن قريشًا كانت إذا وقعت بينهم حرب بعثوه سفيرًا وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرًا ورضوا به، أسلم ﵁ بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة وكان إسلامه صبيحة إسلام حمزة وكان إسلامه عزًا للمسلمين وظهر به الإِسلام بدعوة النبي ﷺ وظهر المسلمون بعدما كانوا مختفين من قريش فلما أسلم هو وحمزة رأوا أنهم عزوا في أنفسهم، شهد مع النبي ﷺ المشاهد كلها وبويع بالخلافة يوم مات أبو بكر بعهد منه -رضي الله عن الجميع- وذلك في جمادي سنة ١٣ هـ. فسار في الناس أحسن سيرة وفي عهده فتحت الأمصار من الشام والعراق وغير ذلك مما تم فتحه في عهده، وهو أول من دوَّن الدواوين ومصَّر الأمصار ورتّب الأجناد وعرّف العرفاء، إلى غير ذلك من سياسته الميمونة التي لم يسبق إليها، وكتب التاريخ الهجري وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظًا ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة، مكث في الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وقيل: لثلاث بقين من سنة ٢٣ وسنه على

стр. 299

الصحيح ٦٣ سنة، وقد رجح ابن حجر خلافه لما ورد عن ابن عمر عن عمر قال: قبل أن يموت بعام أنه ابن سبع وخمسين أو ثمان وخمسين وإنما أتاه الشيب من قبل أخواله، وذكر أن الخبر بذلك على شرط الصحيح، فالله أعلم. ودفن مع النبي ﷺ وأبي بكر بعدما استأذن عائشة فأذنت له، رضي الله عن الجميع. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارقطني وابن حبان والبيهقي وغيرهم ولم يبق أحد من أهل الكتب المعتمد عليها سوى مالك في الموطأ إلَّا أخرجه. • اللغة والإِعراب والمعنى قوله: (سمعت عمر) سمعت الشيء أسمعه سمعًا وسماعًا وسماعة. واختلفوا في فعله هل يتعدى لمفعول واحد أو إلى مفعولين، فذهب الفارسي إلى أنه يتعدى لمفعولين الثاني منها يكون مما يسمع كسمعت زيدًا يتكلم أو يقول. وقال غيره: الصحيح أنه يتعدى إلى واحد وما بعده يكون حالًا فتقدير الكلام: سمعت عمر حال كونه على المنبر وحال كونه يقول: و (المنبر) بكسر الميم مشتق من النبر وهو الارتفاع، نبرت الشيء أنبره مثل: كسرته أكسره رفعته، من باب ضرب لأنه يرتفع عليه ويرفع صوته، وهذا يقتضي أنه قياسي وقد قيل إنه غير قياسي لأن الوزن وزن اسم الآلة وهو ليس اسمًا للآلة، لأن اسم الآلة ما يستعان به على فعل الشيء ويعالج به، وقال الكرماني: هو بلفظ الآلة وأل فيه للعهد أي منبر النبي ﷺ لأنه آلة الارتفاع وقد علم أن أوزان الآلة ثلاثة أوزان مفعل كمحلب مفعال كمفتاح مفعلة كمكنسة. قوله: (إنما) هذه أداة حصر، ومعناه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، قال الكرماني: هذا التركيب يفيد الحصر باتفاق من المحققين واختلفوا في إفادتها للحصر قيل: بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم، ووجهه أنَّ إِنْ للإِثبات وما للنفي فالإثبات متوجه للمذكور والنفي متوجه لغيره. قال العيني: إنما تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب الأكثر وتارة

стр. 300

تقتضي حصرًا مخصوصًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ وقد تقدم أن الحصر المطلق وهو الذي يقال له حقيقي حصر الصفة على الموصوف وهو حصر المسند على المسند إليه، وهو الأكثر، وأما الثاني وهو عكسه قصر الموصوف على صفته ويقال: قصر المسند إليه على المسند، فهو لا يقع عندهم إلَّا اعتباريًا أي باعتبار دون غيره ويسمى مجازًا لأن الغالب أن الموصوف لا يكون له صفة واحدة وتقدم في شرح الحديث ٩ حديث الفطرة. قوله: (الأعمال) جمع عمل، وأصله مصدر سمي به فعومل معاملة الأسماء، وهو إحداث أمر قولًا كان أو فعلًا بالجارحة أو بالقلب لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة. وأل فيه للجنس أو للعهد الذهني. والصيغة تفيد العموم على كل من الوجهين. وإن كان الجمع على وزن القلة الذي هو أفعال فاقترانه بأل يفيد العموم إما مطلقًا وإما باعتبار العهد كما قدمنا. لأن المعهود في الذهن في مثل هذا المقام الأعمال الشرعية التي يتقرب بها إلى الله تعالى فيشمل سائر الأعمال الفعلية والقولية لأن الكلام عمل اللسان، قال ابن دقيق العيد: (ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص العمل بما لا يكون قولًا. قال: وفيه عندي بعد وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح، نعم لو كان خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب لأنهم جعلوهما متقابلين فقالوا الأفعال والأقوال، قال: ولا تردد عندي في أن الحديث تناول الأقوال) اهـ. قال ابن حجر ﵀: والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة ويدخل مجازًا وكذا الفعل لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قلت: وفيه نظر والله أعلم، لأن السنة الصحيحة وردت بإطلاق العمل على القول حقيقة ولا داعي لحمله على المجاز وذلك كقول المهاجرين: "سمع إخواننا بما فعلنا ففعلوا مثلنا" أي من الذكر .. الحديث، وقوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم. ." الحديث، وفيه قال: "ذكر الله تعالى" وفي حديث معاذ: "قلت: أي الأعمال أحب إلى الله، قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله" أخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه والبزار ولفظه: بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله قاله المنذري. وفي

стр. 301

حديث أم هانئ: مرني بعمل أعلمه، وأنا جالسة. الحديث وفيه "سبِّحي الله مائة تسبيحة إلخ". وفي رواية دلني على عمل يدخلني الجنة وهو عند أحمد وجماعة، وقوله ﷺ : "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله". وقوله في حديث البطاقة: "احضر وزنك وفيه فإنك لن ينقص من عملك" الحديث وقوله لمن قال له: "دلني على عمل يدخلني الجنة". قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله. .". ومثاله في السنة كثير فهو إما حقيقة لغوية وهو الظاهر أو شرعية ولا داعي لحمله فيما ذكرنا على المجاز والله أعلم. أما الاعتراض بكون من حلف لا يعمل عملًا فقال قولًا فهو لا يحنث فهو مدفوع بأن الأيمان تجري على العرف وعلى بساط اليمين وهو السبب الباعث عليه كما يأتي إن شاء الله. وقد تقرر في علم العربية أن اتصال ما بإن وأخواتها مبطل لاختصاصها بالأسماء فيصح دخولها على الأفعال ويبطل عملها لكن قد يراعى فيها أصل الاختصاص فتبقى على عملها كما قال ابن مالك: ووصل ما بذي الحروف مبطل ... أعمالها وقد يبقى العمل وأنشدوا عليه بيت النابغة المشهور وهو يروى بالإعمال والإِهمال وهو قوله: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد وهي هنا مكفوفة عن العمل ولهذا ارتفع الاسم وهو الأعمال. وقوله: (بالنية) هذه رواية المصنف وفي رواية للبخاري وغيره وهي الرواية الأولى عنده (بالنيات) بلفظ الجمع والمعنى في الروايتين واحد لأنها هنا تكون اسم جنس وهو في قوة الجمع. والنية: عقد القلب على الشيء وقيل: هو العزم عليه وأنشد قول الشاعر: صرمَتْ أميمة خلتي وصلاتي ... ونوت ولما تنتوى كنواتى يقول: لم تنو فيَّ كما نويت فيها. ومنه قول الشاعر أيضًا: إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... علمنا الذي ينوي وكيف يريد أي الذي يعزم عليه.

стр. 302

والنيّة بالتشديد وحكى النووي فيها التخفيف والمعروف فيها التشديد لأنها من نوى ينوي إذا قصد فأصلها نوْية فقلبت الواو ياء على القاعدة المعروفة المشار إليها بقول ابن مالك ﵀: إن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبن مدغما ... وشذ معطى غير ما تقدما وأما دعوى بعضهم أنها من وَنى فبعيد لأن مصدر ونى يني يكون ونيًا كوعْدٍ ونظائره من المثالي والله أعلم. فوجه التخفيف إنما هو حذف إحدى الياءين بعد الإِبدال والله أعلم. وحقيقتها عند الأكثرين: قصد بالقلب وتوجهه إلى الفعل والعزيمة عليه، وبعض أهل العلم فرق بين القصد والنية بما حاصله تراخي الفعل عن العزم ومقارنته للقصد ولهذا قال القسطلاني في تعريفها وشرعًا أي: والنية شرعًا: قصد الشيء مقرونًا بفعله فإن تراخى عنه كان عزمًا. والباء في قوله (بالنية) للمصاحبة فيقتضي ذلك اقترانها بالفعل كأنها من نفسه فيجب ألا تتخلف عن أوله وقيل سببية فكأنها سبب لإِيجاد الفعل على هذا الوجه ومقومة له. واستبعد العيني السببية وجوز الاستعانة ولم يبين وجه ذلك. وأل الأعمال تحتمل العهد الذهني كما تقدم وتحتمل الاستغراق وتخصيص ذلك بأعمال المكلفين من أهل الإِسلام من أجل الأدلة الدالة على أن أعمال الكفار غير مقبولة على كل حال وأل في النية يحتمل أن تكون عوضًا عن الضمير كما ذكر ابن حجر أي بنيتها ويحتمل أن تكون للعهد الذهني أي نية القربة. قلت: التقدير الأول أولى فتكون عوضًا عن المضاف إليه، والله أعلم. ولابد من تقدير مضاف محذوف يكون هو المخبر عنه به واختلفوا في تقديره فقدّره بعضهم صحة الأعمال، وقدّره بعضهم اعتبار الأعمال الشرعية، وبعضهم ثواب الأعمال، وبعضهم كمالها لأن ظاهر الحديث مطرح وهو اشتراط النية لإِيجاد العمل وهذا غير مراد قطعًا لأنه من المعلوم ضرورة وجود ذوات الأعمال دون النية وانفكاكها عنها فعلم أن المراد معنى زائد على وجودها ورجح كثير، أو الأكثرون أن تقديره: صحة الأعمال؛ لأن الصحة

стр. 303

أكثر لزومًا للحقيقة. قلت: والذي يظهر لي والله أعلم أن تقديره اعتبار الأعمال الشرعية أو حصول ثواب الأعمال الشرعية أولى لأنه قد يصح بعض الأعمال بدون نية كقضاء الدين أو أداء النفقة وهي أعمال شرعية تصح بدون النية لكن قد يتوقف اعتبار القربة وحصولها على النية، والله أعلم. وقد اتفقوا على اشتراط النية في العبادات التي هي مقاصد، ولكن اختلفوا في التي هي وسائل، فقال بعضهم بعدم وجوبها فيها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك، وقال قوم إنها تجب لها. وهذا سبب الاختلاف في اشتراط النية في الوضوء والطهارة فمذهب الجمهور الوجوب وهو ظاهر صنيع المصنف ومثله البخاري، رحمة الله على الجميع. وقوله: (إنما) من حصر المسند أو حصر الصفة لأن المقصور عليه بإنما المؤخر وقوله: (لامرئ ما نوى) بكسر الراء اتباعًا للكسرة في الهمزة فإن هذا اللفظ إذا دخلت عليه همزة الوصل يعربونه من حرفين، الراء والهمزة تقول: هذا امرؤ، ورأيت أمرًا، ومررت بامرِئ. وهي إحدى لغات ثلاث، والثانية: فتح الراء دائمًا كأصبع رفعًا ونصبًا وجرًا. والثالثة: ضمها دائمًا. والمرء بدون همز الوصل مثلث الميم ولكن الفتح أقيس وسمع في لغة هذيل كسرها، قال أبو خراش: جمعت أمورًا ينفد المرء بعضها ... من الحلم والمعروف والحسب الضخم الرواية فيه بكسر الميم وهو لفظ لا يجمع جمع سلامة، وقيل: إنه سمع فيه مرؤن ولكنه يُثنَّى ويُصغَّر، والمرأة داخلة في اللفظ هنا إما على أنه يتناولها في الأصل على ما تقدم من أنه يشمل الذكر والأنثى، وإما بالتبع وكثيرًا ما ورد الخطاب بلفظ المذكر فيعم الإِناث إما لمكان كون الرجال قوامين عليهن أو للتغليب، والله أعلم، وقد تقدم في تفسير الآية الكلام على مثل هذا. وقوله: (ما نوى) ما موصولة في محل رفع بالابتداء والخبر مقدم وهو قوله (لامرئ). وقد اختلفوا في هذه الجملة فقيل: إنها محققة لمعنى الأولى فهي مؤكدة لها، وقيل: أفادت معنى آخر وهو أن الثواب على قدر النية لأن من الأعمال

стр. 304

ما يكون فيه الأجر من وجهين أو وجوه فيتوقف حصول ذلك على النية كمن خرج يريد الصلاة يكتب له ثوابها، فإن قصد مع ذلك طلب العلم حصل له أجره، وإن جلس في المسجد ينتظر الصلاة ونوى الاعتكاف حصل له الأجر عند من لا يشترط الصيام، وهكذا في الصدقة على القريب كما في الحديث بل في بعض الأعمال الدنيوية يحصل للمرء الثواب على حسب النية كمن نوى بالبيع والشراء أنه يعفُّ نفسه ويتصدق وله نظائر كثيرة، وإن كان الفعل في الأصل ليس بقربة كالنكاح والشرب والأكل فإنه إن نوى عفة الزوجة وعفة نفسه وطلب تكثير سواد الأمة أُجِرَ من وجوه، وإن لم تكن له نية إلَّا بلوغ شهوته فلا أجر له وهكذا في غيره. وقد قيل إن هذه الجملة أفادت أن الترك خاصة لا يثاب عليه إلَّا مع النية وهذا موقوف على دخول الترك مسمى الفعل وهو الراجح بل المتعين فمن ترك شرب الخمر أو الزنا خشية العقوبة الدنيوية لا يثاب وإن سلم من الإِثم، وإن ترك ذلك لخوف الله أجر. قلت: وقد يقال إنها محمولة على ما تقدم من كون الفعل فيه مجال للنية من وجوه فلا يحصل منها شيء إلَّا على قدر النية على ما تقدم، فمن نوى شيئًا دون غيره حصل له المنوي فقط وقد تقرر في علم العربية أن اللفظ إذا دار بين التوكيد والتأسيس كان حمله على التأسيس أولى، والله أعلم. والفاء قيل عاطفة لتفصيل ما أجمل في قوله "الأعمال بالنيات" ويحتمل أن يكون المذكور للتمثيل لا للتفصيل. (والهجرة)، بكسر الهاء والهجران بكسرها والهجر بفتحها كلها بمعنى الترك للشيء. قلت: وذلك إذا تعدى الفعل بنفسه أو بعن أو بمن وأما إن عُدِّيَ بإلى فهي بمعنى الانتقال إلى الشيء وقصده عند ترك غيره كما في قولك: "هاجر إلى الله ورسوله". وهي في عرف الشرع ترد لمعنيين: أحدهما: ترك ما نهى الله عنه قولًا وعملًا، كما في الحديث: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وهو أعمُّها، والثاني: وهو الغالب فيها عند الإطلاق: الخروج من دار الكفر إلى دار الإِسلام أو الخروج من مكان على سبيل الهرب بالدين لقصد سلامته.

стр. 305

وأول من سنَّها على الإطلاق: الخليل ﵇ كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وأول من هاجر في الإِسلام "عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ﷺ ". واقتدى بهما المهاجرون وهي أول هجرة في الإِسلام كانت إلى الحبشة حين اشتد أذى المشركين على المسلمين. قال ﷺ : "إن بالحبشة ملكًا لا يُظْلَمُ أحد عنده فلو خرجتم إليه فخرجوا إليه" فكان رسول الله ﷺ يشبِّه عثمان بالخليل ﵇. (ومن): هاهنا شرطية. وقوله: (هجرته إلى الله) أي: الحامل عليها والباعث طلب ثواب الله وقصد صحبة رسوله والجهاد معه، فعبَّر عن قصد التقرب بالهجرة بأنها إلى الله كما قال الخليل ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وقد تقدم معنى -إلى- في شرح الآية في المقدمة، والفاء في قوله: (فهجرته إلى الله) واقعة في جواب الشرط وقد اتحد الشرط والجزاء في اللفظ. والأصل فيهما التغاير، والجواب عن ذلك، أن التغاير يكون في اللفظ، وهو الأكثر ويكون في المعنى كما هنا لأن المعنى المراد في قوله: (من كانت هجرته إلى الله) أي: بالقصد فهجرته ثابتة له عند الله يُجْزَى بها يوم القيامة. وقوله: (إلى دنيا) صفة لموصوف محذوف مشتق من الدنوِّ الذي هو القرب وفيه محذوف مقدر مضاف إلى الدنيا، أي نيل دنيا أو حصول دنيا، قال الكرماني: (في الدنيا مقصورة غير منونة لأنها فعلى من الدنو وموصوفها محذوف أي الحياة الدنيا) اهـ. قال ابن مالك في كتاب الشواهد: في استعمال الدنيا منكرًا إشكال، لأنها أفعل تفضيل فكان حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى إلَّا أنها خلعت عنها الوصفية رأسًا أي تنوسي فيها معنى الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفًا ومثله قول الشاعر: وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا فإن الجلى تأنيث الأجل فخلعت عنها الوصفية وجعلت اسمًا للحادثة العظيمة، قال الكرماني: والدليل على جعلها اسمًا قلب الواو ياء لأنه لا يجوز القلب إلَّا في فعلى الإِسمية. وهو مؤنث الأدنى لا ينصرف، قيل: لوجود علتين فيه: الوصفية،

стр. 306

والتأنيث. ورجح الكرماني: أن علة المنع ألف التأنيث، وهي صفة للحياة وحقيقتها ما يحصل به النفع قبل الموت من المال والأهل والولد واللذة وهي إحدى الحياتين والأخرى هي الحياة الثانية، وكان في قوله: (فمن كانت) يحتمل أن تكون ناقصة فالجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لكان ولك أن تقدره اسمًا أي: واقعة أو حاصلة، أو فعلًا وقعت أو حصلت كما هو معلوم على حد قول ابن مالك ﵀: وأخبروا بظرف أو بحرف جر ... ناوين معنى كائن أو استقر وهذا هو الظاهر ويجوز أن تكون تامة والجار والمجرور متعلق. بهجرته وقوله: (يصيبها) ينالها وتحصل له بسبب الهجرة، والجملة صفة لدنيا. وقوله: (أو امرأة) تقدم الكلام على لفظ المرأة و (ينكحها) أي: يتزوجها كما في بعض الروايات وسيأتي الكلام على لفظ النكاح والتزوج إن شاء الله. وقوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي مقصورة على ما طلب لا ثواب لها ولا تأثير إلَّا في الذي قصده بها حصل له ذلك أم لم يحصل. • الأحكام والفوائد اشتهر عند العلماء أن سبب هذا الحديث ما رواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد رجاله ثقات، عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر وتزوجها فكنَّا نسميه مهاجر أم قيس. ورجال إسناده ثقات. قال ابن حجر ﵀ رواها سعيد بن منصور في سننه قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله وهو ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس وساق الحديث، ثم ذكر رواية الطبراني المتقدمة، قلت: وهذا إسناد بيَّن، واحتج الأئمة مالك والشافعي وأحمد، وهو قول الجمهور من أهل الحديث وغيرهم به على وجوب النية في الوضوء والغسل وسائر الأعمال الشرعية، وقالوا: التقدير فيه -صحة الأعمال، أو ثواب الأعمال أو اعتبار الأعمال على ما تقدم- بالنيات، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس فيدخل فيه جميع الأعمال من الصوم والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما تطلب فيه النية عملًا بالعموم فتدخل فيه الطهارة

стр. 307

وسائر العبادات. قال الخطابي ﵀: لم يرد به أعيان الأعمال لأنها حاصلة حسًا وعينًا بغير نية وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما تقع بالنية وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح، وكلمة إنما عاملة بركنيها إيجابًا ونفيًا، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية صحت وإذا لم تصحبها لم تصح ومقتضى حق العموم فيها موجب ألا يصح عمل من الأعمال الدينية فرضًا كان أو نفلًا إلَّا بالنية. قال البيضاوي: الحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية، والمراد به نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع الصفات فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقيت دلالته على نفي جميع الصفات. والأعمال والنيات كل واحد منهما على بأداة الاستغراق فحمله إما على عرف اللغة فيكون حقيقًا أو على عرف الشرع فيكون المراد الواجبات والمندوبات على ما تقدم وتكون النية الإِخلاص والبعد عن الرياء والتعرض بالعمل لأي غرض غير وجه الله. وذهب الإِمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر إلى أن الوضوء والغسل لا يشترط فيهما النية ووافقهما الثوري والحسن بن حي، ورُوِيَ عن مالك في رواية له أنه قال بعدم اشتراط النية في الطهارتين، وكذلك الأوزاعي إلَّا أنه زاد التيمم وكذلك الحسن بن حي، وقال عطاء ومجاهد لا يحتاج صيام رمضان إلى نية إلَّا أن يكون مسافرًا، أو مريضًا. قلت: وهذه الأقوال مبناها على أن الطهارة وسيلة وليست مقصدًا يقصد به التعبد، ويرده: ما ثبت في السنة الصحيحة من أن الوضوء عبادة تُكفَّر بها السيئات كما سيأتي إن شاء الله، وأما إسقاط النية في صيام رمضان فالظاهر أن المراد تخصيص الصيام بتعيينه لزمان أي أنه لا يحتاج عند نية الصيام أن يعين أنه رمضان فإذا كان كذلك فيكون وجهه أن الظرف غير قابل لصوم غير رمضان والله أعلم.

стр. 308

٦١ - الْوُضُوءِ في الإِنَاءِ ٧٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. • [رجاله أربعة] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١. ٢ - مالك بن أنس: تقدّم ٧. ٣ - إسحاق بن عبد الله: تقدّم ٢٠. ٤ - أنس بن مالك -رضي الله عن الجميع- تقدّم ٦. • التخريج أخرجه البخاري في التماس الوضوء، وفي علامات النبوة، ومسلم في الفضائل، والترمذي في المناقب، ومالك في الموطأ، ونحوه للإِمام أحمد. • اللغة والإِعراب والمعنى قوله: (حانت صلاة العصر) من الحين الذي هو حضور الوقت أو قربه أي قرب وقتها أو حضر وأصله الزمن صادق بالقليل والكثير، وحان الحين حضر الوقت للشيء و (رأى) بصرية بمعنى أبصرت وشاهدت والواو للحال فالجملة حالية على تقدير قد حانت، وفي رواية: "عند الزوراء" وهي دار لمروان بن الحكم كانت بسوق المدينة أي في محلها لأنها وقت القِصَّة لم تكن موجودة وبنيت بعد ذلك و (التمس) بمعنى طلب (الناس) أي الحاضرون (الوضَوء) بفتح الواو الماء الذي يُتوضّأ به كما تقدّم (فلم يجدوه) الفاء عاطفة ويجدوه من وجد الشيء إذا تحصَّل عليه، فلهذا لم تنصب إلَّا مفعولًا واحدًا، وفي رواية للبخاري، فلم يجدوا بحذف الهاء العائدة على الوضوء، قوله: (فأُتى) بالبناء للمجهول والفاء عاطفة وفي رواية "فانطلق رجل فجاء بقدح فيه ماء يسير" وقوله: (بوضوء) أي بماء يتوضأ به في إناء وفي رواية "قدح رحراح" وفي رواية "تورْ" وفي رواية

стр. 309

"من زجاج" وفي رواية "جفنة" وفي رواية "ميضأة" وفي رواية: "مزادة" ولا تعارض لاحتمال اختلاف التعبير عن ذلك. أو تعدد القصة والغرض من ذلك أن الذي أُتيَ به قليل لا يكفي الناس، (فوضع يده في ذلك الإِناء) المراد الذي فيه الماء القليل. وقوله: (فأمر الناس أن يتوضّئوا) -أي بالوضوء من ذلك الماء كما في الرواية الأخرى فقال "حي على الطهور والبركة"- أي بأن يتوضئوا فالمصدر مجرور بالحرف في محل نصب بالفعل. وقوله: (ينبع) أي يخرج من بين أصابعه ونبع الماء ينبع مثلث الباء إذا خرج. (حتى توضّئوا) حتى تكون للغاية والابتداء بمعنى أن الذي بعدها يكون جملة ابتدائية اسمية كقول جرير: وما زالت القتلى تمور دماؤها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكلا أو فعلية فعلها ماض كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ وكما هنا حتى توضّئوا، أو مضارع كما في قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ وقد تقدّم الكلام عليها في الحديث رقم (١). وقال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين من عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم وتعقبه البدر العيني فقال: إنما تكون للبيان، إذا كان فيما قبلها إبهام ولا إبهام هنا، قال: والظاهر أن من هنا للغاية، والمعنى: توضأ الناس من عند أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، على أن من تأتي على خمسة عشر وجهًا والغالب عليها أن تكون للغاية حتى ادَّعى قوم أن سائر معانيها راجعة إليها، قال ولم أجد في هذه الخمسة عشر مجيء من بمعنى إلى، ثم ذكر أن الكرماني ادَّعى أنها لغة شاذة ولم يبيّن ذلك بمعنى أن الكرماني حكى عن النووي أن من هنا بمعنى إلى وهي لغة، وردَّه بأنه شاذ لا يقع في فصيح الكلام، ثم قال العيني: (إن استعمل بمعنى إلى في كون كل منهما للغاية لأن من لابتداء الغاية وإلى لانتهاء الغاية يجوز ذلك لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض) اهـ. قلت: وهذا يدل على صحة الوجه الذي ذكره النووي -رحمه الله تعالى- والله أعلم. والشخص الأخير داخل، وكذلك أنس لأن الصحيح عند الأصوليين أن الشخص المخاطِب بكسر الطاء يدخل في متعلّق الخطاب نفسه أمرًا كان أو نهيًا وكذا خيرًا.

стр. 310

• الأحكام والفوائد فيه دليل على وجوب طلب الماء للطهارة عند دخول الوقت، وأنه لا يجب قبل دخول الوقت لكن لا خلاف أنه إن توضأ قبل الوقت أجزاه ذلك، وفي التيمم قبل دخول الوقت خلاف فمنعه أهل الحجاز، وأجازه العراقيون على ما ذكره العيني وسيأتي، وفيه وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان عنده فضل ماء، وفيه دليل على بطلان قول منكر المعجزة من الملاحدة وغيرهم لأنه تضمّن معجزة عظيمة له ﷺ كما يأتي إن شاء الله، وفيه دليل على التبرك بما لابسه النبي ﷺ وله نظائر كثيرة في السنة وستأتي. قال القاضي عياض ﵀: "هذه القضية رواها الثقات من العدد الكثير عن الجم الغفير عن الكافة متصلًا عمن حدث بها من جملة الصحابة وأخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير من محافل المسلمين ومجمع العساكر ولم يرو واحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما رواه فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق منهم إذ هم المنزهون عن السكوت على الباطل والمداهنة في الكذب وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم فهذا النوع ملحق كله بالقطعي من معجزاته ﵊ وهو يرد على ابن بطال، حيث قال في شرحه هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنه لم يُروَ إلا من طريق أنس ﵁ وذلك لطول عمره وطلب الناس العلو في السند". وفيه: إباحة الوضوء من إناء واحد للجماعة يغترفون منه، وفيه: إباحة الوضوء من فضل وضوء الرجل المسلم وهو إجماع في حق الرجال، وتسمية الماء وضوء لأنه يفعل به. وقصة نبع الماء من بين أصابعه هذه رويت عن أنس من طرق، وذكر ابن حجر أنه ظهر له من طرقها أنها كانت في موضعين لأن بعضها في السفر وبعضها في الحضر. وروي مثل ذلك عن جابر والبراء وابن عباس وابن مسعود، وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في المعجزات من كتابه -البداية- قصة نبع الماء فذكر حديث أنس من عدة طرق وذكر كذلك مثلها من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث عبد الله بن مسعود، ومن حديث ابن عباس، والبراء بن عازب، وأبي قتادة ﵃، كلهم ذكر قصة في ذلك وغالبها كان في الأسفار إلا حديث أنس المصرّح بأنها كانت بالمدينة.

стр. 311

قُلت: وحديث جابر اشتمل على عدة معجزات، وهو في آخر صحيح مسلم، وفيه قصة الشجرتين، وقصة القبرين كقصة ابن عباس في المعذبين وهذا كما تقدّم يدفع قول ابن بطال السابق والله أعلم. وقد ذكر ابن عبد البر ﵀ رواية جابر الثابتة في الصحيح، ثم قال: إنه الذي أعطى ﷺ من هذه المعجزة أوضح من معجزة موسى، حيث ضرب الحجر بالعصا فانفجر منه الماء، وخروج الماء من الحجر مألوف وأما خروجه من بين أصابع الإِنسان فلم يشاهد قط إلا له ﷺ ، ونحو هذا لابن كثير رحمة الله علينا وعلى الجميع. ٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَأُتِيَ بِتَوْرٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَيَقُولُ: حَىَّ عَلَى الطَّهُورِ وَالْبَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ. • [رجاله: ٧] ١ - إسحاق بن إبراهيم تقدّم ٢. ٢ - عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني روى عن أبيه ووهب بن منبه وأيمن بن نابل وعبيد الله بن عمر العمري ومالك والسفيانين وخلائق غيرهم. وعنه ابن عيينة ومعتمر بن سليمان وهما من شيوخه ووكيع وأبو أسامة وهما من أقرانه وأحمد وإسحاق ويحيى وأبو خيثمة وخلق كثير، قال ابن معين: عبد الرزاق والفريابي، وذكر جماعة قال: كلهم في سفيان قريب بعضهم من بعض وهم دون يحيى بن سعيد وابن مهدي ووكيع وابن المبارك وأبي نعيم. وقيل لأحمد رأيت أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. قال أبو زرعة: عبد الرزاق أحد من ثبت حديثه. وقال معمر: وأما عبد الرزاق إن عاش فخليق أن تضرب إليه أكباد الإِبل. وروى أحمد وابن معين أنه بعدما عمي كان يلقّن وأن ما سمع منه من

стр. 312

كتبه أصح، وقال أحمد أيضًا من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، قلت: لم يختلفوا في حفظه وجلالته إلا أنه رُمِيَ بالتشيع ونقل عنه ما يدلّ على خلاف ذلك والله أعلم. وقيل: إنه روى أحاديث لم يتابع عليها. ومولده سنة ١٢٠ هـ، ومات سنة ٢١١ هـ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه. ورُوِيَ عن ابن معين أنه سئل عن ترك حديثه فقال: لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه. ورُوِيَ عن العباس بن عبد العظيم كلام سيء في حقه وأنكره الذهبي والله تعالى أعلم. ٣ - سفيان بن عيينة: تقدّم ١. ٤ - الأعمش: تقدّم ١٨. ٥ - إبراهيم بن يزيد النخعي: تقدّم ٣٣. ٦ - علقمة: تقدّم ٧٥. ٧ - عبد الله بن مسعود ﵁ وقد تقدّم ٣٩. ٨ - أما سالم بن أبي الجعد الذي ذكره الأعمش أنه حدثه فقال سألت جابر .. إلخ. فإنه سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، روى عن عمر ولم يدركه وكعب بن مرة، وقيل: لم يسمع منه، وعن عائشة، والصحيح أن بينهما أبا المليح، وعن جابان، وقيل بينهما نبيط، وعن ثوبان وزياد بن لبيد وعلي بن أبي طالب وأبي برزة وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وابن عمرو وجابر وأنس وغيرهم، وعنه ابنه الحسن والحكم بن عتيبة وعمرو بن دينار وجماعة كثيرة غيرهم، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة وقيل إن أحاديثه عن ثوبان مرسلة، قال مطين مات سنة ١٠٠، وقال أبو نعيم سنة ٩٧، أو ٩٨، وهو قول ابن حبان في الثقات. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث مات سنة ١٠٠، وقيل ١٠١، وقيل قبل ذلك. قال العجلي: ثقة تابعي، وقال الحربي: مجمع على ثقته والله أعلم.

стр. 313

• التخريج أخرجه البخاري من طريق منصور عن إبراهيم والترمذي من رواية بندار وليس فيه قول الأعمش، وهو عندهما طرف من حديث وأخرجه الدارمي وابن خزيمة، وأما قول جابر الذي ذكر المصنف فليس هو من حديث ابن مسعود ولكنه من حديث جابر في الصحيحين وغيرهما من رواية سالم بن أبي الجعد في قصة الحديبية، وفيه فقلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة" وهذه رواية سالم بن أبي الجعد، وروى عنه عمرو بن دينار أنهم كانوا أربع عشرة مائة الحديث .. مثل حديث أنس السابق وفيه ذكر التور بالتاء المثناة من فوق والراء والواو ساكنة، إناء من صفر أو غيره، وقيل: هو الطست، وقيل يشبه الطست يتخذ للوضوء ونحوه، وقوله هنا: (يتفجّر) التفجّر الخروج بشدة وهو بمعنى قوله: "ينبع" وقوله: (حيَّ على الطهور) بمعنى أقبلوا وهي اسم فعل أمر، والبركة الزيادة وكثرة الخير والنماء. وظاهر هذا السياق أن سالم بن أبي الجعد حدّث الأعمش بالحديث من رواية جابر فلذلك سأله الأعمش فأجاب بهذا الجواب، وحديث جابر في ذلك ثابت في الصحيح كما تقدّم. ٦٢ - باب التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ٧٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ وَقَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، وَيَقُولُ: تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، قَالَ ثَابِتٌ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ؟ قَالَ: نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ". • [رجاله: ٦] إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢. ٢ - عبد الرزاق بن همام: تقدّم ٧٧. ٣ - معمر بن راشد: تقدّم ١٠.

стр. 314

٤ - ثابت بن أسلم البناني: تقدّم ٥٣. ٥ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدّم ٣٤. ٦ - أنس بن مالك ﵁: تقدّم ٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والدارقطني، وهذه إحدى روايات الحديث السابق حديث أنس، وأخرجه ابن خزيمة ويحتمل أنهما قصتان. • اللغة والإِعراب والمعنى قد تقدّم أكثر ما يتعلَق به في الرواية الأولى وفيه هنا قوله: (فوضع) الفاء هي الفصيحة لأنها تدل على محذوف التقدير أُتِيَ بماء فوضع .. إلخ كما في الرواية الأخرى. وقوله: (ويقول) أي وجعل يقول لأصحابه (توضئوا بسم الله) أي مبتدئين بسم الله، وبذلك تظهر مطابقة الحديث للترجمة، أو قائلين بسم الله -وجوّز بعضهم أن يكون المعنى متبركين وعلى كل حال يحصل المطلوب- قال السيوطي: وعدل يعني المصنف عن الحديث المشهور بينهم في هذه المسألة وهو لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لما في إسناده أي من الضعف والله أعلم. ٦٣ - صَبُّ الْخَادِمِ الْمَاءَ عَلَى الرَّجُلِ لِلْوُضُوءِ ٧٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَيُونُسَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: سَكَبْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَوَضَّأَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ. • [رجاله: ١٠] ١ - سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري أبو الربيع ابن أخي

стр. 315

رشدين بن سعد المصري، روى عن أبيه وجده لأمه الحجاج بن رشدين أبي سعيد وعبد الملك بن الماجشون وعبد الله بن نافع وابن وهب وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وأبو بكر بن أبي داود وزكريا الساجي وغيرهم. قال النسائي: ثقة وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وقال الآجري: ذُكر لأبي داود فقال: قَلَّ من رأيت في فضله. ٢ - الحارث بن مسكين: تقدم ٩. ٣ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٤ - مالك بن أنس: تقدم ٧. ٥ - يونس بن يزيد: تقدم ٩. ٦ - ابن شهاب: تقدم ١. ٧ - عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري مولى قيس أبو أمية المصري، أصله مدني، روى عن أبيه وسالم أبي النضر والزهري وأبي الأسود يتيم عروة وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه مجاهد بن جبر وصالح بن كيسان وهما أكبر منه وقتادة وبكير بن الأشج وهما من شيوخه وأسامة بن زيد الليثي وبكر بن مضر وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قال أحمد: رأيت له مناكير يروي عن قتادة أشياء مضطرب فيها ويخطئ، وكان ابن معين يوثِقه جدًا، قاله يعقوب بن شيبة، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، قال: وكذا قال النسائي وأبو زرعة. قال النسائي الذي يقول مالك في كتابه الثقة عن بكير يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، قال أبو حاتم: كان أحفظ أهل زمانة ولم يكن له نظير في الحفظ. قال أحمد بن صالح: ولد سنة ٩٠ هـ، وقيل بعد ذلك وقال يعقوب بن شيبة وابن سعد: مات سنة ٧ أو ١٤٨ هـ، قال ابن بكير وغير واحد سنة ٤٨ هـ، وعن ابن معين سنة ١٤٩ هـ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من الحفاظ المتقنين ومن أهل الورع في الدين والله أعلم. ٩ - عبَّاد بن زياد بن أبيه، المعروف أبوه زياد بن أبي سفيان أخو عبيد الله بن زياد، يكنى أبا حرب، روى عن عروة وحمزة ابني المغيرة وعنه ابن شهاب ومكحول. قال مصعب الزبيري في حديث مالك عن الزهري عن

стр. 316

عباد بن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة في المسح على الخفين أخطأ فيه مالك خطأ قبيحًا والصواب عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة. قال ابن المديني: روى الزهري عن عبَّاد بن زياد وهو رجل مجهول لم يرو عنه غير الزهري وذكره ابن حبان في الثقات. قال خليفة: ولاه معاوية سجستان سنة ٥٣ هـ، وقال الزيادي وأبو عاصم مات سنة ١٠٠ هـ. قال ابن حجر وذكر البخاري أن بعضهم رواه عن مالك عن ابن شهاب عن عباد عن ابن المغيرة قال: وكلام ابن المديني يشعر بأن زيادًا والد عباد ليس هو الأمير لأن عباد بن زياد الأمير مشهور وليس بمجهول، قال: ووقع لي في رواية يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث عن الزهري عن عباد بن زياد من ولد المغيرة، قلت: وهذا يدل على أن يونس وعمرًا وافقا مالكًا فينتفي عنه الغلط ويصح كلام ابن المديني في جهالة شيخ الزهري هذا، والله أعلم. ٩ - عروة بن المغيرة بن شعبة أبو يعفور الثقفي الكوفي، روى عن أبيه وعائشة ﵄، وعنه الشعبي وعباد بن زياد ونافع بن جبير بن مطعم وبكر بن عبد الله المزني والحسن البصري وغيرهم، قال الشعبي: كان خير أهل بيته، وقال العجلي: ثقة، وقال خليفة: ولَّاه الحجاج الكوفة سنة ٧٥ هـ، وذكره في تسمية عمّال الوليد على الصلاة سنة ٩٠، وذكره ابن حبان في الثقات قال: وكان من أفاضل أهل بيته. ١٠ - المغيرة بن شعبة ﵁ تقدم: ١٧. • التخريج أصل الحديث حديث المغيرة في المسح على الخفين مطولًا ومختصرًا مع اختلاف في ألفاظه. أخرجه البخاري في مواضع في الطهارة، وفي المغازي، وفي اللباس، ومسلم في الطهارة، وكذلك أبو داود في الطهارة، ومالك في الموطأ، وابن ماجه. وقول المصنف لم يذكر مالك عروة لأنه تقدم أن روايته عن عباد بن زياد من ولد المغيرة، وتقدم الكلام على ذلك في ترجمة عباد.

стр. 317

• اللغة والإعراب والمعنى قوله: (سكبت) أي صببت، سكب يسكب الماء وغيره إذا صبه، وقوله: (حين توضأ) أي وقت شروعه في الوضوء، وسيأتي الكلام على غزوة تبوك وعلى المسح على الخفين إن شاء الله. وقد تقدم أيضًا في شرح الآية ذكر المسح. • الأحكام والفوائد فيه منقبة للمغيرة ﵁ حيث كان يخدم النبي ﷺ ، وفيه ما ترجم له المصنف وهو صب الخادم الماء على الإنسان في الوضوء، وفيه جواز الاستعانة في الوضوء بصب الماء وتحضيره وهو متفق عليه، وأما غسل الغير لبعض الجوارح فلم يثبت فعله؛ إلا أن يكون عاجزًا، والله أعلم. وفيه جواز استخدام الأحرار إذا كانوا راضين لاسيما إن كان في ذلك لهم شرف ومصلحة دينية، قلت: المساعدة على الوضوء والطهارة على ثلاثة أقسام، الأول: المساعدة بتحضير الماء ووضعه للإنسان وهذا جائز باتفاق، وقال بعض الفقهاء تركه أفضل، وهو ثابت عن الصحابة أمهات المؤمنين وغيرهن. الثاني: أن يصب عليه الماء وهذا ثابت عنه ﷺ والأحاديث فيه كثيرة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة منهم المغيرة وأسامة بن زيد والربيع، وفي بعض روايات حديثها أنه قال لها: اسكبي. ووضع الماء ثابت عن أمهات المؤمنين وعن أنس وربيعة بن كعب فلا وجه لكراهة ذلك ولا القول بأنه خلاف الأولى وقد فعله الصحابة بعده، فثبت عن عمر في غسل المحرم رأسه، وعن أبيِّ بن كعب كذلك، الثالث: غسل بعض الأعضاء كما تقدم، أي: يغسل الخادم أو غيره أعضاء المتوضئ وهذا لم يثبت، والأصل عدم فعله إلا من عجز، والله أعلم. ٦٤ - الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً ٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً.

стр. 318

• [رجاله: ٥] ١ - محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزمن، روى عن خلق كثير منهم سفيان بن عيينة وأبو معاوية ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وابن نمير وعبد الله بن إدريس وخالد بن الحارث ويزيد بن زريع وحسين بن حسن البصري وأزهر السمان ومعتمر بن سليمان وغيرهم، وروى عنه الجماعة، وروى عنه النسائي أيضًا بواسطة زكريا السجزي عنه وأبو زرعة وزكريا الساجي وأبو حاتم والذهلي وابن أبي الدنيا وبقيُّ بن مخلد ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وجعفر الفريابي وأبو يعلى وأبو عربة وناس كثيرون، قال الذهلي: حجة، وقال ابن معين: ثقة، وقال صالح بن محمد: صدوق اللهجة وكان في عقله شيء وكنت أقدمه على بندار، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى ويحيى بن حكيم. قال النسائي: لا بأس وكان يغيِّر في كتابه. وقال السمناني: كان أهل البصرة يقدِّمون أبا موسى على بندار، وكان الغرباء يقدِّمون بندارًا، وقال ابن خراش: كان من الأثبات وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا احتج سائر الأئمة بحديثه، ولد سنة ١٦٧ ومات سنة ٢٥٢ في ذي القعدة وقيل ٢٥١ وقيل ٢٥٠، وقال الدارقطني: كان أحد الثقات وقدمه على بندار، وقال عمرو بن علي: فيهما ثقتان يقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر، وكان في أبي موسى سلامة، وقال مسلمة: مشهور من الحفاظ، وفي الزهرة روى عنه البخاري ١٠٣ حديثًا ومسلم ٧٧٢ هـ. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - سفيان بن عيينة: تقدم ١. ٤ - زيد بن أسلم العدوي أبو أسامة، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب ﵁، روى عن أبيه وابن عمر وأبي هريرة وعائشة وجماعة من الصحابة وغيرهم، وعنه أولاده الثلاثة أسامة وعبد الله وعبد الرحمن ومالك وابن عجلان وابن جريج وخلائق، وعن ابن معين لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر، قال أحمد وأبو زرعة ومحمد بن سعد وابن خراش والنسائي وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة كلهم يقول فيه: ثقة، زاد يعقوب: من

стр. 319

أهل الفقه والعلم وكان عالمًا بتفسير القرآن وذكره ابن حبان في الثقات، وفي تاريخ البخاري أن علي بن الحسين كان يتخطى مجالس قريش ويجلس إلى زيد بن أسلم فقال له نافع بن جبير: تتخطى مجالس قومك إلى عمر بن الخطاب فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، مات سنة ١٣٦ هـ، والله أعلم. ٥ - عطاء بن يسار أبو محمد المدني القاضي مولى ميمونة زوج النبي ﷺ وكانوا إخوة سليمان وعبد الله وعبد الملك وعطاء بنو يسار، روى عن معاذ بن جبل وفي سماعه منه نظر وأبي ذر وأبي هريرة وأبي أيوب في جماعة من الصحابة وغيرهم، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من أقرانه ومحمد بن عمر بن عطاء وزيد بن أسلم وجماعة آخرون، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن سعد: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. ومات سنة ١٠٣ هـ، وكان مولده سنة ١٩ هـ، وقيل مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل سنة ١٠٣ هـ، وعمره ٨٤، وقيل سنة ٩٤ هـ، والله أعلم مات بالإسكندرية. ٦ - عبد الله بن عباس ﵄ تقدم ٣١. • التخريج أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وهو في البخاري بلفظ "توضأ النبي ﷺ مرة مرة" وأخرجه الدارمي، وأخرجه ابن أبي شيبة بتفصيل الوضوء كرواية المصنف الآتية وأخرجه ابن خزيمة. • اللغة والإِعراب والمعنى قوله: (ألا أخبركم) ألا أداة استفتاح وفيها تنبيه للمخاطبين ليتنبهوا لما يتكلم به ويتشوقوا لسماعة ومراده تعليمهم بذلك، لقوله ﷺ : "بلغوا عني". "ليبلغ الشاهد الغائب". وكان ﷺ يستعمل هذا الأسلوب كثيرًا لما فيه من التنبيه لهم على ضبط ما يسمعون منه، وقوله: (بوضوء رسول الله ﷺ ). لعله أراد بعض صور أو حالات وضوئه لأن وضوءه لا ينحصر في هذه الصورة بل الغالب غيرها كما سيأتي إن شاء الله، فلعله أراد تعليمهم بهذا الفعل جواز الاقتصار على مرة في الوضوء لأنهم قد عرفوا أن تمام الوضوء ثلاثًا ثلاثًا

стр. 320

فقصد الصورة التي لعلها تخفى عليهم، وقوله: (مرة مرة) أي غسل كل عضو مرة واحدة فهذا أقل ما يجزئ فيه ويجوز أيضًا مرتين كما يجوز مرة في بعض الأعضاء ومرتين أو ثلاثًا في البعض فالكل واسع ولا خلاف كما سيأتي أن الأفضل التثليت في الأعضاء، ماعدا الرأس، والله أعلم. • الأحكام والفوائد ويستفاد منه عرض العالم المسألة والحكم على جلسائه للفائدة، والاجتهاد في بذل العلم للناس ولو لم يسألوا عنه لاسيما ما تمس إليه الحاجة أكثر، والتنبيه على محل التخفيف في الدين ما لم يخش بذلك الاستخفاف به. ٦٥ - باب الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ٨١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا يُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . • [رجاله: ٥] ١ - سويد بن نصر المروزي: تقدم ٥٥. ٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦. ٣ - الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو: تقدم ٥٦. ٤ - المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم المخزومي وقيل بإسقاط المطلب في نسبه وقيل إنهما اثنان، روى عن جماعة كثيرة من الصحابة منهم عمر وأبو موسى وعائشة وأبو هريرة وغيرهم، وعنه ابناه عبد العزيز والحكم ومولاه عمرو بن أبي عمرو وعاصم الأحول والأوزاعي في جماعة آخرين. قال ابن أبي حاتم: روايته عن جابر يشبه أن يكون أدركه، وروايته عن غيره من الصحابة مرسلة، وثَّقه أبو زرعة، قال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه لأنه يرسل، ووثَّقه يعقوب بن سفيان والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات وأكثرهم يقول: إن الغالب على روايته عن الصحابة أنها مرسلة والله أعلم. ٥ - عبد الله بن عمر ﵄ تقدم ١٢.
следующие страницы →