وقوله: (فرابطوا) هكذا في رواية المصنف وعند ابن حبان فأبطئوا أي تأخروا وهو أشبه بالصواب وأما رواية فرابطوا إن صحت فهي محمولة على أنهم جلسوا في بعض الثغور مدة ولكن السياق يقوي رواية أبطئوا لأن البطء وهو التأخير يسبّب الفوات.
وقوله: (في المساجد الأربعة) قال ابن حبان المراد بها المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ومسجد قباء وهذا كالمتعين لأنه لا يعرف للمساجد الثلاثة رابع له فضل إلا مسجد قباء.
وقوله: (يا بن أخي) هذا من الأدب المستحسن في الخطاب وهو ابن أخيه في الدين.
وقوله: (أدلك) أي أنا أدلك على أيسر، أي: أسهل، وأقل مشقة من ذلك أي: من السفر للصلاة في هذه المساجد وهذا ظاهره أن أبا أيوب لم يرد عليه قوله من صلى في المساجد إلخ، ولا أعرف لذلك أصلًا، فيحتمل أنه أراد إرشاده مع عدم معرفته لصحة ذلك أنه شك في صحة ما قال فأخبره بما هو صحيح لا يشك في صحته وهو لا يحتاج إلى سفر ومشقة وممكن لكل أحد في كل وقت.
وقوله: (توضأ كما أمر) بالبناء للمجهول أي كما أمره الله وبيّنه رسول الله ﷺ .
وقوله: (من توضأ) من شرطية والجواب: قوله: (غفر له ما قدَّم).
وقوله: (أكذلك) استفهام من أبي أيوب لعقبة لعلمه أن عقبة قد حضر الحديث وسمعه وذلك ثابت عنه في الصحيح فشهد له عقبة ليؤكد ذلك للسامعين وتقدّم أن إطلاق المغفرة أي للذنوب مقيّد بالصغائر دون الكبائر عند الأكثرين وبشرط اجتنابها فالأحاديث الواردة في ذلك وقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مقيّد لهذا الإِطلاق ونحوه.
• الأحكام والفوائد
دل الحديث على فضل إتقان الوضوء والإتيان به على الوجه الأكمل وعلى حرص الصحابة على إرشاد المسلمين إلى أمور الدين والتنبيه على
стр. 457
الأيسر منها على الناس وعلى سعة فضل الله ورحمته لهذه الأمة وقد قال ﷺ : "يسّروا ولا تعسّروا وبشروا ولا تنفروا" وقال ﵇: "ولا يهلك على الله إلا هالك".
١٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَان أَخْبَرَ أَبَا بُرْدَةَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ".
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن عبد الأعلى: تقدّم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدّم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦.
٤ - جامع بن شداد المحاربي أبو صخر الكوفي، روى عن صفوان بن محرز وطارق بن عبد الله المحاربي وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وجماعة، وعنه الأعمش ومسعر وشعبة والثوري والمسعودي وأبو العميس وثقه النسائي وأبو حاتم وابن معين ويعقوب بن سفيان وقال: متقن وقال العجلي: شيخ عالي، ثقة من قدماء شيوخ الثوري وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة ١١٨، والله أعلم.
٥ - حمران بن أبان: تقدّم ٨٤.
٦ - عثمان بن عفان ﵁: تقدّم ٨٤.
• التخريج
أخرجه مسلم والبخاري بلفظ: "لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه" وأخرجه أحمد والطيالسي وللدرامي وأحمد نحوه من حديث سلمان الفارسي وتقدّم ما يدل عليه في الحديث قبله. وقوله: (فالصلوات الخمس كفّارات لما بينهن) يعني مكفّرات لذنوب العبد الذي يتم الوضوء على الوجه المطلوب وسيأتي الكلام على ذلك في الصلاة.
стр. 458
١٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَهَا".
• [رجاله: ٦]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدّم ٧.
٣ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٥ - حمران بن أبان: تقدّم ٨٤.
٦ - عثمان ﵁: تقدّم ٨٤.
• التخريج
أخرجه مسلم ولأحمد نحوه من حديث عثمان وأبي أمامة وأخرجه ابن حبان وفي رواية له: (ما من امرئ تحضره الصلاة المكتوبة فيحسن وضوءها وركوعها وخشوعها إلا كانت كفّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله) والحديث، والأحاديث كلها تدل على أن الوضوء قربة ومن أدلها على ذلك الأمر به عند النوم وذلك يقوي قول الجمهور باشتراط النية فيه وقد تقدّم ذلك، وفيه دليل على ما قدّمنا من تخصيص عموم التكفير بالصغائر دون الكبائر وذلك صريح في رواية ابن حبان المشار إليها.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو طَلْحَةَ نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْوُضُوءُ؟ قَالَ: أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّكَ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَغَسَلْتَ كَفَّيْكَ فَأَنْقَيْتَهُمَا خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ بَيْنِ أَظْفَارِكَ وَأَنَامِلِكَ فَإِذَا مَضْمَضْتَ وَاسْتَنْشَقْتَ مَنْخِرَيْكَ وَغَسَلْتَ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحْتَ رَأْسَكَ وَغَسَلْتَ رِجْلَيْكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اغْتَسَلْتَ مِنْ عَامَّةِ
стр. 459
خَطَايَاكَ فَإِنْ أَنْتَ وَضَعْتَ وَجْهَكَ لِلَّهِ خَرَجْتَ مِنْ خَطَايَاكَ كَيَوْمَ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقُلْتُ: يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ أَكُلُّ هَذَا يُعْطَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَدَنَا أَجَلِي وَمَا بِي مِنْ فَقْرٍ فَأَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
• [رواته: ٩]
١ - عمرو بن منصور النسائي الحافظ أبو سعيد، روى عن عفان وموسى بن داود الضبي والهيثم بن خارجة وأبي همام الدلال ومسلم بن إبراهيم وعبد الله بن يوسف التنيسي وأحمد بن حنبل وخلق غيرهم، وعنه النسائي فأكثر وعبد الله بن محمَّد بن سيار والقاسم بن زكرياء المطرز قال النسائي: ثقة ثقة مأمون ثبت والله أعلم.
٢ - آدم بن أبي إياس واسمه عبد الرحمن بن محمَّد ويقال ابن ناهية بن شعيب الخراساني أبو الحسن العسقلاني نشأ ببغداد وارتحل لطلب الحديث فاستوطن عسقلان إلى أن مات روى عن ابن أبي ذئب وشعبة وشيبان النحوي وحماد بن سلمة والليث وورقاء وجماعة وعنه البخاري والدارمي وابنه عبيد بن آدم وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي ويزيد بن محمَّد وآخر من روى عنه إسحاق بن إسماعيل الرملي نزيل أصبهان قال أحمد: كان مكينًا عند شعبة وثقه أبو داود وابن معين. وقال: ربما حدث عن قوم ضعفاء ووثقه أبو حاتم وقال: مأمون وقال النسائي: لا بأس به وقال العجلي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات مات سنة ٢٢٠، أو سنة ٢٢١، وقيل إنه نيف على التسعين والله أعلم.
٣ - الليث بن سعد: تقدّم ٣٥.
٤ - معاوية بن صالح: تقدّم ٦٢.
٥ - أبو يحيى سليم بن عامر الكلاعي الخبائري نسبة إلى بطن من حمير الحمصي روى عن أبي أمامة وعبد الله بن الزبير وعوف بن مالك والمقداد بن الأسود وجماعة من الصحابة وعنه صفوان بن عمرو وجرير بن عثمان ومعاوية بن صالح الحضرمي ويزيد بن حمير وآخرون وثقه العجلي وقال
стр. 460
أبو حاتم: لا بأس به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور ووثقه النسائي وابن سعد وقال: قديم معروف وذكره ابن حبان في الثقات ونبه ابن حجر ﵀ على أن النسبة للكلاعي لا تجامع النسبة للخبائر لأن كلًا منهما معروف غير الآخر.
قلت: يحتمل أنه منسوب إلى أحدهما بالإِصالة وللآخر بالحلف وله نظائر في النسب ويحتمل أن كلًا منهما يجتمعان في أصل في النسب فينسب أحيانًا لهذا وأحيانًا لذلك والله أعلم. مات سنة ١٣٠، -رحمنا الله وإياه-.
٦ - ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي، روى عن شداد بن أوس وأبي أمامة الباهلي وعوف بن مالك وعبد الرحمن بن عمرو السلمي وعبد الله بن زغب الإِيادي وغيرهم، وعنه ابنه عتيبة ومعاوية بن صالح الحضرمي وأبو بكر بن أبي مريم وآخرون وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٣٠، وكان مؤذّن الجامع بدمشق.
٧ - أبو طلحة نعيم بن زياد الشامي الأنماري، روى عن بلال المؤذن وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي كبشة وأبي أمامة وغيرهم من الصحابة، وعنه مكحول الشامي ومعاوية بن صالح قال علي بن المديني: معروف ووثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العجلي والله أعلم.
٨ - أبو أمامة صدي بن عجلان بن وهب ويقال ابن عمرو الباهلي الصحابي، روى عن النبي ﷺ وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وعمرو بن عبسة وغيرهم، وعنه سليمان بن حبيب المحاربي وشداد بن عمار الدمشقي ومحمد بن زياد الألهاني وأبو سلام الأسود وغيرهم سكن الشام وهو آخر من مات من الصحابة بالشام واختلفوا في سنة يوم مات قيل ٩١، ولكن روى عنه أنه حضر حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة فعلى هذا يكون قد جاوز المائة لأنه مات سنة ٨١، وقيل سنة ست وثمانين وهو أبعد من الأول.
٩ - عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب بن امرئ القيس بن بهتة بن سليم السلمي أبو نجيح وقيل أبو شعيب وقيل غير ذلك في نسبه، أسلم قديمًا بمكة وكان أخا أبي ذر لأمه، روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابن مسعود وسهل بن سعد وأبو أمامة الباهلي ومعدان بن أبي طلحة اليعمري
стр. 461
وأبو عبد الله الصنابحي وشرحبيل بن السمط وكثير بن مرة وسليم بن عامر وعبد الرحمن بن البيلماني وعبد الرحمن بن عائذ وأبو طلحة الكلاعي وأبو سلام الأسود وعبد الرحمن بن يزيد بن موهب وجبير بن نفير وآخرون، قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد ذلك بالمدينة وقال ابن سعد: يقولون إنه رابع أو خامس في الإِسلام.
قلت: وفيه نظر لأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال وفي صبيحة إسلامه جاء بجماعة من الصحابة أسلموا على يديه، كما هو معروف في موضعه وقال أبو نعيم: كان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام وقال الحاكم: أبو أحمد نزل الشام وقال غيره: مات بحمص وله عند مسلم حديث إسلامه قال ابن حجر: كانت وفاته في آخر خلافة عثمان فيما أظن فإني ما وجدت له ذكرًا في الفتنة ولا في خلافة معاوية اهـ.
• التخريج
أخرجه مسلم وأخرجه ابن خزيمة بأطول من هذا في باب الدليل على الأمر بالوضوء قبل نزول الآية وأخرجه ابن ماجه مفرّقًا أوله في باب ما جاء في الساعات التي نهى عن الصلاة فيها والباقي منه في باب الطهارة في ثواب الطهور لكن من رواية ابن البيلماني وللدارقطني بلفظ: "ما منكم من رجل" إلخ.
• اللغة والإعراب والمعاني
قوله: (كيف الوضوء) تقدّم الكلام على لفظ كيف في حديث عبد الله بن زيد ٢٠. وأنها اسم استفهام ومبني على الفتح يكون في محل رفع أحيانًا وأحيانًا يكون في محل نصب وهو هنا في محل رفع خبر مقدّم وتقدّم أنه في مثل هذا يجوز فيه أن يكون في محل نصب على الحال فعلى الأول: التقدير الوضوء كيف وعلى الثاني: الوضوء يكون على أي حال أي في الأجر والثواب كما دل عليه الجواب فإنه دل على أن السؤال عن الأجر فيه.
وقوله: (أما الوضوء) أما حرف يدل على الشرط والتفصيل وعند سيبويه أنه يقوم مقام أداة الشرط وفعل الشرط وأنه بمعنى مهما يكن كما قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-:
стр. 462
أما كمهما يك من شيء وفا ... لتلو تلوها وجوبًا ألفا
وحذف ذي الفاء قل في نثر إذا ... لم يك قول معها قد نبذا
فأخبر أن الفاء تلزم مع جوابها لأنه جواب الشرط وأن حذفها في النثر قليل ولذا خصّصه بعضهم بضرورة الشعر كقول الشاعر:
فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرًا في عراض المواكب
فحذف الفاء والتقدير فلا قتال لديكم ولهذا قال ﷺ : "أما الوضوء: فإنك" فأدخل الفاء في جوابها على الأصل وعندهم أن حق الفاء أن تكون داخلة على الإِسم بعدها ولكنهم يقولون إنهم كرهوا أن تلي أما فأخّروها إلى الخبر وهذا على ما جرت به عادة النحويين في تعليل مثل هذا تقريبًا للذهن وضبطًا للقواعد التي اصطلحوا عليها لحفظ اللغة وإلا فوضع العرب لكلامها لم يكن فيه مراعاة لشيء والمرفوع بعدها مبتدأ مخبر عنه فالوضوء مبتدأ وخبره الجملة من إن وما دخلت عليه وتقدّم الكلام عليها في حديث عباس ٣١. وتقدّم الكلام علي إذًا وجواب الشرط بعدها أول الكتاب في الكلام على الآية. وجوابها: أي "إذا" هنا قوله: (خرجت).
وقوله: (فإنك) جواب لأما الوضوء، وهذا الجواب من النبي- ﷺ على سؤاله وهو يدل على أن سؤاله إنما كان عن الأجر: (إذا توضأت) أي شرعت في الوضوء فعبّر بالماضي والمراد الشروع في الفعل بدليل ما بعده.
(فَغَسَلْتَ): الفاء عاطفة و (كفيك) تثنية كف وهو دليل لما تقدّم من البداءة بهما ولو كان الشخص ليس قريب عهد بالنوم (فأنقيتهما) أي أحكمت وأجدت غسلهما حتى تكونا نقيتين (خرجت) جواب إذا كما تقدّم وهذا توضيح للمراد بقوله: (توضأت) وتقدّم الكلام على الخطايا وخروجها كناية عن غفرانها وقد تقدّم أن المراد الصغائر دون الكبائر.
وقوله: (من بين أظفارك) وتقدّم الكلام على الظفر في حديث خصال الفطرة.
وقوله: (أناملك) الأنامل جمع أنملة وفيها تسع لغات تثليث الهمزة مع تثليث الميم فتضرب حركات الهمزة الثلاث كل واحدة في حركات الميم وفي اللسان أنها بالفتح واقتصر عليه ولكن ذكر فيها القاموس ما ذكرنا من الأوجه
стр. 463
وهي طرف الأصبع الذي فيه الظفر وتجمع أيضًا جمع سلامة على أنملات وباقي الألفاظ تقدّم شرحها.
وقوله: (اغتسلت من عامة خطاياك) اغتسلت منها بمعنى غفرانها كأنها وسخ غسل، والعرب تكنّى عن الذنب والفعل الذي ليس يستحسن بالوسخ كما في قول الراجز:
اللهم إن عامر بن فهم ... أوذم حجًا في ثيابٍ دُسْم
وتقدّم في دعاء النبي ﷺ : "اللهم اغسل خطاياي الحديث".
وقوله: (عامة) من ألفاظ التوكيد للعموم وأصلها عاممة بوزن فاعلة قال ابن مالك ﵀:
واستعملوا أيضًا ككل فاعلة ... من عم في التوكيد مثل النافلة
وعامة الشيء جميعه والعامة والكافة والعافية والعاقبة ألفاظ لا تثنى ولا تجمع لأنها في الأصل مصادر.
وقوله: (فإن أنت) إن أداة شرط يجب تقدير الفعل بعدها يفسّره المذكور.
وقوله: (وضعت وجهك) يعني صليت فسجدت لله والمراد به الصلاة بعد الوضوء كما تقدّم في حديث عثمان وغيره.
وقوله: (كيوم ولدتك أمك) تشبيه في محو الذنوب كأنها لم تكن وكأن الإِنسان في حال رفع القلم عنه فهي مبالغة في محو الذنوب والسلامة من تبعتها والكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف والتقدير خروجًا مثل خروجك يوم ولدتك وداخلة في الأصل على محذوف وهو خروجك.
وقوله: (يوم ولدتك أمك) الظرف هنا يحتمل أن يكون مجرورًا معربًا ويحتمل أنه مبني في محمل نصب وبناؤه على الفتح كما هو الغالب في مثله من الظروف والمختار فيه هنا البناء لأن بعده فعل مبني على القاعدة المشار لها بقول ابن مالك ﵀:
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا ... واختر بنا متلو فعل بُنِيَا
والمعنى إذا فعلت ذلك تكون طاهرًا من الذنوب كطهارتك منها حين ولدتك أمك فهو مبالغة في الخروج من الذنوب وقول أبي أمامة (انظر ما تقول)
стр. 464
يحتمل أن ما مصدرية والتقدير انظر في قولك ويحتمل أنها موصولة والتقدير انظر في الذي تقوله والمعنى واحد والجملة في الوجه الأخير صلة الموصول، وإنما أراد التثبت خشية الغلط والنسيان وكأنه استعظم ما ذكر من الثواب على الوضوء والصلاة بعده ولعله لم يكن سمع شيئًا من الأحاديث المتقدّمة في هذا المعنى وهو لعمر الله فضل عظيم وخير جسيم فنسأل ربنا التوفيق ونحمده على نعمة الإِسلام، وهذا من أبي أمامة نظير ما يأتي عن عمر من قوله لعمار في التيمم وكذا قوله لأبي موسى في السلام ثلاثًا وقول عمر بن عبد العزيز لعروة: إعلم ما تحدث به يا عروة. ونحو ذلك مما يراد به التثبّت وإن كان المتكلم يعلم صدق القائل ولهذا لما قال أبيّ لعمر في قصته مع أبي موسى: "يا بن الخطاب لا تكن نقمة على أصحاب محمد ﷺ ، فقال: اللهم غفرًا إنما أردت التثبت".
وقوله: (أكل هذا) أكل يحتمل الرفع على أنه مبتدأ والخبر الجملة بعده والأصح والمختار فيه أن يكون نائب فاعل لفعل مقدّر بعد الهمزة أو منصوبًا به على قاعدة الإِشتغال لأنه إذا كان قبل الإِسم أداة تلي الفعل في الغالب كان النصب أرجح هذا على رأي من يرى أن الأكثر في أداة الإستفهام أن يليها الفعل.
وقوله: (يعطى) أي يعطيه الله في مجلس واحد وقول عمرو أما بالتخفيف وفتح الهمزة حرف استفتاح بمنزلة ألا وهي كثيرًا ما تأتي قبل القسم، كقول الشاعر:
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما النفر
وذكر ابن هشام أنها قد تبدل همزتها هاء فتقول هما أو عينًا وتكسر همزة إن بعدها كما تكسر بعد ألا الإِستفتاحية وهذا أحد معنييها والثاني: أن تكون بمعنى حقًا أو أحقًا على خلاف في ذلك وتفتح بعدها همزة أن كما تفتح بعد حقًا كما في قول الشاعر:
أحقًا أن جيرتنا استقلوا ... . . . .
وهي مع حقًا مختلف فيها، فعند بعضهم أنها حرف، وقال جماعة: إنها اسم بمعنى حقًا، والقول الثالث: إنها كلمتان الهمزة للاستفهام، وما اسم بمعنى شيء، وذلك الشيء حق، فالمعنى: أحقًا، هذا الوجه رجحه ابن هشام
стр. 465
فيها، النصب على الظرفية المجازية كأن الحق مكان فأصل الظرف اسم الزمان أو المكان المضمن معنى في وليس هذا واحدًا منهما ولكن جعل ظرفًا مجازًا وقد تكون عند بعضهم أما حرف عرض وهو قول المالقي بمنزلة ألا فَتَخْتَصُّ بالفعل نحو أما تقوم وأما تقعد وقد تحذف هذه الهمزة كقول الشاعر:
ما ترى الدهر قد أباد معدًا ... وأباد السراة من عدنان
وقوله: (لقد كبرت سني) اللام لام التوكيد بعد القسم وقد للتحقيق وكبرت بكسر الباء يقال كبرت سنه وكبر الإِنسان كلها بالكسر إذا أريد العمر فإن أريد الحجم وزيادته قيل كبر بضم الباء.
وقوله: (دنا) يدنو إذا قرب، والأجل لا يعلمه إلا الله ولكن العادة أن الإِنسان إذا كبرت سنه وتقدّم في العمر أن يكون مظنة نزول الموت به أكثر كما قال الشاعر:
إذا الرجال ولدت أولادها ... وفنيت من كبر أجسادها
وجعلت أمراضها تعتادها ... تلك زروع قد دنا حصادها
والأجل الوقت المعينّ للشيء يكون فيه والمراد دنا أجل موتي.
وقوله: (ما بي من فقر) الجار والمجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم ومن زائدة وفقر على أن ما عامله عمل ليس اسمها وعلى أنها مهملة فهو مبتدأ وعلى كل فهو مجرور لفظًا مرفوع محلًا وهذا على القول بجواز تقديم خبر ما المجرور والمعنى إن دواعي الكذب التي تدعو الإِنسان إلى الكذب في الغالب بعيدة عني لا أنّ الكذب يباح للفقير أو لغير الكبير السن فالكذب ولو مع الفقر والشبيبة قبيح شرعًا وطبعًا محرم كتابًا وسنّة، أي: لست فقيرًا فأحدث بالكذب لأنال بذلك شيئًا من الدنيا عند الناس وهذا توكيد منه ﵁ لبعده عن التهمة بالكذب والفاء في قوله: (فأكذب) سببية أي بسبب الفقر.
وقوله: (سمعته أذناي ووعاه قلبي) أي سمعته بلا واسطة ووعيته حفظته فلم أنس، ووعاه يعيه حفظه ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
وقوله ﷺ : "فيفصم عني وقد وعيت ما قال"، يعني عند نزول الوحي عليه.
وأوعيت المتاع جعلت له وعاء، ومحل الوعي وهو الإِدراك والحفظ
стр. 466
القلب وأما قوله تعالى: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ فهي صفة جارية على غير من هي له، قال بعض الأدباء من طلبة العلم:
إذا ما غدت طلابة العلم تبتغي ... من العلم يومًا ما يخلد في الكتب
غدوت بجد واجتهاد عليهم ... ومحبرتي أذني ودفترها قلبي
فالمراد أذن قلب صاحبها واع لأن الأذن إنما تؤدي للقلب كما قال بشار:
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما قد كانا
• الأحكام والفوائد
قد تقدم ما يدل عليه الحديث من غسل أعضاء الوضوء وإسباغه وكذلك ما دل عليه الحديث من ترتب الثواب العظيم على إسباغ الوضوء والصلاة بعده وأن ذلك يدل على أن الوضوء عبادة مستقلة تحتاج إلى نية فكل ذلك قد تقدم الكلام عليه، وفيه: دليل على طلب التثبت من المحدث وكذا العالم خشية الغلط أو النسيان وفيه: تأكيد الخبر بما ينفي عن تهمة الكذب أو الخطأ فيه وأنه ينبغي للعالم والمفتي أن يبين من الصفات ما يرغب الناس في قبول قوله من دليل أو حلف أو صفة تؤكد صدقه لأن الغرض حصول الفائدة لهم ولهذا اعتنى العلماء بالإجازة لتطمئن النفوس إلى ما يقولونه ويرونه، والله أعلم.
١٠٩ - الْقَوْلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ
١٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِّحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
• [رواته: ٨]
١ - محمَّد بن علي بن حرب المروزي أبو علي المعروف بالترك وقد ينسب إلى جده، روى عن زيد بن الحباب وأبي داود وأبي الوليد الطيالسيين وسيار بن حاتم وعثمان بن عمر بن فارس وغيرهم، وعنه النسائي وعبد الله بن محمود
стр. 467
السعدي ومحمد بن إسحاق بن موسى المروزي ونسبه إلى جده، وثقه النسائي.
٢ - زيد بن الحباب بن الريان ويقال ابن رومان التميمي أبو الحسن العكلي (١) الكوفي أصله من خراسان ورحل في طلب العلم سكن الكوفة روى عن أيمن بن نابل وعكرمة بن عمار اليمامي ومالك بن أنس وأسامة بن زيد بن أسلم وأسامة بن زيد الليثي والثورى وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة وأبو خيثمة وأبو كريب وأحمد بن منيع والحسن بن علي الخلال وعلي بن المديني ومحمد بن عبد الله بن نمير وجماعة ومن آخر من حدث عنه محمد بن رافع النيسابوري وخاتمتهم يحيى بن أبي طالب بن الزبرقان وحدث عنه عبد الله بن وهب ويزيد بن هارون وهما أكبر منه قال فيه أحمد: كان صاحب حديث كيسًا رحل في طلبه إلى مصر وخراسان وما كان أصبره على الفقر وذكر أنه ضرب في الحديث إلى الأندلس قال الخطيب: رأى أحمد بن حنبل روايته عن معاوية بن صالح وكان قاضي الأندلس وأظنه سمع منه بمكة فظن أن زيد بن الحباب رحل إلى الأندلس وثقه ابن المديني وابن معين والعجلي قال أبو حاتم: صدوق صالح وقال فيه أحمد: صدوق وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح لكن كان كثير الخطأ وعن ابن معين كان يقلب حديث الثوري ولم يكن به بأس وعن عبيد الله القواريري كان ذكيًا حافظًا، عالمًا لما يسمع وذكره ابن حبان في الثقات وقال روايته عن المجاهيل فيها المناكير وثناء الأئمة عليه يطول قال فيه ابن عدي: له أحاديث كثيرة وهو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه والذي قال ابن معين عن أحاديثه عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري تستغرب بذلك الإسناد وبعضها ينفرد برفعه والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة والله أعلم .. مات سنة ٢٠٣.
٣ - معاوية بن صالح: تقدم ٦٢.
٤ - ربيعة بن يزيد الإيادي أبو شعيب الدمشقي القصير، روى عن
стр. 468
عمرو بن العاص والنعمان بن بشير وواثِلة بن الأسقع وغيرهم، وعنه عبد الله بن يزيد الدمشقي وحيوة بن شريح والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومعاوية بن صالح وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة وابن عمار والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات، قال: كان من خيار أهل الشام ووثقه ابن سعد مات غازيًا بإفريقية قتلته البربر سنة ١٢٣ وقيل سنة ١٢١ وذكر ابن حجر: أن رواية ربيعة هذا عن عبد الله بن عمرو عنده أنها مرسلة.
٥ - أبو إدريس عائذ الله الخولاني: تقدم ٨٨.
٦ - أبو عثمان هذا اختلفوا فيه فقال بكر بن منجوية يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولاني وقال ابن حبان: يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرّحبي وحديثه عند النسائي عن عقبة بن عامر بدون ذكر جبير وقيل عن أبي عثمان عن عمر، روى عن ربيعة بن يزيد ومعاوية بن صالح والصحيح معاوية بن ربيعة عنه، قلت: والظاهر أن المراد هنا ما ذكره ابن حبان حريز بن عثمان.
٧ - عقبة بن عامر الجهني: تقدم ١٤٤.
٨ - عمر بن الخطاب، ﵁: تقدم ٧٥.
• التخريج
حديث عمر في فضل الوضوء في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر بأطول من هذا وأخرجه ابن خزيمة وأبو داود والترمذي وابن ماجه وزاد أبو داود "ثم يرفع طرفه إلى السماء" أي: بعد الوضوء ومثله للدارمي وزاد الترمذي "اللهم اجعلني من التوابين" وللنسائي في اليوم والليلة بزيادة و"من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
• اللغة والمعنى وبعض الفوائد
قوله: (فتحت له أبواب الجنة) أي استوجب ذلك بوعد من الله له يدخل من أيها شاء يوم القيامة ففيه: دليل على مشروعية التشهد بعد الوضوء وتقدم أن في بعض الروايات زيادة: "اللهم اجعلني من التوابين ومن المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك" إلخ. وفيه: ما تقدم من الكلام على فضل الوضوء وإسباغه وفيه: ثبوت أبواب الجنة وأن عددها ثمان وأنها تفتح للمؤمنين وبعضهم يخير من أيها شاء قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ وفيه: ترغيب الناس في الطاعة بذكر ما أعد الله لفاعليها من الثواب.
стр. 469
١١٠ - حِلْيَةِ الْوُضُوءِ
١٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ خَلَفٍ وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَكَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ إِبْطَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ لِي: يَا بَنِي فَرُّوخَ أَنْتُمْ هَاهُنَا لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ حِلْيَةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد كان بالكوفة ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدة ثم تحول إلى بغداد فأقام بها إلى حين وفاته قيل إنه رأى عمرو بن حريث وسيأتي ما يدل على أنه لم يره، روى عن أبيه وحفص ابن أخي أنس بن مالك وإسماعيل بن أبي خالد وأبي مالك الأشجعي وحميد بن عطاء الأعرج ويزيد بن كيسان ومالك بن أنس وعطاء بن السائب وجماعة، وعنه شريح بن النعمان وسعدويه وسعيد بن منصور وداود بن أبي رشيد وأبو بكر ابن أبي شيبة وقتيبة وعلي بن حجر والحسن بن عوف وهو آخر من روى عنه وحدث عنه وكيع وهشيم من القدماء قيل لابن عيينة: إنه يقول إنه رأى عمرو بن حريث فقال: كذب لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث وروى نفي رؤيته له عن أحمد وقال: ولكنه عندي شُبّه عليه وذكر أنه رآه وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة قد حمل وكان لا يفهم فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح وذكر أنه مات في سنة ثمانين أو تسع وسبعين ومائة وقال زكريا بن حمويه عن خلف بن خليفة فرض لي عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثمان سنين وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس وكذا قال ابن عمار: وزاد ولم يكن صاحب حديث وقال ابن معين أيضًا وأبو حاتم: صدوق وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ولا أبرئه من أن يخطئ في بعض الأحاديث في بعض رواياته وقال ابن سعد كان ثقة مات ببغداد سنة ١٨١ وهو ابن تسعين سنة أو
стр. 470
نحوها وقال البخاري: يقال مات سنة ١٧١ وهو ابن مائة سنة وسنة قال ابن حجر وكذا جزم ابن حبان وفي هذا المقدار في سنه نظر فقد تقدم أنه قال فرض لي عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثمان سنين فيكون مولده على هذا سنة إحدى وتسعين أو اثنتين وتسعين لأن عمر بن عبد العزيز ولى سنة ٩٩ وقد ذكروا أنه توفي سنة ١٨١ فيكون عمره تسعين سنة أو تزيد أشهرا وعلى هذا فيبعد إدراكه عمرو بن حريث بعدًا بينا على ما سنذكره في ترجمة عمرو ووثقه العجلي وفي الثقات لابن شاهين قال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة لكنه خَرِف فاضطرب عليه الحديث، وعلى كل ثبت اختلاطه قبل موته بسنة أو نحوها فما روى عنه قبل فهم متفقون على توثيقه في الجملة قبل الاختلاط، والله أعلم.
٣ - سعد بن طارق بن أشيم أبو مالك الأشجعي الكوفي, روى عن أبيه وأنس وعبد الله بن أبي أوفي وربعي بن حراش وسعد بن عبيدة وموسى بن طلحة بن عبد الله وأبي حازم الأشجعي وغيرهم، وعنه خلف بن خليفة وابن إسحاق وشعبة والثوري وابن إدريس وحفص بن غياث وعباد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو معاوية وأبو عوانة وجماعة وثقه أحمد وابن معين والعجلي وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير وغيره وقال العقيلي: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم قيل: إنه بقي إلى حدود الأربعين ومائة.
٤ - سلمة بن دينار أبو حازم: تقدم ٤٤.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مسلم والإِمام أحمد وأخرجه ابن خزيمة بدون قوله: (يا بني فروخ).
• اللغة والإِعراب والمعاني
قوله: (وهو يتوضأ) جملة حالية وقوله: (للصلاة) أي لأجلها.
وقوله: (إبطيه) تثنية إبط وهو ما تحت الجناح من الجنب والمعنى أنه يزيد على الفرض المحدود بالنص بالمرافق.
стр. 471
وقوله: (ما هذا) استفهام إنكاري أي أي شيء هذا الوضوء المخالف بالزيادة على الفرض أي لِمَ تتوضأ هذا الوضوء؟ فما استفهامية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ واسم الإِشارة خبرها والوضوء تفسير لاسم الإشارة فهو بدل منه وقوله: (يا بني فروُّخ) فروخ قيل إنه من ولد إبراهيم ولا يثبت وهذا اللفظ من ألقاب العجم أو بعضهم عند العرب إما نسبة لأحد أبناء إبراهيم إن صح ذلك أو لأحد أجدادهم أو لقب لهم، كل ذلك محتمل فكأنه يقول: أنتم هاهنا معاشر العجم لأنهم يتسرعون إلى الإِنكار لقصورهم في العلم غالبًا والخطاب لأبي حازم سلمة بن دينار وهو من موالي العجم.
وقوله: (لو علمت أنكم هاهنا) لو حرف شرط كما تقدم ومراده بهذا أنه لو علم أن بحضرته من ينكر عليه لما فعل لأنه أمر غير واجب والمعروف خلافه فهو عرضة للتشويش على العوام فتركه بحضرتهم أولى وليس فيه أمر من الشارع حتى يبين وإنما هو شيء فعله باجتهاده.
وقوله: (خليلي) يعني النبي ﷺ والخليل من استولت محبته على القلب حتى تتخلل مسالكه كما قال الشاعر:
تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلًا
والخلة: الصداقة والمحبة الخالصة وهي الخلال قال تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾. وفي الحديث: "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لا تخذت أبا بكر خليلًا" لأنه ﷺ لا تستولى على قلبه محبة غير ربه، (والحلية) بالكسر ما يتحلى به أي يلبس للزينة ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي يتربى بالزينة ليرغب فيه ومنه قول الشاعر:
وما الحلى إلا زينة مستعارة ... تكمل من حسن إذا كان قصرا
فأما إذا كان الجمال موفرا ... كحسنك لم يحتج إلى أن يسور
وأل في الحلية يحتمل أنها للعهد الذهني أي التي ثبت الوعد بها في الحديث الذي ذكره. وفي قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ جعلنا الله وإخواننا ووالدينا منهم ومن دعا لنا بخير وتقدّم الكلام على لفظ: "حيث" وأنها ظرف مبني مقطوع عن الإِضافة منوى فيه معناها وهي من الظروف التي لا
стр. 472
تضاف إلا إلى الجمل وقول الشاعر: "حيث سهيل طالعًا" شاذ.
وقوله: (يبلغ الوضوء) أي مواضع الوضوء التي تغسل فيه فتعم الحلية جميع مواضع الغسل في الوضوء وظاهر هذا أن أبا هريرة تأول الحديث على أن الماء مهما بلغ من البدن تبلغه الحلية ولم يوافق في هذا التأويل لأن التحديد صريح في القرآن وتقدم النهي عن الزيادة وجواب أبي هريرة هذا يدل على أنه ليس عنده دليل عن النبي ﷺ غير ما فهمه من هذا الحديث، وقد روى مسلم من حديثه أنه توضأ فذكر أنه غسل يده حتى أشرع في العضد ثم ذكر مثل ذلك في اليسرى كذلك ثم ذكر أنه غسل الرجل حتى أشرع في الساق وأنه قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فهذا محمول عند الأكثرين على ما لا يتم استيعاب الفرض إلا به أعني قوله: (حتى أشرع في العضد) إلخ.
• الأحكام والفوائد
استدل به علماء الشافعية ﵏ على قولهم باستحباب الزيادة على الحد المذكور في القرآن وخالفهم سائر فقهاء الإِسلام واستدلوا بأن هذا لو كان سنة لما أطبق الصحابة على تركه ولو فعله أحد منهم لنقل ذلك عنهم وقد رووا صفة وضوء النبي ﷺ قولًا وفعلًا ولم يثبت عن أحد منهم أنه زاد على الفرض قولًا ولا فعلًا أما الحديث الذي تقدمت الإِشارة إليه حديث أبي هريرة في صحيح مسلم فقد استدل به النووي وفسر الغرة والتحجيل بالمعنى اللغوي الذي هو بياض الوجه والرجلين ثم ذكر أن المراد الزيادة على الفرض وفسرها مرة أخرى بذلك وفسر التحجيل بغسل ما فوق المرفقين والكعبين ولا تعطي اللغة هذا التفسير كما لا يخفى وإنما حمل هو وجماعته الحديث على ذلك وفيه نظر لأن إطالة الشيء إدامة فعله وهو محل الفضل عند الأكثرين فإطالة الغرة إدامة غسل محلها وكذلك التحجيل فإن المرتب عليه الثواب الإِكثار من الوضوء.
والأحاديث الأخر مصرحة بذلك منها حديث بلال: "ما أحدثت إلا توضأت ولا توضأت إلا صليت ما كتب لي" ثم ذكر النووي قول عياض وأبي الحسن بن بطال أن العلماء اتفقوا على عدم استحباب الزيادة ورد عليهما بقوله: وكيف يصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ قلت: يعني
стр. 473
هذا الحديث المذكور وليس فيه أكثر من كونه غسل حتى أشرع في العضد والاستدلال به على الزيادة التي يقولون بها غير مسلم فإن غاية ما فيه أنه أراد استيعاب الفرض ولا يمكن تحقق ذلك إلا بإصابة الماء طرف العضو كما لا يخفى ثم ذكر أن احتجاجهم أي المخالفين لمذهبه بقوله: (فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم) فلا يصح لأن المراد عنده الزيادة في عدد الغسلات وهو غير مسلم لاحتمال الوجه الآخر فيه وهو النهي عن الزيادة على الفرض وذكر ابن حجر: أن ابن أبي شيبة رواه عن ابن عمر فيه ما فيه لعدم ثبوت ذلك ثم ذكر أنه رواه بإسناد أصح من إسناد ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
والذين قالوا بالزيادة اختلفوا في مقدارها فمنهم من قدرها، ومنهم من قال: من غير تقدير ومنهم من قال: يغسل العضد والساق ومنهم من قال: إلى المنكب والركبتين وهذا أبعد في الإحتمال ولم يرد به نص كما قدمنا والحديث وإن قال النووي: يحتمل هذا فهو قول لا يخفى على منصف بُعْدُه فإن قوله: (حتى أشرع في العضد أو في الساق) بعيد جدًا من المنكب والركبتين فسبحان من حبب إلى هؤلاء الأئمة مع جلالة قدرهم تأييد مذهبهم ولكن أبى الله أن يجعل العصمة إلا للأنبياء وكيف يكون هذا سنة لا ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعلها غير أبي هريرة حتى ولو صح أن ابن عمر فعله فهل يليق بجميع الصحابة بما فيهم الخلفاء الراشدون ترك ما أمرهم به رسول الله ﷺ من إطالة الغرة على أن المراد بها هذا حتى يكون المتأخرون يفهمون ذلك ويحرصون عليه وأبو هريرة وحده الذي عمله فهذا شيء لا يخفى بُعده، والله الموفق للصواب لاسيما في مسألة كهذه متعلقة بالصلاة ومحلها من الدين معروف. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي لمن رأى العالم يصنع شيئًا وخفى عليه وجهه أن يسأله ويجب على العالم إذا سئل بيانه مصحوبًا ببيان دليله لأنه ربما كان مترخصًا ولهذا قالوا في المثل: "سل العالم يصدقك ولا تَقْتَدِ بِفِعْلِهِ" وذلك لأنه قد يترخص كما تقدم أو يكون به عذر فيبين ذلك وسيأتي لهذا نظائر إن شاء الله تعالى وفيه أنه ينبغي للإِنسان أن يتقي الشيء الذي يشوش على الناس إذا لم يكن واجبًا وله أدلة ستأتي أيضًا ومنه ما تقدم في باب السواك من ترك الأمر به خشية المشقة، وفيه دليل على فضل الوضوء، وفيه المبالغة في استيعاب الفرض
стр. 474
حتى يتناول ما يجاوره عند من لم ير الزيادة على الفرض وأما من يرى الزيادة على الفرض فيجعله دليلًا كما تقدم ومحل الشاهد منه فضل الوضوء، والله أعلم.
١٥٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ ". قَالُوا: بَلَى قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ".
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - العلاء بن عبد الرحمن: تقدم ١٤٣.
٤ - عبد الرحمن بن يعقوب الجهني: تقدم ١٤٣.
٥ - أبو هريرة: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مسلم وابن خزيمة.
• اللغة والإِعراب والمعاني
(المقبرة): محل الدفن وهي المقابر ومقابر المدينة بالبقيع وتقدم الكلام على القبر وما يتعلق به (٣١) في حديث ابن عباس مر النبي ﷺ على قبرين الحديث والفاء: في قوله: (فقال) عاطفة ويحتمل أنها الفصيحة ويكون التقدير فلما وصلها قال: وقوله: (دار قوم) منادى منصوب حذف منه حرف النداء والتقدير يا دار قوم مؤمنين، وأصله على حذف مضاف لأن المنادى أهل الدار
стр. 475
على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها لأن نفس الدار لا يسلم عليها فالأصل يا أهل دار حذف أهل وبقي المضاف إليه فتسلط عليه حرف النداء على حد قول ابن مالك -رحمه الله تعالى-:
وما يلي المضاف يأتي خلفًا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا
وقوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) قوله إن شاء الله ذكرها هنا للتحقيق لا للتعليق كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إن كان المعنى على ظاهره من أن المراد حصول الموت لهم فإنه أمر محقق ويجوز أن يكون للتعليق وذلك إذا حمل على أن المراد أنهم يلحقون بهم على صفة الإِيمان فيكون التعليق على أصله لأن المرء لا يعلم ما يختم له به فالقيد للحوق بصفة الإيمان يصح فيه التعليق.
قلت: ويكون ذلك مستفادًا من قوله: دار قوم مؤمنين فخص الدار بأهل الإيمان والموت على الإيمان أمر غيبي فيكون لاحقون بكم متصفون بصفتكم.
وقوله: (وددت) أي أحببت وتمنيت (أني رأيت) أي أبصرت إخواننا يريد آخر أمته من المسلمين فإنهم إخوانه في الإِيمان كما قال لأبي بكر ﵁: "ولكن أخوة الإِسلام" بعد أن قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر" وفي رواية: "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي" وقال لعمر: "أشركنا يا أخي في دعائك" فكل المسلمين إخوانه وقولهم: "ألسنا إخوانك" استفهام من الصحابة لأنه أشكل عليهم ما سمعوه منه من تخصيص من لم يأت باسم الإِخوان والإِستفهام للتقرير لأن همزة الاستفهام فيها معنى النفي فإذا دخلت على أداة نفي نفتها ونفي النفي إثبات فقال مجيبًا لهم: "بل أنتم أصحابي"، وبل حرف إضراب تكون للإِبطال وللانتقال وهي هنا للانتقال من أسلوب إلى أسلوب أو من معنى إلى آخر والمعنى أنتم لكم مزية اسم الصحبة وهي درجة أخص من مجرد الأخوة لأنهم أكرمهم الله وخصهم بصحبته، فهم لم يسبقوا لفضلها ولا يلحقون وأما الإخوة فهي عامة لكل مسلم كما تقدم.
وقوله: (وإخواني) أي الذين عنيتهم وتمنيت رؤيتهم هم جميع المؤمنين ممن آمن بي بعد موتي ولذا قال الذين لم يأتوا أي لم يوجدوا بعد فعبر بالإِتيان عن الوجود لأن الشخص إذا لم يوجد فهو غائب فكأنه إذا ولد كان غائبًا
стр. 476
فحضر وقوله: (بعد) ظرف مبني على الضم مقطوع عن الإِضافة في اللفظ دون معناها أي بعد ما مضى من الزمن.
وقوله: (أنا فرطهم على الحوض) الفرط والفارط هو الذي يتقدم الواردة إلى الماء فيملأ لهم الحياض استعدادًا لشربهم ففرط فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع أي أتقدمهم إليه كما تقدم الفرط الواردة قال الشاعر:
فأثار فارطهم قطاطًا جثما ... أصواتها كتراطن الفرس
والجمع فراط كرمان، قال القطامي:
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد
وفرط الحوض ملأه، قال كعب بن زهير ﵁ يصف غديرًا:
تنفى الرياح القذا عنه وأفرطه ... من صوب ساريه بيض يعاليل
أي ملأه من صوب السحابة السارية التي تكون بالليل.
وقوله: (وأنا فرطهم على الحوض) جملة حالية أو أنا فرطهم استئنافية وعلى الحوض جار ومجرور في محل نصب حال أي حال كوني على الحوض أي عنده انتظر كما ينتظر الفرط الوارد عليه من الناس والدواب، وقوله: (كيف) في محل نصب على المصدرية عند من يقول ذلك فيها أي أن ذلك من معانيها وقد تقدم الكلام على ذلك في حديث عبد الله بن زيد ٩٧ على أن يكون التقدير تعرفهم أي معرفة أو على الحال والتقدير على أي: حال تعرفهم.
وقوله: (من) اسم موصول في محل نصب مفعول به لتعرف وقوله: (من أمتك) من بيانية والمراد بالأمة هنا أمة الإِجابة فتخص المسلمين من الأمة وهكذا كلما جاء لفظ الأمة في مقام الوعد الحسن أو الثناء فالمراد بها أمة الإِجابة وأما أمة الدعوة فهي تشمل المسلمين وغيرهم، كما قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا غيرهما ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا دخل النار".
وقوله: (أرأيت) بخطاب الواحد فهو يدل على أن المتكلم واحد وأسند القول في قوله (قالوا: بلى) للجميع لأنهم ساكتون له عليه ومتطلعون للجواب كلهم فكأنه ناب عن الباقين في السؤال فوجه الخطاب إليه وهم حاضرون يسمعونه وهذه اللفظة وهي أرأيت كلمة يقصد بها الاستخبار فهي بمعنى أخبرني
стр. 477
وللعرب فيها على ما قاله الفراء لغتان ومعنيان أحدهما: أن يسأل بها عن الرؤية بالعين نحو: أرأيت زيدًا أو أرأيتك نفسك إذا أوقعت الرؤية على المخاطب أي هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة فهي بهذا المعنى مهموزة لا تحذف همزتها وتثنى وتجمع والمعنى الثاني: أن تكون بمعنى أخبرني كما هنا فهي في هذه الحالة يجوز فيها الهمز نحو أرأيت وأرأيتك ويجوز تركه وفي الحالتين تلزم التاء الفتح ولا تثنى ولا تجمع فمن استعمالها غير مهموزة قول أبي الأسود:
أريت امرءًا كنت لم أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلًا
وقول بعض بني جذيمة:
أريتكم إن طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو الفيتكم بالخوانق
أما كان حقًا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق
وقول ركاض بن براق الدبيري:
فقولا صادقين لزوج حبي ... جعلت لها أن بخلت فداء
أريتك إن منعت كلام حبّي ... أتمنعني على حبي البكاء
قال الفراء: ترك الهمزة أكثر في كلام العرب وقريش يهمزونها وإن كان الهمز ليس لغتهم قال: وإنما تركوا التاء مفتوحة موحدة لأنهم لم يريدوا أن يوقعوا الفعل عليها واكتفوا بذكرها أي وجعلوا الفعل واقعًا على الكاف لأنها آخر اللفظ والأكثرون على أنها أي الكاف حرف زائد في الخطاب لا محل له من الإعراب وقد تكون أرأيت بمعنى التعجب والتنبيه.
قلت: قد يرد على قولهم إنها إذا كانت بمعنى أخبرني تلزم التاء الفتح كونها وردت في القرآن الكريم في عدة مواضع والتاء مضمومة مع ميم الجمع كقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ ونحو ذلك ولعل الضم فيه لمناسبة ميم الجمع ولم أر من تعرض لذلك من أهل اللغة ولا أهل التفسير والله أعلم، قوله: (لو كان) لو حرف شرط والغالب دخوله على الماضي فإن وقع المضارع بعده أوِّل بالماضي وقوله: (كان) يحتمل أنها ناقصة والجار والجرور الخبر، ويحتمل أنها تامة بمعنى وجد
стр. 478
والأول أظهر وقوله: خيل اسم جنس لا واحد له من لفظه فإن أريد الواحد قيل فرس وقال أبو عبيدة: أنه جمع خائل لأنه يختال في مشيته وأنكر ذلك ابن سيده، وقوله: (غر محجلة) الغرة بياض في وجه الفرس، وفرس أغرفيه بياض في وجهه زائد على قدر الدرهم والمحجل الذي في قوائمه بياض لا يبلغ العراقيب ولا يكون محجلًا إلا إذا كان ذلك في الرجلين أو فيهما مع اليدين أو واحدة منهما، وأما إذا كان البياض في اليدين فقط فلا يسمى تحجيلا بل يقال فيه أعصم لأن الرجلين هما محل الاحجال وهي الخلاخيل والقيود والمعنى خيل بيض الوجوه بيض الأيدي والأرجل وهذا هو وجه شبه أهل الوضوء بهذه الخيل لأن البياض يكون في مواضع الوضوء وهي الوجه والأيدي والأرجل فسيماهم بياض هذه المواضع كما أنها تكون سيما الخيل وقوله: (غر محجلة) صفتان للخيل، وقوله: (في خيل) أي داخلة في خيل ومختلطة بها ودهم: جمع أدهم وهو الأسود والبهم جمع أبهم والأبهم الذي ليس فيه لون يخالف لونه والجمع بهم والمعنى أن لهم علامة بين الناس تميزهم عن سائر الأمم.
وقوله: (ألا يعرف خيله) الهمزة للاستفهام ولا نافية والاستفهام للتقرير وهو حمل المخاطب على الاعتراف أي هل يتصور أنه لا يعرف خيله التي هي بهذه العلامة لأن العرب تجعل ذلك من الأمور الواضحة، قال جرير:
رأوا أثْبِية الفهدات وردًا ... فما عرفوا الأغر من البهيم
وصفهم بشدة الرعب.
وقوله: (بلى) حرف جواب للاستفهام المصحوب النفي فهي تنقض النفي كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا﴾ فأجاب بقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآية، ونعم في جواب الاستفهام أي الخالي من النفي ولهذا لو قال قائل أما عندي لك شيء فقلت بلى رددت نفيه وأثبت عليك ولو قلت: نعم صدقته في نفيه ولم تعترف وقوله: (فإنهم) ظاهره أن ذلك خاص بالذين لم يوجدوا منهم وليس الأمر كذلك لأنه جاء بلفظ أعم كقوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا) فأطلق لفظ الأمة فدل على أن الصفة عامة وقوله: (يأتون) أي يبعثون ويردون الحوض علي وغرًا ومحجلين حالان
стр. 479
من الضمير في قوله: (يأتون) وقوله: من الوضوء. أي من أجله وجزاء على فعله في الدنيا امتثالًا لأمر ربهم، وتخصيصه لهم بذلك لأن أصحابه يعرفهم بدون هذه العلامة.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على استحباب زيارة القبور وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله وفيه: أن السنة لمن زارهم أن يسلم عليهم بهذه الصفة، وفيه: دليل على فضيلة السلام وأن الله اختاره للمسلمين في الحياة وفي البرزخ كما أخبر أنه تحيتهم في الجنة قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وتحية الملائكة لهم بل يحييهم به ربهم كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ وفيه: استحباب استعمال المشيئة ولو كانت في أمر محقق الوقوع لما في ذلك من الأدب مع الله والتبرك بذكر مشيئته وفيه: جواز التمني ولو علم أنه لا يحصل له ما تمناه ولهذا فرقوا بين التمني والترجي لأن الترجي لا يكون إلا في ممكن الحصول والتمني أعم منه لوقوعه في الممكن وغيره وفيه: محبة أهل الإيمان وحب رؤيتهم ولقائهم والسرور بذلك، وفيه: إثبات الحوض كما سيأتي -إن شاء الله- وهو نهر من أنهار الجنة، وفيه: بشرى لكل مسلم يموت على الإيمان, وفيه ما تقدم من سؤال التابع للمتبوع والمتعلم للعالم ولولا ذلك لم يحصل العلم إذا كان فيما يسأل عنه فائدة وليس ذلك داخلًا فيما نهى عنه من السؤال، وفيه: ضرب المثل لحصول الفائدة وهو كثير في القرآن والسنة، وفيه: دليل على فضل الوضوء وفيه: معجزة له ﷺ لإِخباره بهذا وهو من الأمور المغيبة التي أطلعه الله عليها فأخبر أمته بها فوجب الإِيمان بها، وقد تقدم أن بعض العلماء استدل به على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة ويرده ما ورد في البخاري من قصة سارة زوج الخليل في باب شراء المملوك الحربي وبيعه وعتقه، وفيه: (أن سارة لما طلبها الجبار وأرسل بها الخليل إليه فقام إليها فقامت توضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط على الكافر) الحديث فهو صريح في العمل بالوضوء قبل أمتنا هذه، والله أعلم.
стр. 480
١١١ - باب ثَوَابِ مَنْ أَحْسَنَ الْوُضُوءَ
١٥١ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ".
• [رواته: ٧]
١ - موسى بن عبد الرحمن الكندي المسروقي: تقدم ٩١.
٢ - زيد بن الحباب: تقدم ٣٧.
٣ - معاوية بن صالح: تقدم ٦٢.
٤ - ربيعة بن يزيد الدمشقي: تقدم ١٤٨.
٥ - أبو إدريس الخولاني: تقدم ٨٨.
٦ - جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي: تقدم ٦٢.
٧ - عقبة بن عامر الجهني: تقدم ١٤٤.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وأحمد من رواية ابن لهيعة وفيه مجهول ونحوه للطيالسي وأشار له الترمذي.
تقدم شرح أكثر هذه الألفاظ وقوله: (يقبل عليهما بقلبه) بمعنى يحضرهما قلبه فهو عبارة عن الخشوع نظير ما تقدم في حديث عثمان من قوله: (لا يحدث فيهما نفسه) وتقدم في الأحاديث السابقة مثله وفيه: فضيلة الخشوع والصلاة بعد الوضوء وكل ذلك تقدم.
١١٢ - باب مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنَ الْمَذْي
١٥٢ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكَانَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتِي
стр. 481
فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي: سَلْهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".
• [رواته: ٥]
١ - هناد بن السري: تقدم ٢٥.
٢ - أبو بكر بن عياش: تقدم ١٢٧.
٣ - أبو حصين عثمان بن عاصم بن حصين، ويقال زيد بن كثير بن زيد بن مرة أبو حصين بفتح الحاء الأسدي الكوفي، روى عن جابر بن سمرة وابن الزبير وابن عباس وزيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وزائدة وإسرائيل وابن عينية وقيس بن الربيع ومالك بن مغول وآخرون عَدَّه ابن مهدي من أثبات الكوفة وقال العجلي: كان شيخًا عاليًا كوفيًا ثقة ثبتًا في الحديث ووثقه ابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خراش وقال سفيان ثقة ثقة مات سنة ١٢٧ وقيل سنة ١٣٢ وقيل ١٢٨ وقيل ١٢٩ وقال ابن حجر: إن ابن حبَّان جعله من أتباع التابعين وروايته عن الصحابة مرسلة ومال ابن حجر إلى ذلك وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة حافظ والله تعالى أعلم.
٤ - أبو عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير الكوفي القارئ لأبيه صحبة، روى عن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وأبي هريرة وغيرهم، وعنه إبراهيم النخعي وسعد بن عبيدة وعلقمة بن مرثد وأبو إسحاق السبيعي وأبو حصين الأسدي وغيرهم وثقه العجلي والنسائي ونفى شعبة سماعه من ابن مسعود وعثمان وأثبت سماعه من علي وأثبت البخاري في التاريخ الكبير سماعه من عثمان وابن مسعود قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة مات سنة ٧٠ وقيل ٨٥ وقيل ٨٢ وهو ابن ٩٠ سنة.
٥ - علي ﵁: تقدم ٩١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وابن الجارود مع اختلاف في بعض الألفاظ
стр. 482
ورواية البخاري كرواية المصنف من طريق السلمي وكذلك ابن خزيمة والطيالسي وابن الجارود ونحوه ابن حبان وهو عند غيرهم من طرق مختلفة وسياقات مختلفة مع اتفاقهم على أصله.
• اللغة والإِعراب والمعنى
قوله: (كنت رجلًا مذاءً) مذَّاءً صفة لرجل ورجلًا خبر كان وهي صيغة مبالغة من كثرة خروج المذي والمذي بالتخفيف والمذي بالتشديد ماء أبيض لزج يخرج قطرات عند اللذة بالمداعبة ونحوها، يقال: منه مذى الرجل وأمذى ومذي إذا خرج منه المذي وهو أحد الأنواع الأربعة التي تخرج من الذكر والثاني: المني وهو النطفة وسيأتي حكمه والكلام عليه، والثالث: البول، والرابع: الودي وهو ماء أبيض يخرج بأثر البول وليس يجب منه إلا ما يجب من البول وهو نقض الطهارة الصغرى ووجوب الإستنجاء منه وغسل ما وقع عليه من البدن أو الثوب فحكمه حكم البول وقوله: (فاستحييت) الفاء سببية أي بسبب كون ابنته تحتي استحييت يقال استحييت واستحيت بمعنى والحياء: خجل وانكسار يعتري الإنسان عند ملابسة ما يكره له مما يعاب عليه أو ينتقد منه، وهو خلق محمود لأنه يمنع من ارتكاب القبائح ولهذا جاء مدحه في الشرع، وقوله: (كانت ابنة رسول الله ﷺ . تحي) أي زوجي وهي فاطمة وقوله: (أن أسأل رسول الله ﷺ ). فالمصدر المنسبك من أن وما دخلت عليه في محل جر بحرف جر محذوف وقوله: (فقلت) الفاء سببية أي فبسبب الاستحياء أمرت إلخ، ويحتمل أنها عاطفة.
وقوله: (فقلت لرجل) يحتمل أنه المقداد وهو مصرح به في أكثر الروايات ويحتمل أنه عمار وهو أيضًا مصرح به في بعضها كما سيأتي إن شاء الله وفي رواية للطحاوي "فأرسلت المقداد" وفي رواية أخرى له ولأبي داود: "أن عليًا هو الذي سأل". وسيأتي نحوها للمصنف ووجه الجمع: أن يكون عليٌ ذكر المذي وعنده المقداد وعمار فأرسلهما، فسأل كل منهما رسول الله ويحتمل أن المقداد سبق عمارًا أو العكس وأما الرواية التي فيها: (فسألت رسول الله ﷺ ) و"فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ " فهي محمولة على أنه أراد أنه سأله بواسطة أحد الرجلين وأما ما ذكره ابن حبان من الجمع بكونه
стр. 483
سأل هو بنفسه فيبعده التصريح بكونه استحيا من السؤال -وقوله: (فيه الوضوء) أي يجب في خروج المذي أي بسببه الوضوء، قال ابن حجر: ﵀ الظاهر أن عليًا كان حاضرًا للسؤال لأن أهل المسانيد والأطراف أطبقوا على إيراد هذا الحديث في مسند علي ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد.
قلت: وفيه نظر, لأن مجرد إيرادهم له في مسند علي لا يخرجه عن احتمال أن يكون بواسطة كما هو الظاهر، بل صريح فيه وقوله: (فقلت لرجل جالس إلى جنبي) صفة لرجل أي معي - في المكان وربما أشعر هذا بأنهما كانا في المجلس، ويحتمل أن عليًا كان بحيث يسمع الجواب من النبي ﷺ وذلك لا ينافي أن المباشر للسؤال غيره، وعزو الحديث له يصح بذلك للتصريح منه بأنه سأل، لكنه محتمل احتمالًا قويًا بألا يكون بواسطة.
• الأحكام والفوائد
فيه: جواز الاستنابة في الإستفتاء وبنى عليه بعض الفقهاء جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله وفيه: -على القول- بأن عليًا لم يكن في المجلس جواز قبول خبر الواحد وجواز العمل بالظن القوي مع القدرة على اليقين، وفيه بحث معروف، وفيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وتجنب ذكر ما يتعلق بمخالطة النساء عندهم، واستدل الطحاوي بهذه الرواية على ترجيح مذهبه في عدم وجوب غسله، وقال في الرواية التي فيها غسل الذكر أن غسل الذكر أمر زائد على ما يجب من الوضوء بسبب المذي وجعل ذلك لطلب تقلص العضو.
قلت: وهو غير ظاهر لأن الغسل ينشط العضو كما في حديث الأمر به لمن أراد معاودة الجماع، إلا في الأوقات الباردة إذا كان الغسل بالماء البارد، وفي الحديث أن المذي ناقض للوضوء وأنه ليس جنابة فلا يجب منه الغسل وهما محل اتفاق، ومحل المناسبة من الحديث وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الحديث القادم.
١٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جُرَيْرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: لِلْمِقْدَادِ إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ فَأَمْذَى وَلَمْ
стр. 484
يُجَامِعْ فَسَلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَابْنَتُهُ تَحْتِي فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
٢ - جرير بن عبد الحميد الضبي: تقدم ٢.
٣ - هشام بن عروة: تقدم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٥ - علي ﵁: تقدم ٩١.
• اللغة والإعراب والمعاني
قوله: (قلت للمقداد) صريح في كون المقداد كان واسطة بينه وبين النبي ﷺ كما قدمنا ويبقى احتمال كون علي كان قريبًا يسمع الجواب.
وقوله: (إذا بنى الرجل بأهله) أي: تلذذ (بأهله) أي زوجه من غير جماع ولهذا قال: (ولم يجامع) لأن التلذذ أعم من الجماع فهو يطلق على الجماع فما دونه من التلذذ بالبدن وفيه إطلاق البناء على التلذذ من غير جماع كما سيأتي في النكاح.
وقوله: (ولم يجامع) توضيح للمراد وقد تقدم الكلام على لفظ إذا، والباء في قوله: (بأهله) للتعدية لأن بنى بمعنى تلذذ كما تقدم فهي لا تتعدى بهذا المعنى إلَّا بالحرف والأهل: هنا كناية عن الزوجة.
وقوله: (من غير جماع) من غير وطء، وهو أحد أسماء الوطء وهي متعددة ستأتي إن شاء الله في محلها وقوله: (مذاكيره) المذاكير جمع ذكر على غير قياس كأنهم فرقوا بين جمع الذكر الذي هو خلاف الأنثى وبين الذكر الذي هو العضو وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ليس له واحد مثل العبابيد والأبابيل وفي التهذيب: أن جمع الذكر الذكارة قال ومن أجله يسمى ما يليه مذاكير قال: ولا يفرد وإن أفرد فمذكر مثل مقدم ومقاديم وقال ابن سيده: مذاكير منسوبة إلى الذكر وهو من باب محاسن وملامح والمراد هنا غسل الذكر أو محل خروج المني فقط كما سيأتى إن شاء الله تعالى تفصيله وقيل المراد
стр. 485
الذكر، والانثيان على ما تقدم في معنى المذاكير أنها ما حول الذكر وقوله: (وضوءه للصلاة) مصدر مبين للنوع لدفع احتمال غسل اليدين وهو الوضوء اللغوي فإنه يصدق عليه وفي الرواية الآتية "ينضح فرجه" وهو بمعنى الغسل، لأن الغسل قد يطلق عليه النضح فترد إلى الرواية المصرحة بالغسل ويحتمل أن المراد رشه بالماء لما فيه من دفع الوسوسة ولكنه يكون مع الغسل المصرح به.
• الأحكام والفوائد
تقدم أن العلماء اتفقوا على أن المذي ناقض للوضوء ولا يجب الغسل منه وهو نجس ومحل الاتفاق على أنه ناقض للوضوء إذا لم يكن خارجًا بسبب سلس أو مرض غير الخروج المعتاد، واختلفوا هل الواجب فيه غسل محل الأذى؟ أو يجب غسل الذكر كله؟ كما تقدم عن فقهاء المالكية وهل يجزئ الاستجمار منه أولا؟ وهل يفتقر غسله إلى نية أو حكمه حكم غسل النجاسة أي غسل الذكر؟ فذهب جمهور المالكية وهو الذي به العمل عندهم إلى أنه يجب منه غسل الذكر كله وأنه يفتقر إلى النية لأنه تعبدي لا تتعقل علته وقالوا: إن غسل الذكر المأمور به لا يتحقق إلا بغسل جميع العضو ووافقهم بعض فقهاء الحنابلة وهي رواية عندهم على وجوب غسل العضو كله لظاهر الحديث وزادوا غسل الأنثيين لظاهر رواية أبي داود التي فيها الأمر بغسل الذكر والأنثيين.
قلت: وقد أشار أبو داود إلى مخالفة السفيانيين عن هشام لرواية زهير عنه بزيادة الأنثيين وأكثر الروايات ليس فيها ذكر الأنثيين إلا أن حمل لفظ المذاكير عليهما في الرواية السالفة والرواية الثانية موافقة للجمهور على أن الواجب ما يجب من البول وهو قول عند المالكية والمشهور عنهم وجوب غسل الذكر كله كما تقدم عنهم وعن الحنفية أنه عندهم أمر زائد على الأمر بالوضوء فليس بواجب.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي فَقَالَ: "يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ".
стр. 486
• [رواته: ٦]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - سفيان بن عينية: تقدم ١.
٣ - عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم أحد الإعلام، روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وأبي الطفيل وغيرهم وعنه قتادة ومات قبله وأيوب وجعفر الصادق وابن جريج ومالك وشعبة وغيرهم كثير وممن روى عنه الحمادان والسفيانان كان شعبة لا يقدم عليه أحدًا في التثبت ومثله ابن جريج وقال ابن عيينة: ثقة ثقة ثقة. وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين حديثًا أسمعها من غيره، وقال أحمد: أثبت الناس في عطاء ووثقه النسائي وابن أبي حاتم قال ابن عينية وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث صدوقًا عالمًا مفتي أهل مكة في زمانه وذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه جاوز السبعين مات سنة ١٢٥ وقيل سنة ١٢٦ والله أعلم.
٤ - عطاء بن أبي رباح واسمه أسلم القرشي مولاهم أبو محمد المكي، روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو ومعاوية وأسامة بن زيد وجابر بن عبد الله وزيد بن أرقم وجماعة من الصحابة والتابعين يطول ذكرهم، وعنه ابنه يعقوب وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد والزهري وأيوب السختياني وأبي الزبير وخلائق آخرون، قال ابن سعد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أفطس أعور أشل أعرج، ثم عمي بعد ذلك وكان ثقة عالمًا كثير الحديث وقيل قطعت يده مع ابن الزبير ويقال: إنه عاش مائة سنة وأنه كان يفطر في رمضان وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي وكان أحمد وابن المديني: يضعفان مرسلاته ومرسلات الحسن عثلها عند أحمد لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد ولد في خلافة عثمان قيل لعامين منها مضيًا وقيل سنة ٢٧، ومات سنة ١١٤ وقيل ١١٥ وقيل سبع عشرة ومائة وهذه الأقوال لا يصح معها القول بأنه عاش مائة سنة إلا أن يكون ولد لسنتين مضتا من خلافة عثمان ومات سنة سبع عشرة ومائة ويكون الكسر الباقي تجوِّزَ فيه لأنه على هذا يكون مات وهو ابن ٩٢ ويكون الكسر الباقي نحو ٨ سنين والله أعلم.
стр. 487
٥ - عائش بن أنس البكري الكوفي، روى عن علي وعمار والمقداد ﵃ أجمعين-، وعنه عطاء بن أبي رباح ذكره ابن حبَّان في الثقات.
٦ - علي ﵁: تقدم ٩١.
قوله: (أمرت عمار بن ياسر) لا ينافي أنه أيضًا أمر المقداد ولا أنه كان حاضرًا حين سأل أحدهما وقد تقدم وجه الجمع في ذلك وما يتعلق بالحديث كله تقدم في الحديثين قبله.
١٥٥ - أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أُمَيَّةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَّ رَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ".
• [رواته: ٩]
١ - عثمان بن عبد الله بن خرزاذ البصري أبو عمرو الحافظ نزيل أنطاكية، روى عن عفان وسعيد بن سليمان الواسطى وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وسهل بن بكار الدارمي وغيرهم، وعنه النسائي وأبو حاتم وهو أكبر منه ويحيى بن عثمان بن صالح وهو من أقرانه وغيرهم ويقال: له عثمان بن صالح لأن خرزاذ قيل إن اسمه صالح قال ابن أبي حاتم: إنه كان رفيق أبيه في كتابة الحديث في بعض بلدان الشام وهو صدوق قال ابن منده: كان أحد الحفاظ وقال أبو بكر بن محمود: هو أحفظ من رأيته قال الحاكم: ثقة مأمون وقال النسائي: حافظ وقال مسلمة: كان ثقة مات سنة ٢٨١ وقيل ٢٨٤ والله أعلم.
٢ - أمية بن بسطام بن المنتشر العيشي أبو بكر البصري ابن عم يزيد بن زريع، روى عن ابن عيينة ومعتمر بن سليمان وبشر بن المفضل وغيرهم، وعنه الشيخان والنسائي لكن بواسطة عثمان بن خرزاذ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والبوشنجي وابن أبي عاصم والدوري وتمام والحسن بن سفيان وأبو يعلى وغيرهم قال أبو حاتم: محله الصدق وقال ابن حبان في الثقات مات سنة ١٣١، والله أعلم.
стр. 488
٣ - يزيد بن زريع: تقدم ٥.
٤ - روح بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث البصري، روى عن عبد الله بن عقيل وزيد بن أسلم وعبد الله بن دينار وقتادة ومحمد بن المنكدر ومنصور بن المعتمر وغيرهم، وعنه سعيد بن أبي عروبة ومحمد بن إسحاق وهما من أقرانه وعيسى بن شعيب النحوي ويزيد بن زريع وغيرهم وثقه النسائي وأحمد وابن معين.
٥ - عبد الله بن أبي نجيح واسمه يسار الثقفي أبو يسار المكي مولى الأخنس بن شريق، روى عن أبيه وعطاء ومجاهد وعكرمة وطاوس وجماعة وعنه عمرو بن شعيب وهو أكبر منه وشعبة وأبو إسحاق ومحمد بن مسلم الطائفي والسفيانان وورقاء وإبراهيم بن نافع وابن عُليّة وغيرهم، قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسيره قال أحمد: ابن أبي نجيح ثقة وكان أبوه من خيار عباد الله ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وقال: محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العجلي وقال: يرى القدر أفسده عمرو بن عبيد وذكره النسائي فيمن كان يدلس والله أعلم.
٦ - عطاء بن أبي رباح: تقدم ١٥٤.
٧ - إياس بن خليفة البكري الحجازي، روى عن رافع بن خديج، وعنه عطاء بن أبي رباح وروى له النسائي حديثا واحدًا في الطهارة وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال العقيلي: في حديثه وهم وذكره ابن سعد: في الطبقة الثانية من أهل مكة وقال: كان قليل الحديث.
٨ - رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج أبو عبد الله شهد أحدًا والخندق، روى عن النبي ﷺ وعن عمه ظهير بن رافع وعم آخر لم يسمه وعن أبي رافع ولعله عمه الآخر، وعنه ابنه عبد الرحمن وابنه رفاعة على خلاف فيه وحُفَداؤه عباية بن رفاعة وعيسى ويقال عثمان بن سهل وهرير بن عبد الرحمن وابن أخيه يحيى بن إسحاق وابن أخيه ويقال ابن عمه أسيد بن ظهير وثابت بن أنس بن ظهير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهم، مات سنة ٧٣ وقيل ٧٤ وقيل من ٥٠ إلى ٦٠ وهو قول البخاري وقال ابن قانع ٥٩ والله أعلم.
стр. 489
٩ - علي ﵁: تقدم ٩١.
١٥٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَتَهُ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسَأَلَهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".
• [رواته: ٦]
١ - عتبة بن عبد الله اليحمدي الأزدي أبو عبد الله، روى عن مالك وابن المبارك وابن عيينة والفضل بن موسى وأبي غانم يونس بن نافع وسعيد بن سالم القداح وغيرهم، وعنه النسائي وابن خزيمة ومحمد بن علي الحكيم الترمذي وإسحاق بن إبراهيم البستي وأبو رجاء حاتم بن محمد حمدوية المروزي والحسن بن سفيان وغيرهم، وثقه النسائي وقال مرة: لا بأس به وذكره ابن حبان: في الثقات، وقال مسلمة: مروزي ثقة مات سنة ٢٤٤، والله أعلم.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - أبو النضر سالم مولى عمر بن عبيد الله: تقدم ١٢١.
٤ - سليمان بن يسار الهلالي مولى ميمونة أبو أيوب ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله المدني يقال إنه كان مكاتبًا لأم سلمة، روى عن ميمونة وأم سلمة وعائشة وفاطمة بنت قيس وحمزة بن عمرو الأسلمي وجماعة من الصحابة وغيرهم، وعنه عمرو بن دينار وعبد الله بن دينار وعبد الله بن الفضل الهاشمي وأبو الزناد وعمرو بن ميمون وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائي: وقال أحد الأئمة قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا رفيقًا فقيهًا كثير الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون فاضل عابد وقال العجلي: ثقة مأمون ونقل ابن حجر عن ابن حبان في الثقات أن ميمونة وهبت ولاءه لابن عباس ولم يتعقب ذلك ولا أظنه يصح عنهما لثبوت النهي عن بيع الولاء وهبته فالظاهر أن الرواية بذلك غير صحيحة وابن عباس ممن روى حديث بريرة ولا يخفى عليه حكم الولاء مات سليمان سنة ١٠٧ وهو ابن ٧٣ سنة.
стр. 490
٥ - المقداد بن الأسود وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود البهراني نسبة إلى بهراء وهو أصله الكندي نسبة إلى كندة لأن أباه كان حليفا لكندة وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري تبناه في الجاهلية فلهذا يقال له: الزهيري يكنى بأبي عمرو ويقال: أبو معبد أسلم قديمًا وشهد بدرًا والمشاهد كلها ولم يثبت أنه شهد فارس بدرًا غيره وقيل: إن الزبير أيضًا كان معه فرس، روى عن النبي ﷺ وعنه علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وهمام بن الحارث، وسليمان بن يسار وسليم بن عامر وغيرهم، كان زوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم رسول الله ﷺ وابنته كريمة بنت المقداد، آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الله بن رواحة، ويقال إنه أحد السبعة الذين هم أول من أظهر الإِسلام وله مواقف مشهورة وكان من الشجعان المبزرين توفي سنة ٣٣ بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة وحمل إليها فدفن بها ﵁ وعنا معه.
٦ - علي بن أبي طالب: تقدم ٩١.
النضح هنا المراد به والله أعلم الغسل لتتفق بذلك الروايات وقد تقدم أنه يحتمل أن المراد نضح ما تحت الثوب خشية الشك فحمله على الأول أولى للتصريح بالأمر بالغسل والله أعلم وقد تقدم شرح الحديث وما يتعلق به.
١٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".
• [رواته: ٧]
١ - محمَّد بن عبد الأعلى القيسي الصنعاني وهو ابن ميسرة: تقدم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام: تقدم ٢٦.
٤ - سليمان بن طرخان أبو المعتمر: تقدم ١٠٧.
٥ - منذر بن يعلى الثوري أبو يعلى الكوفي، روى عن محمد بن علي بن
стр. 491
أبي طالب والربيع بن خثيم وسعيد بن جبير وعاصم بن ضمرة والحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وغيرهم، وعنه ابنه الربيع والأعمش وفطر بن خليفة وسالم بن أبي حفصة وسعيد بن مسروق الثوري وغيرهم، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة وقال: كان ثقة قليل الحديث ووثقه ابن معين والعجلي وابن خراش وذكره ابن حبان في الثقات، والله أعلم.
٦ - محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو القاسم المدني المعروف بابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر بن قيس من سبي بني حنيفة ويقال من مواليهم سبيت في الردة من اليمامة، روى عن أبيه وعثمان وعمار بن ياسر ومعاوية وأبي هريرة وابن عباس ودخل على عمر، وعنه أولاده إبراهيم والحسن وعبد الله وعون وعمر وابن أخيه محمد بن عمر بن علي وحفيد أخيه محمد بن علي بن الحسين وابن أخته عبد الله بن محمد بن عقيل وجماعة يكثر عددهم قال إبراهيم: ولا نعلم أحدًا أسند ولا أصح عن علي مما أسند ولده محمد ووثقه العجلي ولد في خلافة أبي بكر وقيل: في خلافة عمر.
قلت: وهو الظاهر واختلفوا في موته فقيل سنة ٧٣ وقيل ٨٠ وقيل ٨١ وقيل ٨٣ وقيل ٩٢ وعن البخاري مات بعد مقتل ابن الزبير بأيام فالله أعلم، وتسمية الشيعة المهدي ويعتقدون أنه حي لم يمت كما يعتقدون ذلك في جماعة من أهل البيت وهذا من سخافة عقولهم المعروفة.
٧ - علي ﵁: ٩١.
١١٣ - باب الْوُضُوءِ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ
١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَيْتُ رَجُلًا يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ فَقَعَدْتُ عَلَى بَابِهِ فَخَرَجَ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ الْعِلْمَ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ قَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: عَنِ الْخُفَّيْنِ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَهُ ثَلَاثًا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.
стр. 492
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن عبد الأعلى القيسي الصنعاني: تقدم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي: تقدم ٢٦.
٤ - عاصم بن أبي النجود: تقدم ١٢٦.
٥ - زر بن حُبيش: تقدم ١٢٦.
٦ - صفوان بن عسال المرادي ﵁: تقدم ١٢٦.
حديث صفوان هذا تقدم رقم ١٢٦ وأخرجه أحمد وفيه: "ألا أبشرك" ورفع الحديث إلى النبي ﷺ "إن الملائكة" إلخ. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه كلفظ المصنف لكن قال: "فإني سمعت رسول الله يقول: "ما من خارج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاء بما يصنع" وأخرجه الحاكم من طريق المنهال بن عمرو عن زر عن صفوان أنه جاء إلى النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه: "فإن الملائكة" إلخ. وأخرجه عبد الوهاب بن بخت عن زرِّ بلفظ: "إن صفوان قال له: فأبشر فإنه ما من رجل يخرج في طلب العلم إلَّا بسطت له الملائكة أجنحتها".
قلت: هاتان الطريقتان دلتا على أن عاصمًا لم ينفرد بالحديث وتقدم له شاهد عند أحمد من حديث أبي الدرداء فحديث زرٍّ وإن كان مداره على عاصم فقد تبين أنه لم ينفرد به وكذلك دلت هذه الروايات على أن وضع الملائكة أجنحتها مرفوع إلى النبي ﷺ وظاهر الرواية هنا أنه موقوف فتبين بالروايات الأخر رفعه على أنه مما لا مجال فيه للرأي فهو لو لم يكن مرفوعًا في الرواية فله حكم الرفع كما هو معروف عند العلماء من أن قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي له حكم الرفع، والله أعلم.
قلت: ويشهد له ما أخرجه ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن صفوان بن إدريس الرازي في كتاب "الجرح والتعديل" ج ١٠ م ١١ عن كثير بن قيس قال: "كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء جئتك من المدينة مدينة رسول الله ﷺ لحديث: بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ قال: "ولا جئت لحاجة، قال: لا قال ولا جئت
стр. 493
لتجارة، قال: لا، قال: ولا جئت إلَّا لهذا الحديث، قال: لا، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم" ثم روى عن زر عن ابن مسعود قال: "كنت جالسًا عند النبي ﷺ فجاءه رجل من مراد يقال له صفوان بن عسال وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقال: له النبي ﷺ مرحبًا بك ما جاء بك؟ فقال: يا رسول الله جئت أطلب العلم، قال مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لَتَحُفُّ به الملائكة وتظله بأجنحتها ويركب بعضها بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من حبهم لطالب العلم".
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (يدعى) بالبناء للمجهول أي يدعوه الناس بمعنى يسمونه والضمير في يدعى هو النائب وصفوان بالنصب المفعول الثاني ليدعى والجملة صفة لرجل.
وقوله: (ما شأنك) ما استفهامية في محل رفع مبتدأ وشأنك خبرها واحد الشؤون وهو الخطب والأمر الذي يهم الإِنسان ولا يقال إلا فيما يعظم قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي من تدبير الكون فيعز ويذل ويخفض ويرفع ويغنى ويفقر ويحيى ويميت وجمع الشأن الشؤون قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجدتني مراودة الشؤون
أي الخطوب ومعنى السؤال ما الذي جئت تريده ولهذا أجاب بقوله: (أطلب العلم) أي جئت أطلب العلم (فقال) أي صفوان (إن الملائكة) إلخ ويحتمل أنه أراد عامتهم، فَأَلْ فيه للإِستغراق ويحتمل أنهم الموكلون بالعباد ولعله أقرب أو ملائكة آخرون فيكون المراد بعض الملائكة وأل للجنس لا للإِستغراق أي جنسهم أو للحقيقة أو للعهد الذهني بمعنى الذي يخالطون العباد فيكون المراد من ينزل منهم للأرض (والأجنحة) جمع جناح وهو للطائر بمنزلة اليد للإِنسان واشتقاقه من الجنوح وهو الميل من قولهم جنح إليه إذا مال حسًا أو معنى جنوحًا، قال لبيد ﵁.
جنوح الهالكي على يديه ... مكبًا يجتلي نقب النصال
وقال النابغة:
стр. 494
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
ومعنى: (تضع أجنحتها) فيه وجهان أحدهما: هو أن يكون حقيقة على وجه لا ندركه فنؤمن بحصوله ولو لم نتعقل صفته كما هو الواجب في الأمور السمعية من الإيمان بها ورد علمها إلى الله ويحتمل أنه عبارة عن الخضوع والتواضع وإظهار التوقير كما في قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ويحتمل وجهًا ثالثًا وهو ترك الطيران عند رؤيتهم له وفي الرواية التي تقدمت الإِشارة إليها تبسط بدل تضع وهو يؤيد أن المراد بسطها للجناح حقيقة على سبيل التواضع والمراد (بالعلم): العلم المقرب إلى الله تعالى وهو ما يشتمل على العلم باللهِ تعالى وأسمائه وصفاته وما يجب في حقه وما يستحيل والعلم بالرسل وما يتعلق بذلك مما يجب اعتقاده شرعًا كالملائكة والكتب والبعث وبالأحكام الشرعية مما جاء في الكتاب والسنة وما يتبع ذلك من فروع الشريعة واللغة التي لا يحصل الفهم إلا بها ليعمل بذلك ويعلمه الجهال من الناس لأن هذه هي وراثة النبوة والأحاديث في فضل هذا النوع من العلم كثيرة مشهورة، وتخصيص ما ذكر من العلم لأنه هو العلم شرعًا عند الإطلاق فلا ينصرف لغيره فتكون أل فيه للعهد الذهني وهو العلم النافع في الآخرة دون غيره من علوم الدنيا وقوله: (رضا) مفعول لأجله أي تضع أجنحتها لأجل رضاها بما يصنع أي حبها له وهو طلب العلم وهذا الوعد يتوقف على النية الحسنة لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وحديث المراءين في حديث أبي هريرة: "أول من تسعر بهم النار" فإن طلب العلم للدنيا فيه وعيد شديد كما ثبت في الحديث الذي رواه الحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم ورواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة "من تعلم علمًا مما يُبْتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" والأحاديث في هذا أي ذم عدم الإخلاص في العلم معروفة ولذا قال بعضهم: وهو الشيخ محمد العاقب بن مايابا الشنقيطي:
من طلب العلم احتسابا وابتغا ... رضى العليم فاز بالذي ابتغا
ومن به نهج المباهاة سلك ... أو ظن نفسه على خير هلك
وذم من نوى الدنا بالقيس ... على مهاجر لأم قيس
стр. 495
وطالب الدنيا به إذا درى ... خسة قصده الخسِيس خطرا
فإن يتب قبل الممات سلما ... من خطر الذنب وألا أسلما
• الأحكام والفوائد
الحديث تقدم أكثر ما يتعلق به، فهو كما تقدم دليل على المسح على الخفين وعلى التوقيت فيه، وأنه للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة، وفيه: استعمال الأدب في طلب العلم مع العلماء والصبر على التعب فإنه لا يدرك إلَّا بجهاد النفس شأن الأمور ذات الشأن، وفيه: بيان فضل العلم واستحباب تبشير الساعي في الخير لما فيه من تشجيعه عليه فإن ذلك مما ينشط النفس إليه، وفيه دليل على حب الملائكة لطاعة الله ولأهلها وعلى ما ترجم له المصنف من أن الغائط ينقض الوضوء وهو متفق عليه عند العلماء بل إجماع من الأمة إلَّا أن يكون خروجه غير طبيعي كأن يكون لسلس ونحوه، وفيه: دليل على وجوب نزع الخف للجنابة وأن المسح خاص بالحدث الأصغر، وفيه: أن البول النوم ينقضان الوضوء أما البول فصل اتفاق مثل الغائط وأما النوم فسيأتي الكلام على تفصيل حكمه إن شاء الله.
• فائدة
روى النووي في بستانه عن زكريا الساجي كنا نمشي في بعض أزقة البصرة، إلى بعض المحدثين فأسرعنا المشي ومعنا رجل ماجن فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ قال فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط، قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: إسناد هذه الحكاية كالأخذ باليد أو كرأي العين لأن رواتها أعلام وراويها إمام ثم قال النووي بالإِسناد إلى الحافظ محمد بن طاهر المقدسي عن أبي داود قال: كان في أصحاب الحديث خليع سمع بحديث إن الملائكة تضع أجنحتها الحديث فجعل في نعليه ورجليه مسامير حديد وقال أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الأكلة في رجله، قال: وذكر الإِمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي في شرح مسلم هذه الحكاية وقال فيها: فشلت يداه ورجلاه وسائر أعضائه، نعوذ بالله من التمرد على الله والجرأة على نبذ السنة.