← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٣ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي: تقدم ٤٢. ٤ - سليمان بن صرد بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حرام الخزاعي أبو مُطَرف الكوفي له صحبة، روى عن النبي ﷺ ، وأبي بن كعب وعلي وابنه الحسن وجبير بن مطعم ﵃، وعنه أبو إسحاق السبيعي ويحيى بن يعمر وعدي بن ثابت وعبد الله بن يسار الجهني وأبو الضحى وغيرهم، قال ابن عبد البر: كان خيرًا فاضلًا، وكان اسمه في الجاهلية يسار فسماه النبي ﷺ سليمان، سكن الكوفة وكان له سن عالية وشرف في قومه، وشهد مع علي صفين، وكان فيمن كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قُتِل ندم سليمان والمسيب بن نجيبة الفزاري وجمع من خذله وقالوا: ما لنا توبة إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة وولوا سليمان أمرهم، ثم ساروا فالتقوا مع عبيد الله بن زياد بموضع يقال له: عين الوردة، فقُتل سليمان بن صرد والمسيب ومن معهما في ربيع الآخر سنة ٦٥، وقيل: رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله وحمل رأسه إلى مروان، وكان يوم قتل ابن ٩٣ سنة، وقيل: إنه قتل سنة سبع وستين، وهو غلط والأول هو الصحيح، وهو قول الأكثرين، والله أعلم. ٥ - جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر قبل الفتح، روى عن النبي، وعنه سليمان بن صرد وأبو سروعة وابناه محمَّد ونافع ابنا جبير وسعيد بن المسيب وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن باباه وغيرهم، قال الزبير بن بكار: كان يؤخذ عنه النسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، وسلم عمر جبيرًا هذا سيف النعمان بن المنذر. توفي سنة ٥٩ وقيل: سنة ٥٨ بالمدينة، وحكى ابن عبد البر أنه أول من لبس الطيلسان بالمدينة، وكان أحد من يتحاكم إليه وقد تحاكم إليه عثمان وطلحة في قضية، وقيل: إنه مات سنة ٥٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد والطيالسي، وأشار له الترمذي.

стр. 667

• اللغة والإعراب والمعنى قوله: (تماروا في الغسل) أي تنازعوا في شأن الغسل، وقد تقدم أن المماراة هي المنازعة في حديث جابر رقم ٢٣٠. وقوله: (أما أنا) تقدم الكلام على أما في حديث ابن عباس في المقبورين اللذين كانا يعذبان رقم ٣١، وهي حرف شرط وتوكيد وتفصيل، ويدل على شرطيتها لزوم الفاء بعدها كما في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ونحوها، كما قال ابن مالك ﵀: أما كمهما يك في شيء وفا ... لتلو تلوها وجوبًا ألفًا والدليل على كونها للتفصيل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ والدليل على كونها للتوكيد أنك تقول: زيد ذاهب، فإذا قلت: أما زيد فذاهب؛ فقد أكدت. وقد ذكر بعض العلماء هاهنا إشكالًا ينبني على كونها للتفصيل على ما ذكره الكرماني، وهو أنها إذا كانت للتفصيل فأين قسيمها؟ وأجيب بأنه يقدر محذوفًا أي: وأما غيري فلا أعلم حاله، وهذا فيه تكلف ودعوى الحذف ولا ملجئ إليه وهو خلاف الأصل، والصواب ما قدمنا من أنها للتوكيد لا للتفصيل، وذكر ابن حجر ﵀ في توجيه الحذف: أن المحذوف دلت عليه رواية مسلم في صحيحه أن بعض القوم قال: أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا، فقال النبي ﷺ : أما أنا إلخ. وقد عرفت أنه لا داعي لدعوى الحذف مع العمل على التوكيد، فيترجح ذلك. وقوله (فأفيض) تقدم معناه قريبًا وقوله: (ثلاثة أكف) وفي رواية: (ثلاثًا)، وهذه مبينة للمراد بالثلاث في تلك الرواية المبهمة، وفي رواية البخاري ما يدل على أن المراد ثلاث حفنات باليدين معًا كما في الروايات الأخر في صفة الغسل، وتقدم ذلك وكذا سائر ما يتعلق بالحديث، وفيه دليل لما ترجم له المصنف. وقد يستفاد منه أن الوضوء ليس بواجب لأنه لم يذكر، ولكن يجاب عنه بأنه لم يذكر إلا موضع النزاع المبين سابقًا في قول بعضهم: أغسل رأسي كذا وكذا، والله أعلم.

стр. 668

١٥٩ - باب ذِكْرِ الْعَمَلِ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ ٢٥١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَهُوَ ابْنُ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ فَأَخْبَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ ثُمَّ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا"، قَالَتْ: وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَاسْتَتَرَ كَذَا ثُمَّ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجَذَبْتُ الْمَرْأَةَ وَقُلْتُ: تَتَّبِعِينَ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. • [رواته: ٥] ١ - عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن بن المسور: تقدم ٤٨. ٢ - سفيان بن عيينة: تقدّم ١. ٣ - منصور بن صفية وهو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي المكي، روى عن أمه صفية بنت شيبة ومسافع بن شيبة الحجبي وسعيد بن جبير ومحمد بن عباد بن جعفر وأبي سعيد مولى ابن عباس، وعنه أخوه محمَّد وزائدة وابن جريج ووهيب وزهير بن معاوية وزهير بن حرب والسفيانان ومعروف بن مشكان وداود بن عبد الرحمن العطار وغيرهم. أثنى عليه أحمد وابن عيينة وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه النسائي وابن سعد وزاد: وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عيينة: كان يبكي في كل وقت صلاة. قال ابن الكلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يحجب البيت وهو شيخ كبير. مات سنة ٧ أو ١٣٨، وقال ابن حبان: كان ثبتًا ثقة، وقال ابن حزم: ليس بالقوي. قلت: وقول ابن حزم هذا لا يلتفت إليه مع إتفاق غيره من أئمة الحديث على توثيقه والثناء عليه، والله أعلم. ٤ - صفية بنت شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد الدار العبدرية، لها رؤية وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية، روت عن النبي ﷺ وعن أم ولد لشيبة بن عثمان وعن أم عثمان بن أبي سفيان بن حرب، وعائشة وأم حبيبة وأم سلمة

стр. 669

أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر وعن حبيبة بنت أبي تجرات وغيرهم، وعنها ابنها منصور بن عبد الرحمن وابن أخيها عبد الحميد بن جبير بن شيبة وابن أخيها الآخر مسافع بن عبد الله بن شيبة وابن أخيها الآخر مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة وسبطها محمَّد بن عمران الحجبي. قال ابن معين: لم يسمع ابن جريج منها وقد أدركها، وذكرها ابن حبان في الثقات من التابعين. قال ابن حجر: وذكر المزي في الأطراف أن البخاري قال في صحيحه: قال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ ، ففي هذا رد على ابن حبان أي في أنها من التابعين، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته على الأطراف -قاله ابن حجر. قلت: وهو أيضًا قول الدارقطني: لا تصح لها رؤية، والله أعلم. ٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود والطيالسي، وفي ابن ماجه: أن المرأة اسمها أسماء، وفي مسلم: أسماء بنت شكل. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (أن امرأة) أي بأن امرأة إذ التقدير: حدثت عن عائشة بأن امرأة، وفي رواية وهيب عند البخاري: "من الأنصار"، وسماها في صحيح مسلم من رواية أبي الأحوص عن إبراهيم بن المهاجر أسماء بنت شكل، في حديث عائشة في الحيض قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت؟ الحديث. ونقل ابن حجر عن أبي علي الجبائي فيما ذيل به على الإستيعاب: (لا أدري، أهي إحدى من ذكره أبو عمر أو بعض الرواة، وغلط في (شكل) وإنما هي بنت يزيد بن السكن الآتي ذكره، سقط ذكر أبيها وصحف اسم جدها ونسبت إليه، وسبقه إلى ذلك الخطيب أبو بكر الحافظ. قال: ويؤيده أنه ليس في الأنصار من اسمه شكل، فقد ثبت في صحيح البخاري في هذه القصة أن التي سألت امرأة

стр. 670

من الأنصار، وتبعه أبو الفتح ابن سيد الناس على ذلك، وفيه نظر) اهـ. وقال العيني ﵀: قال الخطيب: أسماء بنت يزيد -وجزم به- الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في التنقيح والدمياطي وزاد: إن الذي وقع في مسلم تصحيف، ويحتمل أن شكل لقب لا اسم. قال: والمشهور في المسانيد والمجامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم، وأسماء من غير نسب كما في أبي داود، وكذا في مستخرج أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين من غير ترجيح. قال: وتبع رواية مسلم جماعة، منهم ابن طاهر وأبو موسى في كتابه معرفة الصحابة. قال: وصوّب بعض المتأخّرين ما قاله الخطيب، لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل. وفي التوضيح: ويجوز تعدّد الواقعة ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين، وابن سعد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم بذلك؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في مستخرجه كما ذكره مسلم سواء. قلت: وإذا كان مسلم لم ينفرد بالرواية في ذلك فلا يصح دعوى الغلط والتصحيف، وقد يكون (شكل) لقب لشخص غير مشهور، والله أعلم. وقولها: (سألت النبي ﷺ عن غسلها) أي عن كيفية غسلها. وقولها: (من المحيض) أي بعد إنتهاء الحيض لأنه وقت الغسل عند انقطاعه، وفي رواية: من الحيض. وتقدم أن الحيض والمحيض كل منهما مصدر. وقولها: (فأخبرها) أي ذكر لها وعلمها كيف تغتسل. تقدّم الكلام على كيف في حديث عمرو بن عبسة ١٤٧ وفي حديث عبد الله بن زيد ٩٧، وهي هنا حال من قوله: تغتسل، أي: على أي حال تغتسل، ويجوز عندي أن تكون كيف هنا منصوبة على المفعولية، لتضمين (أخبرها) معنى علّمها أي: علمها كيفية الغسل. وقولها: (ثم قال لها) هذا السياق يدل على أنه ذكر لها كيفية الغسل مفصلة وأتبع ذلك بقوله: (خذي فرصة من مسك). والفرصة: القطعة من الشيء، من قولهم: فرصه يفرصه إذا قطعه، وفرص الجلد أيضًا: خرقه بحديدة عريضة الطرف كما في التاج ومنه قول الشاعر: جواد حين يفرصه الفريص

стр. 671

أي حين يشق جلده العرق، ومنه: فرصة النهر؛ لمقطعه الذي يقطع منه الناس، والفرصة بالكسر: القطعة من الصوف أو القطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، والمراد بها قطعة من قطن أو صوف. والفرصة بالضم: النوبة من البئر وغيره، ويقال بالسين لغة. وقوله: (من مسك) ظاهره أن المراد قطعة من مسك، وليس كذلك ولكن المواد ما تقدّم من قطعة قطن ونحوه يجعل فيها المسك، فهي على حد قولهم: إناء من ماء أي فيه ماء، كما دلت عليه الرواية الأخرى: فرصة ممسكة. وقوله: (من مسك)، المسك: نوع من الطيب معروف ولا خصوصية له، بل سائر الطيب يجري مجراه؛ لأن قوله: (فتطهّري) دليل على العلة وهي طلب المبالغة في النظافة وإزالة الرائحة، وذلك يحصل بكل نوع من الطيب، نعم لو قيل إنه أفضل لكان وجيهًا للنص عليه في الحديث. وأصله من دم نوع من الغزال يسمى بهذا الاسم في بلاد التبت على ما قيل: قال الشاعر وهو المتنبي: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزالِ وقوله: (فتطهّري بها) معنى التطهر هنا تنظيف المحل من أثر الرائحة الكريهة، والمراد: تَمسَّحي بها في محل الدم، ولما لم تفهم المراد استفسرته، ولهذا قالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء من التفقه في الدين. وقولها: (كيف أتطهّر بها) مقول القول جملة (كيف أتطهّر)، و (كيف) في محل نصب بأتطّهر لا بقالت، لأن مفعول القول لا يكون إلا جملة، وهي اسم استفهام لا يعمل فيها ما قبلها، فهي إما مبتدأ والجملة خبرها، أو هي حالية. وتقدّم أنها في مثل هذا الأَولى فيها الحالية. وقولها: (فاستتر) أي النبي ﷺ لشدة حيائه، فقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها. وقوله: (سبحان الله) تعجبًا من عدم فهمها لكلامه، والفاء في قولها: (فاستتر) سببية. وقول عائشة ﵂: (فجذبت) أي أخذتها بشدة، يقال منه: جبذ وجذب، والمعنى: أنها أخذت بثوبها أو ببعض بدنها، فأمالتها إليها لتفهمها حتى لا

стр. 672

تضجر النبي ﷺ . وقولها: (تتبعي بها أثر الدم) تفسير لمراد النبي ﷺ ، قيل: المراد به محله من الفرج، وهذا هو الظاهر بل هو متعين، وقيل: ما أصابه الدم من بدنها، وهو بعيد ولو كان ذلك المراد لما كان لحيائه ﷺ وجه. • الأحكام والفوائد الحديث: دل على استحباب استعمال المرأة لشيءٍ من الطيب بعد الحيض والظاهر إلحاق النفاس به، تجعله على قطنة أو صوفة أو خرقة ونحو ذلك ثم تدخلها في محل خروج الدم فتمسحه بها، وذلك بعد الغسل كما هو ظاهر هذه الرواية لقولها: ثم قال لها بعد قولها. فأخبرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي، فإنه ظاهر في أن الأخذ يكون بعد الغسل، أي أخذها للفرصة المذكورة والتطهّر بها يكون بعد الغسل، وقال بعضهم: يكون قبل الغسل وهو خلاف الظاهر كما تقدم. وفيه: سؤال المرأة الأجنبية وسماع العالم لكلامها إذا أمنت الفتنة وقد تقدّم، له نظائر كثيرة، وفيه: جواز تفسير قول النبي ﷺ وغيره من العلماء أولى وتوضيحه لمن لم يفهمه ولو كان بحضرته، وفيه أيضًا: سؤالها عما جرت العادة بالحياء منه، وتقدّم حديث أم سليم في ذلك وقد يجب عليها السؤال عنه إذا لم تجد من يسأل لها , وليس في ذلك منافاة للأدب، وفيه: تعليم العالم النساء أحكام الطهارة وغيرها واستعمال الأدب والكناية عما يستقبح ذكره، وكل هذا قد تقدّم له نظير أو نظائر، وفيه: أن الكناية المفهومة تقوم مقام التصريح، غير أنه إذا أحوج الأمر إلى التصريح كما في قوله للرجل الذي اعترف بالزنا: "لعلك قبلت أو لمست"، فلما أصر على الإعتراف قال: "أنكتها, لا يكنّي"، وفيه: حسن خلقه ﷺ وشدة حيائه وفيه: عدم ترك السؤال حياء، فإن الحياء وإن كان محمودًا لكنه إذا أدى إلى ترك التعليم والعمل على الجهل صار مذمومًا، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فوجب السؤال عما يجهله المرء عند الحاجة إليه ولو أدى إلى ترك الحياء. وفيه: التسبيح عند التعجّب وكذا التكبير والتهليل وسائر أنواع الذكر، وفيه: تكرير الجواب إذا لم يفهم السائل، وفيه: تعليم من بحضرة العالم للسائل أو المتعلم إذا لم يفهم السائل أو المتعلّم مراده، لكن بشرط أن لا يخل بالأدب ولا يكون على وجه المجاذبة للكلام،

стр. 673

وإقرار العالم على ذلك دليل على أنه هو مراده، فهو بمنزلة فتياه ولو لم يقل: نعم، واستدل به بعض المحدثين على صحة العرض على الشيخ، وأن السامع له عنده أن يقول: حدثنا ونحوه، وفيه: الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل والسامع بحضرة العالم ولا يتوقف على إذنه، وفيه: أن تعليم المفضول بحضرة العالم لا يتوقف على إذنه، كالأخذ عنه إن دعت الحاجة إلى ذلك، لاسيما إن كان القصد التأدب مع العالم وعدم المشقة عليه وإضجاره بالترداد في السؤال وتكراره، وفيه: الرفق بالمتعلم، وفيه: استحباب المحافظة على طيب الرائحة وإزالة ما فيه رائحة كريهة بما يزيل أثرها عن الإنسان، ولذلك ثبتت السنة باستعمال الطيب للجمعة ونحوها من مجامع الخير كالعيدين ومجتمعات المسلمين، وهو من مكارم الأخلاق وقد ضرب النبي ﷺ في الحديث المشهور المثل للجليس الصالح ببائع الطيب. ١٦٠ - باب تَرْكِ الْوُضُوءِ بَعْدِ الْغُسْلِ ٢٥٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. • [رواته: ٩] ١ - أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبيه وعمه علي بن حكيم وشريح بن مسلمة وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد وأبي نعيم وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو حاتم وأبو عوانة ومحمد بن مخلد وهو آخر من روى عنه وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه النسائي وابن خراش وقال: عدلا، ووثقه العجلي والبزار وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٦١ أو قبل ٢٦٠. ٢ - أبوه عثمان بن حكيم بن دينار الأودي أبو عمرو الكوفي، روى عن الحسن بن صالح بن حي وحبان بن علي وشريك بن عبد الله النخعي، وعنه

стр. 674

ابنه أحمد ومحمد بن الحسين بن أبي الحنين. مات سنة ٢١٩، له عند المصنف حديثان هذا أحدهما. ٣ - الحسن بن صالح بن حي وهو حيان بن شفي بن هني بن رافع الهمداني الثوري، قال البخاري: يقال: حي لقبه، روى عن أبيه وأبي إسحاق وعمرو بن دينار وعاصم الأحول وعبد الله بن محمَّد بن عقيل وإسماعيل السدي وعبد العزيز بن رفيع ومحمد بن عمرو بن علقمة وليث ومنصور بن المعتمر وغيرهم، وعنه ابن المبارك وحميد بن عبد الرحمن الرواسي والأسود بن عامر شاذان ووكيع بن الجراح وأبوه الجراح بن مليح، وآخر أصحابه علي بن الجعد وغير هؤلاء. قال القطان: كان الثوري سيء الرأي فيه، قال ابن إدريس: ما أنا وابن حي لا يرى جمعة ولا جهادًا. قال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة والحسن يصلي فقال: نعوذ باللهِ من خشوع النفاق، وأخذ نعليه فتحوّل وقال فيه: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال فيه: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم يترك الجمعة ويرى السيف على المسلمين. قال أبو موسى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن الحسن بن صالح بشيء. قال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن يحدث عنه بثلاثة أحاديث ثم تركه، وقال أحمد: حسن ثقة، وقال أيضًا: الحسن بن صالح صحيح الرواية متفقهٌ صائن لنفسه في الحديث والورع، وقال فيه: أثبت في الحديث من شريك، وعن يحيى بن معين: ثقة مأمون، وعنه: ثقة مستقيم الحديث. قال الدوري عن يحيى بن معين: يكتب رأي مالك والأوزاعي والحسن بن صالح هؤلاء ثقات، وعنه: الحسن وعلي ابنا صالح ثقتان مأمونان، وقال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن، وقال النسائي: ثقة، وكان وكيع يقول: لا يبالي من رأى الحسن أن لا يرى الربيع بن خثيم، وقال أيضًا: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذكرت سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن صالح، وما كان دون الثوري في الورع والفقه، وقال أيضًا: ما رأيت أحدًا إلا وغلط في شيء غير الحسن، وقال أبو نعيم أيضًا: كتبت عن ثمانمائة محدث فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح، وقال يحيى بن بكير: قلنا للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت، فما قدر عليه من البكاء، وقال

стр. 675

ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا مجاوز المقدار، وهو عندي من أهل الصدق. ولد الحسن سنة ١٠٠ ومات على ما قاله أبو نعيم سنة ١٦٩، وقيل: ١٦٧، وفسّر ابن حجر ﵀ كلام الثوري: وقوله: يرى السيف؛ أي الخروج على أئمة الجور. قال: وهو مذهب لبعض السلف قديم، ولكن استمر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه. ثم قال ابن حجر ﵀: وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبت عدالته واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام، والحسن مع ذلك لم يخرج على أحد. وأما ترك الجمعة: ففي جملة رأيه ذلك أن لا يصلي خلف فاسق ولا يصحّح إمامة الفاسق، فهذا ما يعتذر به عن الحسن وإن كان الصواب خلافه فهو إمام مجتهد. قال وكيع: كان الحسن وأخوه علي ابنا صالح وأمهما قد جزءوا الليل ثلاثة أجزاء، فكان كل واحد. يقوم ثلثًا فماتت أمهما، فاقتسما الليل بينهما، فمات علي فقام الحسن الليل كله، وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه من الحسن، قام ليلة بعم يتساءلون فغشي عليه فلم يختمها إلى الفجر. قال العجلي: كان الحسن أفقه من سفيان الثوري، ثقة ثبتًا متعبّدًا، وقال ابن سعد: كان ناسكًا عابدًا فقيهًا حجة صحيح الحديث كثيره. قال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أبا نعيم لا يعجبه ما قال ابن المبارك في ابن حي. قال أبو نعيم: قال ابن المبارك: كان ابن صالح لا يشهد الجمعة، وأنا رأيته شهد الجمعة بعد جمعة اختفى فيها، وقال الساجي: الحسن بن صالح صدوق وكان يتشيع، وكان وكيع يحدث عنه ويقدمه، وكان يحيى بن سعيد يقول: ليس في السكة مثله، وحكي عن ابن معين أنه قال: هو ثقة ثقة. قال الساجي: قد حدث أحمد بن يونس عنه عن جابر عن نافع عن ابن عمر في شرب الفضيخ، وهذا حديث منكر، قال ابن حجر: الآفة فيه من جابر وهو الجعفي. قال الساجي: كان عبد الله بن داود الخريبي يحدث عنه ويطريه، ثم كان يتكلم فيه ويدعو عليه ويقول: كنت أؤم في مسجد الكوفة فأطريت أبا حنيفة، فأخذ الحسن بيدي ونحاني عن الإمامة، فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه. قال الدارقطني: ثقة عابد، وقال مالك بن إسماعيل النهدي: عجبت لأقوام قدّموا سفيان الثوري على الحسن.

стр. 676

قلت: إنما أطلت في هذه الترجمة ليتبيّن بها تحامل بعض الناس على بعض، فهذا الشيخ الجليل العابد المتفق على فضله وزهده وعبادته وثقته؛ يتحامل عليه جماعة من أهل الفضل كالثوري وأحمد بن يونس وزائدة، مع شهادة أئمة الحديث والسنة له كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والفضل بن دكين وأبي حاتم والنسائي والدارقطني ووكيع وأبي زرعة وغيرهم. فكيف بغيره، والسلامة من الناس أمر لا يكاد يدرك، اهـ. ٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله: تقدّم ٤٢. ٥ - عمرو بن علي الفلاس: تقدّم ٤. ٦ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدم ٤٩. ٧ - شريك بن عبد الله: تقدّم ٢٩. ٨ - الأسود بن يزيد بن قيس: تقدم ٣٣. ٩ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥. • التخريج أخرجه أحمد: وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه والبيهقي، وروي عن ابن عمر موقوفًا ومرفوعًا. • الأحكام والفوائد قولها: (لا يتوضأ بعد الغسل) دليل على أنه يكتفي بوضوئه مع الغسل، فهو دليل على أن من توضأ في غسله أن ذلك الوضوء يكفيه عن تجديد وضوء بعد الغسل، ولكن بشرط ألا يحصل منه ما ينقض الوضوء بعد غسل أعضاء الوضوء أو بعضها، قال حذيفة ﵁: "أما يكفي أحدكم أن يغسل من قرنه إلى قدمه حتى يتوضأ". قال الشوكاني: وقد روي نحوه عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، حتى قال أبو بكر بن العربي: (إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على نية طهارة الحدث وتقضي عليها، لأن موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في نية الأكثر وأجزأت نية الأكثر عنه) اهـ. وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب بعد الغسل، وهو

стр. 677

مردود فقد ذهب جماعة، منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، وقد نص أحمد وغيره على أنها عبادة كبرى وصغرى، فتدخل الصغرى في الكبرى كالعمرة والحج. قلت: ومثله غسل الجنابة مع غسل الجمعة أو غسل العيد أو الإحرام، أو صلاة تحية المسجد مع الفرض، وصوم القضاء في يوم الإثنين والخميس أو يوم عاشوراء، إلا أن أحمد يشترط نية الحدث الأصغر في وضوء الجنابة مع الأكبر. قال ابن قدامة ﵀ في المغني: (فإن لم ينو الوضوء لم يجزه إلا عن الغسل، فإن نواهما ثم أحدث أثناء وضوئه أتم غسله، ثم توضأ)، والمراد منه -وهذا في شرح قول الخرقي: وإن غسل مرة وعم بالماء رأسه وجسده ولم يتوضأ أجزأ بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي الغسل والوضوء إلخ. اهـ. قال في الشرح: (يعني أنه يجزئه الغسل عنهما إذا نواهما، نص عليه أحمد وعنه رواية أخرى: لا يجزئه الغسل عن الوضوء) إلى أن قال: (وهو أحد قولي الشافعي) اهـ. وقال ابن عبد البر: (المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده فقد أدى ما عليه، لأن الله تعالى إنما افترض على الجنب الغسل من الجنابة دون الوضوء بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهو إجماع لا خلاف بين العلماء فيه، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسيًا برسول الله ﷺ ) اهـ. ١٦١ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي يَغْتَسِلُ فِيهِ ٢٥٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِى مَيْمُونَةُ قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ بِيَمِينِهِ فِي الإِنَاءِ فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى فَرْجِهِ ثُمَّ غَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ

стр. 678

جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ. • [رواته: ٧] ١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣. ٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨. ٣ - الأعمش سليمان بن مهران: تقدم ١٨. ٤ - سالم بن أبي الجعد: تقدم ٧٧. ٥ - كريب بن مسلم الهاشمي مولاهم أبو رشدين أدرك عثمان، روى عن مولاه ابن عباس وأمه أم الفضل وأختها ميمونة بنت الحارث وعائشة وأم سلمة وأم هانئ بنت أبي طالب وغيرهم، وأرسل عن الفضل بن العباس، وعنه ابناه محمَّد ورشدين وسليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهما من أقرانه، وشريك بن أبي نمر وبنو عقبة محمَّد وإبراهيم وموسى، وحبيب بن أبي ثابت وسالم بن أبي الجعد وجماعة غيرهم. قال ابن سعد: ثقة حسن الحديث، وقال ابن معين فيه وفي عكرمة: كلاهما ثقة، ووثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات. مات بالمدينة سنة ٩٨ في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. ٦ - عبد الله بن عباس: تقدم ٣١. ٧ - ميمونة بنت الحارث: تقدمت ٢٣٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والطيالسي مختصرًا، وكذا للمصنف وفيه: فسترته، وزيادة الستر عند البخاري ومسلم كما في الرواية المشار إليها للمصنف ٤٠٤. • اللغة والإعراب والمعنى قولها: (أدنيت) أي قربت ووضعت له، كما في الروايات الأخر. وقولها: (غسله) بضم الغين: الماء الذي يغتسل به أو منه كما في رواية البخاري: ماء للغسل، وفي رواية لأبي داود والترمذي وابن ماجه (وضعت) بدل

стр. 679

(أدنيت)، وهما بمعنى إلا أن (أدنيت) فيها زيادة أنها تقربه منه وذلك أخص من قولها (وضعت)، وهي أيضًا رواية للبخاري وفي رواية له: (صببت) ولمسلم كرواية المصنف (أدنيت) وقولها: (غسله) الذي يريد أن يغتسل به من الجنابة. وقولها: (فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا) الشك من الأعمش كما ذكره البخاري من طريق أبي عوانة عن ميمونة وفيه قال سليمان: "لا أدري ذكر ثلاثًا أم لا"، وفي رواية ابن فضيل عن الأعمش: "فصب على يديه ثلاثًا" ولم يشك كما في رواية لأبي عوانة في صحيحه, وذكر ابن حجر أن سماع ابن فضيل منه كان متأخرًا فلهذا قال: لعل الأعمش كان يشك ثم تذكر فجزم. وقولها: (ثم أدخل يمينه) تقدّم الكلام على الاغتراف من الإناء، وأنه يكون باليمين بعد غسلها وما يتعلّق بذلك؛ في كتاب الوضوء. وقولها: (فأفرغ بها) أي صب بها الماء على فرجه ليغسله، وهذه الرواية صريحة في كونه غسل فرجه قبل الوضوء. وقد تقدم قول الأعرج في حديث ميمونة "لا تذكر فرجًا ولا تباله" رقم ٢٣٧، وتقدّم في حديث عائشة التصريح بغسل الفرج أيضًا، فعدم ذكره في رواية الأعرج عن أم سلمة المذكورة لا ينفي حصوله. وقولها: (غسله بشماله) تقدم أن يمينه كانت لطُهوره وشماله لما عدا ذلك، وتقدّم النهي عن الإستنجاء باليمين وعن مس الذكر باليمين، فلهذا لا يغسل الفرج باليمن ولكن يؤخذ بها الماء فيصب على الفرج ويكون الغسل بالشمال. وقولها: (ضرب بها الأرض) تعني أنه بعدما استنجى بها ضرب بها على الأرض، مبالغة في التطهير وإزالة ما لعله يعلَق بها من رائحة ونحوها فهو يدلكها بالتراب بعد الماء، والدلك هو الحك والعرك، ومسح العضو ونحوه بالشيء بقوة، قال الشاعر (وهو شاهد لحذف نون الرفع بدون سبب): أبيت أسرى وتبيتي تدلكي ... وجهك بالعنبر والمسك الذكي وقولها: (دلكًا شديدًا) مصدر مبيّن للنوع وقولها: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) أي وضوء كوضوئه للصلاة، وظاهره أنه كمل الوضوء حتى غسل رجليه، ولكنها صرحت بأنه غسلهما بعد إنتهائه وذلك محتمل لأمرين: إما أن يكون المعنى غسل الأعضاء التي تغسل في الوضوء، ولكنه كما في بعض الروايات: لما غسل ذراعيه خلل أصول الشعر وأفاض الماء ثم غسل الرجلين

стр. 680

آخر ذلك، فهذا وجه محتمل والوجه الثاني: وهو ظاهر قولها: (وضوءه للصلاة) أنه كمل أعضاء الوضوء لكنه أعاد غسل الرجلين، وحينئذ تصير هذه الرواية فيها مخالفة لسائر الروايات التي دلت على تأخير الرجلين، ويتجه حينئذ القول بأنه إما فعل هذا مرة وهذا مرة أخرى لبيان الجواز، ويبقى النظر في التصريح بكونه غسل رجليه آخر الأمر، فظاهره أنه غسل الرجلين مرتين أو يقال: إنه كان يقدم غسلهما في المكان النظيف ويؤخره في غيره حتى لا يغسلهما مرتين، وربما كان هذا أقرب لما عُرف من حال كراهته للإسراف والمبالغة في الأمور، والروايات الصحيحة صريحة في تأخيرهما في بعض الأحيان كما في البخاري وغيره. وستأتي رواية المصنف عنها ٤١٤ وفيها: توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، وفيها: هذه غسلة الجنابة. وقولها: (سائر جسده)، السائر: بقية الشيء، ومنه السؤر في الشراب والأكل، وأسأر من الشيء: إذا أبقى منه، ومنه قول الشاعر يصف ليلة تولى ظلامها وأقبل ضياء فجرها فانسلخ الليل إلا بقية ظلمته: كأن شميط الصبح في أخرياتها ... ملاء ينقي من طيالسة خضر تخال بقاياه التي أسأر الدجى ... تمدو شيعًا فوق أردية الفجر وقولها: (تنحَّى) أي عن محل الغسل قليلًا فغسل رجليه، فهو كما تقدم إما أعاد غسلهما وإما أخره، والكل جائز كما قدمناه. • الأحكام والفوائد الحديث: يدل على خدمة المرأة للزوج في هذا ونحوه، وإن كان ذلك عند الأكثرين على سبيل المكارمة وحسن العشرة وليس بواجب عليها شرعًا، وتقدّم نظير هذا من الخدمة عن عائشة وغيرها، وفيه: الإستعانة على الطهارة بتقديم الماء وتهيئته وكذا بصبه، وقد تقدّم كل ذلك في الوضوء عن المغيرة وحذيفة وغيرهما من الصحابة، وفيه: بيان كيفية الغسل من الجنابة وإن كانت هذه الكيفية ليست شرطًا فيه، وفيه: إستحباب تقديم الوضوء في غسل الجنابة وإن كانت هذه الكيفية ليست شرطًا كما قدمنا، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يقيد بهيئة مخصوصة وقد تقدم ذلك، وفيه: غسل الرجلين عند الإنتهاء من الغسل على ما تقدم من كونه معادًا أو غير معاد.

стр. 681

قال العيني ﵀: وبه استدل أصحابنا على أن المغتسل إذا توضأ أولًا يؤخر رجليه، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إذا كانتا في مجتمع الماء توضأ ويؤخرهما وإن لم تكونا فيه لا يؤخرهما، وكل ما جاء من الروايات فيها تأخير الرجلين صريحًا؛ محمول على ما قلنا، وهذا هو التوفيق بين الروايات، وفيه: دليل على إطلاق الفرج على الذكر، وفيه: ترك التنشيف، وذكر بعض العلماء أنه يؤخذ منه التنشيف؛ لأن إتيانها إليه بالمنديل يدل على أنها علمت أنه ربما استعمله، وأيضًا فإنه لم يبين لها عدم جوازه وتأخير البيان في مثل هذا عندهم لا يجوز، وهو لم ينكر عليها ولو كان غير جائز لأنكر عليها، وفيه: وجوب تعميم البدن في الغسل وهو محل إتفاق وسيأتي مختصرًا رقم ٤٢٦، وليس فيه ذكر عدد غسل اليدين ولا قولها: أفرغ على رأسه ثلاث حثيات. ١٦٢ - باب تَرْكِ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْغُسْلِ ٢٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ فَأُتِىَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا. • [رواته: ٦] ١ - محمَّد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم الثقفي أبو يحيى القصري المروزي المعلم ولقب جده عبد ربه، روى عن ابن عم أبيه هشام بن مخلد بن إبراهيم وحفص بن غياث وعبد الله بن إدريس وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم، وعنه الترمذي والنسائي وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وأحمد بن سياه وأبو سعيد يحيى بن منصور الهروي وآخرون، قال النسائي: ثقة كان يحفظ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة: حافظ. ٢ - عبد الله بن إدريس الأودي: تقدم ١٠٢. ٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨. ٤ - سالم بن أبي الجعد: تقدم ٧٧.

стр. 682

٥ - كريب مولى ابن عباس: تقدّم ٢٥٣. ٦ - عبد الله بن عباس ﵄: تقدّم ٣١. هذه الرواية مختصرة من التي قبلها. وقولها: "جعل يقول" أي شرع يفعل بالماء هكذا، تعني: ينفض يديه ليخفّف الماء، وفيه: استعمال القول بمعنى الفعل، وتقدم ما يتعلّق بالحديث. ١٦٣ - باب وُضُوءِ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ ٢٥٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ شُعْبَةَ ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -وَقَالَ عَمْرٌو: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. • [رواته: ٩] ١ - حميد بن مسعدة: تقدم ٥. ٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦. ٤ - عمرو بن علي الفلاس: تقدّم ٤. ٥ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدّم ٤٩. ٦ - الحكم بن عتيبة: تقدّم ١٠٤. ٧ - إبراهيم بن يزيد: تقدّم ٣٣. ٨ - الأسود بن يزيد: تقدم ٣٣. ٩ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة والدارقطني والدارمي.

стр. 683

• الأحكام والفوائد الحديث: دل على أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام يتوضأ، أما الوضوء للنوم فالأحاديث الصحيحة ثابتة بالأمر به، قال محمَّد بن علي الشوكاني: (وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للجنب أن يأكل أو ينام، وكذا يجوز له معاودة الأهل كما في حديث أبي سعيد، والشرب كما في حديث عمار وهذا كله مجمع عليه) اهـ، وقال النووي في شرح مسلم: (حاصل الأحاديث كلها أنه يجوز للجنب أن يأكل ويشرب وينام قبل الإغتسال , وهذا مجمع عليه وأجمعوا على أن بدن الجنب وعرقه طاهران، وفيها -يعني الأحاديث- أنه يستحب له أن يتوضأ ويغسل فرجه لهذه الأمور كلها, لاسيما إذا أراد جماع من لم يجامعها، إلى أن قال: ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء غير واجب وبهذا قال مالك، وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه وهو مذهب داود الظاهري، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل) اهـ. وحديث عمر فيه الأمر وفيه ما يدل على الاشتراط وهو في صحيح مسلم وغيره، وفيه ما يتمسك به من قال بالوجوب، ولكن الجمهور على خلافه وأنه مستحب، وتمسكوا بحديث عائشة "أن رسول الله ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وسيأتي للمصنف ولأحمد: "إذا كان له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء" قال أحمد: ليس يصح، وقال أبو داود: فيه هو وهم، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ، وقال مهنا عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث، وقال الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق إلا إبراهيم وحده لكفى. قال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من أبي إسحاق، قال ابن حجر ﵀: تساهل في نقل الإجماع فقد صححه البيهقي وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، وقال أبو عيسى الترمذي وهذا غلط من أبي إسحاق، قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في شرح الترمذي: (تفسير غلط أبي إسحاق هو أن الحديث الذي رواه أبو إسحاق هاهنا مختصرًا اقتطعه من حديث طويل، فأخطأ في اختصاره إياه ونص الحديث الطويل: ما رواه أبو غسان قال: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخًا وصديقًا فقلت: يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة

стр. 684

أم المؤمنين عن صلاة النبي ﷺ ؟ فقال: قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب -وربما قالت: قام- فأفاض على رأسه الماء وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة، فهذا يدلك على أن قولها: ثم إن كانت له حاجة؛ حاجة الإنسان من البول والغائط فيقضيهما ثم يستنجي ولا يمس ماء، ثم ينام فإن وطئ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة الوطء وبقولها: ثم ينام ولا يمس ماء؛ الإغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة حاجة الوطء، فنقل الحديث على معنى ما فهمه) اهـ. قلت: ويؤيد كلام القاضي أبي بكر في معنى قول عائشة، ما أخرجه أحمد عن عائشة قالت: "كان يجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ولا يمس ماء أي لا يغتسل"، فهذا يوافق تفسير ابن العربي لقولها: ولا يمس ماء، على فرض أن حاجته في الحديث الوطء. وقد استدل ابن خزيمة وأبو عوانة على عدم الوجوب بقوله ﷺ : "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة"، وهو ثابت في السنن. وقد أخرج ابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن عمر "أنه ﷺ سئل أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ إن شاء"، فهذا فيه ما يدل على وجه الجمع بين هذه الروايات بأن يحمل الأمر على الندب والترك على بيان الجواز، كما هو مذهب الجمهور ومن رأى خلاف ذلك لم يثبت عنده ما يعارض أحاديث الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد النوم؛ لكثرة رواياتها وصحة طرقها، والله الموفق للصواب. ١٦٤ - باب اقْتِصَارِ الْجُنُبِ عَلَى غَسْلِ يَدَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ ٢٥٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ.

стр. 685

• [رواته: ٦] ١ - محمَّد بن عبيد المحاربي: تقدم ٢٢٦. ٢ - عبد الله بن المبارك: تقدّم ٣٦. ٣ - يونس بن يزيد: تقدّم ٩. ٤ - الزهري: تقدم ١. ٥ - أبو سلمة: تقدّم ١. ٦ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥. • التخريج أخرجه أبو داود من رواية المثنى بن الصباح عن ابن المبارك كإسناد المصنف، وذكر أن ابن وهب رواه عن يونس فجعل غسل اليد للأكل مقصورًا على عائشة، قال: وقد رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك، إلا أنه قال: عن عروة أو أبي سلمة، وأخرجه الإِمام أحمد. وعند الدارقطني من طريق عثمان بن أبي شيبة: أخبرنا طلحة بن يحيى عن يونس عن الزهري عن عروة أو أبي سلمة عن عائشة فذكر الحديث، وقال: (إذا أراد أن يأكل غسل كفيه) وصححه، ثم أخرجه من طريق ضمرة عن يونس عن عروة وأبي سلمة، فهذه الرواية دلت على أن الحديث عند ابن شهاب من الوجهين من طريق عروة وطريق أبي سلمة. والحديث على كل حال صحيح، فإن رواية المصنف ظاهرة لأن محمَّد بن عبيد المحاربي ثقة وباقي السند أئمة لا يسأل عن حالهم، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق يونس كإسناد المصنف. وعند عبد الرازق من طريق ابن شهاب ولم يذكر فيه غسل اليدين قبل الأكل، ورواه ابن حبان وابن أبي شيبة في المصنف كلاهما من طريق ابن المبارك كرواية المصنف، ولابن ماجه من رواية ابن أبي شيبة. • الأحكام والفوائد الحديث يدل على ترك الوضوء للجنب عند إرادة الأكل، وأن الوارد في ذلك من الأمر به محمول على الندب، وقد تقدم الكلام على ذلك في الحديث الذي قبله.

стр. 686

١٦٥ - باب اقْتِصَارِ الْجُنُبِ عَلَى غَسْلِ يَدَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ ٢٥٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ قَالَتْ: غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ. • [رواته: ٦] ١ - سويد بن نصر: تقدّم ٥٥. ٢ - عبد الله بن المبارك: تقدّم ٣٦. ٣ - يونس بن يزيد: تقدم ٩. ٤ - الزهري: تقدّم ١. ٥ - عروة: تقدّم ٤٤. ٦ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥. ١٦٦ - باب وُضُوءِ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ٢٥٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. • [رواته: ٥] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥، والباقون تقدموا في الذي قبله، وهذه رواية من روايات حديث عائشة الذي تقدم شرحه وما يتعلق به. ٢٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ".

стр. 687

• [رواته: ٥] ١ - عبيد الله بن سعيد: تقدم ١٥. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - عبيد الله بن عمر العمري: تقدّم ١٥. ٤ - نافع مولى ابن عمر: تقدّم ١٢. ٥ - عبد الله بن عمر ﵄: تقدّم ١٢. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة والطيالسي والدارمي وابن الجارود، وتقدم الكلام عليه في شرح حديث عائشة السابق. ١٦٧ - باب وُضُوءِ الْجُنُبِ وَغَسْلِ ذَكَرِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ٢٦٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ". • [رواته: ٤] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدم ٧. ٣ - عبد الله بن دينار العدوي أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، روى عن ابن عمر وأنس وسليمان بن يسار ونافع مولى ابن عمر وأبي صالح السمان وغيرهم، وعنه ابنه عبد الرحمن ومالك والسفيانان وسليمان بن بلال وشعبة وصفوان بن سليم وعبد العزيز الماجشون وعبد العزيز بن مسلم القسملي وعبيد الله بن عمر وآخرون، قال أحمد: ثقة مستقيم الحديث، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وأبو حاتم ومحمد بن سعد وقال: كثير الحديث، ووثقه العجلي وقال ابن عيينة: لم يكن بذلك ثم صار. وعن ربيعة: كان من صالحي التابعين صدوقًا دينًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد: ثبت في نفسه

стр. 688

ونافع أكبر منه. مات سنة ١٢٧. ٤ - عبد الله بن عمر ﵁: تقدم ١٢. • الأحكام والفوائد حديث عمر هذا بروايتيه دل على عدم وجوب الغسل على الجنب قبل النوم وجواز الإقتصار على الوضوء، وتقدم الكلام على ذلك والإختلاف في وجوب الوضوء حينئذ وعدمه، وفي هذه الرواية زيادة غسل الذكر وذلك لإزالة الأذى عنه، وقد ذكر بعض العلماء أن علة الأمر بالوضوء لأنه أقل حالًا في الطهارة والمرء يخشى عليه أن يموت قبل أن يغتسل. قلت: وفيه نظر لأن خوف الموت لا يقتصر على حال إرادة النوم بل هو محتمل مع اليقظة، وتأخير الغسل فيها لا يستحب فيه الوضوء، وقد جاء التعليل أيضًا بأنه شطر الطهارة وهو كالأول غير مسلّم لأن الطهارة لا تتجزأ، ولهذا اتفقوا على أن هذا الوضوء لا يبيح شيئًا مما تمنعه الجنابة وكونه تعبديًا أظهر، والواقع أن تعليل الأحكام الشرعية بدون نص أو ما في حكمه يرتكز عليه التعليل لا ينبغي، وإن قيل به على سبيل الإحتمال فلا ينبغي الجزم به، والله الموفق للصواب. ١٦٨ - باب فِي الْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ ٢٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ح وَأَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ". • [رواته: ١٠] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - هشام بن عبد الملك الطيالسي: تقدم ١٩٤. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - عبيد الله بن سعيد اليشكري: تقدم ١٥.

стр. 689

٥ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٦ - علي بن مدرك النخعي الوهبيلي أبو مدرك الكوفي، روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وإبراهيم النخعي وهلال بن يساف وتميم بن طرفة وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وأبي صالح، وعنه الأعمش والمسعودي وحنش بن الحارث وأشعث بن سوار وشعبة. وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم وقال: صدوق صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٢٠، له في صحيح مسلم حديث واحد عن أبي زرعة عن جده جرير في استنصات الناس في حجة الوداع، وذكر ابن حجر أن له عنده حديثًا آخر من روايته عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر، وقد ذكر ابن حبان أنه سمع من أبي مسعود البدري ولأجل ذلك ذكره في التابعين. وقال العجلي: كوفي ثقة. ٧ - أبو زرعة: تقدم ٥٠. ٨ - عبد الله بن نجي بن سلمة بن جشم بن أسد بن خليفة الكوفي الحضرمي، روى عن أبيه وكان على مطهرة علي وعمار وحذيفة والحسن بن علي وغيرهم، وعنه أبو زرعة ابن عمرو بن جرير والحارث العكلي وشرحبيل بن مدرك وجابر الجعفي. قال البخاري وأبو أحمد بن عدي: فيه نظر، وقال ابن معين: لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، وقال الدارقطني: يقال إنه لم يسمع هذا -يعني حديث المصنف هذا من علي- قال: وليس بقوي في الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يروي عن علي ويروي أيضًا عن أبيه عن علي، قال البزار: سمع هو وأبوه من علي، وكنّاه النسائي أبا لقمان. قال الشافعي: في مناظرته مع محمَّد بن الحسن في الشاهد واليمين؛ عبد الله بن نجي: مجهول، والله أعلم. قلت: الظاهر أن كونه مجهولًا بعيد، مع ما تقدم عن أئمة الحديث كالبخاري وابن معين وابن حبان وغيرهم ممن تقدم ذكرهم ولم يرمه أحد منهم بالجهالة، ولعل الإِمام الشافعي ﵀ لم يكن له به علم ولا معرفة بحاله، وذلك لا يستلزم جهل غيره له. ٩ - أبوه نجي الحضرمي الكوفي، روى عن علي وعنه ابنه عبد الله، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: لا يعجبني الإحتجاج بخبره إذا انفرد. قال

стр. 690

ابن حجر: أفاد ابن حبان في الثقات أن أبا زرعة بن عمرو روى عنه أيضًا، وإنما جاءت الرواية عن أبي زرعة عن عبد الله بن نجي عن أبيه، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال ابن ماكولا: كان على مطهرة علي، وكان له عشرة أولاد قُتل منهم سبعة مع علي ﵁. ١٠ - علي ﵁: تقدم ٩١. • التخريج الحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسند علي من عدة طرق وكلها تدور على عبد الله بن نجي وأبيه، وأخرجه الحاكم وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والطيالسي والبغوي في شرح السنة وفي المصابيح عن علي بدون ذكر سنده. وأصل الحديث في الصحيحين وغيرهما بدون ذكر الجنب، أخرجه البخاري في بدء الخلق عن ابن عمر ومسلم عن عائشة وميمونة كلها بدون ذكر الجنب، لكن يؤيد ذكر الجنب فيه ما أخرجه الإِمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد: حدثنا حماد بن سلمة: أخبرنا عطاء الخرساني عن يحيى بن يعمر أن عمارًا قال: قدمت على أهلي، فذكر قصة فيها: "فسلمت عليه أي على النبي ﷺ فرد علي السلام ورحب بي وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المضمخ بالزعفران والجنب، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ، أي: أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام". • اللغة والإعراب والمعنى وقوله: (لا تدخل) بضم اللام لأن لا نافية، والملائكة جمع ملك وعلى أنه مشتق قيل: إنه على وزن فعل قاله ابن كيسان، وقال أبو عبيدة: مفعل من لأك إذا أرسل، والألوكة والمألك والمألكة بالفتح والمألكة بضم اللام: الرسالة، قال لبيد ﵁: وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل وقال الأعشى: أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل

стр. 691

وقال عدي بن زيد: أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري ويقال: ألكني أي أرسلني، قال الشاعر: ألكني إليها وخير رسول ... أعلمهم بنواحي الخبر فعلى هذا يكون أصله: مألك، الهمزة فاء الكلمة ثم صار فيه قلب مكاني فقدمت اللام على الهمزة، فصارت الهمزة محل العين فقالوا: ملأك. ثم نقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها تخفيفًا، فلما سهلوها قالوا: ملك. وقيل: الهمزة فيه زائدة وأصله ملك، فزيدت فيه الهمزة كما زيدت في شمل فقالوا فيه: شمأل. ذكره القرطبي عن ابن كيسان، وقد تأتي في الشعر على الأصل، قال الشاعر: فلست بإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب ثم حكى عن النضر بن شميل أنه لا اشتقاق له عند العرب. وعلى ما تقدم من أن الهمزة هي الأصل حذفت بعد نقل حركتيها تخفيفًا، فيكون وجودها في الجمع لزوال السبب الذي نقلت من أجله وهو السكون والهاء: إما لتأكيد تأنيث الجمع كما في قولهم: صلادمة للخيل الشديد جمع صلدم، أو هي للمبالغة كما في قولهم: علامة ونسابة. والملائكة أرواح نورانية لا يعلم عددهم إلا الله ويتشكلون بالأشكال الحسنة، منهم حفظة لأعمال العبد وحفظة لنفس العبد من الشر والشياطين وهم المعقبات قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، والمنفي دخولهم: منهم. قيل: عمومًا وهو ظاهر الحديث وقيل: ملائكة الرحمة، قال الخطابي في معالم السنن: يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة، دون الحفظة فإنهم لا يفارقون الجنب ولا غير الجنب، وقد قيل: إنه ليس المراد بالجنب هاهنا من أصابته جنابة فأخر الإغتسال إلى حضور الصلاة؛ ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به ويتخذه عادة، فإن النبي ﷺ قد كان يطوف على نسائه بغسل واحد وفي هذا تأخير الإغتسال عن أول وجوبه، وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء. اهـ. قلت: وعلى القول بالعموم؛ فلا يمتنع أن الله يطلعهم على حال العبد ولو كانوا خارجين عن المحل، أعني الحفظة.

стр. 692

وقوله: (بيتًا) المراد به ما يسكنه الإنسان، أعم من أن يكون بيتًا من حجر أو مدر أو خباء أو غير ذلك مما يسكنه الناس عادة، ولا فرق بين أن تكون المذكورات في وسطه أو طرفه، علم بها صاحبه أو لم يعلم بها كما في قصة النبي ﷺ مع جبريل في قضية الجرو. وقوله: (فيه صورة) المراد وجودها عنده، أعم من أن تكون فيه أو في ستر عليه أو جزء منه. واختلفوا في المراد بالصورة؛ فالذي عليه الجمهور: أن المراد بها ذوات الأرواح، ويشهد له ما في بعض روايات الحديث عن أحمد بلفظ "تمثال"، ويدل عليه قول ابن عباس للذي سأله عن التصوير كما في صحيح مسلم: "فإن كان ولابد فعليك بهذا الشجر وما لا روح فيه"؛ ويدل عليه أيضًا أن الوعيد للمصورين بقوله: يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. ثم اختلفوا هل هو عام في جميع صور ذوات الأرواح مجسمة أو غير مجسمة ممتهنة؟ وغير ممتهنة وهذا القول هو الظاهر من الإطلاق في الأحاديث ما لم يقطع رأسها أو تفرق أجزاؤها. وفرّق بعضهم بين الممتهنة وغيرها إذا لم تكن مجسمة. وأما صورة ذوات الأرواح المجسمة فقد حكى ابن العربي الإجماع على تحريمها ما لم تكن للعب البنات. وسيأتي الكلام على حكم الصور -إن شاء الله- في بابه وذكر المذاهب على التفصيل، والله الموفق للصواب. وقوله: (ولا كلب) ظاهره الإطلاق، فيشمل كلب الصيد والماشية والزرع المأذون في اتخاذها وغيرها من الكلاب، وقيده بعضهم بغير المأذون في إتخاذه وكأنه رأى أن الوعيد ينافي الرخصة والإذن في الإتخاذ. وقوله: (ولا جنب) هذا محل الشاهد من الحديث ومناسبته للترجمة، وقد تقدم الكلام على لفظ الجنب في شرح الآية أول الكتاب، وهو مخصوص بالمتهاون، وأما غيره فقد تقدمت الرخصة له مع الوضوء وغيره خلافًا لظاهر ترجمة المصنف. • ما يستفاد من الحديث قال البغوي في شرح السنة بعد ذكر أحاديث نوم الجنب من غير اغتسال: وهذه الأحاديث تدل على أن الجنب إذا أخر الغسل فلا حرج عليه. ثم قال: وروي عن علي: لا تدخل الملائكة إلخ، وقال الخطابي: وقد قيل: إنه لم يرد

стр. 693

بالجنب هاهنا من أصابته جنابة فأخر الغسل إلى حضور وقت الصلاة، ثم ذكر ما تقدم قريبًا في شرح هذا الحديث من قول عائشة وغيره من الأحاديث في نومه من غير غسل، وكذا وطئه لنسائه بغسل واحد إلخ ما تقدم. وفي الحديث التنفير من هذه الأشياء المتفق عليها منها والمختلف فيه وذلك أحوط في الدين، والله تعالى أعلم، وكأن المصنف يرى أن المراد بالجنب من لم يتوضأ، ولا يساعد عليه ما تقدم. ١٦٩ - باب فِي الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ٢٦٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ". • [رواته: ٥] ١ - الحسين بن حريث: تقدم ٥٢. ٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١. ٣ - عاصم الأحول وهو ابن سليمان مولى بني تميم: تقدم ٢٣٩. ٤ - أبو المتوكل الناجي علي بن داود الساجي البصري، روى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة وربيعة الجرشي، وعنه ثابت البناني وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وحميد الطويل وأبو جعفر بن أبي وحشية وعاصم الأحول وآخرون. قال أحمد: ما علمت إلا خيرًا، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وابن المديني والنسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات مات سنة ١٠٨، وقيل: سنة ١٠٢، والله أعلم. ٥ - أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، استصغر يوم أحد وشهد بعد ذلك مع النبي ﷺ اثثتي عشرة غزوة، روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأخيه لأمه قتادة بن النعمان وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة من الصحابة، وعنه ابنه عبد الرحمن وزوجه زينب بنت كعب بن عجرة وابن عباس وابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وآخرون من الصحابة والتابعين،

стр. 694

واختلفوا في موته فقيل: سنة ٧٤، وقيل: ٦٤ وعمره ٧٤، وقيل سنة ٦٣، وقيل: ٦٥، وضعفوا هذه الأقوال كلها، وصححوا القول الأول وهو أنه مات سنة ٧٤. • التخريج أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود بلفظ: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود"، والحاكم وابن ماجه وابن حبان والبيهقي، وزاد الحاكم وابن حبان والبيهقي: فإنه أنشط. وأخرجه الطيالسي. • الأحكام والفوائد: قوله: (أراد أن يعود) أي إلى الجماع بأن يجامع ثم يريد أن يجامع مرة أخرى، كما هو مبين في غير هذه الرواية لأنها مختصرة من الحديث، وهو بتمامه عند أبي داود كما تقدمت الإشارة إليه: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود"، ولهذا ترجم له أبو داود بهذا اللفظ وذكر الحديث، وفيه: "فليتوضأ بينهما". وتقدم أن الحاكم والبيهقي وابن حبان زادوا فيه: "فإنه أنشط"، وهو تعليل يصلح صارفًا للأمر عن الوجوب إلى الندب. وقوله هنا: (توضأ) بلفظ الماضي والمراد به الأمر أي فليتوضأ كما هو في الروايات الأخر، والمراد: الوضوء الشرعي كما تقدم في نوم الجنب، وهو محمول كما قدمنا على الندب، لحديث أنس الآتي وغيره: أنه كان يطوف على نسائه بغسل واحد ولم يذكر وضوءًا، وثبت أيضًا من حديث أبي رافع "أنه اغتسل عند كل واحدة منهن"، وإن كان أبو داود قال فيه: حديث أنس أصح، ولكن إذا قلنا إن الأمر محمول على الندب فلا تعارض، ولكن حديث أنس صريح في نفي الغسل لا في نفي الوضوء وغايته أنه لم يذكر الوضوء، لكن تقدم أن تعليل الحديث بكونه أنشط؛ تمسك به من حمل الأمر على الندب وهم الجمهور، وقد تقدم ذلك قريبًا في وضوء الجنب للنوم. وأما ترك الغسل بينهن؛ فقد ثبت كل من الأمرين، فيحمل على أنه فعل هذا مرة وهذا مرة، وذلك دليل على جواز الأمرين، والله أعلم.

стр. 695

١٧٠ - باب إِتْيَانِ النِّسَاءِ قَبْلَ إِحْدَاثِ الْغُسْلِ ٢٦٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. • [رواته: ٥] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢. ٢ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي: تقدم ٢٢. ٣ - إسماعيل بن إبراهيم بن علية: تقدم ١٩. ٤ - حميد الطويل: تقدم ١٠٨. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. ٢٦٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ. • [رواته: ٥] ١ - محمد بن عبد المحاربي: تقدم ٢٢٦. ٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦. ٣ - معمر بن راشد: تقدم ١٠. ٤ - قتادة بن دعامة: تقدم ٣٤. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والدارمي وعبد الرزاق، وفي رواية: في ساعة واحدة، وللدارمي بدون ذكر غسل واحد ولا ساعة، ولابن أبي شيبة: بغسل واحد، كرواية الجماعة.

стр. 696

• الأحكام والفوائد المراد بالطواف على النساء كناية عن الجماع أي كان يجامع نساءه، وفيه دليل على ما اختصه الله به من القوة في ذلك والقوة في النكاح من كمال الرجولة، وفيه: جواز طواف الرجل على نسائه في ليلة واحدة، لكن ينبغي أن يكون بإذن صاحبة النوبة أو يعيد لها نوبتها بعد طوافه عليهن. أما في حق الرسول ﷺ ؛ فإن الصحيح أن القسم بين الزوجات ليس واجبًا عليه، لقول الله تعالى له: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وإنما كان يقسم بينهن أخذًا بالأفضل، وعلى القول بوجوب القسم عليه فهذا الفعل محمول على أنه كان يستأذن صاحبة النوبة، أو يقسم لها ليلة بعد الطواف عليهن بدل ليلتها. وفيه كما قدمنا: دليل على عدم الوضوء لأنه لم يذكر أنه كان يتوضأ، وقد تقدم ذلك وأنه قد يقال: إنه لم ينف الوضوء وإنما نفى الغسل. وعلى كل حال على فرض أنه لم يتوضأ فيكون محمولًا على بيان الجواز، ولا ينافي أن الوضوء أفضل وكذا الغسل بينهن أفضل كما تقدم، ولو اغتسل بعد كل واحدة لكان أفضل كما ثبت في حديث أبي رافع أنه اغتسل بعد كل واحدة وقال: هذا أزكى وأطيب، والمراد الغسل بعد كل واحدة. واستدل به وبالأحاديث المتقدمة في النوم قبل الغسل للجنب؛ على أن غسل الجنابة لا يجب على الفور بل يجب وجوبًا موسعًا، وإنما يضيق على الإنسان عند حضور الصلاة كالحال في الوضوء، وهو محل إجماع كما ذكره النووي وغيره. ١٧١ - باب حَجْبِ الْجُنُبِ عنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ٢٦٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا أَنَا وَرَجُلَانِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. • [رواته: ٦] ١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.

стр. 697

٢ - إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية: تقدم ١٩. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل ومرة الطيب وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأرسل عن ابن عباس وعن جماعة غيرهم، وعنه ابنه عبد الله وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه والأعمش ومنصور وزيد بن أبي أنيسة ومسعر والعلاء بن المسيب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري وشعبة والأوزاعي وآخرون. قال البخاري: عن علي له نحو مائة حديث، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال: صدوق، وزكّاه أحمد وقال أبو حاتم: كان يرى الإرجاء، وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يثني على أحد إلا على عمرو بن مرة كان يقول فيه: كان مأمونا على ما عنده، وقال شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث لا يدلس إلا ابن عون وعمرو بن مرة، وما رأيت عمرو بن مرة في صلاة إلا ظننت أنه لا ينفتل منها حتى يستجاب له، وأثنى عليه ميسرة ومعمر وقال: كان من معادن الصدق، وقال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم منهم عمرو بن مرة، ووثقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان. وتقدم أن أبا حاتم نسبه إلى الإرجاء في كتاب الثقات، وكنّاه أبا عبد الرحمن. مات سنة ١١٨ وقيل: ١١٦. ٥ - عبد الله بن سلمة المرادي الكوفي، روى عن عمر ومعاذ وعلي وابن مسعود وسلمان الفارسي وصفوان بن عسال وعمار بن ياسر وعبيدة بن عمرو السلماني، وعنه أبو إسحاق السبيعي وعمرو بن مرة. قال أحمد: لا أعلم روى عنه غيرهما، وقال غيره: روى عنه أبو الزبير. قال النسائي: أبو العالية عبد الله بن سلمة كوفي مرادي، قال الخطيب: قد روى أبو إسحاق السبيعي عن أبي العالية عبد الله بن سلمة الهمداني، فزعم أحمد أنه الذي روى عنه عمرو بن مرة، وقال ابن نمير: ليس به بل هو آخر، وكان ابن معين يقول كقول أحمد ثم رجع عنه، وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن سلمة الهمداني أخو عمرو، وقال شعبة: عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فيعرف وينكر كان

стр. 698

قد كبر، وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة وقال: يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. قال ابن عدي أرجو: أنه لا بأس به، قال ابن حجر: قال البخاري في تاريخه الصغير: الذي قال ابن نمير أصح، والذي روى عنه أبو إسحاق هو الهمداني، والذي روى عنه عمرو بن مرة جملي من رهط عمرو بن مرة مرادي، وكذا قال ابن معين والدارقطني وابن ماكولا، وقال النسائي في المرادي: لا أعلم أحدًا روى عنه غير عمرو بن مرة. قلت: قد تقدم قول أحمد أنه روى عنه عمرو وأبو إسحاق، وأن غيره قال: روى عنه أبو الزبير. ونقل عن الحاكم في الكنى أنه فرّق بينهما وقال: إن الغلط بجعلهما واحدًا سببه كنية من كنى المرادي: أبا العالية، وإنما هي كنية الهمداني، وقد وقع الخطأ فيه لمسلم. ٦ - علي ﵁: تقدم ٩١. • التخريج أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وفي الترمذي بلفظ: "كان يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا" وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان وصححه، والدارقطني والبزار وابن السكن والبغوي في شرح السنن وعبد الحق، وقال ابن خزيمة: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، وقال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: إنما قال ذلك لأن عبد الله بن سلمة راوية كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر. قاله شعبة. قال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث، وقال النووي: خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا الحديث. قلت: لم ينفرد الترمذي بتصحيحه، فقد تقدم أن ابن حبان صححه هو وغيره من الحفاظ الذين تقدم النقل عنهم، وهو عند الطيالسي وابن الجارود بزيادة: بعثه للرجلين وجهًا في أول الحديث. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (يخرج من الخلاء) كناية عن قضاء حاجة الإنسان من البول

стр. 699

والغائط، وقد تقدم الكلام على ذلك أول الكتاب. قوله: (فيقرأ القرآن) الفاء عاطفة أي بعد خروجه من الخلاء بدون وضوء، وقوله: (ويأكل معنا اللحم) لا مفهوم له عن غيره من الطعام والشراب، والمقصود أنه لم يمنعه الحدث من القراءة والأكل والشرب، ولعل التنصيص على اللحم من أجل أنه الذي صادف أن عليًا أكله معه في الوقت الذي حدث عنه. وقوله: (يحجبه شيء) أي لم يكن يمنعه شيء ويحول بينه وبين قراءة القرآن أي من أنواع الحدث، وجملة (يحجبه) في محل نصب خبر لكان. و (ليس) هنا أداة استثناء بمعنى خلا، وهي في مثل هذا تنصب ما بعدها وهو المستثنى، والصحيح في إعرابه أنه خبر ليس واسمها مستتر وجوبًا وهو البعض، أي ليس بعض الحدث الجنابة، كما هو الشأن في أخواتها أن يكون المستثنى بها منصوبًا على المفعولية والفاعل مستتر وجوبًا، وإلى حكمها أشار ابن مالك ﵀ بقوله: واستثن ناصبًا بليس وخلا ... وبعد أو بيكون بعدلا وقد تقدم تفسير الجنابة فلا حاجة لتكراره. • الأحكام والفوائد الحديث: دل على منع الجنب من قراءة القرآن، وقد استثنى بعض الفقهاء من ذلك الشيء اليسير كالآية والآيتين مما جرت العادة أن يتعوذ به الناس، كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين وهو قول المالكية، ورخص أحمد للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، ولأبي حنيفة يقرأ بعض الآية، وقال الشافعي: يجوز ما يقصد به الذكر لا تلاوة القرآن. والجمهور على المنع، وذهب ابن المنذر والطبري وابن عباس والظاهري إلى جواز قراءة الجنب للقرآن، لحديث عائشة في صحيح مسلم: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، وبأن الأصل عدم التحريم. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الحديث المراد به: الذكر غير القرآن لأنه المتبادر. قلت: ولكنه تخصيص بدون مخصص، ولا نزاع في دخول القرآن في الذكر عند الإطلاق إلا بدليل. وأجابوا عن كون الأصل عدم التحريم بأن محله ما لم يرد ناقل عن الأصل، وقد ورد. واستدل الجمهور على التحريم بهذا الحديث، وبحديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه أنه ﷺ قال: لا يقرأ

стр. 700

الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن. وأخرجه أبو داود أيضًا إلا أن في إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وبحديث علي عند الدارقطني: اقرؤا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفًا واحدًا. وفي المسألة أحاديث أخر ولا تسلم من كلام لكن بعضها يقوي بعضًا، وحديث عائشة المذكور أعم من موضوع النزاع فلا يصلح دليلًا في المسألة. قال الخطابي ﵀: (في الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن، وكذا الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، وقال مالك في الجنب: يقرأ الآية ونحوها، وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب لأن الحائض إن لم تقرأ نسيت القرآن، لأن أيام الحيض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول. وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسًا بقراءة الجنب القرآن، وأكثر العلماء على تحريمه) اهـ. قلت: وقد علل أصحاب مالك القول بجواز القراءة للحائض دون الجنب بعلة أخرى، وهي كون رفع الحدث ليس بيدها بخلاف الجنب، وقد ذكر ابن دقيق العيد ﵀ في شرح قول عائشة ﵂ الثابت في الصحيح: "كان يتكئ في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض": فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ لأن قولها: "فيقرأ القرآن" إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمت ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن جائزة للحائض لكان هذا الوهم منتفيًا، وقال الصنعاني: ومشهور مذهب مالك الجواز لضعف أدلة المنع، والأصل: الجواز. اهـ. تنبيه: أما مس القرآن للجنب والمحدث حدثًا أصغر فإن الجمهور من العلماء على منعه ولو بحائل أو بعود أو علاقة، واستدلوا بأحاديث غالبها لا يسلم من كلام ولكن مجموعها يقوي بعضها بعضًا، وفيه آثار عن السلف. فمن الأحاديث: حديث ابن عمر عند الدارقطني من طريق سالم عن أبيه أنه ﷺ قال: "لا يمس القرآن إلا طاهر". وحديث حكيم عنده أيضًا من طريق حسان بن بلال عن حكيم وفيه: "لا تمس القرآن إلا وأنت على طهر"، وحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في كتابه المشهور: لا

стр. 701

يمس القرآن إلا طاهر، وبقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾. وقد اعترض على الآية بأن المراد بها اللوح المحفوظ وأن المطهرون هم الملائكة الكرام، ولهذا قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ بضم السين ولو أراد النهي لفتحت السين، ولأن المطهرون تدل على أن المراد الملائكة ولو أريد الطهارة من الحدث لقيل: المتطهرون وَرُدَّ بأن قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ يدل على أنه القرآن المنزل وهو المصحف، ودعوى أنه لو أريدت الطهارة لقيل: المتطهرون؛ غير مسلم لصحة إطلاق المطهر والمتطهر على غير المحدث، ودعوى وجوب فتح السين غير مسلَّم أيضًا، لأن الفعل المضارع قد يرد بمعنى الأمر ولا يجزم، كما في رواية البخاري: "لا يبيع بعضكم" بإثبات الياء وقراءة من قرأ ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ بالرفع. وذهب داود إلى أنه يجوز للجنب مس المصحف، واستدل بحديث كتاب النبي ﷺ لهرقل وهو جنب وفي الكتاب شيء من القرآن: يا أهل الكتاب تعالوا إلخ، وباتفاق الناس على حمل الصبيان للألواح وفيها القرآن، وبأنه بالنسبة للمحدث حدثًا أصغر إذا لم تحرم عليه القراءة فالمس أولى. واستثنى المالكية: المعلم والمتعلم في غير المصحف الكامل ومنع ذلك الباقون إلا في الألواح، وأجابوا عن كتاب النبي ﷺ بأن الذي فيه قليل للضرورة وكذا حمل الألواح، ولم يرخص غير المالكية للمتعلم والمعلم إلا في اللَّوح، غير أن الحنفية والحنابلة جوّزوا حمله للمحدث بعلاقته أو غلافه المنفصل أو مع المتاع وهو داخل فيه، وقراءته من غير مس له، ومحل المنع ما لم يخف عليه التلف أو يراه في قذر أو محل فيه إهانة له. ويتفرع عن هذا الكلام على تعليقه ونقش بعض كلماته وله محل غير هذا -إن شاء الله. وقول علي: لم يكن يحجبه. . . إلخ؛ يستثنى منه ساعة التلبس بقضاء الحاجة ونحوها، والله أعلم. ٢٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. • [رواته: ٦] ١ - محمد بن أحمد بن محمد الحجاج بن ميسرة القرشي الكُرَيْزي

стр. 702

مولاهم أبو يوسف الحافظ الصيدلاني الرقي، روى عن محمد بن سلمة الحرَّاني وعيسى بن يونس وسفيان بن عيينة وخالد بن حيان ومطرف بن مازن وغيرهم، وعنه النسائي وابن ماجه وأبو حاتم والحسين بن جمعة وإسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي ومحمد بن علي بن حبيب الطرائفي، ومحمد بن علي المري وأبو عروبة وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو علي النيسابوري: هو من حفاظ الجزيرة ومتقنيهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: لا بأس به، ويقال فيه: الصيدناني؛ أي بالنون قبل الألف بدل اللام. مات سنة ٢٤٦. ٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨. ٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨. ٤ - عمرو بن مرة: تقدم ٢٦٥. ٥ - عبد الله بن سلمة المرادي: تقدم ٢٦٥. ٦ - علي ﵁: تقدم ٩١. • التخريج هذه رواية للحديث السابق وكلتا الروايتين مختصرة، وقد أخرجه أبو داود بتمامه وتقدم تخريجه، وأخرجه ابن خزيمة وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي والبزار والطيالسي وابن الجارود، وفي الترمذي والدارقطني مختصرًا. ١٧٢ - باب مُمَاسَةِ الْجُنُبِ وَمُجَالَسَتِهِ ٢٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ، فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا بُكْرَةً فَحِدْتُ عَنْهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي، فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ". • [رواته: ٥] ١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.

стр. 703

٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢. ٣ - أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز ويقال: خاقان ويقال: عمرو، أبو إسحاق الشيباني مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس والأول أصح، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وزر بن حبيش وأشعث بن أبي الشعثاء وبكير الأخنس وجبلة بن سحيم وجماعة غيرهم، وعنه ابنه إسحاق وأبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه، وعاصم الأحول وهو من أقرانه، وأبو إسحاق الفزاري والسفيانان وعلي بن مسهر وآخرون وخاتمة أصحابه جعفر بن عون، كان أحمد يعجبه حديثه ويقول: هو أهل أن لا ندع له شيئًا. قال ابن معين: ثقة حجة، قال أبو حاتم ثقة صدوق صالح الحديث، ووثقه النسائي والعجلي، قال ابن عبد البر: ثقة حجة عنه جميعهم، وقال أبو بكر بن عياش: الشيباني فقيه الحديث، واختلف في موته فقيل: سنة ١٣٨ وقيل: ١٣٩ وقيل: ١٢٩ وقيل: ١٤١ وقيل: ١٤٢، وذكر الخطيب أن اسم أبيه مهران. ٤ - أبو بردة بن أبي موسى: تقدم ٣. ٥ - حذيفة بن اليمان: تقدم ٢. • التخريج أخرجه مسلم مختصرًا وأشار الترمذي له، وأخرجه أحمد وابن ماجه، ولأبي داود: "فأهوى إليه وقال: جنب" كما في الرواية التالية. • اللغة والإعراب والمعنى قوله: (إذا لقي) تقدم الكلام على (إذا) أول الكتاب. قوله: (من أصحابه) (من) بيانية، وقوله: (ماسحه) بلفظ المشاركة، والمراد: مسح بعض بدنه، وقد تأتي صيغة المفاعلة لغير مشاركة كما في قوله: عاقبت اللص وطارقت النعل. وهذا الفعل منه ﷺ دليل على كرم خلقه وحسن عشرته، فإن مثل هذا يفعل للإستئناس، وفي حق الرسول ﷺ ربما كان لقصد أن تنال الممسوح بركة يد النبي ﷺ . وقوله: (بكرة) أول النهار. وقوله: (فحدت عنه) أي انحرفت عن لقائه، وذلك لأنه كان جنبًا فظن أن مجالسته لا تصلح للنبي ﷺ . وقوله: (حين ارتفع النهار) أي ارتفعت شمسه وذلك

стр. 704

بعدما ذهب واغتسل، وارتفاع النهار: توسط الشمس في كبد السماء قبل الزوال. وقوله: (إني كنت جنبًا) هذا على سبيل الإخبار بالعذر الذي حاد بسببه عنه ﷺ . وقوله: (جنبًا) تقدم تفسير الجنب وأنه وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث عند الأكثرين، وتقدم الكلام عليه مستوفى في شرح الآية أول الكتاب والحمد لله، والمعنى: كنت جنبًا فظنت أنه لا يصلح لي مجالستك مع الجنابة، ولا ينبغي أن تمسني. وقوله: (إن المسلم لا ينجس) أي لا تصير ذاته نجسة بالحدث، لأنه وصف حكمي رتبه الشارع على البدن، ولا يتأثر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تمنع الجنابة منه شرعًا، فالمؤمن لا يصير بدنه نجسًا ولو تنجس، فإنها لا تؤثر فيه نجاسة البدن وإنما تنجس محلها مادامت باقية بوجودها، وكذا حكم محلها قبل الغسل حكم وجودها عند الأكثرين، ولا يستلزم ذلك نجاسة البدن الذي هي عليه. • الأحكام والفوائد الحديث فيه: دليل على جواز مماسة الجنب وهي محل مناسبته للترجمة، وفيه: التصريح بأن بدن المسلم لا يكون نجسًا بحال من الأحوال، لا في وقت الجنابة والحيض ولا غير ذلك، وإن تنجس بدنه أو بعض منه فهي نجاسة عارضة تزول، وتمسك بمفهومه من قال بنجاسة الكافر وقد نُسب القول بذلك للشافعي وأنكره الحافظ ابن حجر، ونُسب لمالك على أنه قول في مذهبه. ومذهب الجمهور طهارة بدن الآدمي، واستدلوا بربط النبي ﷺ لثمامة في المسجد وحبسه لأسارى طيء فيه وإنزاله وفد ثقيف قبل إسلامهم المسجد، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ بأن المراد نجاسة القلب التي هي الشرك كما يفيده العنوان بلفظ الشرك مع أداة الحصر، أو أن الغالب على أعضائه التلبس بالنجاسة لأنه لا يتوقاها فالنجاسة في ذلك عارضة. ومما استدلوا به جواز نكاح الكتابيات، ووجه الاستدلال أن النكاح يستلزم المخالطة والتلوث بعرقها، ومع ذلك لم يوجب الله على المسلم في نكاحها أكثر مما أوجب عليه في نكاح المسلمة من غسل الجنابة عند حصولها، وسيأتي الكلام

стр. 705

على حكم الموتى في الجنائز إن شاء الله تعالى. ويستفاد منه كما قال بعض العلماء: إستحباب التطهر عند مجالسة أهل العلم والصلاح، وذلك لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه قوله في هذا الحديث: فخشيت أن تمسني؛ إلَّا من حيث إنه عرف أنه اعتقد نجاسته بالجنابة، وهذا ليس بظاهر في حديث حذيفة وإنما هو ظاهر في حديث أبي هريرة في قوله: "فكرهت أن أجالسك"، والحديث فيه: كرم خلق النبي ﷺ وتفقده لأحوال أصحابه، وفيه: أن العالم والشخص المتبوع ينبغي أن يعتني بتفقد أحوال أتباعه والسؤال عما يصدر منهم، ليرشدهم ونحو ذلك من الأمور، ولذا قال بعض الأدباء: ومن عادة السادات أن يتفقدوا ... أصاغرهم والمكرمات عوائد سليمان ذو ملك تفقد طائرًا ... وكانت أقل الطائرات الهداهد ٢٦٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَهْوَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: إِنِّى جُنُبٌ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ". • [رواته: ٦] ١ - إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي نزيل نيسابور، روى عن ابن عيينة وابن نمير وعبد الرزاق وأبي داود الطيالسي وجعفر بن عون وبشر بن عمر وابن مهدي والقطان وغيرهم، وتتلمذ لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وله عنهم مسائل، روى عنه الجماعة سوى أبي داود، وأبو حاتم وأبو زرعة وإبراهيم الحربي وعبد الله بن أحمد والجوزجاني وأبو بكر بن محمد بن علي ابن أخت مسلم بن الحجاج وغيرهم، قال مسلم: ثقة مأمون أحد الأئمة من أصحاب الحديث من الزهاد والمتمسكين بالسنة. قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق وكان غيره أثبت منه، مات لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ٢٥١. ٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤. ٣ - مسعر بن كدام: تقدم ٨. ٤ - واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي بائع السابري، روى عن
следующие страницы →