Полный текст (1 806 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
يمس القرآن إلا طاهر، وبقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾. وقد اعترض على الآية بأن المراد بها اللوح المحفوظ وأن المطهرون هم الملائكة الكرام، ولهذا قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ بضم السين ولو أراد النهي لفتحت السين، ولأن المطهرون تدل على أن المراد الملائكة ولو أريد الطهارة من الحدث لقيل: المتطهرون وَرُدَّ بأن قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ يدل على أنه القرآن المنزل وهو المصحف، ودعوى أنه لو أريدت الطهارة لقيل: المتطهرون؛ غير مسلم لصحة إطلاق المطهر والمتطهر على غير المحدث، ودعوى وجوب فتح السين غير مسلَّم أيضًا، لأن الفعل المضارع قد يرد بمعنى الأمر ولا يجزم، كما في رواية البخاري: "لا يبيع بعضكم" بإثبات الياء وقراءة من قرأ ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ بالرفع. وذهب داود إلى أنه يجوز للجنب مس المصحف، واستدل بحديث كتاب النبي ﷺ لهرقل وهو جنب وفي الكتاب شيء من القرآن: يا أهل الكتاب تعالوا إلخ، وباتفاق الناس على حمل الصبيان للألواح وفيها القرآن، وبأنه بالنسبة للمحدث حدثًا أصغر إذا لم تحرم عليه القراءة فالمس أولى. واستثنى المالكية: المعلم والمتعلم في غير المصحف الكامل ومنع ذلك الباقون إلا في الألواح، وأجابوا عن كتاب النبي ﷺ بأن الذي فيه قليل للضرورة وكذا حمل الألواح، ولم يرخص غير المالكية للمتعلم والمعلم إلا في اللَّوح، غير أن الحنفية والحنابلة جوّزوا حمله للمحدث بعلاقته أو غلافه المنفصل أو مع المتاع وهو داخل فيه، وقراءته من غير مس له، ومحل المنع ما لم يخف عليه التلف أو يراه في قذر أو محل فيه إهانة له. ويتفرع عن هذا الكلام على تعليقه ونقش بعض كلماته وله محل غير هذا -إن شاء الله. وقول علي: لم يكن يحجبه. . . إلخ؛ يستثنى منه ساعة التلبس بقضاء الحاجة ونحوها، والله أعلم.
٢٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ الرَّقِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ الْجَنَابَةَ.
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن أحمد بن محمد الحجاج بن ميسرة القرشي الكُرَيْزي
стр. 702
مولاهم أبو يوسف الحافظ الصيدلاني الرقي، روى عن محمد بن سلمة الحرَّاني وعيسى بن يونس وسفيان بن عيينة وخالد بن حيان ومطرف بن مازن وغيرهم، وعنه النسائي وابن ماجه وأبو حاتم والحسين بن جمعة وإسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي ومحمد بن علي بن حبيب الطرائفي، ومحمد بن علي المري وأبو عروبة وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو علي النيسابوري: هو من حفاظ الجزيرة ومتقنيهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: لا بأس به، ويقال فيه: الصيدناني؛ أي بالنون قبل الألف بدل اللام. مات سنة ٢٤٦.
٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨.
٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - عمرو بن مرة: تقدم ٢٦٥.
٥ - عبد الله بن سلمة المرادي: تقدم ٢٦٥.
٦ - علي ﵁: تقدم ٩١.
• التخريج
هذه رواية للحديث السابق وكلتا الروايتين مختصرة، وقد أخرجه أبو داود بتمامه وتقدم تخريجه، وأخرجه ابن خزيمة وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي والبزار والطيالسي وابن الجارود، وفي الترمذي والدارقطني مختصرًا.
١٧٢ - باب مُمَاسَةِ الْجُنُبِ وَمُجَالَسَتِهِ
٢٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ، فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا بُكْرَةً فَحِدْتُ عَنْهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي، فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ".
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
стр. 703
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز ويقال: خاقان ويقال: عمرو، أبو إسحاق الشيباني مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس والأول أصح، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وزر بن حبيش وأشعث بن أبي الشعثاء وبكير الأخنس وجبلة بن سحيم وجماعة غيرهم، وعنه ابنه إسحاق وأبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه، وعاصم الأحول وهو من أقرانه، وأبو إسحاق الفزاري والسفيانان وعلي بن مسهر وآخرون وخاتمة أصحابه جعفر بن عون، كان أحمد يعجبه حديثه ويقول: هو أهل أن لا ندع له شيئًا. قال ابن معين: ثقة حجة، قال أبو حاتم ثقة صدوق صالح الحديث، ووثقه النسائي والعجلي، قال ابن عبد البر: ثقة حجة عنه جميعهم، وقال أبو بكر بن عياش: الشيباني فقيه الحديث، واختلف في موته فقيل: سنة ١٣٨ وقيل: ١٣٩ وقيل: ١٢٩ وقيل: ١٤١ وقيل: ١٤٢، وذكر الخطيب أن اسم أبيه مهران.
٤ - أبو بردة بن أبي موسى: تقدم ٣.
٥ - حذيفة بن اليمان: تقدم ٢.
• التخريج
أخرجه مسلم مختصرًا وأشار الترمذي له، وأخرجه أحمد وابن ماجه، ولأبي داود: "فأهوى إليه وقال: جنب" كما في الرواية التالية.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (إذا لقي) تقدم الكلام على (إذا) أول الكتاب. قوله: (من أصحابه) (من) بيانية، وقوله: (ماسحه) بلفظ المشاركة، والمراد: مسح بعض بدنه، وقد تأتي صيغة المفاعلة لغير مشاركة كما في قوله: عاقبت اللص وطارقت النعل. وهذا الفعل منه ﷺ دليل على كرم خلقه وحسن عشرته، فإن مثل هذا يفعل للإستئناس، وفي حق الرسول ﷺ ربما كان لقصد أن تنال الممسوح بركة يد النبي ﷺ . وقوله: (بكرة) أول النهار. وقوله: (فحدت عنه) أي انحرفت عن لقائه، وذلك لأنه كان جنبًا فظن أن مجالسته لا تصلح للنبي ﷺ . وقوله: (حين ارتفع النهار) أي ارتفعت شمسه وذلك
стр. 704
بعدما ذهب واغتسل، وارتفاع النهار: توسط الشمس في كبد السماء قبل الزوال. وقوله: (إني كنت جنبًا) هذا على سبيل الإخبار بالعذر الذي حاد بسببه عنه ﷺ .
وقوله: (جنبًا) تقدم تفسير الجنب وأنه وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث عند الأكثرين، وتقدم الكلام عليه مستوفى في شرح الآية أول الكتاب والحمد لله، والمعنى: كنت جنبًا فظنت أنه لا يصلح لي مجالستك مع الجنابة، ولا ينبغي أن تمسني.
وقوله: (إن المسلم لا ينجس) أي لا تصير ذاته نجسة بالحدث، لأنه وصف حكمي رتبه الشارع على البدن، ولا يتأثر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تمنع الجنابة منه شرعًا، فالمؤمن لا يصير بدنه نجسًا ولو تنجس، فإنها لا تؤثر فيه نجاسة البدن وإنما تنجس محلها مادامت باقية بوجودها، وكذا حكم محلها قبل الغسل حكم وجودها عند الأكثرين، ولا يستلزم ذلك نجاسة البدن الذي هي عليه.
• الأحكام والفوائد
الحديث فيه: دليل على جواز مماسة الجنب وهي محل مناسبته للترجمة، وفيه: التصريح بأن بدن المسلم لا يكون نجسًا بحال من الأحوال، لا في وقت الجنابة والحيض ولا غير ذلك، وإن تنجس بدنه أو بعض منه فهي نجاسة عارضة تزول، وتمسك بمفهومه من قال بنجاسة الكافر وقد نُسب القول بذلك للشافعي وأنكره الحافظ ابن حجر، ونُسب لمالك على أنه قول في مذهبه. ومذهب الجمهور طهارة بدن الآدمي، واستدلوا بربط النبي ﷺ لثمامة في المسجد وحبسه لأسارى طيء فيه وإنزاله وفد ثقيف قبل إسلامهم المسجد، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ بأن المراد نجاسة القلب التي هي الشرك كما يفيده العنوان بلفظ الشرك مع أداة الحصر، أو أن الغالب على أعضائه التلبس بالنجاسة لأنه لا يتوقاها فالنجاسة في ذلك عارضة. ومما استدلوا به جواز نكاح الكتابيات، ووجه الاستدلال أن النكاح يستلزم المخالطة والتلوث بعرقها، ومع ذلك لم يوجب الله على المسلم في نكاحها أكثر مما أوجب عليه في نكاح المسلمة من غسل الجنابة عند حصولها، وسيأتي الكلام
стр. 705
على حكم الموتى في الجنائز إن شاء الله تعالى. ويستفاد منه كما قال بعض العلماء: إستحباب التطهر عند مجالسة أهل العلم والصلاح، وذلك لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه قوله في هذا الحديث: فخشيت أن تمسني؛ إلَّا من حيث إنه عرف أنه اعتقد نجاسته بالجنابة، وهذا ليس بظاهر في حديث حذيفة وإنما هو ظاهر في حديث أبي هريرة في قوله: "فكرهت أن أجالسك"، والحديث فيه: كرم خلق النبي ﷺ وتفقده لأحوال أصحابه، وفيه: أن العالم والشخص المتبوع ينبغي أن يعتني بتفقد أحوال أتباعه والسؤال عما يصدر منهم، ليرشدهم ونحو ذلك من الأمور، ولذا قال بعض الأدباء:
ومن عادة السادات أن يتفقدوا ... أصاغرهم والمكرمات عوائد
سليمان ذو ملك تفقد طائرًا ... وكانت أقل الطائرات الهداهد
٢٦٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَهْوَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: إِنِّى جُنُبٌ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ".
• [رواته: ٦]
١ - إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي نزيل نيسابور، روى عن ابن عيينة وابن نمير وعبد الرزاق وأبي داود الطيالسي وجعفر بن عون وبشر بن عمر وابن مهدي والقطان وغيرهم، وتتلمذ لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وله عنهم مسائل، روى عنه الجماعة سوى أبي داود، وأبو حاتم وأبو زرعة وإبراهيم الحربي وعبد الله بن أحمد والجوزجاني وأبو بكر بن محمد بن علي ابن أخت مسلم بن الحجاج وغيرهم، قال مسلم: ثقة مأمون أحد الأئمة من أصحاب الحديث من الزهاد والمتمسكين بالسنة. قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق وكان غيره أثبت منه، مات لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ٢٥١.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - مسعر بن كدام: تقدم ٨.
٤ - واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي بائع السابري، روى عن
стр. 706
أبي وائل وشريح القاضي والمعرور بن سويد وإبراهيم النخعي وعبد الله بن الهذيل وغيرهم، وعنه أبو إسحاق الشيباني وعبد الملك بن سعيد بن أبجر وجرير بن حازم ومقسم ومسعر ومهدي بن ميمون وشعبة والثوري وآخرون، قال ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو داود والنسائي، وقال ابن معين أيضًا: ثبت، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، ووثقه العجلي ويعقوب بن سفيان والبزار، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٢٠، وقيل: ١٢٩.
٥ - أبو وائل شقيق بن سلمة: تقدم ٢.
٦ - حذيفة بن اليمان ﵁: تقدم ٢.
هذه رواية من روايات حديث حذيفة السابق.
٢٦٩ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ".
• [رواته: ٦]
١ - حميد بن مسعدة: تقدّم ٥.
٢ - بشر بن المفضل: تقدّم ٨٢.
٣ - حميد بن أبي حميد الطويل: تقدّم ١٠٨.
٤ - بكر بن عبد الله المزني: تقدّم ١٠٧.
٥ - أبو رافع الصائغ نفيع بن رافع: تقدّم ١٩١.
٦ - أبو هريرة ﵁: تقدّم ١.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، وهو حديث مشهور بين المحدثين وأهل العلم.
تقدم ما يتعلق به في حديث حذيفة قبله بحديث واحد إلَّا قوله:
стр. 707
(سبحان الله! ) وهو تعجب من إعتقاد أبي هريرة لنجاسته بالجنابة، وهو يدل على جواز التسبيح وهذا التكبير وسائر ألفاظ الذكر عند التعجب، وقد تقدم ذلك في حديث عائشة في صفة غسل الحيض (٢٤٩).
١٧٣ - باب اسْتِخْدَامِ الْحَائِضِ
٢٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ"، فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أُصَلِّي، قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكِ" فَنَاوَلَتْهُ.
• [رواته: ٥]
١ - محمد بن المثنى أبو موسى: تقدم ٨٠.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - يزيد بن كيسان اليشكري أبو إسماعيل ويقال: أبو مُنَينْ -مصغر- الكوفي، روى عن أبي حازم سليمان الأشجعي ومعبد أبي الأزهري، وعنه عبد الواحد بن زياد وابن عيينة وأبو خالد الأحمر وخلف بن خليفة وعلي بن هشام اليزيدي ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن عبيد الطنافسي وآخرون. قال القطان: صالح وسط ليس هو ممن يعتمد عليه، ووثقه النسائي وابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه محله الصدق صالح الحديث، قيل: يحتج به؟ قال: بعض ما يأتي به صحيح وبعض لا، وقال: يحول من كتاب الضعفاء، وقال فيه ابن حبان: يخطئ ويخالف لم يفحش خطؤه حتى يعدل به عن سبيل العدول ولا أتى بما ينكر، فهو مقبول إلَّا فيما يعلم أنه أخطأ فيه، فيترك خطؤه كغيره من الثقات. قال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، ووثقه الدارقطني وأحمد بن حنبل.
٤ - سليمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن مولاته عزة الأشجعية وابن عمر وأبي هريرة والحسن والحسين وابن الزبير وغيرهم، وعنه الأعمش ومنصور وأبو مالك الأشجعي وعدي بن ثابت وفضيل بن غزوان وغيرهم، وثقه
стр. 708
أحمد وابن معين وأبو داود والعجلي وابن سعد وقال: له أحاديث صالحة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. قيل: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
٥ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن الجارود والطيالسي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (بينما) ظرف زيدت في آخره الميم، والأصل: بين؛ لكنهم يشبعون حركة النون فيتولد منها الألف ثم يزيدون الميم عمادًا للألف، وهي على أصلها في الظرفية، أي: في وقت كان في المسجد، وسيأتي الكلام عليها في حديث الإسراء. قوله: (إذ قال: يا عائشة ناوليني الثوب) وفي رواية "الخمرة" أي أعطيني إياها، والخمرة بالضم: ما يختمر به، ومنه خمار المرأة، ويطلق على العمامة كما تقدم في حديث بلال في المسح على العمامة فقال: "إنه مسح على الخمرة" يعني العمامة، وتقدم اشتقاقها. والمراد هنا: ما يسميه الناس اليوم بالسجادة، قيل: إنها سميت خمرة لأنها تخمر الوجه ساعة السجود عليها.
وقولها: (لا أصلي) أي حائض كما صرحت به في الرواية الأخرى، وكنّت عنه لأنه مما يستقبح ذكره. وقوله: (إنه). يعني الحيض المفهوم من قولها: (لا أصلي) لأنه لا يمنعها الصلاة عادة غيره، وصرح به أيضًا في بعض الروايات فقال: "إن حيضتك ليست في يدك"، وظاهر هذا السياق أن أبا هريرة سمع هذا ولعله كان حاضرًا في المسجد.
• الفوائد والأحكام
والحديث فيه ما ترجم له المصنف من استخدام الحائض، وله أدلة أخر مثله تأتي إن شاء الله، وفيه دليل على عدم نجاسة ما لا يلابسه الدم من بدنها، وعلى جواز إدخال الحائض يدها أو طرفًا من أعضائها للمسجد، فإن إخراج العضو أو إدخاله لا يعد دخولًا ولا خروجًا، وَسَيَمُرُّ ما يدل على ذلك إن
стр. 709
شاء الله، وفيه: إستعمال السجادة في المسجد ونحوها.
٢٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنِ الأَعْمَشِ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ" قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ".
• [رواته: ٨]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - عبيدة بن حميد: تقدّم ١٣.
٣ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢.
٤ - جرير بن عبد الحميد: تقدّم ٢.
٥ - الأعمش سليمان: تقدّم ١٨.
٦ - ثابت بن عبيد الأنصاري الكوفي مولى زيد بن ثابت، روى عن مولاه وابن عمر وأنس والبراء وعبد الله بن المغفل وكعب بن عجرة والمغيرة بن شعبة وغيرهم، وعنه الأعمش وحجاج بن أرطاة والثوري ومسعر وعبد الملك بن أبي غنية محمد بن شيبة بن نعامة الضبي وابن أبي ليلى وآخرون. وثقه أحمد والنسائي وفرّق أبو حاتم بين ثابت بن عبيد الأنصاري وبين ثابت مولى زيد بن ثابت، روى عن اثني عشر رجلًا من الصحابة في الإبل، وعنه عبد ربه بن سعيد، قال ابن نقطة: الإبل بخط المؤلف وهو تصحيف صوابه الإيلاء. قال البخاري في تاريخه الكبير: حدثني الأويسي قال: حدثني سليمان عن يحيى بن سعيد عن ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت عن اثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ : الإيلاء لا يكون طلاقًا حتى يوقف، اهـ.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الحربي: من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وفرّق بينهما كما فرّق أبو حاتم الرازي.
٧ - القاسم بن محمد: تقدّم ١٦٦.
٨ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
стр. 710
ثم ذكر طريقًا أخرى لهذا الحديث عن الأعمش وهي:
٢٧٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
وتقدم رواة هذا الطريق كلهم.
١٧٤ - باب بَسْطِ الْحَائِضِ الْخُمْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ
٢٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْبُوذٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ.
• [رواته: ٥]
١ - محمد بن منصور المكي الخزاعي: تقدم ٢١.
٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١.
٣ - منبوذ بن أبي سليمان المكي، يقال: اسمه سليمان ومنبوذ لقبه، روى عن أمه عن ميمونة: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا. . . الحديث، وعن عقبة بن محمد بن الحارث بن نوفل، وعنه ابن جريج وعمر بن سعد بن أبي الحسن النوفلي وابن عيينة. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات قال: ويقال -أي فيه: ابن سليمان، وذكره ابن سعد وقال: كان قليل الحديث.
٤ - أمه أم منبوذ وهي والدة منبوذ بن أبي سليمان، روت عن ميمونة أم المؤمنين بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، وعنها ابنها منبوذ. قال ابن حجر في التقريب: مقبولة من الثالثة.
٥ - ميمونة بنت الحارث ﵂: تقدمت ٢٣٦.
• التخريج
أخرجه أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور.
• الفوائد
تقدم أكثر ما يتعلق به في شرح حديث أبي هريرة في قصة عائشة قبله في
стр. 711
استخدام الحائض، وتقدم في حديث حذيفة أنه استدل به بعض العلماء على أن الحائض لا تقرأ القرآن. وقولها: (تقوم إحدانا إلخ) لا يدل على أنها تدخل المسجد ولكنها تقوم على باب المسجد وهو باب الحجرة فتبسط الخمرة في المسجد وهي خارجة عنه. وفيه: أن إدخال بعض البدن لا يكون مثل إدخاله كله، وتقدم ذلك. وهو مما يستدل به بعض الفقهاء في اليمين: على أن الحالف لا يدخل مكانًا أو لا يخرج منه؛ لا يحنث ببعض البدن، والله أعلم.
١٧٥ - باب الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ
٢٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَأْسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ.
• [رواته: ٦]
١ - إسحاق بن إبراهيم: تقدّم ٢.
٢ - علي بن حجر السعدي: تقدّم ١٣.
٣ - سفيان بن عيينة: تقدّم ١.
٤ - منصور بن عبد الرحمن: تقدّم ٢٥١.
٥ - أمه صفية بنت شيبة: تقدّمت ٢٥١.
٦ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم لكن بلفظ: في حجري، وأخرجه ابن ماجه وابن الجارود.
١٧٦ - باب غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا
٢٧٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 712
يُومِئُ إِلَيَّ رَأْسَهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
• [رواته: ٧]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدّم ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - سفيان بن عيينة: تقدّم ١.
٤ - منصور بن المعتمر: تقدّم ٢.
٥ - إبراهيم بن يزيد النخعي: تقدّم ٣٣.
٦ - الأسود بن يزيد: تقدّم ٣٣.
٧ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
قولها: (يومئ إلي رأسه) أي يجه إليّ، وكانت تكون في حجرتها وباب الحجرة هو باب المسجد. وفيه: غسل الحائض رأس زوجها وكذلك غير الحائض، وفي بعض الروايات أنه يفعل ذلك وهو معتكف في المسجد، فيدل على ما تقدم من أن خروج بعض البدن لا يعد خروجًا، وفيه: الإعتناء بغسل الشعر وكذا ترجيله ودهنه، وله أدلة أخرى. وفيه: ما تقدم من مماسة الحائض واستخدام الزوجة في هذا ونحوه.
٢٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَذَكَرَ آخَرُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن سلمة المرادي: تقدم ٢٠.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩.
٣ - عمرو بن الحارث بن يعقوب: تقدم ٧٩.
٤ - أبو الأسود يتيم عروة محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي أبو الأسود المدني، يتيم عروة
стр. 713
لأن أباه كان أوصى عليه، كان جده الأسود من مهاجرة الحبشة، روى عن عروة وعلي بن الحسين وسليمان بن يسار وسالم مولى شداد وسالم مولى ابن عمر وغيرهم، وعنه الزهري وهو من أقرانه ويزيد بن قسيط ومات قبله وابن إسحاق ومالك وعمرو بن الحارث وأبو ضمرة أنس بن عياض الليثي وشعبة وغيرهم. قال ابن لهيعة: قدم مصر سنة ١٣٦، وقال أبو حاتم: ثقة فقيل له: يقوم مقام الزهري وهشام بن عروة؟ فقال: ثقة، وكذا قال النسائي وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر: وزعم أنه توفي سنة ١١٧، قال: وهذا وهم لا مرية فيه، والأشبه أن يكون من سقم النسخة وكأنها كانت سبعًا وثلاثون، وقيل: مات سنة ١٣١. قال الواقدي: مات آخر سلطان بني أمية، قال ابن سعد: ليس له عقب، وكان كثير الحديث ثقة، وقال أحمد بن صالح: هو ثبت له شأن، وذكر ابن البرقي: لا يعلم له رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنه يتحمل ذلك.
٥ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• بعض ما يتعلق به
قولها: (يُخرج إليَّ رأسه) يوضح المراد في الرواية الأولى بقولها: (يومئ) فإن الأصل في الإيماء الإشارة، فبيّنت هذه الرواية أن مرادها به إخراج الرأس إليها.
وقولها: (وهو مجاور) أي معتكف كما توضحه الرواية الأخرى المصرحة بذلك.
وقولها: (أغسله) وفي رواية (أنها ترجله) ولا معارضة بينهما، فإنها كانت تجمع بين الأمرين في وقت واحد، أو تفعل هذا أحيانًا والآخر أحيانًا. وفيه غير ما تقدم: جواز غسل المعتكف رأسه وترجيله في معتكفه، لكن يكون رأسه خارج المسجد.
٢٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.
стр. 714
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - هشام بن عروة: تقدم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
ذكر المصنف للحديث طريقين: إحداهما عن قتيبة عن مالك، والأخرى علي بن شعيب عن معن عن مالك عن الزهري.
٢٧٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ ح وَأَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلَ ذَلِكَ.
رجاله تقدموا إلا الثاني وهو علي بن شعيب.
١ - علي بن شعيب بن عدي السمسار القزاز البزار أبو الحسن البغدادي طوسي الأصل، روى عن أبي النضر هاشم بن القاسم وأبي ضمرة وحجاج بن محمد وعبد الله بن نمير وعبد المجيد بن أبي داود، ومعن بن عيسى القزاز وعبد الوهاب الخفاف وغيرهم، وعنه النسائي وروى أيضًا عن عمر البغدادي الحافظ عنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا وأحمد بن علي الأبار والقاسم بن المطرز وابن جرير والباغندي والبغوي وابن صاعد والسراج والحسين بن إسماعيل المحاملي وآخرون، قال النسائي والخطيب: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان راويًا لمعن بن عيسى السراج، مات في شوال سنة ٢٥٣، وقال البغوي: سنة ٢٦١ وهو وهم. قال ابن حجر: قال مسلمة: كان ثقة كثير الحديث، وذكر ابن حجر قول ابن شاهين فيه وفي رزق الله بن موسى أنهما ثقتان جليلان.
وبقية الرواة تقدموا كما تقدم.
١٧٧ - باب مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَالشُّرْبِ مِنْ سُؤْرِهَا
٢٧٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ
стр. 715
عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُرَيْحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلْتُهَا: هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَهِيَ طَامِثٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونِي فَآكُلُ مَعَهُ وَأَنَا عَارِكٌ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ فُيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ، فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنَ الْعَرْقِ، وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، فَآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ أَضَعُهُ فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنَ الْقَدَحِ.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - يزيد بن المقدام بن شريح بن هانئ الحضرمي الحارثي الكوفي، روى عن أبيه، وعنه أحمد بن يعقوب المسعودي وأبو توبة وقتيبة ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم، قال أبو داود والنسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين: ليس به بأس، وضعفه عبد الحق وردَّ عليه القطان وقال: لا أعلم أحدًا قال فيه ذلك، وهو كما قال.
٣ - المقدام بن شريح: تقدم ٨.
٤ - شريح بن هانئ: تقدم ٨.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بأطول من رواية المصنف، وابن حبان في صحيحه وأشار له الترمذي إلَّا أنه ليس عند أحد منهم قولها: (كان يأخذ العرق فيقسم علي) وهي زيادة تبين السبب في كونها تتقدم عليه في الأكل والشرب.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (سألتها هل تأكل المرأة) التقدير سألتها، فقلت لها: هل تأكل إلخ.
стр. 716
وقوله: (وهي طامث) الطامث هي الحائض، والطمث: من أسماء الحيض، قيل: إن أصله الجماع بالتدمية وهو الإفتضاض، يقال طمثها يطمثها ويطمثها بالكسر وبالضم: افتضها. قال الفرزدق:
دفعن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
أي أبكارًا لم يفتضضن، ولهذا قال بعده توضيح هذا البيت:
فبتن بجانبي مصرَّعات ... وبتُّ أفضُّ أغلاق الختام
وبهذا المعنى جاءت قراءة الأكثرين ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. وطمثت المرأة تطمث من باب نصر وسمع: إذا حاضت فهي طامث بدون تاء، والطمث أيضًا الفساد قال عدي بن زيد العبادي:
طاهر الأثواب يحمي عرضه ... من خنا الذمة أو طمث العطن
وجملة: (وهي طامث) حالية.
وقولها: (نعم) تقدم أنها حرف جواب.
وقولها: (يدعوني فآكل) الفاء عاطفة.
وقولها: (وأنا عارك) عركت المرأة تعرك عركًا وعراكًا وعروكًا بالضم: حاضت، وخصه اللحياني بالجارية، والجمع عوارك، قالت الخنساء بنت عمرو السلمية:
لا نوم أو تغسلوا عارًا أظلكم ... غسل العوارك حيضًا بعد أطهار
وقالت هند بنت عتبة ﵂:
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
ومما يدل على عدم اختصاصه بالجارية قول حجر بن جليل:
فغرت إلى النعمان لما رأيته ... كما فغرت للحيض شمطاء عارك
وفيه: دليل أيضًا على أن الوصف منه بدون تاء كما تقدم. وتقدم معنى العرق.
وقولها: (يقسم علي فيه) أي يحلف في شأنه أي لتأكلنَّ منه، وبقية الألفاظ تقدم شرحها.
стр. 717
• الأحكام والفوائد
فيه: دليل على طهارة فم الحائض وريقها وسائر بدنها، وقد تقدم ذلك غير مرة -ماعدا محل الدم، وطهارة سؤرها وجواز مؤاكلتها ومشاربتها، وهذا يدخل في عموم قوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلَّا الجماع". وفيه: ذكر كرم خلق النبي ﷺ ، وجواز بل استحباب مداعبة الزوجة وإدخال السرور عليها بمثل هذا، ويدل لذلك قوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص المشهور: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلَّا أجِرْتَ عليها حتى ما تجعله في فِي امرأتك، أي: حتى مداعبتك للزوجة بجعل الطعام في فمها، هكذا فسره جماعة. وفيه: فضيلة ومنقبة عظيمة لعائشة ومقدار حب الرسول ﷺ لها، وتقدم أن الزيادة التي عند المصنف فيها بيان عذرها في تقدمها عليه في الأكل والشرب وهي قولها: فيقسم علي فيه، أي يحلف عليها لتأكلن قبله وتشربن، وفيه: جواز حلف الرجل على زوجته في مثل هذا.
٢٨٠ - أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ فَاهُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشْرَبُ مِنْهُ فَيَشْرَبُ مِنْ فَضْلِ سُؤْرِي وَأَنَا حَائِضٌ.
• [رواته: ٥]
١ - أيوب بن محمد الوزان: تقدم ٣٢.
٢ - عبد الله بن جعفر بن غيلان الرَّقي أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم، روى عن عبيد الله بن عمرو وأبي المليح الحسن بن عمر الرقي وعبد العزيز الدراوردي ومعمر بن سليمان ويوسف بن أعين وغيرهم، وعنه أحمد بن إبراهيم الدورقي وأبو الأزهر النيسابوري وإسماعيل بن عبد الله الرقي وأيوب الوزان والدارمي وآخرون. وثَّقه أبو حاتم وابن معين والعجلي وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير، وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة ١١٦، وتغير سنة ١١٨ ومات سنة ١٢٠، وذكره ابن حبَّان في الثقات قال: ولم يكن اختلاطه فاحشًا، ربما خالف.
стр. 718
٣ - عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي، روى عن عبد الملك بن عمير وعبد الله بن محمد بن عقيل ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش ومعمر وغيرهم، وعنه بقية وعبد الله بن جعفر الرقي وزكريا بن عدي وأحمد بن عبد الملك الحراني والعلاء بن هلال الباهلي وآخرون. وثَّقه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة صدوق لا أعرف له حديثًا منكرًا، هو أحب إلي من زهير بن محمد. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث وما أخطأ، وكان أحفظ من روى عن عبد الكريم الجزري، ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، مات بالرقة سنة ١٨٠، ويقال: إن مولده سنة ١٠١، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان راويًا لزيد بن أبي أنيسة، روى عنه أهل الجزيرة. مات سنة ١٨٠ وله ٧٦ سنة، ووثقه العجلي وابن نمير.
٤ - الأعمش سليمان بن مهران: تقدم ١٨.
وبقية الثلاثة تقدمت أرقامهم في الحديث الذي قبله.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما، وتقدم تخريجه في الرواية الأولى لأن هذه رواية لحديث عائشة السابق.
١٧٨ - باب الإنْتِفَاعِ بِفَضْلِ الْحَائِضِ
٢٨١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاوِلُنِي الإِنَاءَ فَأَشْرَبُ مِنْهُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُعْطِيهِ فَيَتَحَرَّى مَوْضِعَ فَمِي فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ.
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن منصور بن الجواز الخزاعي: تقدم ٢١.
٢ - سفيان بن عيينة الهلالي: تقدم ١.
٣ - مسعر بن كدام: تقدم ٨.
стр. 719
بقية الثلاثة في حديث عائشة، هذا لأن هذه رواية ثالثة له.
٢٨٢ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ.
تقدموا في الروايات التي قبل هذه، إلا محمود بن غيلان تقدم (٣٧) ووكيع بن الجراح تقدم (٢٥).
١٧٩ - باب مُضَاجَعَةِ الْحَائِضِ
٢٨٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَأَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ.
• [رواته: ١٠]
١ - إسماعيل بن مسعود الجحدري: تقدّم ٤٧.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدّم ٤٧.
٣ - هشام بن سنبر وهو ابن عبد الله: تقدّم ٢٥.
٤ - عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد أبو قدامة اليشكري: تقدّم ١٥.
٥ - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي: تقدّم ٢.
٦ - معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي: تقدّم ٣٤.
٧ - يحيى بن أبي كثير الطائي أبو نصر اليمامي: تقدّم ٢٤.
٨ - أبو سلمة بن عبد الرحمن: تقدم ١.
٩ - زينب بنت أبي سلمة: تقدمت ١٨٢.
стр. 720
١٠ - أمها أم سلمة ﵂: تقدمت ١٨٣.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه والدارمي.
• اللغة والإعراب والمعنى
قولها: (بينما) تقدم أن تفسيرها: أي في وقت من الأوقات، وأنها بين الظرفية تشبع فتحة النون فيتولد منها الألف ثم تزاد الميم، وقبل زيادتها تكون بينا فإذا زيدت صارت بينما، وتقدم أنها لا تختلف عن أصلها.
وقولها: (خميلة) هذه رواية الأكثرين، وعند البخاري من رواية المكي بن إبراهيم "خميصة" بدل "خميلة"، وذكر ابن حجر أنه انفرد بها عن أصحاب هشام، وكذا عن أصحاب يحيى فكلهم رووه خميلة بالخاء المعجمة واللام بدل الصاد، والخميلة: القطيفة وقيل: الطنفسة، وقال الخليل: ثوب له خمل أي هدب، وأما الخميصة فهي كساء أسود له أعلام من صوف أو غيره. وعلى أن الخميلة ثوب له هدب؛ فقد يجمع بين الروايتين بأنها ثوب له هدب سمّي خميلة وخميصة لصدق كل واحد من الإسمين عليه.
وقولها: (انسللت) بلامين الأولى مفتوحة، أي: خرجت برفق في خفية.
وقولها: (حيضتي) يجوز فيه فتح الحاء وكسرها، ورجّح فيه النووي الكسر وجزم به الخطابي، ومعنى ذلك أنها أرادت الهيئة أي: أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حال حيضتي. وذكر ابن حجر أنه روى الحديث بالوجهين، ورجح القرطبي الفتح محتجًا بما جاء في بعض روايات الحديث: حيضي -بدون تاء، والحيضة بالفتح هي الحيض، فيكون المعنى: ثيابي التي ألبسها زمن الحيض.
وقوله: (نفست) أصل النفس الدم، قال الخطابي: فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس، فقالوا في الحيض: نفست بفتح النون، وفي النفاس بضمها، وذكر ابن حجر: إن هذا الذي قاله الخطابي قول كثير من أهل اللغة، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي: يقال: نفست المرأة بضم النون في الحيض والنفاس، وذكر أنه ثبت في روايته للحديث -أعني ابن حجر- بضم النون وفتحها.
стр. 721
• الأحكام والفوائد
الحديث: فيه دليل على ما ترجم له المصنف وهو جواز مضاجعة الحائض، وفيه: استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا تلبسها وقت الحيض، غير ثيابها التي تلبسها في أوقاتها الأخر، وفيه: المحافظة على الطهارة، وفيه: سؤاله لها عما يستنكره من حالها، وسؤالها عن حيضها وعدمه مما يطرأ عليها من الأحوال، وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ، وفيه: اضطجاع الرجل مع امرأته في ثوب واحد كما سيأتي، وفيه: تأدب المرأة مع زوجها ومحافظتها على عدم الإساءة عنده، أو إطلاعه على ما لا يحب منها.
٢٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ خِلَاسًا يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا طَامِثٌ أَوْ حَائِضٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَىْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَإِنْ أَصَابَهُ شَىْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ.
• [رواته: ٥]
١ - محمد بن المثنى: تقدم ٨٠.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدم ٤.
٣ - جابر بن صبح الراسبي أبو بشر البصري جدُّ سليمان بن حرب لأمه، روى عن خلاص الهجري والمثنى بن عبد الرحمن الخزاعي وأم شراحيل وغيرهم، وعنه شعبة والقطان وعيسى بن يونس وأبو الجراح المهري وأبو مسعر البراء. وثقه ابن معين والنسائي، وفضّله ابن معين على المهلب بن أبي حبيبة، وقال ابن حجر: فضله يحيى بن سعيد عليه، ذكر ذلك البخاري وذكر مثل ذلك على ابن المديني عن القطان. قال الأزدي: لا تقوم بحديثه حجة، وذكره ابن حبان في الثقات.
قلت: لم يبين الأزدي وجه الطعن فيه، والذين وثقوه هم الأئمة في هذا الشأن.
٤ - خلاص بن عمرو الهجري: تقدم ٥٧.
стр. 722
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه أبو داود وأحمد الدارمي والبيهقي، وتقدم ما يتعلق به من حيث اللغة. وقولها: (لم يَعْدهُ) أي لم يتجاوز في الغسل المحل الذي أصابته النجاسة، ففيه: غسل ما أصاب الثوب من دم الحيض والصلاة فيه بعد ذلك، كالحال في الثياب مع سائر النجاسات ولا فرق بين ثوب المرأة وثوب الرجل، وفيه: مضاجعة الرجل لامرأته وهي حائض، وسيأتي ذلك في الذي بعده، وقولها: (لم يَعْدهُ) مجزوم فلهذا حذفت الواو منه لأن أصله يعدو.
١٨٠ - باب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ
٢٨٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ إِزَارَهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - أبو الأحوص سلام بن سليم: تقدّم ٩٦.
٣ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله: تقدّم ٤٢.
٤ - عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الهمداني الكوفي، روى عن عمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وسلمان وقيس بن سعد بن عبادة ومعقل بن مقرن المزني وعائشة والنعمان بن بشير ﵁ وغيرهم، وعنه أبو وائل وأبو إسحاق السبيعي وأبو عمار الهمذاني والقاسم بن مخيمرة ومحمد بن المنتشر ومسروق وهو من أقرانه وغيرهم. قال أبو وائل: ما اشتملت همدانية على مثل أبي ميسرة، قيل له: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق. وعن إسرائيل، أن أبا ميسرة كان إذا أخذ عطاءه تصدق منه، فإذا جاء إلى أهله فعدّوه وجدوه كاملًا. قيل: مات في ولاية ابن زياد، وقيل: مات قبل أبي جحيفة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من العبّاد وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة، مات في
стр. 723
الطاعون قبل أبي جحيفة سنة ٦٣، وعن مسروق: ما بالكوفة أحب إلي أن أكون في مسلاخه من عمرو بن شرحبيل، ووثقه ابن معين.
٥ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وابن ماجه، وعند الترمذي بلفظ: "يأمرني أن أتزر"، وكذا لابن الجارود والدارمي.
• ما يستفاد من الحديث
فيه دليل على جواز مضاجعة الرجل لامرأته وهي حائض، وأنه لا يضاجعها إلا بعد أن تتزر بمعنى تشد عليها ثوبًا -ولو بغير اسم الإزار كالسراويل ونحوها- على ما تحت السرة منها خشية الوقوع في المحظور، لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. فالإستمتاع بسائر بدن الحائض جائز إلا الوطء وما يجر إليه أو ما هو معلوم التحريم بالضرورة وهو الإتيان في الدبر، فإنه محرّم مع الحيض والطهر، وسيأتي قول عائشة في تحديد ما تجعله المرأة عليها عند مضاجعة زوجها لها وهي حائض في قولها: "يبلغ أنصاف الفخذين"، وكذا في حديث ميمونة الآتي بعد هذا بحديث.
٢٨٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا حَاضَتْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
• [رواته: ٦]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وهو ابن راهويه: تقدّم ٢.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدّم ٢.
٣ - منصور بن المعتمر: تقدّم ٢.
٤ - إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي: تقدّم ٣٣.
٥ - الأسود بن يزيد: تقدّم ٣٣.
٦ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
стр. 724
٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَاللَّيْثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ بُدَيَّةَ -وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ: نَدَبَةَ مَوْلَاةُ مَيْمُونَةَ- عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ". فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: مُحْتَجِزَةً بِهِ.
• [رواته: ٨]
١ - الحارث بن مسكين: تقدّم ٩.
٢ - عبد الله بن وهب: تقدّم ٩.
٣ - يونس بن يزيد الإيلي: تقدّم ٩.
٤ - الليث بن سعد: تقدّم ٣٥.
٥ - ابن شهاب الزهري: تقدّم ١.
٦ - حبيب مولى عروة الأعور المدني، روى عن عروة وأمه أسماء بنت أبي بكر وندبة مولاة ميمونة، وعنه الزهري وعبد الواحد بن ميمون مولى عروة وأبو الأسود يتيم عروة والضحاك بن عثمان. قال ابن سعد: مات قديمًا في سلطان بني أمية وكان قليل الحديث، روى له مسلم حديثًا واحدًا: أيُّ العمل أفضل، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ، وإن لم يكن هو ابن هند بن أسماء فلا أدري من هو.
٧ - ندبة ويقال: ندنة ويقال: ندية؛ مولاة ميمونة، روت عن مولاتها، وعنها حبيب الأعور مولى عروة بن الزبير، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: يقول أهل الحديث نَدَبة بفتح الدال، وقال أهل اللغة: ندْبة بإسكان الدال. قال ابن حجر: ذكرها أبو نعيم وابن منده في الصحابة.
٨ - ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ : تقدّمت ٢٣٦.
تقدّم ما يتعلّق بالحديث في الحديثين المتقدّمين من حديث عائِشة ﵂. وقولها: (محتجزة به) أي تجعله على حجزتها وهي محل الإزار، فهو كقولها: متزرة.
стр. 725
١٨١ - تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾
٢٨٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَلَمْ يُشَارِبُوهُنَّ وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآيَةَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ وَيُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهِنَّ كُلَّ شَىْءٍ مَا خَلَا الْجِمَاعَ.
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم: تقدّم ٢.
٢ - سليمان بن حرب بن بجيل الواشحي بشين معجمة وحاء مهملة، وواشح من الأزد، أبو أيوب البصري سكن مكة وكان قاضيها، روى عن شعبة وطلحة بن مصرف ووهب بن خالد وحوشب بن عقيل والحمادين ويزيد بن إبراهيم التستري وغيرهم، وعنه البخاري وأبو داود والباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة وأبي داود سليمان بن معبد السبخي وأحمد بن سعيد الدارمي وإسحاق بن راهويه وجماعة غيرهم، وحدث عنه يحيى القطان وهو أكبر منه والحميدي ومات قبله ومحمد بن سعد كاتب الواقدي ويوسف بن موسى القطان وعثمان بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وجماعة غيرهم، وآخر من حدث عنه الفضل بن الحباب الجمحي. قال أبو حاتم: إمام من الأئمة، كان لا يدلس ويتكلّم في الرجال وفي الفقه، وقد ظهر من حديثه نحو من عشرة الآف وما رأيت في يده كتابًا قط. قال: وكان قلَّما يرضى عن شيخ، فإذا رأيته روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة.
قال سليمان بن حرب: طلبت العلم سنة ١٥٨ ولزمت حماد بن زيد ١٩ سنة. ولي قضاء مكة سنة مائتين وأربع عشرة ٢١٤، بإشارة يحيى بن أكثم على المأمون بذلك وعزل عنها سنة ٢١٩. قال الخطيب: كان يروي الحديث على المعنى فيغير ألفاظه، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا صاحب حفظ، ووثقه
стр. 726
ابن خراش. قال النسائي: ثقة مأمون، ولد سنة ١٤٠ ومات سنة ٢٢٤، وقيل: ٢٢٣، وقيل: ٢٢٧، والصحيح الأول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن خراش: ثقة مأمون، قال فيه الزهرة: روى له البخاري ١٢٧ حديثًا.
٣ - حماد بن سلمة بفتح اللام بن دينار البصري أبو سلمة مولى تميم ويقال: مولى قريش وقيل غير ذلك، روى عن ثابت البناني وقتادة وخاله حميد الطويل وإسحاق بن عبد الله بن طلحة وأنس بن سيرين وأبي الزبير وعمرو بن دينار وغيرهم، وعنه ابن جريج والثوري وشعبة وهم أكبر منه، وابن المبارك وابن مهدي والقطان وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وسليمان بن حرب وأبو سلمة التبوذكي وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر، وقال أيضًا: الحمادان ما منهما إلا ثقة، وعن أحمد أيضًا أنه أسند أحاديث عن أيوب لا يسندها الناس عنه، وقيل فيه: إنه أعلم الناس بحديث حميد الطويل وهو خاله كما تقدّم، ووثقه ابن معين وقال: من خالف حماد بن سلمة في حديث ثابت فالقول قول حماد. قال ابن المديني: إنه أثبت أصحاب ثابت، وقال ابن مهدي: أحسن ملكة نفسه ولسانه فلم يطلقه على أحد حتى مات، ووثقه العجلي والنسائي وابن سعد وقال: كان كثير الحديث. قال الساجي: كان حافظًا ثقة مأمونًا، وقال ابن المديني: من تكلّم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين، وثناء الأئمة عليه كثير، مات سنة ١٦٧.
٤ - ثابت البناني: تقدّم ٥٣.
٥ - أنس بن مالك: تقدّم ٦.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وأحمد.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كانت اليهود) أي مما كانوا يفعلونه من الفعل، يحتمل أن يكون عادة لهم مما أحدثوه في الدين، ويحتمل أن ذلك كان في شرعهم إلا أنه نسخ في شرعنا.
стр. 727
وقوله: (إذا حاضت المرأة)، تقدّم الكلام على كل من (إذا)، و (حاضت) فلا معنى للإعادة.
قوله: (لم يؤاكلوهن)، وفي رواية: "لم يؤاكلوها" بالإفراد، لأن اسم المرأة مفرد ولكنه اسم جنس فلهذا جاء اللفظ النبوي بالجمع، والمؤاكلة مفاعلة من الأكل بمعنى الإشتراك فيه في وقت واحد وإناء واحد وكذا المشاربة. وأما المجامعة فهي تكون بمعنى المفاعلة من الجماع وهو النكاح، وتكون بمعنى المجالسة والإشتراك في الجلوس في مكان واحد كالمعاشرة والمؤانسة والمحادثة ونحو ذلك، ولهذا قال: (في البيوت)، وهذا هو المراد هنا أي المجامعة بمعنى المخالطة في الجلوس في المكان ونحوه، وليس المراد المعنى الذي هو الجماع لأنه قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وقال ﷺ : ما خلا الجماع. وجملة (لم يؤاكلوها) إلخ واقعة في خبر كان، وهي جواب الشرط سد أحدهما عن الآخر.
وقوله: (فسألوا النبي ﷺ ) أي سأله الصحابة عن حكم ذلك في الإسلام، والسائل أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر الأنصاريان.
وقوله تعالى: (﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾) قيل: الدم، وقوله تعالى: ﴿في المحيض﴾ المراد: وقت الحيض أو نفس الدم -وليس بالقوي - أو الحيض الذي هو سيلان الدم، لأن الثلاثة مشتركة في لفظ المحيض لغة.
وقوله: (﴿أَذًى﴾) والضمير في قوله: هو أذي راجع إلى الدم إن فسر المحيض في قوله: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) بالدم، فالضمير راجع إلى المسؤول عنه، والأذى: الشيء المستقذر الذي يتأذى به الإنسان، ومطلق الأذى أعم، واستدل به على استقذاره بالشرع كما هو مستقذر بالطبع، وقد ثبتت السنة بنجاسته ووجوب غسله عند إرادة الصلاة كما سيأتي إن شاء الله. وتقدّم في حديث عائشة (٢٨٢) أنها قالت: "إن النبي ﷺ كان إذا أصابه شيء منها وهي حائض غسله ثم لا يعدوه".
وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الإعتزال الإنفراد عن الشيء والإبتعاد وليس المراد هنا ظاهره، ببيان السنة كما هنا في قوله: إنهم يصنعون كل شيء ما خلا الجماع، بل المراد اعتزال المحل المخصوص الذي هو محل خروج
стр. 728
الدم، ولو أريد الظاهر من اعتزال النساء لكان كفعل اليهود الذي هو نزل القرآن ونطقت السنة بالأمر بمخالفتهم فيه، ولهذا قال: "اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح" كما تقدّم، وكل شيء أي مما يتلذذ به من المرأة ومخالطتها ما عدا النكاح، فَبَيَّنَ الرسول ﷺ مراد الرب بالإعتزال في الآية بذلك فَتعين حملها عليه. وهذه الرواية مختصرة من الرواية الآتية، وسيأتي الكلام على فوائد الحديث وأحكامه، وأما الزيادة التي في الرواية الثانية فسنتكلّم عليها إن شاء الله في محلها.
• الأحكام والفوائد
الحديث: دل على تحريم الوطء في وقت الحيض وكذا الآية الكريمة، وجواز ما سواه من التلذذ، أما تحريم الوطء فهو بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وسيأتي الخلاف في الحديث التالي في وجوب الكفارة فيه، وذلك في حق من فعله وهو يعلم حرمته وعالم به في وقت الوطء، ومن فعله ناسيًا أو جاهلًا للحكم أو لأنها حائض وقت الوطء وأحرى لو كان مكرهًا؛ فلا شيء عليه في ذلك كله، أما من فعله مستحلًا له بعد العلم بتحريمه، فهو كافر لأنه كذب القرآن والسنة وإجماع الأمة وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإن تعمد مع اعتقاد الحرمة فقد نص الشافعي على أنه فعل كبيرة يجب عليه منها التوبة والإستغفار. وأما المباشرة من فوق الإزار فقد تقدّمت قريبًا في الأحاديث المصرحة بجوازها، وقد ذكر غير واحد من العلماء الإجماع على جوازها لصحة الأحاديث المصرحة بذلك كما تقدّم، إلا ما نقل عن عبيدة السلماني أنه قال: لا يباشر شيئًاً منها بشيء منه. قال النووي ﵀: وهذا غير معروف ولا مقبول، ولو صح لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين قبل المخالف. وهذا فيما فوق السرة وتحت الركبة، أما ما بين الركبة والسرة فالجمهور على عدم جوازه سدًا للذريعة، وقد نسب القول بذلك لمالك وأبي حنيفة وابن المسيب وقتادة وشريح وسليمان بن يسار وطاوس وهو الأشهر عند الشافعية، وربما تمسكوا بقول عائشة: "أيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه؟ " فهذا تعليل أو كالتعليل لكونه كان يباشر من فوق الإزار، وهذا يصلح دليلًا للقول الثالث في المسألة كما سيأتي. وقال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وداود
стр. 729
الظاهري والثوري والأوزاعي وابن المنذر وأبو ثور ومحمد بن الحسن وأصبغ والنخعي والحكم: بجواز المباشرة فوق الإزار فيما بين الركبة والسرة، لقوله السابق: "اصنعوا كل شيء ما عدا الجماع".
قلت: وهذا القول أسعد بموافقة الأدلة من ظواهر الأحاديث وفعل النبي ﷺ .
والقول الثالث: بالجواز لمن علم أنه يملك نفسه لضعف شهوته من كبر أو مرض أو عجز طبيعي، وهو الذي تقدّم أنه يصلح الاستدلال له بحديث عائشة: أيكم يملك إلخ.
١٨٢ - باب مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَتَى حَلِيلَتَهُ فِي حَالِ حَيْضَتِهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهْي اللَّهِ عَنْ وَطْئِهَا
٢٨٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ.
• [رواته: ٧]
١ - عمرو بن علي الفلاس: تقدّم ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦.
٤ - الحكم بن عتيبة: تقدّم ١٠٤.
٥ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي أبو عمر المدني، استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقيل: إنه من أهل الجزيرة وأمه من بني البكاء بن عامر، روى عن أبيه وابن عباس وأرسل عن حفصة ﵂، وروى عن محمد بن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل وغيرهم، وعنه أولاده زيد وعبد الكبير وعمر الزهري وقتادة وزيد بن أبي أنيسة والحكم بن عتيبة وجماعة. كان أبو الزناد كاتبًا له، وثقه النسائي والعجلي وابن خراش وأبو بكر بن أبي داود وزاد:
стр. 730
مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات. مات في خلافة هشام.
٦ - مقسم مولى ابن عباس ابن بحرة ويقال: ابن نجدة أبو القاسم ويقال: أبو العباس مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى ابن عباس للزومه له، روى عن ابن عباس وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعائشة وأم سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص وخفاف بن إيماء بن رحضة ومعاوية وعبد الله بن شرحبيل وغيرهم، وعنه ميمون بن مهران والحكم بن عتيبة وخصيف وعبد الكريم الجزري وعبد الملك بن ميسرة وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد وآخرون. قال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ضعيفًا، وقال الساجي: في بعض روايته، وقال البخاري في التاريخ الصغير: لا يعرف لمقسم عن أم سلمة سماع ولا ميمونة ولا عائشة، وقال أحمد بن صالح المصري: ثقة ثبت لا شك فيه، ووثقه العجلي والدارقطني، وذكره البخاري في الضعفاء ولم يذكر فيه قدحًا، بل ساق حديث شعبة عن الحكم عن مقسم في الحجامة وقال: الحكم لم يسمعه منه، وقال ابن حزم: ليس بالقوي، وقال أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وزاد صاحب التهذيب حديثًا خامسًا، ذكر ذلك في ترجمة الحكم.
٧ - عبد الله بن عباس ﵄: تقدّم ٣١.
• التخريج
أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وابن الجارود وابن ماجه والدارقطني، وقد صحّحه الحاكم وابن القطان وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم. قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم. قال أبو داود: ربما لم يرفعه شعبة، وقال ابن حجر: الإضطراب في سنده ومتنه كثير جدًا، وأجاب عنه بما أجاب به ابن القطان، ينظر إلى رواية كل راو على انفراده، فإن صح عنه قبل، ثم أخذ يصحح بما يطول ذكره. قال ابن حجر: وأكثر أهل العلم زعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس، قال الخطابي: الأصح أنه متصل مرفوع لكن الذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها. قال ابن حجر ﵀: أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث، وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقوّاه في الإلمام. قال الشوكاني: وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه
стр. 731
من الإختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة وحديث القلتين.
قلت: هذا لا يوجب الإحتجاج به إلا على من احتج بما ذكر، وقد تقدّم الخلاف في ذلك فليس الإحتجاج به متفقًا عليه حتى يلزم بمثله، وقد ذكر النووي في شرح المهذب وغيره أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع النووي ابن الصلاح في بعض ما قاله ابن الصلاح. وقد تقدّم قول أحمد فيه، وخالف الشوكاني أيضًا فيه قول النووي ومال إلى تصحيحه.
• الأحكام والفوائد
الحديث: استدل به من أوجب الكفارة على من وطئ امرأته في الحيض، وهو منسوب إلى ابن عباس والحسن البصري وقتادة والأوزاعي، ورواية عن أحمد ورواية عن الشافعي في القديم وقال به إسحاق بن راهويه. لكنهم اختلفوا في قدر الكفارة فبعضهم قال: عتق رقبة وهو قول الحسن وسعيد، والباقون قالوا: إما دينار أو نصف دينار، وبعضهم جعل ذلك على الشك في مقدارها، وبعضهم رد ذلك إلى الفرق بين أول الدم وآخره، أو إلى حالة الدم في الكثرة والقلة واحتجوا بهذا الحديث، وأجابوا عن الاختلاف في رفعه ووقفه بأن الذين رفعوه أجلّ وأكثر، وقال جماعة آخرون: من فعل ذلك فقد ارتكب ذنبًا إما كبيرة كما قال الشافعي، أو دون ذلك فيلزمه التوبة والإستغفار ولا كفارة عليه، وهو قول جمهور العلماء منهم الزهري ومكحول وعطاء والشعبي والنخعي وابن أبي مليكة وأبي الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني ومالك وأبي حنيفة، والأصح عن الشافعي ورواية عن أحمد وهو قول الثوري والليث بن سعد وجمهور السلف، وأجابوا عن الحديث بما تقدّم والأصل براءة الذمة. والحاصل أنه ليس في المسألة إلا هذا الحديث، فمن رآه صحيحًا تقوم به الحجة عنده عمل به، ومن أعله بالإضطراب أو رأى أن الخلاف مانع من الخروج عن البراءة الأصلية، وأكد ذلك بعدم الإتفاق على الواجب فيه؛ لم يقل بمقتضاه.
تنبيه:
واختلفوا أيضًا هل يجوز وطء المرأة إذا انقطع حيضها ورأت علامة الطهر قبل أن تغتسل؟ ، فذهب مالك وأهل المدينة وجمهور العلماء إلى أنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، وهذا قول عامة أهل العلم ماعدا أبا حنيفة
стр. 732
وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا انقطع الدم بعد عشرة أيام جاز له وطؤها قبل الغسل، وإن انقطع قبل ذلك لم يجز. احتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فعلّق الحكم على الأمرين وهما انقطاع الدم وذلك قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ في قراءة التخفيف فهو انقطاع الدم، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وتطهرن تفعّلن أي استعملن المطهر الذي هو الغسل بالماء، وهذا عندهم بمثابة قول الله في حق اليتيم: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فجعل إيناس الرشد شرطًا زائدًا على بلوغ النكاح، وعلّق الحكم على مجموع الأمرين. ونظيره: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فعلّق الحكم على نكاح الزوج، ثم بيّن ﷺ أنه لابد من الوطء مع النكاح، ومع ذلك لا تحل حتى يطلّقها الثاني بعد الوطء.
واحتج أبو حنيفة: بالغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وقال: إن يطهرن هاهنا وتطهرن بمعنى واحد، والمراد بهما انقطاع الحيض، فالأول: انقطاعه لأقل من عشرة، فلا توطأ خشية أن يعود عليها الدم حتى تغتسل، والثاني: انقطاعه لعشرة فأكثر، فيجوز وطؤها، فجعل يطهرن وتطَهَّرن بمعنى، كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فجمع بين اللغتين.
قال ابن العربي ﵀: (وهذا أقوى ما لهم، والجواب أن هذا يقتضي التكرار في التعداد، وذلك ليس من كلام الفصحاء فكيف بكلام الله ، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة؛ لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف بكلام الحكيم العليم) اهـ.
قلت: وهب أنّ يطهرن ويتطهرن بمعنى، فمن أين جاءت التفرقة في أيام الحيض؟ وكيف جعل أحد اللفظين المتحدين عندهم المراد به انقطاع الدم بعد عشرة والآخر لأقل؟ وهذا بأن يكون تشريعًا زائدًا أولى من أن يكون تفسيرًا للآية.
وقد قال ابن العربي بعد حكايته لقولهم في الفرق بين انقطاع الدم لعشرة أيام ولأقل من ذلك: (وهذا تحكم لا وجه له، وقد حكموا للحائض بعد انقطاع الدم في العدة بالحبس في العدة، فلزوجها ارتجاعها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فعلى قياس قولهم هذا: لا يجوز أن توطأ حتى تغتسل) اهـ.
стр. 733
قلت: وتوضيح هذا أن الحنفية يرون القروء هي الأطهار فتنتهي العدة عندهم برؤية الدم من الحيضة الثالثة، لكن أوجبوا على المرأة الحبس بالعصمة حتى تغتسل منها وجعلوا لزوجها أن يراجعها، وقياس هذا يحتم عليهم القول بأن الوطء لا يجوز إلا بعد الغسل كما قال الجمهور. ومما استدل به الجمهور أيضًا أن الأصل عند الأكثرين تقديم جانب الحظر على جانب الإباحة، لاسيما إذا كان الشيء محظورًا قبل دعوى الإباحة كما هنا، والله أعلم.
قلت: ومثل قول الحنفية في التفرقة بين عشرة أيام وغيرها في البعد عن الدليل؛ قول من أوجب العتق على الواطئ فإنه لا وجه له على فرض صحة الحديث؛ وكذلك التفرقة بين أول الحيض وآخره وبين كثرة الدم وقلّته؛ كل ذلك لا مستند له من نص ولا قياس صحيح.
١٨٣ - باب مَا تَفْعَلُ الْمُحْرِمَةُ إِذَا حَاضَتْ
٢٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: "مَا لَكِ، أَنَفِسْتِ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ"، وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
• [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢.
٢ - سفيان بن عيينة الهلالي: تقدّم ١.
٣ - عبد الرحمن بن القاسم: تقدّم ١٦٦.
٤ - القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁: تقدّم ١٦٦.
٥ - عائشة ﵂: تقدّمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد، ولابن ماجه والترمذي طرف منه، وأخرجه الطيالسي. وهو في الصحيحين وغيرهما مطولًا ومختصرًا
стр. 734
بروايات متعددة.
وتقدّم بعض الكلام عليه رقم (٢٤٢)، وسيأتي إن شاء الله باقي أحكامه والكلام عليه في المناسك. والمقصود ما تفعله المحرمة حال الحيض، وهو أنها تفعل ما يفعله الحاج من التلبية والإحرام والوقوف بالمشاعر، إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهر، لأن الطهارة شرط في الطواف، وتقديم الطواف شرط في السعي.
١٨٤ - باب مَا تَفْعَلُ النُّفَسَاءُ عِنْدَ الإِحْرَامِ
٢٩١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِى الْقَعْدَةِ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي ثُمَّ أَهِلِّي".
• [رواته: ٧]
١ - محمد بن المثنى الزمن أبو موسى العنزي مولاهم: تقدّم ٨٠.
٢ - عمرو بن علي الفلاس: تقدّم ٤.
٣ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي: تقدّم ٢٢.
٤ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٥ - جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: تقدّم ١٨٢.
٦ - أبوه محمد بن علي بن الحسين: تقدّم ٩٥.
٧ - جابر بن عبد الله ﵄: تقدّم ٣٥.
• التخريج
أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه مختصرًا والطيالسي والدارمي، ويأتي الكلام عليه في المناسك.
стр. 735
• بعض ما يتعلّق به
قوله: (استثفري) أي سدي مكان الدم بخرقة أو قطنة أو نحو ذلك، وسيأتي في المناسك إن شاء الله. وتقدّم الاستثفار، والغرض منه هنا: أن النفساء تغتسل للإحرام لأنه إمّا تعبدي أو هو للنظافة، فهو كوضوء الجنب لا يؤثر في الحدث ولا يفيد طهارة.
١٨٥ - باب دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ
٢٩٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمِقْدَامِ ثَابِتٌ الْحَدَّادُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ قَالَ: "حُكِّيهِ بِضِلَعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ".
• [رواته: ٦]
١ - عبيد الله بن سعيد: تقدّم ١٥.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - سفيان الثوري: تقدّم ٣٧.
٤ - ثابت الحداد بن هرمز الكوفي أبو المقدام مولى بكر بن وائل، روى عن عدي بن دينار وسعيد بن المسيب وأبي وائل وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وابنه عمرو بن أبي المقدام وشريك وإسرائيل وغيرهم، وروى عنه من أقرانه الحكم بن عتيبة والأعمش ومنصور. وثقه أحمد وابن معين. وقال أبو حاتم: صالح، وروى له حديثًا واحدًا في الحيض، ووثقه أبو داود وقال الأزدي: يتكلمون فيه، وقال مسلم بن الحجاج: في شيوخ الثوري ثابت بن هرمز ويقال: ابن هريمز، وقال ابن حبان: من زعم أنه ابن هرمز إنما تورع عن التصغير، ووثقه ابن المديني والنسائي وأحمد بن صالح وغيرهم، وزاد أحمد بن صالح: كان شيخًا صالحًا عاليًا صاحب سنة. وأخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في الحيض في صحيحهما، وصحّحه ابن القطان وقال: لا أعلم له علة وثابت ثقة، ولا أعلم أحدًا ضعفه غير
стр. 736
الدارقطني.
٥ - عدي بن دينار مولى أم قيس بنت محصن، روى عن مولاته في دم الحيض وأبي سفيان بن محصن، وعنه أبو المقدام ثابت بن هرمز الحداد وصالح مولى التوأمة. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات. أخرجوا له هذا الحديث الواحد.
٦ - أم قيس بنت محصن اسمها آمنة على قول السهيلي، وسماها ابن عبد البر جذامة بالجيم والذال المعجمة، الأسدية أخت عكاشة بن محصن، أسلمت بمكة قديمًا وهاجرت إلى المدينة، روت عن النبي- ﷺ ، وعنها مولاها عدي بن دينار ومولاها الآخر أبو الحسن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ووابصة بن معبد الأسدي وأبو عبيدة بن عبد بن زمعة وعمرة أخت نافع مولى حمنة بنت شجاع. قال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن مولى أم قيس عن أم قيس أنها قالت: توفي ابني فجزعت عليه، فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله. فانطلق عكاشة إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقولها فتبسّم ﷺ ثم قال: "طال عمرها"، فلا نعلم امرأة عمّرت ما عمّرت.
• التخريج
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي وابن حبان وابن خزيمة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (حكيه) الحك: هو المسح بقوة المبالغ فيه لإزالة الشيء.
وقوله: (بضلع)، الضلع: واحد الأضلاع وهي العظام المعروفة، ولا مفهوم له بل كل ما يتأتى أن يحك به من عود ونحوه يقوم مقامه، وكذلك لا مفهوم للسدر لأنهم كانوا يستعملونه للتنظيف. والمراد المبالغة في إزالته بأي مزيل، والمبالغة في تنظيف محله بأي منظف كالصابون والأشنان وكذا التراب، وهو يدل على نجاسة دم الحيض وهو محل اتفاق، وعلى وجوب تطهير الثوب منه، ثم الصلاة فيه بعد ذلك جائز، وإذا لم يكن عندها ثوب غيره فغسله واجب عليها لتصلي فيه. وفيه: طلب المبالغة في تنظيف النجاسة وإزالة عينها
стр. 737
عند التطهير.
٢٩٣ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -وَكَانَتْ تَكُونُ فِي حِجْرِهَا- أَنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: "حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ انْضَحِيهِ وَصَلِّي فِيهِ".
• [رواته: ٥]
١ - يحيي بن حبيب بن عربي: تقدم ٧٥.
٢ - حماد بن زيد: تقدم ٣.
٣ - هشام بن عروة: تقدم ٦١.
٤ - فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية زوج هشام بن عروة وابنة عمه المنذر، روت عن جدتها أسماء بنت أبي بكر وأم سلمة زوج النبي- ﷺ وعمرة بنت عبد الرحمن، وعنها زوجها هشام ومحمد بن سوقة ومحمد بن إسماعيل بن يسار. قال العجلي: ثقة، قال هشام: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة، فيكون مولدها: سنة ثمان وأربعين، وذكرها ابن حبان في الثقات.
٥ - أسماء بنت أبي بكر الصديق، زوج الزبير، روت عن النبي ﷺ ، وعنها ابناها عبد الله وعروة وأحفادها عباد بن حمزة بن عبد الله، وعمه عباد بن عبد الله وعبد الله بن عروة وفاطمة بنت المنذر بن الزبير ومولاها عبد الله بن كيسان وصفية بنت شيبة وعبد الله بن عباس وغيرهم، وكانت تسمى ذات النطاقين: قال الأسود: إنها قالت للحجاج يعيّرني بذات النطاقين! أجل قد كان لي نطاق لابد منه للمرأة، ونطاق أغطي به سفرة رسول الله ﷺ وأبي بكر. بلغت مائة سنة لم تسقط لها سن ولم يتغير لها عقل، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله، فولدته بقباء وكان أول مولود للمهاجرين، وماتت بعدما قتل، قيل: بعشرة أيام وقيل: بعشرين يومًا.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي شيبة.
стр. 738
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (وكانت تكون في حجرها) يعني كانت فاطمة بنت المنذر تكون في حجر أسماء لأنها جدتها أم أبيها. وقولها: (أن امرأة) يحتمل أنها أم قيس ويحتمل أنها غيرها. والحجر: بالكسر والفتح بدن الإنسان إذا جلس مما يقابلك منه من جهة وجهه، ويستعار للحضانة، والحجر أيضًا: العقل، قال تعالى: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْر﴾، ويطلق على القرابة، قال ذو الرمة:
فأخفيت شوقي من رفيقي وإنه ... لذو نسب دان إلى وذو حجر
والحجر أيضًا الكفالة؛ لأنّ عادة من حضن صغيرًا جعله إذا جلس يجلس كثيرًا في حجره، وسيأتي في حكم بول الصبي. و (استفتت) طلبت الفتيا وهي الإخبار بحكم الشيء، والحتُ الحك للشيء اليابس حتى يسقط، والقرص أصله الأخذ برؤوس الأصابع، والمراد: الغسل بالماء ثم العصر والنضح، تقدم أنه يقال لصب الماء وهو المراد، ويقال للرش أيضًا، وما يتعلق بالحديث من جهة الحكم تقدم في الذي قبله.
١٨٦ - باب الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ
٢٩٤ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي كَانَ يُجَامِعُ فِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى.
• [رواته: ٧]
١ - عيسى بن حماد المصري المعروف بزغبة: تقدم ٢١١.
٢ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥.
٣ - يزيد بن أبي حبيب: تقدم ٢٠٧.
٤ - سويد بن قيس التجيبي المصري، روى عن معاوية بن حديج وابنه عبد الرحمن بن معاوية وابن عمر وابن عمرو بن العاص ﵃ وغيرهم، وعنه يزيد بن أبي حبيب، قال النسائي: ثقة، وكذا قال يعقوب بن سفيان، وذكره
стр. 739
ابن حبان في الثقات.
٥ - معاوية بن حديج بن جفنة بن قتيرة بن عبد شمس التجيبي الكندي أبو عبد الرحمن ويقال: أبو نعيم المصري، مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ وعن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو، وعنه ابنه عبد الرحمن وسويد بن قيس التجيبي وسلمة بن أسلم الربعي وصالح بن حجير وعبيد الرحمن بن شماسة وعبد الرحمن بن مالك الشيباني وغيرهم، ذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة قال: وكان عثمانيًا، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: إن أباه كان صحابيًا، وقال الغلابي: كان لمعاوية صحبة، وكذا أثبت صحبته البخاري وأبو حاتم وابن البرقي، وقال ابن يونس: وفد على رسول الله ﷺ وشهد فتح مصر، وكان الوافد على عمر بفتح الإسكندرية، ذهبت عينه يوم دنقلة النوبة مع ابن أبي سرح، وولي إمرة غزو المغرب مرارًا آخرها سنة ٥٠، وتوفي سنة ٥٢. قال البخاري: مات قبل عبد الله بن عمرو، وذكره ابن حبان في الصحابة ونفى أحمد صحبته، وذكر ابن عبد الحكم أن بعضهم نفى صحبته، واستدل بما روي عنه من طريق ابن لهيعة أنه قال: هاجرنا على عهد أبي بكر ثم ذكر قصة، وذكره يعقوب بن سفيان في الثقات من التابعين من أهل مصر.
قلت: فتحصّل من هذا أن البخاري وابن سعد وابن البرقي وابن يونس وأبا حاتم وابن حبان في إحدى الروايتين عنه أثبتوا صحبته، ونفاها ابن حبان وأحمد في رواية عنه، فمن أثبتها أكثر والمثبت مقدم على النافي والله أعلم. وحديج بحاء مهملة وجيم مصغرًا في الغالب.
٦ - معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن الأموي أسلم عام الفتح، وقيل قبله وكتب للنبي ﷺ فهو معدود من كُتَّابه، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وأخته أم حبيبة، وعنه جرير بن عبد الله البجلي والسائب بن يزيد الكندي وابن عباس ومعاوية بن حديج ويزيد بن جارية وأبو أمامة بن سهل بن حنيف وأبو إدريس الخولاني وسعيد بن المسيب وقيس بن أبي حازم وجماعة كثيرون. وكان معاوية ﵁ من رجالات العرب في الإِسلام وكان من الدهاة المشهورين والحلماء المبرزين في
стр. 740
الحلم، ومواقفه في ذلك مشهورة فإنه ولي الشام لعمر -رضي الله عن الجميع- بعد موت أخيه الصحابي الجليل يزيد بن أبي سفيان، وقد مات يزيد في طاعون عمواس سنة ١٧ أو ١٨ فولى عمر معاوية بعده، ومكث واليًا على ما كان في ولاية أخيه. فلما ولي الخليفة الراشد عثمان بن عفان الخلافة جمع الشام لمعاوية فاستمر واليًا عليه، ثم ولي الخلافة فلم ينقل عنه أنه قتل أحدًا صبرًا بين يديه، إلا ما كان من قصة حجر وكان قتله بعذراء وسبب قتله ابن زياد، ولم يثبت أيضًا عنه أنه عاقب أحدًا انتقامًا لنفسه مع ما كان يسمع من الناس من الرد عليه، ولم يبايع ابن عمه عليًا محتجًا بأنه يطلب قتل قتلة عثمان وهم في جيش علي، فطلب منه أن يبايع ثم بعد تمام البيعة يحاكم الناس، فمن ثبت أنه شارك في دم عثمان أخذ به. فتأوَّل معاوية وجوب المطالبة بدم عثمان كما تأوَّل مثل ذلك طلحة والزبير وهما من العشرة خير وأفضل من معاوية، وتأولت عائشة مثل ذلك بما أفضى بالجميع إلى القتال المعروف وانفتاح باب الفتنة، كما أشار إليه الرسول ﷺ وتفصيل ذلك يطول. واستمر النزاع حتى قتل علي ﵁ وتنازل ابنه الإِمام الراشد الحسن عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين وزهادة في الدنيا، وتحقيقًا لقوله ﵊ فيه: "ابني سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". فتم الأمر لمعاوية وذلك مستهل سنة ٤١ من الهجرة، واستمر واليًا إلى أن مات، ولم يقل أحد من الناس صادقًا ولا كاذبًا أنه قتل في مدة الحكم الطويل أحدًا صبرًا بين يديه، إلَّا الخارجي الذي طعنه وهو في الصلاة. وأما قضية حجر فإنه لما شهد الناس عليه بأمر زياد لهم بالخروج عن الطاعة والدعوة إلى سفك الدماء، ولم يصلوا به إلى معاوية ولم يوجد من يحسن الشفاعة فيه وفيمن قتلوا معه، ومن شفع له لم يقتل ولهذا لما قالت عائشة ﵂: كيف قتلت حجرًا؟ قال: خل بيني وبينه فإني سوف ألقاه بالطريق، قالت: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال لها: حين غاب عني مثلك من قومي -يشير إلى أن جلساءه لم يكن فيهم خير. والمقصود أن ما جرى بين الصحابة اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب الكف عنه وعدم الكلام فيهم إلا بخير، فهم مجتهدون كلهم فعليٌّ مجتهد مصيب، ومعاوية مجتهد مخطئ وقد صح عنه ﷺ أن المصيب من المجتهدين
следующие страницы →