Полный текст (1 806 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الأمة أو أشقى الجماعة المذكورين، وهو عقبة بن أبي معيط كما في مسند الطيالسي، وفي رواية: أشقى القوم، وفي أخرى: "أشقى قوم فأخذ الفرث فذهب به" أي: حمله والفاء للعطف. (ثم أمهله فلما خرّ) أي وقع ساجدًا وضمير الفاعل للنبي ﷺ ، والخرور أصله الوقوع من أعلى إلى أسفل، وساجدًا حالٌ كما تقدم. (وضعه على ظهره) الضمير الأول للفرث والثاني للنبي ﷺ ، أي وضع الفرث على ظهر النبي ﷺ فأخبرت فاطمة، وفي رواية: "أنه كان سلا الجزور" فيحمل على أنه مجموع الأمرين كما في رواية عمرو بن ميمون عند البخاري: "فرثها ودمها وسلاها"، الفرث والدم والسلا أيضًا وهو بالقصر: الجلدة التي يكون فيها الولد. بعدما يخرج منها الولد قوله: (فأخبرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ) أي: أخبرها بعض الناس بما فعلوا بأبيها.
وقوله: (وهي جارية) أي صغيرة السن، والجملة استئنافية أو حالية لأن القصة كانت بمكة قبل الهجرة كما تقدم، وهي تزوجها علي ﵄ بعد أُحُدْ وعمرها ١٥ سنة، وأُحُد في سنة ثلاث من الهجرة.
وقوله: (فجاءت تسعى) الفاء تحتمل العطف وتحتمل السببية، وتسعى أي تجري، فأخذته أي السلا من ظهره أي من فوق ظهره، وفي رواية: ثم أقبلت عليهم تسبهم.
وقوله: (فلما فرغ من صلاته) أي أتمها، ولمّا هي الرابطة وتقدم الكلام عليها في رد السلام على من يبول ٣٨، وفرغ: أي أتم صلاته وانتهى منها.
وقوله: (قال اللهم) أي شرع يدعو عليهم، فقال: اللهم، وأصله يا الله حذفت منه يا النداء وعوضت الميم، وهو نوع من النداء خاص بلفظ الجلالة، ولا يجمع بين الياء والميم في النداء إلا شذوذًا كما قال ابن مالك ﵀:
والأكثر اللهم بالتعويض ... وشذ يا للهم في قريض
وقوله: (عليك) اسم فعل منقول، وأصله الجار والمجرور فاستعمل اسم فعل بالنقل، مثل قوله: دونك زيدًا؛ فإن أصله الظرفية، والمعنى خذهم بالعقوبة أي: عليك بعذابهم.
وقوله: (ثلاث مرات) على ما جرت به العادة في الغالب أن يكرر الدعاء ثلاثًا للتوكيد وقد يفعله في الكلام للتعليم، وعمّم قريشًا لأنهم متمالئون على
стр. 772
أذيته، ثم خص هؤلاء المباشرين لأذيته واحدًا واحدًا وهم: أبو جهل واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة من بني مخزوم، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعقبة بن أبي معيط وهو ابن عم لهم. وذكر في رواية البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق في (باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر) تمام الستة، فذكر الوليد بن عتبة -وهو ابن عتبة المذكور هنا ابن ربيعة- بالتاء، وما ورد في رواية مسلم بالقاف عقبة -وبيّن الراوي وهو أبو إسحاق أنها غلط- فهو غلط، وقال في هذه الرواية: وعدَّ السابع أي عدَّ النبي ﷺ السابع: على أن القائل عبد الله بن مسعود وعلى أن القائل عمرو بن ميمون الراوي عنه، فإن مدار الحديث عليه فيكون فاعل عدَّ عبد الله بن مسعود والناسي عمرو، ثم ذكره البخاري من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو، فذكر السابع وهو عمارة بن الوليد بن المغيرة، وذلك محمول على أنه حدث به مرة وهو ناسٍ له، وحدث به مرة أخرى وهو ذاكر له، وهؤلاء المذكورين من عظماء أعداء الرسول ﷺ . قال عبد الله: (فوالذي أنزل عليه الكتاب). الفاء استئنافية، وقوله: (لقد رأيتهم صرعى يوم بدر في قليب واحد) يعني بعدما قتلوا، وهذا المراد به أكثرهم ورؤساؤهم فإن اثنين منهم لم يوضعا في القليب، وهما: عقبة بن أبي معيط فإنه قتل بعرق الظبية في طريق المدينة بينه وبين الروحاء نحو من ثلاثة أميال بلا خلاف في قتله وقصته مشهورة، والثاني عمارة بن الوليد فإنه ذهب مع عمرو بن العاص إلى النجاشي فشرب في السفينة، وكان مع عمرو امرأته فقال له: مرها فلتقبلني، وتلاحيا حتى طرحه في البحر وكان عمرو يسبح فتعلق بالسفينة حتى سلم، فلما وصلا إلى الحبشة استطاع عمرو أن يشي إلى النجاشي بأن عمارة يتصل بزوج النجاشي، فأمر الحبشة فسحروه فهام مع الوحش، ويقال: إنه مات في خلافة عمر. وأما الباقون وهم الخمسة الرؤساء فقتلوا في المعركة وجُمعوا في القليب، على خلاف في جثة أُميّة لأنه كان سمينًا فلما جرّوه تمزق بدنه، فيحتمل أنه جعلوا أكثر بدنه في القليب. فعتبة وابنه الوليد وأخوه شيبة هؤلاء قتلهم بنو عمهم من عبد مناف: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن المطلب وخبرهم مشهور. وأمَيّةَ لقيه عبد الرحمن بن عوف فأخذه أسيرًا -وكان صديقًا
стр. 773
له في الجاهلية- ومع أمية ابنه علي، فلما رآهما بلال وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا بمكة صرخ بالأنصار حتى قتلوه. وأبو جهل قتله ابن عفراء وابن عمرو بن الجموح، وقطع رأسه ابن مسعود فتحققت فيهم المعجزة واستجيبت فيهم الدعوة.
وقوله: (صرعى) أي مصروعين، وهو حال من الضمير في (رأيتهم). و (القليب) بفتح القاف وكسر اللام وآخره باء: البئر لم تطو، وقيل: القديمة التي لا يعرف صاحبها، وقيل: هي القديمة مطوية أو غير مطوية، وقيل: عامة في البدء والقديمة، وقيل: إذا طويت فهي الطوى، قيل: سميت قليبًا لقلب ترابها بالحفر، والجمع أقلبة قال عنترة:
كأن موشّر العضدين حجلا ... هدوجًا بين أقلبته مِلَاح
وجمع الكثرة قلبٌ قال كثير:
ومادام غيث من تهامة طيب .... بها قلب عادية وكرار
والكرار جمع كر وهو الحسي، ومن جمعه على قلب قول الشاعر:
كم تحفرون ملاحس البقر الطلا ... قلبًا بها شفى الأنام من الصدى
قلت: والظاهر إطلاقه على المطويّة وغيرها، لأن قليب بدر هذا جاء فيه الشعر باسم الطوى، كما قال شداد بن الأسود وهو ابن شعوب يرثي قتلى قريش، فذكر هذا القليب باسم القليب مرة وباسم الطوى مرة أخرى فقال:
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام
وكم لك بالطوى طوى بدر ... من الحومات والنعم المسام
وفي رواية: "أنهم لما رأوا دعاءه ﷺ ساءهم ذلك وذهب عنهم الضحك"، لأنهم كانوا يعتقدون أن الدعاء عند البيت مستجاب.
• الأحكام والفوائد
الحديث: دليل على طهارة الفرث والدم وكذا السلا وسائر أجزاء المذكاة، ما لم يكن محل الدم المسفوح قبل الغسل فإنه نجس. وقد اعترض على ذلك بأنها ذبيحة أهل الأوثان، والجواب عن ذلك بأنه لم يثبت أنه كان قد نهى عن أكل ذبائحهم، فهو على ما كان من ذلك قبل النهي، والذي ورد
стр. 774
النص بتحريمه عليه وهو بمكة -مع احتمال أن يكون النهي عنه متأخرًا عن هذه القصة- هو أكل ما أهلّ به لغير الله به، مع أنه قد ورد عنه في السيرة أنه كان لا يأكل قرابين الأصنام. أما الأكل من ذبائح قومه؛ فهو الظاهر بل المتعين على أصل البراءة قبل النهي، ومن الجائز أنهم كانوا يذبحون بعض الذبائح ولا يذكرون عليها أسماء الأصنام، وظاهر كلام النووي والعيني -رحمهما الله- الحكم بأن هذا الفرث والدم والسلا أن ذلك كله نجس، وذلك لأنّ كلًا منهما مذهبه نجاسة فرب مأكول اللحم كبوله وروثه، كما تقدم في حديث العرنيين قبل هذا بحديث. ولأجل حكمهم له بالنجاسة تنوعت أجوبتهم عن استمراره في الصلاة، وغالب ما ذكراه من ذلك لا يخلو من تكلف، لأنّ القضية لا خلاف أنها كانت بمكة قبل نزول تفصيل الأحكام بالمدينة، فيتطرق لها من الإحتمال كثير حتى على القول بتسليم الحكم بالنجاسة على الفرث وما معه، وقد تقدم الخلاف فيه وأن الأدلة فيه على الطهارة أقوى. وإذا علمنا أنه كان يأكل اللحم بمكة لأنه لم ينقل عنه أنه كان يتقيه -إلَّا ما تقدم مما ورد في السيرة من أنه كان لا يأكل قرابين الأصنام وهي أخص من غيرها- وذلك يدل على أن ذبائحهم التي لم يذكروا عليها اسم آلهتهم؛ كانت مباحة له على البراءة الأصلية ولو اتقاها لنقل ذلك عنه. وأجزاء المذكى كلها حكمها واحد في الطهارة والإباحة، ومن الدليل على طهارته تماديه على الصلاة وهو عليه، فهو قرينة تدل على ما تقدم من عدم تحريم ذبائحهم عليه، فإنه ﷺ -خلع نعليه في الصلاة لأن جبريل أخبره أن في أسفلها أذى، فلو كان هذا نجسًا لما أقره على استمراره في الصلاة معه.
وفي الحديث دليل على جواز الدعاء على الكفار بالهلاك، وقد يقال: إن هذا كان قبل النهي، وأحسن منه في الجواب أن الذين خصهم لعله علم من أمرهم بالوحي أنهم لا يؤمنون، وعلى كل المنهي عنه الدعاء على الكافر المعين ما لم يتبين أنه من أهل النار. وفيه: استحباب الدعاء ثلاثًا وكذلك تكرار الفائدة ليفهمها السامعون، وفيه: جواز الدعاء على الظالم إذا لم يستطع الإنتقام منه، وفيه الحديث حديث معاذ: "اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"، وفيه: بيان بعض ما كانوا يفعلونه من أذيته ﷺ فيصبر على
стр. 775
ذلك احتسابًا واقتداء بإخوانه من النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾. وفيه: معجزة له بإكرام الله له باستجابة دعوته على الذين سمّاهم، فلم ينج منهم أحد.
١٩٣ - باب الْبُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ
٣٠٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ فَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
• [رواته: ٤]
١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.
٢ - إسماعيل بن علية: تقدم ١٩.
٣ - حميد بن أبي حميد الطويل: تقدم ١٠٨.
٤ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي، وعند أحمد طرف منه.
• بعض ما يتعلق به
وقوله: (بصق) أي تفل، وهو طرف من حديث النهي عن أن يبصق المصلي في الصلاة قبل وجهه أو عن يمينه الحديث، وسيأتي إن شاء الله. وفيه دليل على طهارة ريق الإنسان، وهو قول عامة العلماء بل حكى غير واحد الإتفاق، إلا ما حكي عن سلمان أنه جعله غير طاهر إن صح ذلك عنه، وكرهه الحسن بن حي في الثوب، وهذا الحديث الصحيح المتفق عليه يرد ذلك، وقال ابن حزم: صح عن سلمان والنخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، وهذا شيء مخالفته للسنة ظاهرة لا يعرج عليه معها.
٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مِهْرَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا
стр. 776
صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَإِلَّا -فَبَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ هَكَذَا فِي ثَوْبِهِ وَدَلَكَهُ".
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن بشار بندار: تقدم ٢٧.
٢ - محمد بن جعفر غندر: تقدم ٢٢.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - القاسم بن مهران القيسي مولى بني قيس بن ثعلبة خال هشيم، روى عن أبي رافع الصائغ، وعنه شعبة وعبد الوارث وهشيم وعبد الله بن دكين الكوفي وابن علية. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، له في الكتب حديث أبي هريرة -يعني هذا الحديث.
٥ - أبو رافع الصائغ نفيع بن رافع: تقدم ١٩١.
٦ - أبو هريرة ﵁: تقدم ١.
• التخريج
تقدم في الرواية الأولى المختصرة رواية أنس وهذه رواية أبي هريرة مطولة، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود نحوه وأخرجه ابن ماجه، ولأحمد بلفظ: "إذا بزق". قوله: (لا يبزق عن يمينه) أي جهة يمينه وهو يدل على تشريف جهة اليمين، وأما بين يديه فلأنها جهة القبلة، وفيه: جواز التَّفْل في الصلاة وهو محمول على ما إذا كان في غير المسجد، أو كان في المسجد وهو محصب أو تراب يمكن دفنه فيه لما جاء في الحديث: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها". أما إذا كان مفروشًا أو مبلّطًا؛ فإن البزاق فيه لا يجوز لما في ذلك من أذية الناس، وحينئذٍ يتفل في الثوب أو المنديل. وفيه: أن مثل هذا من العمل الذي تدعو الحاجة إليه لا يقدح في صحة الصلاة، وفيه: طهارة البزاق كما تقدم، وفيه: دليل على استعمال الأدب في المسجد ومع المصلين, لأن البزاق وإن كان طاهرًا لكن جرت العادة باستقذاره عند الناس، فلا ينبغي أن يؤذي الإنسان به إخوانه، وفيه: جواز أخذ المنديل فيبزق فيه ونحو ذلك لأنه بمثابة البزاق في الثوب، وحكه فيه للضرورة ولا يجوز من غير ضرورة لأنه ليس من أفعال الصلاة.
стр. 777
١٩٤ - باب بَدْءِ التَّيَمُّمِ
٣١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ ذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَمَا مَنَعَنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
• [رواته: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٣ - عبد الرحمن بن القاسم بن محمد: تقدم ١٦٦.
٤ - القاسم أبوه بن محمد بن أبي بكر: تقدم ١٦٦.
٥ - عائشة ﵂: تقدمت ٥.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه وابن خزيمة، وأخرجه الإِمام أحمد وفيه: "أنهم صلوا بغير وضوء"، وعند أبي داود طرف منه وكذا ابن ماجه والدارمي مع مغايرة في اللفظ.
• اللغة والإعراب والمعنى
стр. 778
قوله: (بدء التيمم) أي أول مشروعيته، وتقدم تفسير التيمم في أول الكتاب في شرح الآية الكريمة والحمد لله. قولها: (خرجنا) بنون الجمع على إرادة الجماعة الذين خرجوا في الغزو أي من المدينة، ويمكن أن تكون أرادت نفسها على سبيل التعظيم عند العرب، وهو جائز في الكلام ولو لم يقصد التعظيم. قولها: (في بعض أسفاره) هي غزاة بني المصطلق من خزاعة سنة ست من الهجرة، ويقال لها: غزوة المريسيع وهو الماء الذي كانوا عليه، وغزوة الإفك أيضًا لأن قصة الإفك كانت في رجوعهم، والتيمم عند خروجهم. وسببها أن النبي ﷺ بلغه أن سيدهم الحارث بن أبي ضرار -وهو والد جويرية- يجمع لحرب المسلمين فغزاه النبي ﷺ ، وفيها قال ابن أُبَي -قبحه الله-: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". والمريسيع ماء بالساحل من ناحية قديد ما بين مكة والمدينة، وهو محل القوم الذي قصدهم النبي ﷺ وهم عليه، فأغار عليهم وقتل منهم عشرة وأخذ سبيهم وأموالهم، ثم بعد ذلك أعتق السبي وأعتقه المسلمون؛ لما علموا أنه ﷺ أعتق جويرية وتزوجها وأسلموا بعد ذلك. وقولها: (حتى إذا كنا) تقدم الكلام على معنى (حتى) و (إذا) مستوفى في شرح الآية الكريمة أول الكتاب، وهي هنا للغاية. وكنا بمعنى وصلنا البيداء ونزلنا بها، والبيداء أصلها الأرض المتسعة الخالية وجمعها بيد، قال جرير بن الخطفي:
نظرت من الرصافة أين حَجْر ... ورمل بين أهلهما وبيد
بها الثيران تحسب حين تضحى ... مرازبة لها بهراة عيد
والبيداء: عَلَم على المكان المرتفع الذي بعد الحليفة، وفي حديث ابن عمر لما سمع الناس يقولون إن النبي ﷺ أحرم من البيداء قال: (بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما أحرم إلَّا من عند الشجرة) ويروي بيت حسان يخاطب ضرار بن الخطاب المحاربي من بني محارب بن فهر:
فلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البيداء يهوين حسرا
ويروى البرقاء والظاهر أن البيداء أصوب، وقولها: (أو ذات الجيش) على الشك في المكان الذي نزلوا به؟ هل هو آخر البيداء أو أول ذات الجيش وهي بعد البيداء متصلة بها؟ فالبيداء تنتهي بأول ذات الجيش على طريق مكة،
стр. 779
وقولها: (انقطع عقد لي) العقد: هي القلادة تكون من خرز وغيره تلبسها النساء للتجمل، قال كثير يمدح عبد الله بن مروان:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما عراها قطينها
فالمراد بنظم الدر القلادة منه. وجمع العقد عقود قال الشاعر:
ومرتجة الأعطاف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
فالعقد: هو الخرز أو الجوهر المنظوم في سلك، وقال الآخر:
حتى إذا أطاح عنها المرط من دهش ... وانحل بالضم عقد السلك في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات مُنْتَثَر في ضوء منتظم
وقولها: (لي) أضافته إلى نفسها وفي الرواية الأخرى: "عقد لأسماء" وهي أختها بنت أبي بكر، وذلك محمول على أن العقد لأسماء كانت عائشة قد استعارته منها، فنسبته أحيانًا لنفسها لأنه عندها وأحيانًا نسبته لأسماء لأنها صاحبته. وفي رواية: "أنه من جزع ظفار" والجزع نوع من الخرز، وظفار بلدة باليمن نسب إليها هذا الخرز لأنه يأتي منها. وقولها: (فأقام) الفاء سببية أو عاطفة أي مكث في ذلك المكان ولم يرتحل منه، والناس تبع له فأقاموا معه. وقولها: (على التماس) أي على طلبه، والطلب يطلق عليه التماس لأن الطالب للشيء كأنه يحاول مسه، وعلى التماسه أي لأجل التماسه وفي الرواية الأخرى: "أنه بعث رجالًا في طلبه" ولا منافاة؛ لأنه إذا بعث في طلبه وأقام ينتظر من بعثهم فقد أقام على التماسه. وقولها: (ليسوا على ماء) جملة في محل الحال، أي لم ينزلوا بمكان فيه ماء. وقولها: (ليس معهم ماء) أي ليس عندهم ماء لشربهم ووضوئهم. وقولها: (فأتى الناس إلى أبي بكر) أي جاء بعض الصحابة إلى أبي بكر وشكوا إليه وأسندوا الفعل إليها بقولهم: (أقامت برسول الله ﷺ )، لأن سبب الإحتباس طلب عقدها فرأوا أنها هي التي سببت ذلك. وقولهم: (ألا ترى) ألا أداة استفتاح لتعظيم الأمر، و"ترى" بمعنى تنظر، وقولهم: (حبست إلخ) جملة تفسيرية "لِمَا" الموصولة أي الذي صنعته حبست الناس.
وقولها: (فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي) الفاء
стр. 780
سببية، وجملة و (رسول الله واضع) حالية من قولها: "جاء أبو بكر".
وقولها: (قد نام) حالية أيضًا، أي أتى أبو بكر ورسول الله ﷺ على هذه الحالة.
وقولها: (فعاتبني) الفاء عاطفة، وعاتبني: أي لامني، وقال: (ما شاء الله)، أي ما شاء الله أن يقوله من اللوم والعتاب كما جرت به عادة الأب مع ابنته.
وقولها: (يطعن) أي يضرب بيده، وهو بضم العين من قولهم: طعن يطعن إذا ضرب؛ من باب نصر، أما طعن يطعن من باب فتح فهو العيب والقدح، ومنه قوله ﷺ في حديث بعث أسامة: "إنْ تطعنوا في إمرته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبل"، والخاصرة جانب الظهر والبطن.
وقولها: (فما يمنعني) الفاء استئنافية أي ما يحول بيني وبين التحرك من ألم الطعن إلا كون رسول الله ﷺ نائمًا على فخذي، فقولها: (إلا مكان) مكان: فاعل (يمنع)، والمراد: محله مني في ذلك الوقت، ولو تحركت لأحس أو انقطع نومه، وهذا من كمال فضلها وأدبها ﵂.
وقولها: (فنام) أي استمر نائمًا حتى أصبح، وقولها: (على غير ماء) أي في المحل الذي ليس فيه ماء.
وقولها: (فأنزل الله آية التيمم) الفاء سببية، وآية التيمم قد تقدم الخلاف فيها أول هذا الشرح المبارك في تفسير الآية أول الكتاب: هل هي آية النساء أو آية المائدة؟ لأن كلًا من السورتين فيها آية يصح أن يقال فيها آية التيمم، وتقدم هناك ترجيح أنها آية المائدة.
• الأحكام والفوائد
فيه دليل على جواز السفر بالنساء في الجهاد وغيره ما لم تخش عليهن الضيعة والتعرض للفساد، وجواز النزول على غير ماء إذا أمن العطب والهلاك، وفيه: استعمال النساء للحلي ولبس القلادة ونحوها، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾، وفيه: جواز استعارة الحلي للتزين للأزواج به، وإن كانت هذه الرواية ليس فيها التصريح بأن العقد لأسماء، لكنه في غيرها من الروايات كما تقدم، وفيه:
стр. 781
احتباس الإِمام أو القائد على مصلحة أهله أو بعض المسلمين، إذا لم يحصل بذلك ضرر على الناس أو مفسدة تربو على تلك المصلحة، وفيه: عتاب الرجل لابنته وتأديبه لها ولو كانت متزوجة، وكذلك أبناؤه الذكور وإن كانوا كبارًا لما جُبل عليه من حب الخير لهم، وفيه: كمال أدب عائشة واحترامها للنبي ﷺ وصبرها على صغر سنها ﵂، فإنها كانت إذ ذاك لا تتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، وفيه: جواز نوم الرجل على فخذ امرأته أو بعض بدنها، وتأدب المرأة معه في حال نومه على تلك الحال، وفيه: عدم علمه ﷺ للغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وفيه: بيان سبب نزول التيمم وأنه لم يكن مشروعًا قبل هذا، بخلاف الوضوء وقد تقدم ذلك.
١٩٥ - باب التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ
٣١١ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ الْجَمَلِ وَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ ﵇.
• [رواته: ٧]
١ - الربيع بن سليمان الجيزي: تقدم ١٧٣.
٢ - شعيب بن الليث: تقدم ١٦٦.
٣ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥.
٤ - جعفر بن ربيعة: تقدم ١٧٣.
٥ - عبد الرحمن بن هرمز: تقدم ٧.
٦ - عمير مولى ابن عباس هو عمير مولى أم الفضل أبو عبد الله المدني الهلالي، روى عن مولاته وعن ابنها عبد الله بن عباس وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة وأسامة بن زيد وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، وعنه
стр. 782
الأعرج وسالم أبو النضر وإسماعيل بن رجاء الزبيدي وعبد الرحمن بن مهران. قال إسحاق: حدثني الأعرج عن عمير مولى ابن عباس وكان ثقة. أخرجوا له حديثين أحدهما في الصيام والآخر في التيمم وهو هذا الحديث. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، مات بالمدينة سنة ١٠٤.
٧ - أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول بن عامر بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، وقيل في نسبه غير ذلك وهو ابن أخت أبي بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، قال أبو حاتم: ويقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، ويقال: إنه الحارث بن الصمة، روى عن النبي ﷺ ، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي وأخوه مسلم بن سعيد وعمير مولى ابن عباس وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهم أبو جهيم فرق بينه وبين ابن الصمة، وفي "المفيد الغاية" عن الإستيعاب في المعرفة: عن عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة؛ جعل الحارث جده وهكذا قال ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع بين الأقوال المختلفة ومع ذلك فما سلم، ذكره في التهذيب.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والشافعي والدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (من نحو بئر الجمل) أي من جهة الموضع الذي يعرف بهذا الإسم، ويروى: "بئر جمل" وهي رواية غير المصنف، وهو موضع في ناحية من نواحي المدينة فيه بعض بساتينها.
وقوله: (فلقيه رجل) وفي رواية رواها البغوي في شرح السنة عن الشافعي أن الذي لقيه أبو جهيم راوي الحديث، رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى الجدار، فحته
стр. 783
بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي.
قال: هذا حديث حسن، فهذه الرواية تدل على أن الذي لقيه أبو جهيم، ولكن فيها: أنه كان يبول في حين ما سلم عليه، وليس هذا اللفظ في رواية المصنف ولا في رواية البخاري ولا أكثر روايات الحديث.
وقوله: (لم يرد) ثلاثي مضعف، ومثله إذا جزم جاز فيه ثلاثة أوجه إذا لم يفك إدغامه: الكسر وهو الأصل عند التقاء الساكنين، والفتح لأنه عندهم أخف، والضم إتباعا لضمة الراء.
وقوله: (حتى) لغاية امتناعه من الرد، وأل في الجدار للعهد الحضوري أي الذي كان عنده وإن لم يتقدم له ذكر، وقد ذكر بعض العلماء أَنَّ تيممه على الجدار لعله علم طيب نفس صاحبه بذلك، أو أنه لخفة أمره لا ضرر فيه فلا يحتاج فيه للاستئذان.
قلت: وهو الظاهر لأنه لا يضر الجدار فلا يتوقف فيه على الإذن، كالتيمم في الأرض المملوكة للغير فإنه لا يتوقف على الإذن، فلو أن شخصًا أدركته الصلاة ولم يجد ماء وعنده أرض مملوكة للغير؛ لم يلزمه طلب الإذن في التيمم عليها لعدم الضرر في ذلك، وقال بعضهم: لعله كان مشاعًا، وهذا لا يخلو من تكلف لما قدمنا من أنه لا يحتاج في مثله إلى الإستئذان. وللطبراني في الأوسط: "حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيده الحائط فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر"، وعند أبي داود من حديث حيوة عن ابن الهاد أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: "أقبل رسول الله ﷺ من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحائط، فوضع يده عليه ثم مسح وجهه ويديه ثم رد على الرجل السلام"، وعند البزار بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر: "أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه ﵇ فقال: إنما حملني على الرد خشية أن تذهب فتقول: سلمت على النبي فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أرد عليك". وهذا ظاهره أنه رد عليه في حال البول، وهو محمول على أنه بعد الفراغ من البول, لأن النهي عن الكلام في حال البول والغائط
стр. 784
يصرفه عن ظاهره، فيحمل على أنه رد عليه بعد الفراغ في محل البول.
وأكثر هذا تقدم في حديث المهاجر بن قنفذ رقم (٣٨).
• الأحكام والفوائد
فيه: جواز التيمم في الحضر كما ترجم له المصنف، وبوب له البخاري ﵀ فذكر حديث الباب، وقد قال بعض العلماء: الحديث وإن كان فيه التيمم في الحضر؛ إلا أنه لم يكن فيه دليل على رفع الحدث حتى يستبيح به الصلاة، وهو مردود بأن الحدث الذي ذكر أنه منعه ذكر الله على غير طهارة هو المنافي للطهارة، وإذا فعل ما تزول كراهة ذكر الله على تلك الحال؛ لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها , لعدم وجود فرق في الشرع في مثل ذلك. وفيه: كراهة ذكر الله على غير طهارة، قال ابن الجوزي: كره أن يرد السلام لأنه اسم من أسماء الله تعالى، قال: أو يكون هذا في أول الأمر قبل استقرار الأمر على غير ذلك.
قلت: هذا بعيد لأن التيمم إنما شرع في سنة ست من الهجرة كما تقدم، وذكر العيني عن الطحاوي: أن حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل بحديث عائشة ﵂: "كان يذكر الله على كل أحيانه"، وفيه حديث ابن الغفواء من رواية جابر الجعفي وفيه: "كان النبي ﷺ إذا أراق الماء نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا" حتى نزلت الرخصة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
قلت: والظاهر أن شواهد الضعف لائحة عليه وهو يدل على عدم جواز الكلام للمحدث، وهذا لم يقل به أحد. وأما دعوى النسخ فتحتاج إلى معرفة التاريخ وهي غير موجودة، وأيضًا الجمع ممكن بين هذا وبين أدلة الجواز: كحديث عائشة السابق وحديث ابن عباس: بِتُّ عند خالتي ميمونة فذكر قراءة النبي ﷺ آخر سورة آل عمران، وحديث "إنما أمرت بالوضوء للصلاة" ونحو ذلك بحمل ذلك على عدم الوجوب، وبحمل مثل هذا الحديث على الإستحباب، أو أن الذكر على غير طهارة خلاف الأولى، فيحصل بذلك الجمع بين النصوص فلا يحتاج إلى النسخ. ومن العجب استدلال العيني به وهو من رواية الجعفي، وقد قال أبو حنيفة فيه: ما رأيت فيمن رأيت أكذب من جابر الجعفي. ومنها أنه استدل به من أجاز التيمم على الحجر، وهو قول
стр. 785
الحنفية وقول عند المالكية, لأن حيطان المدينة مبنية بالحجارة السود في الغالب. قال ابن بطال: فيه رد على الشافعية في اشتراط التراب, لأنه معلوم أنه لم يعلق به تراب إذ لا تراب على الجدار، وتعقبه الكرماني بأنه قد يكون عليه التراب. قال: لأنه قد ثبت أنه ﷺ حتَّ الجدار بالعصا ثم تيمم، فيجب حمل المطلق على المقيد. وتعقبه البدر العيني ﵀ فقال: الجدار إذا كان من حجر لا يحتمل التراب لأنه لا يثبت عليه، خصوصًا جدران المدينة لأنها من صخرة سوداء. وقوله: مع أنه إلخ ممنوع؛ لأن حت الجدار بالعصا رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث كما ذكرناه عن قريب، قال: وهو حديث ضعيف. فإن قلت: حسنه البغوي كما ذكرنا، قلت: كيف حسّنه وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يحتج بهما، قاله مالك وغيره، وأيضًا فإنه منقطع لأن بين الأعرج وبين أبي جهيم عمير، كما سبق عن البخاري وغيره ونص عليه البيهقي وغيره. وفيه علة أخرى وهي زيادة حك الجدار، لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة كما ذكرناه وليس في حديث أحد منهم هذه الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة. قال: ولو وقف الكرماني على ما ذكرنا لما قال: مع أنه ثبت أنه ﷺ حت الجدار.
ومن فوائد الحديث: استدلال الطحاوي به على التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي، وهو قول المالكية فيمن خاف تغير الجنازة بتأخيرها للماء، أو فوت إمكان الصلاة عليها بسبب من الأسباب. ونسب العيني للمالكية عدم الجواز، وهو ليس بصواب إلا أن بعضهم قال: إنه لا يتيمم لفوات صلاتها، ومحله عند وجود فصل عليها غيره، والأكثرون على الجواز في هذه الحالة أيضًا ومنع ذلك الشافعي وأحمد. ووجه الاستدلال بالحديث: أنه إذا تيمم في الحضر لخوف فوت رد السلام كانت الجنازة أولى.
وفيه -أي الحديث: دليل على جواز التيمم للنوافل خلافًا لبعض المالكية. ومنها -أي فوائد الحديث: أنه يدل على مسح الوجه واليدين في التيمم كما سيأتي إن شاء الله.
واحتج به الحسن بن صالح فحمله على ظاهره فقال بوجوب الطهارة لذكر الله، وقد تقدم أنه معارض بما هو أصرح منه في جواز الذكر من غير طهارة.
стр. 786
٣١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ"، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ -وَسَلَمَةُ شَكَّ لَا يَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ الْكَفَّيْنِ- فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
• [رواته: ٨]
١ - محمد بن بشار بن عثمان بندار: تقدم ٢٧.
٢ - محمد بن جعفر الهذلي غندر: تقدم ٢٢.
٣ - شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام: تقدم ٢٦.
٤ - سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي التنعي أبو يحيى الكوفي، دخل على ابن عمر وزيد بن أرقم، روى عن أبي جحيفة وجندب بن عبد الله وابن أبي أوفى وأبي الطفيل وزيد بن وهب وسويد بن غفلة وإبراهيم التيمي وعبد الرحمن بن يزيد وغيرهم، وعنه سعيد بن مسروق الثوري وابنه سفيان الثوري والأعمش وشعبة والحسن وعلي وصالح بنو صالح بن حي وزيد بن أبي أنيسة وابناه محمد ويحيى ابنا مسلمة وعقيل بن خالد وآخرون. قال أحمد: سلمة بن كهيل متقن للحديث وقيس بن مسلم متقن للحديث، ما أبالي إذا أخذت عنهما حديثهما، ووثقه ابن معين والعجلي وزاد: ثبت في الحديث وفيه تشيع قليل، وهو من ثقات الكوفيين. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وكذا قال أبو زرعة وزاد: مأمون ذكي. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثبت على تشيّعه، ووثقه النسائي وقال: ثبت، وعن سفيان كان ركنًا من الأركان، وقال ابن مهدي: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة، منصور وسلمة وعمرو بن مرة وأبي حصين، وعدّه شعبة من ثقات أصحابه لما سأله أهل البصرة فقالوا: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم فإنما أحدثكم
стр. 787
عن نفر يسير من هذه الشيعة، فذكر الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت ومنصور. ولد سنة ٤٧ ومات يوم عاشوراء سنة ١٢١ وقيل: ١٢٢ وقيل: ١٢٣. قال ابن حجر: عن أبي حاتم أنه لم يلق أحدًا من الصحابة إلا جندبًا وأبا جحيفة. وعن سلمة: سمعت جندبًا ولم أسمع أحدًا غيره يقول: قال النبي ﷺ ، أخرجه مسلم وهو في البخاري من طريق الثوري نحوه، وذكره ابن حبان في الثقات. قال النسائي: هو أثبت من الشيباني والأجلح.
٥ - ذر بن عبد الله بن زرارة المرهبي الهمداني أبو عمر الكوفي، روى عن عبد الله بن شداد بن الهاد وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جبير والمسيب بن نجيبة ووائل بن مهانة ويسيع الحضرمي وغيرهم، وعنه ابنه عمر ومنصور والحكم بن عتيبة والأعمش وزبيد اليامي وسلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن السائب وآخرون. وثقه ابن معين والنسائي وقال أحمد: ما بحديثه بأس، ووثقه ابن خراش وقال أبو حاتم: صدوق. قال أبو داود: كان مرجئًا، وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء. قال ابن حبان: كان من عبّاد الكوفة، قال البخاري: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجي وزاد: كان يرى الأرجاء، ووثقه ابن نمير وقال: لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى، وقيل: إنه شهد حرب ابن الأشعث مع الحجاج وذلك بعد سنة ٨٠.
٦ - سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي، روى عن أبيه وعن ابن عباس وواثلة بن الأسقع، وعنه جعفر بن أبي المغيرة وطلحة بن مصرف وعزرة بن عبد الرحمن وقتادة وعبدة بن أبي لبابة وزبيد اليامي وسلمة بن كهيل -وقيل: بينهما ذر بن عبد الله- والحكم بن عتيبة وعطاء بن السائب وآخرون. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد: هو حسن الحديث.
٧ - عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث مختلف في صحبته، استخلفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، ولما قال له عمر في ذلك قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وعمار وأبي بن كعب وغيرهم، وعنه ابنه سعيد وعبد الله بن أبي المجالد والشعبي وأبو مالك غزوان الغفاري
стр. 788
وأبو إسحاق السبيعي وآخرون. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن أبي داود: لم يحدث عبد الرحمن بن أبي ليلة عن رجل من التابعين إلا ابن أبزى، وقال البخاري: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله علي على خراسان، وذكره ابن السكن، وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله ﷺ وهم أحداث الأسنان. وممن جزم بأن له صحبة: خليفة بن خياط والترمذي ويعقوب بن سفيان وأبو عروبة والدارقطني والبرقي وبقي بن مخلد وغيرهم. وفي صحيح البخاري من حديث أبي المجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى وابن أبي أوفى عن السلب فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، الحديث. وقال ابن سعد: أخبرنا أبو العاص: أخبرنا شعبة عن الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: أنه صلى مع النبي ﷺ "فكان إذا خفض لا يكبر".
٨ - عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن ثامر بن عنس -كذا قال ابن سعد- أبو اليقظان العنسي ﵁ مولى بني مخزوم وأمه سمية من لخم، وكان ياسر قدم من اليمن فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه مولاته سمية فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حذيفة، وأسلم عمار وأبوه وأمه قديمًا وكان ممن يعذب في الله، وقتل أبو جهل أمَّه سُمية على الإِسلام فهي أول شهيد في الإِسلام. وعن مسدد قال: لم يكن في المهاجرين من أبوه وأمه مسلمان غيره.
قلت: وفيه نظر، روى عن النبي ﷺ وعن حذيفة بن اليمان، وعنه ابنه محمد بن عمار وابن ابنه سلمة بن محمد على خلاف فيه وابن عباس وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عنمة المزني وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الرحمن بن أبزى وآخرون، وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وآخى النبي ﷺ بينه وبين حذيفة -على قول الحاكم أبي أحمد. وعن ابن مسعود أنه من السبعة الذين هم أول من أظهر الإِسلام، وقيل: إنه أول من بنى مسجدًا يصلي فيه، وعن ربعي عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار". وتعددت الروايات عن النبي ﷺ أنه قال
стр. 789
لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"، ولا خلاف أنه قتله جنود أهل الشام وهو مع علي بصفين. قلت: قتل في آخر الأيام، وبعد قتله قويت نفوس أهل العراق بسبب الأحاديث الواردة فيه وأنه تقتله الفئة الباغية، وذلك سنة ٣٧ وهو ابن ٩٣ سنة.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وابن خزيمة وابن ماجه وابن الجارود.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (أجنبت) أي اتصفت بالجنابة، من قولهم: أجنب الرجل يجنب فهو جنب، وجنب بفتح الجيم أيضًا يجنب كذلك، وقد تقدم معناه في شرح الآية أول الكتاب. والجنابة: الحكم المترتب على البدن بسببه من خروج مني أو إيلاج حشفة في فرج بشهوة يقظة، أو منامًا بشرط الإنزال، كما تقدم في باب غسل الجنابة.
وقوله: (فلم أجد الماء) إما مطلقًا أو الكافي للغسل لأنه المفيد في هذه الحالة، فقال عمر مجيبًا لهذا السائل: (لا تصل) على رأي عمر أن الجنب لا يتيمم في الحضر، كما سيأتي أنه كان يرى ذلك أول الأمر وإن كان رجع عنه بعد ذلك، وكأنه نسي قصة عمار وما مضى فيها من السنة حتى ذكَّره عمار بها، وهي تقتضي وجوب التيمم على الجنب الفاقد للماء، فلما أجاب بهذا الجواب بحضرة عمار ذكَّره بالقصة. وقول عمار: (أما تذكر) الهمزة للإستفهام و (ما) نافية، وقد تقدم أن همزة الإستفهام إذا دخلت على أداة النفي تقتضي الإثبات، لأن فيها معنى النفي ونَفْي النفي إثبات، فالإستفهام حينئذٍ تقريري بمعنى حمل المخاطب على الإعتراف.
وقوله: (إذ أنا وأنت) أي حين كنت أنا وأنت في سريّة، والمراد بها في اصطلاح أهل السير: كل من يبعثه الرسول ﷺ في حرب ونحوه مما لم يخرج فيه بنفسه الكريمة، ولو لم يكن البعث لمحل بعيد، المعنى: مبعوثين في سرية، فيحتمل أنهما بانفرادهما ويحتمل أن معهما غيرهما، وهو الذي يشهد له قوله في
стр. 790
الرواية الأخرى: "أنهما كانا في رعاية الإبل"، ولا ينافي ذلك أنهما في سرية مع الناس؛ لأن الصحابة كانوا في السفر يتناوبون على إبلهم، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم في حاجة الرسول ﷺ كما في الرواية الأخرى. والحاصل أن ما هنا لا ينافي ما في الروايات الأخر، غير أن مقتضى الترجمة أنهم لم يكونوا في سفر، بل كان بعثهم قريبًا لا يجري عليهما حكم المسافر. ووقيل في تعريف السرية: أنها تكون بعدد مخصوص، وهو خلاف ما جرى عليه اصطلاح أهل السير والحديث من أنها: الطائفة من الناس لم يكن فيهم النبي ﷺ .
وقوله: (فأجنبنا) أي أصابت كلًا منا جنابة، يعني أنهما احتلما، والفاء في قوله: (فأجنبنا) وقوله: فلم نجد؛ عاطفة في الموضعين. وقوله: (فأما) الفاء للتفصيل، وكذا (أما) هنا للتفصيل وتقدم الكلام عليها في الحديث (٣١).
وقوله: (فلم تصل) الفاء في جواب (أما) لما فيها من رائحة الشرط، كما تقدم عن سيبويه.
وقوله: (فتمعكت) أي تحككت في التراب، من قولهم: معك الأديم إذا حكّه، أي: تمرغت فيها مثل ما تتمرغ الدابة، كما في الرواية الأخرى: بسائر بدني.
وهذا منه ﵁ اجتهاد: قاس الطهارة الترابية على المائية في التفرقة فيها بين الحدث الأكبر الذي يعمم فيه البدن بالماء والحدث الأصغر الذي يجزئ فيه بعض الأعضاء، ولهذا قال ابن دقيق العيد: إن الحديث فيه دليل على القياس, لأنه لم ينكر عليه قياسه وإنما بين له أن الرخصة خصصت هذه الأعضاء في الحدث الأكبر، كما هو الحال في الحدث الأصغر.
وقوله: (فأتينا النبي ﷺ ) أي بعد رجوعنا فذكرنا ذلك له، أي: عمل كل منا.
وقوله: (فقال إنما كان يكفيك) أي لاستباحة الصلاة بالتيمم.
وقوله: (فضرب النبي ﷺ يديه إلى الأرض) أي يكفيك هذا الفعل الذي أمامك، وفي الرواية الأخرى: "أن تفعل هكذا". وقوله: "ثم نفخ فيهما" أي ليخفف من التراب الذي تعلق بهما، و (ثم) عاطفة للمسح على الضرب لأنه الغرض منه.
стр. 791
وقوله: (مسح وجهه وكفيه) تقدم في شرح الآية الخلاف في كيفية التيمم واشتراط التراب وغير ذلك من أحكامه، وسيأتي لذلك زيادة مع بيان مذاهب العلماء فيه.
وقوله: (وسلمة شك) أي: شك هل ذكر المرفقين أو الكفين فقط؟ .
وقوله: (قال عمر: بل نوليك ما توليت) هذا اختصار في الرواية، وسيأتي أن عمر قال لعمار: اتق الله يا عمار، فقال عمار: إن شئت لا أحدث به، فقال عمر: بل نوليك. . . إلخ، ولو لم يعلم صدقه لما قال له ذلك.
• الأحكام والفوائد
الحديث: فيه دليل على بيان هيئة التيمم وذلك من وجهين: الأول: عدد الضربات، والثاني: مقدار ما يمسح من اليدين، وكل من الأمرين فيه خلاف تقدم في شرح الآية، ولابد من ذكر بعضه هنا.
وقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي في أشهر الروايتين عنه والشعبي في رواية عنه والطبراني وعطاء إلى أنه ضربة واحدة للوجه والكفين. قال أبو عمر: وهو أثبت ما روي في ذلك من عمار.
قلت: إنما قال ذلك لأن أصح ما روي في صفة التيمم هو حديث عمار على اختلاف رواياته، وهو مذهب مكحول وابن المنذر وأهل الظاهر، بل نسبه النووي إلى عامة أهل الحديث.
وذهب، علي وابن عمر ﵃ والحسن البصري والشعبي في الرواية الأخرى عنه وسالم بن عبد الله والثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الرأي -ونسبه ابن رشد إلى فقهاء الأمصار- إلى أن المسح واجب إلى حدِّ الوضوء، وفيه قول لمالك بأن الواجب الضربة الأولى يمسح بها الوجه والكفين، والضربة الثانية يمسح بها إلى المرفقين سنة، وقال الحسن بن حي وابن أبي ليلى: التيمم ضربتان يمسح بكل منهما وجهه وذراعيه. قال الخطابي: لم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي، وذهب الزهري إلى أنه إلى المرفقين، ونسبه ابن رشد إلى محمد بن مسلمة، وعن الزهري إلى الآباط، وذكر ابن بزيزة في أحكامه: أن طائفة قالت: أربع ضربات: ضربتان للوجه
стр. 792
وضربتان لليدين، وليس له أصل في السنة ومثله قول من قال: ثلاث ضربات: ضربة للوجه وضربة لليدين وضربة لهما معًا، وكذا ما روي عن مالك أن الفرض اثنتان والإستحباب إلى ثلاثة، ذكره عنه ابن رشد ومثله أيضًا ما روي عن ابن سيرين: ضربة للوجه وضربة للذراعين، وكذلك القول المتقدم: ثلاث ضربات ضربة لهما معًا، يروى عن ابن سيرين. فأما من جهة الأحاديث؛ فلا شك أن الثابت في حديث عمار من أكثر طرقه الصحيحة ليس فيه إلا الوجه والكفان والضربة الواحدة، وكذلك حديث أبي جهيم المتقدم، وقد قال ابن حجر ﵀: الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها إلا هذان الحديثان، وما عداهما إما ضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن, وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الأباط. فأما رواية إلى المرفقين ونصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية إلى الآباط فقال الشافعي: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ ؛ فكل تيمم صح بعد فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، اهـ.
والجمع ممكن بأن يكون فعل كلًا من الأمرين مرة أو أمر به، وفعل الآخر مرة أخرى أو أمر به.
وقد احتج القائلون بعدم الإقتصار على اليدين والمسحة الواحدة، بأن هذا الذي وردت فيه صورة الضرب؛ للتعليم وليس جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ فالظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء، فلا يترك هذا الصريح إلا بصريح مثله. وقد ذكر ابن حجر ﵀ الأحاديث الواردة في الزيادة، عن ابن عمر وجابر بن عبد الله والأسلع بن شريك التميمي وعائشة وعمار بن ياسر.
قلت: أما حديث ابن عمر "أنه تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه وأنه تيمم فمسح وجهه وذراعيه". رواه أبو داود بسند ضعيف، وروى أبو داود قصة الذي سلّم على النبي ﷺ من طريق ابن عمر، وفيها: "فضرب بيده الحائط ومسح وجهه ثم ضرب أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل" الحديث، ومداره على
стр. 793
أحمد بن ثابت: ضعفه ابن معين وأحمد والبخاري، وقال أحمد والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم -يعني هذا. قال البخاري: خالفه أيوب وعبد الله بن عمر والناس فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله، أي أن الحديث موقوف عند هؤلاء، ورفعه أحمد بن ثابت، والمراد بعبد الله بن عمر الذي خالفه: العمري الذي يروي عن نافع، وقال أبو داود إنه لم يتابع أحد محمد بن ثابت على ضربتين عن رسول الله ﷺ ، ورووه من فعل ابن عمر. قال ابن حجر ﵀: لو كان محمد بن ثابت ثقة لما ضرَّه وقف من وقفه، على طريقة أهل الفقه، وقد قال البيهقي: رفع هذا الحديث غير منكر، لأنه رواه الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، إلا أنه لم يذكر التيمم يعني أن أصل الحديث مرفوع بدون ذكره، ورواه ابن الهاد عن ابن عمر فذكره بتمامه إلا أنه قال: مسح وجهه ويديه، والذي تفرد به محمد بن ثابت في هذا ذكر الذراعين. وحديث ابن عمر: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفيه علي بن ظبيان وقد ضعفه ابن معين ويحيى القطان وغيرهما. قال الدارقطني: وقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما وهو الصواب، ثم رواه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، ورواه الدارقطني أيضًا من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "تيممنا مع النبي ﷺ ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى على الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف" وفيه سليمان بن أرقم: متروك. قال البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري موقوفًا وهو الصحيح، ثم ذكر رواية أخرى عن سالم ونافع جميعًا عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" وهو من طريق سليمان بن داود الحراني وهو متروك. قال أبو زرعة: حديث باطل.
قلت: فهذا معظم ما روي عن ابن عمر في هذا الباب، وهو بمجموعه يفيد أن الموقوف منه على ابن عمر صحيح، ولم يصح شيء من رواياته مرفوعًا، ولكن فعل ابن عمر يدل على أن له أصلًا؛ لأنها مسألة في الطهارة وهي من مهمات الدين، وابن عمر معروف بالتحري والإتباع فيبعد أن يفعلها بدون أصل، والله أعلم.
стр. 794
وفي المسألة غير حديث ابن عمر: حديث جابر أخرجه الحاكم والدارقطني من طريق عثمان بن محمد الأنماطي عن عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ : التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين. قال الحاكم والذهبي: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته، وقال العيني: أخرجه البيهقي والحاكم من طريق إسحاق الحربي -قال ابن حجر ﵀ ومن طريق أبي نعيم- عن عزرة بسنده المذكور قال: "جاء رجل فقال: أصابتني جنابة وإني أجنبت فتمعكتُ بالتراب، فقال له النبي ﷺ : اضرب، فضرب بيده الأرض فمسح وجهه، ثم قال: اضرب، فضرب يديه فمسح بهما إلى المرفقين". قال ابن حجر: ضعّف ابن الجوزي هذا الحديث بعثمان بن محمد وقال: إنه متكلم فيه، وأخطأ في ذلك، قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه، نعم روايته شاذة لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفًا، أخرجه الدارقطني والحاكم. قال الدارقطني في حاشية السنن عقب حديث عثمان بن محمد: كلهم ثقات، والصواب موقوف.
قلت: وهذا الحديث أمثل ما روي في الزيادة في الضربة ومسح الذراعين. وفي المسألة أيضًا حديث الأسلع بن شريك خادم النبي ﷺ ، وفيه: "كنت أخدم النبي ﷺ فأتاه جبريل بآية الصعيد فأراني التيمم، فضربت بيدي الأرض واحدة فمسحت بهما وجهي، ثم ضربت بهما أخرى فمسحت بهما يدي إلى المرفقين". رواه الدارقطني والطبراني، وفيه الربيع بن بدر هو ضعيف. وحديث عائشة عند البزار وابن عدي مرفوعًا: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين"، تفرد به الحريش بن الخريت عن ابن أبي مليكة عنها. قال ابن أبي حاتم: منكر، والحريش شيخ لا يحتج بحديثه. وفيه حديث عمار: "تكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين"، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأُعل بإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: ضعيف. قال ابن حجر: لكنه حجة عند الشافعي.
قلت: فتبين بهذا أن الأحاديث الواردة في الزيادة على الضربة الأولى ومسح الذراعين؛ لم يسلم منها شيء من المقال، وأنسبها حديث جابر وحديث عمار، وإن كان ابن عبد البر قال: إن أكثر الروايات عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فروايات كلها مضطربة. ومع ذلك فالآثار الصحيحة عن ابن عمر وغيره؛ تدل على أن للزيادة أصلًا كما تقدمت الإشارة إليه، ولولا
стр. 795
أن الأحاديث كما قدمنا ليست صالحة لمعارضة الروايات الثابتة في الصحيحين؛ لتحتم المصير إلى الزيادة، ولا شك أن زيادة الضربة والمسح أحوط. والذي يترجح عندي أنه الأصوب إن شاء الله؛ أن يضرب المتيمم ضربة يمسح بها وجهه وكفيه، ثم يضرب أخرى فيمسح بها يديه إلى المرفقين، وهو قول في مذهب المالكية, لأن الفرض إن كان بالضربة الأولى والمسح إلى الكوعين فقط؛ فقد جاء به على وجهه، ثم يحتاط بالثانية كما تقدم.
قال البدر العيني ﵀: (ولما كانت الأحاديث عن عمار مختلفة وذهب كل واحد من المذكورين إلى واحد منها، كان الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على ضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، قياسًا على الوضوء واتباعًا لما روي في ذلك من أحاديث تدل على ضربتين: إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين) اهـ.
قلت: يريد بذلك أن ذكر اليدين في الوضوء محدد بالمرفقين، والتيمم بدل منه والمسح فيه مجمل، فيُحمل الفرع المجمل على أصله المبين، فيؤخذ منه أن نهاية البدل نهاية المبدل منه، أعني أنه يبلغ في المسح إلى محل ما يبلغه في الغسل. وأما الدلالة على الضربتين فغير ظاهرة في الكتاب: إلا أن يقال: لما كان الوضوء لا تغسل فيه اليدان بماء الوجه؛ كان القياس أن التراب كذلك.
قلت: وهذا يأباه أنه قياس مصادم للنص، فهو فاسد لا يعتبر، وهو من نوع قياس عمار للتيمم من الجنابة على الإغتسال لها في تعميم البدن، ففرّق النبي ﷺ بين حال الطهارتين وبين أن التيمم صفته واحدة للحدثين الأكبر والأصغر.
ومن فوائد الحديث: أنه دل على مشروعية التيمم عند فقد الماء، من غير فرق بين الجنب وغيره. قال الشوكاني ﵀: (وقد أجمع العلماء على ذلك ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وحكي مثله عن النخعي؛ من عدم جوازه للجنب. وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك) اهـ.
ومن فوائده على ما قال ابن دقيق العيد: أنه يدل على صحة القياس كما تقدم، وهو عند ابن حزم بعكس ذلك، وسيأتي مزيد فيه في شرح حديث عمار هذا في الرواية الآتية (٣١٦).
стр. 796
٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ خُفَافٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَجْنَبْتُ وَأَنَا فِي الإِبِلِ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ تَمَعُّكَ الدَّابَّةِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ التَّيَمُّمُ".
• [رواته: ٥]
١ - محمد بن عبيد بن محمد المحاربي: تقدم ٢٢٦.
٢ - أبو الأحوص سلام بن سليم: تقدم ٩٦.
٣ - عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي: تقدم ٤٢.
٤ - ناجية بن خفاف هو ناجية بن كعب، يقال له ابن خفاف الأسدي العنزي الكوفي ويقال: إنهما اثنان، روى عن ابن مسعود وعلي وعمار، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأبو حسان الأعرج ووائل بن داود وابن السفر الهمداني ويونس بن أبي إسحاق. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ناجية بن كعب صالح، قال أبو حاتم: شيخ قال يعقوب بن شيبة في حديث أبي إسحاق عن ناجية عن عمار في التيمم: رواه جماعة عن أبي إسحاق فقال زائدة: عنه عن ناجية، ولم ينسبه، وقال أبو الأحوص: عن ناجية بن خفاف، وقال أبو بكر بن عياش: عن ناجية العنزي، وقال ابن عيينة عن إسرائيل عن ناجية بن كعب، قال علي بن المديني قول ابن عيينة ناجية بن كعب؛ غلط، وإنما هو ناجية بن خفاف العنزي. قال علي: وأما ناجية بن كعب فهو أسدي، وناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي لم يسمع هذا الحديث عندي من عمار, لأن ناجية لقيه يونس بن أبي إسحاق وليس هو بالقديم.
وقال الخطيب أبو بكر: (قال ابن عيينة وإسرائيل ومعلي بن هلال: عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب، وهو وهم، قال: وأحسب أن أبا إسحاق رواه لهم عن ناجية غير منسوب، فظنوه ناجية بن كعب) اهـ.
وقد روى أبو نعيم وخلف بن هشام ومحمد بن عبيد المحاربي عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب في قصة وفاة أبي طالب، وروى الترمذي بهذا الإسناد قول أبي جهل للنبي ﷺ : إنَّا لا
стр. 797
نكذبك إلخ.
وهذا جميع ما له عندهم. قال ابن حجر ﵀: فتلخص من أقوال هؤلاء الأئمة أن الراوي عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي، وهو الذي روى عن ابن مسعود وعنه أبو إسحاق وابنه يونس وغيرهما. وأما ناجية بن كعب الأسدي فهو الذي يروي عن علي بن أبي طالب ﵁، فقد قال ابن المديني أيضًا: لا أعلم أحدًا روى عنه غير أبي إسحاق وهو مجهول، وقال العجلي: ناجية بن كعب ثقة كوفي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الجوزجاني: مذموم، وفرّق البخاري وابن أبي حاتم ومسلم في الطبقات وغير واحد بين ناجية بن كعب الأسدي وبين ناجية بن خفاف العنزي، وذكر ابن منده ناجية بن خفاف في الصحابة ولا تصح له صحبة.
٥ - عمار بن ياسر ﵁: تقدم ٣١٢.
١٩٦ - باب التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ
٣١٤ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ، فَانْقَطَعَ عِقْدُهَا مِنْ جَزْعِ ظِفَارِ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ، حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ. قَالَ: فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَنْفُضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الآبَاطِ.
• [رواته: ٨]
١ - محمد بن يحيي بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذئب الذهلي الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإِمام، روى عن عبد الرحمن بن مهدي وبشر بن عمر الزهراني ومحمد بن بكر البرساني ووهيب بن جرير وأبي داود
стр. 798
الطيالسي وعبد الرزاق وعبد الصمد بن عبد الوارث ويعقوب بن إبراهيم وكثير غيرهم، وعنه الجماعة سوى مسلم، ولم يصرح البخاري به بل يقول تارة: حدثنا محمد، وتارة: حدثنا محمد بن عبد الله، وتارة: محمد بن خالد ولم يقل في موضع: حدثنا محمد بن يحيى.
قلت: وسبب عدم رواية مسلم عنه؛ ما جرى بينه وبين البخاري واتهامه له بأنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال: إن من يجالسه فلا يحضر مجلسه. قام مسلم وأخذ رداءه وجمع فيه ما سمع من الذهلي، وبعث به إليه على حمّال كما ذكر ابن حجر وغيره. وروى عنه أبو صالح المصري ومحمد بن عبد الله النفيلي وسعيد بن مريم وسعيد بن منصور وهم من شيوخه وأبو موسى محمد بن المثنى وهو أكبر منه وجماعة من أقرانه منهم محمود بن غيلان ويعقوب بن شيبة وابنه يحيي بن محمد بن يحيي الملقب حبكان وإسحاق بن إبراهيم راوي الصحيح عن مسلم وخلائق آخرون. دخل على أحمد بن حنبل فقام إليه فتعجب الناس، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله فاكتبوا عنه، وقال أحمد: ما رأيت خراسانيًا -أو قال أحدًا- أعلم بحديث الزهري منه ولا أصح كتابًا منه، وقال أبو حاتم: محمد إمام زمانه، وقال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق وهو إمام من أئمة المسلمين، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال أبو داود: كان أمير المؤمنين في الحديث. قال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المؤتمنين، وكان يقول: لما دخلت البصرة استقبلتني جنازة يحيي بن سعيد، مات سنة ٢٥٨ وقيل: سنة ٢٥٦ وقيل: ٢٥٢ بلغ ٨٦ سنة: قال فيه النسائي: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث، وقال ابن خزيمة: إمام عصره بلا مدافعة، وفي الزهرة: روى عنه البخاري ٣٤ حديثًا، وثناء الأئمة عليه كثير ﵀ وإيانا برحمته الواسعة-.
٢ - يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أبو يوسف نزيل بغداد، روى عن أبيه وشعبة وابن أخي الزهري والليث وأبي أويس وعبد العزيز بن المطلب وعبد الملك بن الربيع بن سبرة وعاصم بن محمد بن زيد العمري وسيف بن عمر الضبي وغيرهم، وعنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد بن إبراهيم وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني
стр. 799
وإسحاق بن راهويه وابن معين وعبد الله بن محمد المسندي وعباس الدوري وآخرون. وثقه ابن معين والعجلي وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهلي: روى عن إبراهيم بن سعد عن الزهري وعن أصحاب الزهري، فكثرت روايته لحديث الزهري، ومدار حديثه على أبيه إبراهيم، وقد سمع هو وأخوه سعد الكتب، فمات سعد قبل أن يكتب عنه الناس كثيرًا، وبقي يعقوب فوجدوا عنده علمًا جليلًا. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا يقدم على أخيه في الفضل والورع والحديث، مات سنة ٢٠٨ وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين.
٣ - أبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، روى عن أبيه وصالح بن كيسان والزهري وهشام بن عروة وصفوان بن سليم ومحمد بن إسحاق وشعبة ويزيد بن الهاد وخلق كثير، وعنه الليث وقيس بن الربيع وهما أكبر منه ويزيد بن الهاد وشعبة وهما من شيوخه والقعنبي وأبو الوليد وأبو داود الطيالسيان وابناه يعقوب وسعد ويحيى بن يحيي النيسابوري وآخرون. قال أحمد: ثقة، أحاديثه مستقيمة، وقال ابن معين: ثقة حجة أحب إليَّ في الزهري من ابن أبي ذئب، وقال: أثبت من الوليد بن كثير ومن ابن إسحاق، وقال فيه وفي الليث: هما ثقة، وثَّقه العجلي وأبو حاتم وقال مرة: ليس به بأس. قال البخاري: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق نحوًا من سبعة عشرة ألف ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه. وقال ابن معين: في حديث جمع القرآن ليس أحد حدث به أحسن من إبراهيم بن سعد، حدث مالك بطرف منه. وقال ابن خراش صدوق، ولد سنة ١٠٨ وقيل: مات ١٨٢ وقيل: ١٨٥ وقيل: ١٨٤ وعمره ٧٥ سنة، وسئل أحمد عن حديثه عن أبيه عن أنس مرفوعًا: الأئمة من قريش، فقال: ليس هذا في كتاب إبراهيم بن سعد، لا ينبغي أن يكون له أصل. قال ابن حجر ﵀: رواه جماعة عن إبراهيم. ونقل الخطيب عن إبراهيم أنه كان يجيز الغناء بالعود. ولي قضاء المدينة، وقال ابن عدي: هو من ثقات المسلمين، حدث عنه جماعة من الأئمة، لم يختلف أحد في الكتابة عنه،
стр. 800
وقول من تكلم فيه تحامل، وله أحاديث صالحة مستقيمة عن الزهري وغيره. قلت: وقوله: من تكلم فيه إلخ؛ لعله يقول ذلك ردًا على صالح جزرة قوله: حديثه عن الزهري ليس بذاك, لأنه كان صغيرًا حين سمع منه.
٤ - صالح بن كيسان المدني أبو محمد ويقال: أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير وقال ابن معين: سمع منهما، روى عن سليمان بن أبي خيثمة ونافع مولى ابن عمر ونافع مولى أبي قتادة ونافع بن جبير بن مطعم وأبي الزناد والزهري ومحمد بن عجلان والثلاثة أصغر منه وغيرهم، وعنه مالك بن أنس وابن إسحاق وابن جريج ومعمر وإبراهيم بن سعد وحماد بن زيد وسليمان بن بلال وابن عيينة وآخرون، قال مصعب الزبيري: كان جامعًا بين الحديث والفقه والمروءة، وسئل عنه أحمد فقال: بخ بخ، وقال ابن معين: إنه سمع من ابن عمر وابن الزبير، وقال فيه: ثقة ثقة، وقال أيضًا: ليس في أصحاب الزهري أثبت من مالك ثم صالح بن كيسان، وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: يعد من التابعين، ووثقه النسائي وابن خراش. قال الواقدي: مات بعد ١٤٠ وقيل: مخرج محمد بن عبد الله بن حسن، وكان ثقة كثير الحديث. قال الحاكم: مات وهو ابن مائة، وكان قد لقي جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك تلمذ للزهري وهو ابن سبعين سنة، ابتدأ بالتعلم وهو ابن سبعين. قال ابن حجر: هذه مجازفة قبيحة مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان ولد قبل النبي ﷺ ، ولا أدري من أين وقع ذلك للحاكم. قال ابن حجر: وقرأت بخط الذهبي: الذي يظهر أنه ما أكمل التسعين. وفي صحيح البخاري في كتاب الزكاة: صالح بن كيسان أكبر من الزهري، أدرك ابن عمر. قال ابن حبان في الثقات: كان من فقهاء المدينة الجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئات والمروءة، قال ابن عبد البر: كثير الحديث ثقة حجة.
٥ - ابن شهاب: تقدم ١.
٦ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: تقدم ٥٦.
٧ - ابن عباس ﵄: تقدم ٣١.
٨ - عمار بن ياسر ﵄: تقدم ٣١٢.
стр. 801
• التخريج
أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والبيهقي والشافعي وابن ماجه والدارمي وابن الجارود، تقدم الكلام عليه في رواية عائشة الأولى، والكلام على ما يتعلق بالمسح إلى الآباط في الحديث الذي قبله بحديث واحد.
١٩٧ - الإخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ
٣١٥ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتُّرَابِ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ.
• [رواته: ٨]
١ - العباس بن عبد العظيم العنبري: تقدم ١١٩.
٢ - عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي أبو عبد الرحمن البصري، روى عن عمه جويرية بن أسماء ومهدي بن ميمون وحفص بن غياث وابن المبارك وغيرهم، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود، وروى له أبو داود أيضًا والنسائي بواسطة الذهلي وأبي بكر بن إسماعيل الطبراني، وعباس بن عبد العظيم والحسن بن أحمد بن حبيب وآخرون. قال أبو زرعة: لا بأس به، شيخ صالح، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن وارة: قيل إنه أفضل أهل البصرة، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن قانع، وقال في الزهرة: روى له البخاري ٢٢ حديثًا ومسلم ١٧ حديثًا. مات سنة ٢٣١.
٣ - جويرية بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي أبو مخارق ويقال: أبو أسماء الضبعي، روى عن أبيه ونافع والزهري وبديح مولى عبد الله بن جعفر ومالك بن أنس وهو من أقرانه وغيرهم، وعنه حبان بن هلال وحجاج بن منهال وابن أخته سعيد بن عامر الضبعي وابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء ويحيى القطان وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، وذكره
стр. 802
ابن حبان في الثقات، مات سنة ١٧٣.
٤ - مالك بن أنس: تقدم ٧.
٥ - الزهري: تقدم ١.
٦ - عبيد الله بن عبد الله: تقدم ٥٦.
٧ - أبوه عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبيد الله ويقال: أبو عبد الله ويقال: أبو عبد الرحمن المدني ويقال: الكوفي، أدرك النبي ﷺ ورآه، وروى عنه وعن عمه عبد الله بن مسعود وعمر وعمار وعمر بن عبد الله بن الأرقم مكاتبة وأبي هريرة وغيرهم، وعنه ابناه عبيد الله وعوف وحميد بن عبد الرحمن ومعاوية بن عبد الله بن جعفر وأبو إسحاق السبيعي وعامر الشعبي وعبد الله بن معبد الزماني ومحمد بن سيرين وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة رفيعًا كثير الحديث والفتيا فقيهًا، وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره العقيلي في الصحابة، وروي من طريق جريج بن معاوية عن أبي إسحاق عنه: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي؛ وقد وهم جريج فيه، والصواب أنه من رواية عبد الله عن عمه عبد الله بن مسعود، يعني أنه من رواية عبد الله بن عتبة -صاحب الترجمة- عن عمه عبد الله بن مسعود، وقد سبق ابن عبد البر لرد ذلك في الإستيعاب. وذكره البرقي فيمن أدرك النبي ﷺ ولم تثبت له رواية عنه، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة ممن ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وذكر ابن حبان أنه كان يؤم الناس بالكوفة في إمارة بشر بن مروان سنة ٧٤، وقد ذكر محمد بن عمر أنه مات في ولاية بشر، وقال خليفة: مات سنة ٧٣ وقيل: ٧٤، والله أعلم.
٨ - عمار بن ياسر ﵁: تقدم ٣١٢.
تقدم ما يتعلق به في شرح حديث عمار الأول، وتقدم كلام الشافعي على هذه الرواية هنالك.
١٩٨ - نَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّيَمُّمِ وَالنَّفْخِ فِي الْيَدَيْنِ
٣١٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
стр. 803
أَبْزَى قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رُبَّمَا نَمْكُثُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَلَا نَجِدُ الْمَاءَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَإِذَا لَمْ أَجِدِ الْمَاءَ لَمْ أَكُنْ لأُصَلِّيَ حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: أَتَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كُنْتَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا وَنَحْنُ نَرْعَى الإِبِلَ فَتَعْلَمُ أَنَّا أَجْنَبْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَّا أَنَا فَتَمَرَّغْتُ فِي التُّرَابِ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الصَّعِيدُ لَكَافِيكَ، وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَبَعْضَ ذِرَاعَيْهِ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
• [رواته: ٨]
١ - محمد بن بشار الخزاعي وهو بندار: تقدم ٢٧.
٢ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدم ٤٩.
٣ - سفيان بن سعيد الثوري: تقدم ٣٧.
٤ - سلمة بن كهيل: تقدم ٣١٢.
٥ - أبو مالك الغفاري اسمه غزوان الكوفي، روى عن عمار بن ياسر وابن عباس والبراء بن عازب وعبد الرحمن بن أبزى وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وعنه سلمة بن كهيل وإسماعيل السدي وحصين بن عبد الرحمن وإسماعيل بن سميع. قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي مالك الذي روى عنه حصين فقال: هو الغفاري كوفي ثقة، واسمه غزوان. وذكره ابن حبان في الثقات، وعن أبي زرعة: لا يسمى، كذا قال وقد سمّاه غيره. وفي تفسير ﴿الرَّحْمَنِ﴾ من صحيح البخاري: وقال أبو مالك: "العصف أول ما ينبت"، ووصله عبد بن حميد من طريق ابن المبارك.
٦ - عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي، روى عن أبيه، وعنه الأجلح الكندي وأسلم المنقري وسلمة بن كهيل ومنصور بن المعتمر وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات، ليس له عند أبي داود إلا حديث القراءة على أبي. قال ابن حجر: علق له البخاري في تفسير آل عمران موضعًا نَبَّهْتُ عليه في ترجمة طلحة القناد، وقال أحمد فيه وفي أخيه سعيد: كلاهما
стр. 804
حسن الحديث.
قلت: التعليق الذي أشار إليه قول البخاري ﵀ في تفسير آل عمران عند قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: قال مجاهد: المسومة، المطهمة، وقال سعيد بن جبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: الراعية. قال ابن حجر: وهذا الأثر وصله ابن جرير من طريق وكيع عن طلحة القناد قال: سمعت عبد الله فذكره.
٧ - عبد الرحمن بن أبزى: تقدم ٣١٢.
٨ - عمار بن ياسر ﵁: تقدم ٣١٢.
• التخريج
هذه رواية أخرى من روايات حديث عمار الذي تقدم تخريجه.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (ربما) تقدم الكلام على رُبَّ، وأنها تكون حرف تقليل وقد تأتي للتكثير، وهي من حروف الجر المختصة بالأسماء، وما زائدة.
وقوله: (الشهر والشهرين) منصوب على الظرفية لقوله: نمكث، أو على التشبيه بالمفعول به.
وقوله: (ولا نجد الماء) أي: ونحن لا نجد الماء، والجملة حالية و (ما) الزائدة أبطلت اختصاص رب بالأسماء، فكفتها عن العمل ولهذا صح مجيء الفعل بعدها. وقول عمر ﵁: (أما أنا)، تقدم الكلام على أما في حديث ابن عباس في المقبورين (٣١)، والفاء في قوله: "فإذا لم أجد" واقعة في جواب أما، وأكثر ألفاظه تقدمت في الرواية الأولى. وقول عمار: (فتعلم) أي فأنت تعلم، وإنما قال له ذلك لإعتقاده أنه تذكر القصة أو سيتذكرها ولهذا قال: نعم، وهذه اللفظة ليست في أكثر الروايات، ومما لم يتقدم قوله: (فضحك) أي النبي ﷺ تعجبًا من فعل عمار.
وقوله: (إن كان) إن هي المخففة من الثقيلة، والأصل: إنه، أي الأمر والشأن، ولكنها هنا مهملة ولذا صحبتها اللام الفارقة على حد قول ابن مالك:
وتلزم اللام إذا ما تهمل
وتقدم الكلام على الصعيد في شرح الآية الكريمة أول الكتاب المبارك،
стр. 805
وفعل عمار يدل على أنه كان قد عرف أن الصعيد كافيًا، ولهذا لم ترد هذه اللفظة في أكثر روايات الحديث، ولعل أصل العبارة إن كان التيمم بالصعيد، ولهذا قال: (وضرب بكفيه) أي ليريه كيفية التيمم، والهيئة التي تكفيه من ذلك ويكفيه الصعيد فيها. وقول عمر: (اتق الله يا عمار) لم يرد في الرواية الأولى، لكن تقدم أننا أشرنا إلى أن قول عمر لعمار: بل نوليك في ذلك ما توليت؛ سببه هذه اللفظة الثابتة هنا وهي قوله: (اتق الله يا عمار فقال عمار: إن شئت لم أذكره، فقال عمر: بل نوليك إلخ) وتقدم شرح الحديث مستوفى والحمد لله، ولكن بقي بعض الفوائد. تذكره هنا إن شاء الله.
• الأحكام والفوائد
فمنها: استفتاء الإنسان عن الأمر الذي ينوبه في بعض الأحيان وهو واجب لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وقد تقدم له نظائر، ومنها: أن العالم قد ينسى الحكم الذي مر عليه أو يكره الفتيا به خشية مفسدة تترتب عليه، ومنها: تذكير الإنسان للعالم أو المفتي بالأمر الذي يعلم أنه قد سبق علمه به، وذلك لا ينافي الأدب بل هو من الواجب في الأحكام، وقد قال ﷺ : "فإذا نسيت فذكروني"، ومنها: التأدب مع الولاة واحترامهم في التذكير والمراجعة، ومنها: أن عمر ﵁ كان لا يرى التيمم للجنب ولا يرى أن اللمس في الآية المراد به الجماع لأنه لو كان يرى ذلك لكان الحكم عنده منصوصًا عليه في الآية، لأن الله قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فمن يرى أن الملامسة في الآية الجماع فالتيمم للجنابة عنده منصوص عليه، ومثل عمر ابن مسعود في ذلك ﵄. واستدل به ابن حزم على عدم صحة القياس, لأن عمارًا قاس التطهير من الجنابة بالتراب على التطهير منها بالماء، في الكيفية التي هي تعميم البدن فرد عليه النبي ﷺ ، وأجيب عنه بأن النبي ﷺ لم يردّ عليه في أصل القياس الذي هو قياس التطهير من الجنابة بالتراب على التطهير منها بالماء في الجملة، وإنما رد عليه في كيفية ذلك الإلحاق, لأن الوجه الذي اعتبره عمار في هذا القياس غير موجود في الأصل الذي هو التطهير من الحدث الأصغر. وتوضيح ذلك أن هذا الأصل المنصوص في الحدث الأصغر عند عمار؛ اعتبار القياس فيه من وجهين: أحدهما: فاسد لعدم وجوده في
стр. 806
الأصل، وهو تعميم محل الطهارة المائية بالتراب؛ لأن التيمم الذي هو بدل الوضوء لا يمسح فيه جميع أعضاء الوضوء، فلا يمسح فيه الرأس ولا القدمان، فلما كان الوصف غير موجود في الأصل انتفى وجوده في الفرع، فاختل القياس لعدم مساواة الأصل للفرع من هذا الوجه، وهو الفاسد في هذا القياس. وبقي الوجه الثاني: وهو إقرار عمار على قياس استعمال التراب بدل الماء في الحدث الأكبر على استعماله في الأصغر، وبهذا صح أن يُستدل بالحديث على صحة القياس في الجملة، وإنكار النبي ﷺ إنما كان لعدم وجود ما اعتبره عمار من التعميم للبدن، لعدم وجوده في الأصل الذي هو أعضاء الوضوء، ولا يلزم من ذلك فساد القياس بالكلية، ولهذا قال: "إنما كان يكفيك -في إلحاق التطهير من الجنابة بالتطهير من الحدث الأصغر- هكذا" وأراه كيفية التيمم. وفي الحديث: طلب التثبت في الأمر والفتيا وهو كثير في فعل عمر ﵁ وفيه: رد الحكم إلى من أفتى فيه ببينة أو دليل عليه إذا كان مؤتمنًا فيما يقوله، وفي هذه العبارة دليل على أن عمر رجع إلى قول عمار, لأنه لم يكن ليقولها إلا وقد علم أن الحق معه، وذلك يرد قول ابن مسعود لأبي موسى ﵄ الآتي: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؛ لأنه لو لم يقنع به لنهاه عن التحديث به والفتيا في ذلك، فإن عمر ما كان ليسكت له على شيء لا يراه حقًا ويقرّه على الفتيا به، وهذا بيِّن ظاهر والله أعلم.
١٩٩ - نَوْع آخَرَ مِنَ التَّيَمُّمِ
٣١٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ التَّيَمُّمِ؟ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَتَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا" وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَخَ فِي يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
• [رواته: ٨]
١ - عمرو بن يزيد الجرمي: تقدّم ١٣٠.
стр. 807
٢ - بهز بن أسد: تقدم ٢٨.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - الحكم بن عتيبة الفقيه الكندي مولاهم: تقدّم ١٠٤.
٥ - ذر بن عبد الله: تقدّم ٣١٢.
٦ - سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: تقدّم ٣١٢.
٧ - عبد الرحمن بن أبزى: تقدم ٣١٢.
٨ - عمار بن ياسر ﵁: تقدم ٣١٢.
هذه رواية أخرى لحديث عمار، وقوله: (لم يدر ما يقول) يعني أن عمر توقف عن الفتيا، وقال كما تقدم: إنه لو أجنب ما كان ليصلي حتى يجد الماء.
وقوله: (إنما كان يكفيك هكذا) وفي رواية: (أن تقول) بمعنى أن تفعل، ففيه إطلاق القول على الفعل. قال ابن دقيق العيد: وقد قالوا إن العرب استعملت القول في كل فعل، قال الصنعاني: ومن مجازه -أي مجاز إطلاق القول: قال بيده؛ أهوى بها، وقال برأسه: أشار به، وقال الحائط؛ سقط. قال أبو النجم:
غيثًا إذا جئت إليه قاصدا
ترجو الغنى وتذهب الشدائدا ... قال لك الطير تقدم راشدا
قلت: ووجه ذلك أنهم شبهوا فعل اللسان وحركته بالكلام؛ بحركة الجوارح وفعلها بجامع السرعة، ثم أطلق عليها القول على سبيل الإستعارة التصريحية والقرينة عقلية.
٢٠٠ - نَوْع آخَرَ
٣١٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ وَسَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَلَمَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ"، وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ إِلَى
стр. 808
الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ -شَكَّ سَلَمَةُ وَقَالَ: لَا أَدْرِى فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ. قَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ. قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ يَقُولُ الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُكَ، فَشَكَّ سَلَمَةُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لَا؟
• [رواته: ٩]
١ - عبد الله بن محمد بن تميم بن أبي عمر مولى بني هاشم أبي حميد المصيصي، روى عن حجاج بن محمد وأبي عاصم بن موسى النصيبي ووهب بن جرير بن حازم وإسحاق بن عيسى بن الطباع وغيرهم، وعنه النسائي وأبو عوانة الإسفرائيني وأحمد بن هارون البرديجي وحاجب بن الركين وابن صاعد وأبو بكر بن زياد النيسابوري وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
٢ - حجاج بن محمد: تقدم ٣٢.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦.
٤ - الحكم بن عتيبة مولى كندة: تقدم ١٠٤.
٥ - سلمة بن كهيل: تقدم ٣١٢.
٦ - ذر بن عبد الله: تقدم ٣١٢.
٧ - سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: تقدم ٣١٢.
٨ - عبد الرحمن بن أبزى: تقدم ٣١٢.
٩ - عمار بن ياسر ﵁: تقدم ٣١٢.
هذه الرواية الأولى لحديث عمار أعادها هنا.
٢٠١ - باب تَيَمُّمِ الْجُنُبِ
٣١٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَوَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ
стр. 809
الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ بِالصَّعِيدِ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا"، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ ضَرْبَةً فَمَسَحَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى كَفَّيْهِ وَوَجْهِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ.
• [رواته: ٦]
١ - محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي الحافظ، روى عن عبد الله بن إدريس: تقدم ١١٧.
٢ - أبو معاوية محمد بن خازم الضرير: تقدم ٣٠.
٣ - سليمان بن مهران الأعمش: تقدم ١٨.
٤ - شقيق بن سلمة: تقدم ٢.
٥ - عبد الله بن مسعود ﵁: تقدم ٣٩.
٦ - أبو موسى الأشعري ﵁: تقدم ٣.
تقدم أن قول ابن مسعود: إن عمر لم يقنع بقول عمار؛ غير مسلَّم، وأنه لو لم يقنع به لما سكت عنه وقال له: نوليك ما توليت.
٢٠٢ - باب التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ
٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ".
• [رواته: ٥]
١ - سويد بن نصر: تقدم ٥٥.
٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦.
٣ - عوف بن أبي جميلة الأعرابي الهجري: تقدم ٥٧.
٤ - أبو رجاء بن ملحان ويقال: ابن تيم ويقال: ابن عبد الله العطاردي البصري أدرك زمن النبي ﷺ ولم يدركه، روى عن عمر وعلي وعمران بن
стр. 810
حصين وابن عباس وسمرة بن جندب وعائشة، وعنه أيوب وجرير بن حازم وعوف الأعرابي وعمران القصير ومهدي بن ميمون وأبو الأشعث وآخرون. وثقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد، وله رواية وعلم بالقرآن وأمّ قومه أربعين سنة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز وقيل: سنة ١١٧ وقيل: قبل الحسن سنة ١٠٧، قال أبو حاتم: جاهلي فَرَّ من النبي ﷺ ثم أسلم بعد الفتح، أتى عليه عشرون ومائة سنة، مات سنة ١٠٩. وذكر ابن حجر أن ابن سعد قال: إن اسمه عطارد، وقال ابن أبي حاتم: عمران بن ملحان ويقال: عمران بن تيم وهو أصح، وقال البخاري في الأوسط: ملحان ما أراه يصح.
٥ - عمران بن حصين ﵁ ابن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن غاضرة بن سلول بن حبشة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي أبو نجيد بضم النون مصغرًا، أسلم عام خيبر هو وأبو هريرة، روى عن النبي ﷺ وعن معقل بن يسار، وعنه ابنه نجيد بن عمران وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطاردي وربعي بن حراش ومطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن وابن سيرين وعبد الله بن بريدة وغيرهم. استقضاه ابن عامر على البصرة ثم استعفى من القضاء ومات بالبصرة سنة ٥٢، وكان الحسن يحلف بالله: ما قدمها راكب خير من عمران بن حصين. وعند ابن سعد: أن الذي استقضاه زياد، فيحتمل أن كلًا منهما استقضاه. وكانت الملائكة تسلم عليه حتى اكتوى، فانقطع عنه التسليم فترك الكي فعاد له التسليم، وإنما اكتوى من أجل البواسير؛ وقيل: إنه كان حامل راية خزاعة يوم الفتح، وقيل: إنه مات سنة ٥٣، والله أعلم.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم والدارمي وابن الجارود، وعند البخاري أيضًا طرف من حديث طويل في غزوة تبوك، وكذا لمسلم.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (رأى رجلًا)، قال ابن حجر: لم أقف على اسمه، ثم ذكر أن ابن الملقن ذكر في شرح العمدة أنه خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، وقال العيني: قال صاحب التوضيح: هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، ثم
следующие страницы →