← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18222

شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية

محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 806 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

٣ - مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي مولى بني مخزوم أبو السائب المخزومي المدني، روى عن أبيه وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعنه مالك وابن لهيعة وقدامة بن محمَّد الخشرمي والقاسم بن رشدين بن عمير وابن المبارك وابن وهب ومعن بن عيسى والواقدي والقعنبي وغيرهم قال مالك: كان رجلًا صالحًا، وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس. قلت: هذا الذي يقول مالك: "حدثني الثقة" من هو؟ قال: مخرمة بن بكير بن الأشج. وعن أحمد: أخذ مالك كتاب مخرمة فنظر فيه، فكل شيء يقول فيه: بلغني عن سليمان بن يسار؛ فهو من كتاب مخرمة -يعني عن أبيه عن سليمان، وقال أحمد عنه: ثقة لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه. وقال ابن أبي خيثمة: قلت لابن معين: مخرمة بن بكير؟ فقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمع منه، وقال الدوري: عن ابن معين: ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمع منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلَّا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، هذه كتبه، وقال معن بن عيسى: مخرمة سمع من أبيه وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال علي بن المديني: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي، وقيل لابن المديني: أيما أحب إليك يحيى بن سعيد أو مخرمة بن بكير؟ فقال: يحيى في معنى ومخرمة في معنى، وجميعًا ثقتان، ويحيى أشد ومخرمة أكثر حديثًا ومخرمة ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث عن أبيه؟ فحلف لي: ورب هذه البنية سمعت من أبي، وقيل لأحمد بن صالح: كان مخرمة من ثقات الناس؟ قال: نعم، وقال ابن عدي: وعند ابن وهب ومعن وغيرهما عن مخرمة أحاديث حسان مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ١٥٩ في آخر ولاية المهدي. قلت: كذا قال، والصواب في ولاية المهدي من غير ذكر الآخر، لما سيبينه ابن حجر ﵀ وإيانا. قال ابن

стр. 947

حجر: تتمة كلام ابن حبان: يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه، لأنه لم يسمع من أبيه، وقال ابن سعد: (كان ثقة كثير الحديث، مات في أول ولاية المهدي) اهـ. قال ابن حجر: (وهذا هو الصواب لأن المهدي ولي الخلافة في آخر سنة ٥٨، وأقام فيها نحو ١٠ سنين فلا يوصف آخر ولايته بأنه سنة ٥٩، وقد أرّخ ابن قانع وفاة مخرمة سنة ٥٨، وقال الساجي: صدوق وكان يدلس) اهـ. ٤ - بكير بن عبد الله بن الأشج: تقدم ٢١١. ٥ - سليمان بن يسار: تقدم ١٥٦. علي وعبد الله بن عباس تقدما قبله بحديث. وتقدم شرح الحديث. ٤٣٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضى الله عنه - الْمِقْدَادَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ". • [رواته: ٥] ١ - سويد بن نصر المروزي: تقدم ٥٥. ٢ - عبد الله بن المبارك: تقدم ٣٦. ٣ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥. ٤ - سليمان بن يسار: تقدم ١٥٦. ٥ - علي ﵁: تقدم ٩١. تقدم ما يتعلق بالحديث. ٤٣٨ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُرِئَ عَلَى مَالِكٍ وَأَنَا أَسْمَعُ: عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنَ الْمَرْأَةِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْي؟ فَإِنَّ عِنْدِى ابْنَتَهُ وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".

стр. 948

• [رواته: ٦] ١ - عتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي: تقدّم ٩٨. ٢ - مالك بن أنس: تقدّم ٧. ٣ - سالم بن أبي أمية أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله: تقدّم ١٢١. ٤ - سليمان بن يسار: تقدّم ١٥٦. ٥ - المقداد بن الأسود: تقدّم ١٥٦. ٦ - علي ﵁: تقدم ٩١. تقدم ما يتعلق به. ٢٧٣ - باب الأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ٤٣٩ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يُفْرِغَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". • [رواته: ٦] ١ - مالك بن أنس ﵀ وإيانا: تقدّم ٧. ٢ - إسماعيل بن عبد الله بن سماعة العدوي: تقدّم ٢٠١. ٣ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإِمام: تقدّم ٥٦. ٤ - محمَّد بن شهاب الزهري: تقدّم ١. ٥ - سعيد بن المسيب: تقدّم ٩. ٦ - أبو هريرة ﵁: تقدّم ١. تقدم الحديث أول حديث في الكتاب. ٤٤٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى ثُمَّ اضْطَجَعَ وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. مُخْتَصَرٌ.

стр. 949

• [رواته: ٥] ١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١. ٢ - داود بن عبد الرحمن العطار العبدي أبو سليمان المكي، روى عن هشام بن عروة وابن جريج ومعمر وابن خثيم وإسماعيل بن كثير وعمرو بن دينار وعمرو بن يحيى المازني ومنصور بن عبد الرحمن بن صفية وغيرهم، وعنه ابن المبارك وابن وهب والشافعي وسعيد بن منصور ويحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وآخرون، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح وذكره ابن حبان في الثقات، وقال إبراهيم بن محمَّد الشافعي: ما رأيت أعبد من الفضيل بن عياض ولا أورع من داود بن عبد الرحمن ولا أفرس في الحديث من ابن عيينة، ولد داود سنة ١٠٠ ومات سنة ١٧٥، وقيل: سنة ١٧٤، قال ابن حبان: وكان متقنًا من فقهاء مكة، قال ابن سعد: وكان كثير الحديث وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، ووثقه البزار وقال العجلي: مكي ثقة، ونقل الحاكم عن ابن معين تضعيفه، والله أعلم. قلت: وهذا مما لا يؤثر في مثله. ٣ - عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي: تقدم ١٥٤. ٤ - كريب مولى ابن عباس: تقدم ٢٥٣. ٥ - ابن عباس ﵄: تقدم ٣١. • بعض ما يتعلق به تقدم ما يتعلق بالنوم وبالنعاس في الصلاة، وسيأتي الكلام على بقيته في الصلاة. والشاهد قوله: (فصلَّى ولم يتوضأ) فيه احتمالان: أحدهما: أنه نام بمعنى اضطجع ونعس نعاسًا خفيفًا، ويشهد له حديث: اضطجع حتى يأتيه المؤذن، فيكون من أدلة أن النعاس لا ينقض الوضوء، أو يكون ذلك منه على أنه نام نومًا ثقيلًا محمولًا على الخصوصية، كما قال لعائشة: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. فالخصوصية وإن كانت لا تثبت بالإحتمال لكن احتمالها حاصل، وعلى

стр. 950

القول الأول، يكون في الحديث دليل على قول من قال: إن النوم لا ينقض ولو كان النائم مضطجعًا، ما لم يكن ثقيلًا بحيث يحتمل أن يكون خرج منه شيء وهو لا يدري، وقد تقدم ذلك وأقوال العلماء فيه. ٤٤١ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَرْقُدْ". • [رواته: ٥] ١ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي وهو ابن كثير: تقدم ٢٢. ٢ - محمَّد بن عبد الرحمن الطّفاوي أبو المنذر البصري، روى عن هشام بن عروة وأيوب والأعمش وعوف الأعرابي وداود بن أبي هند وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وبندار وأبو موسى والفلاس وأبو خيثمة ويعقوب الدورقي وغيرهم. قال أحمد: كان يدلس، وقال ابن معين: لم يكن به بأس، البصريون يرضونه. قال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أبو داود وأبو حاتم: ليس به بأس، زاد أبو حاتم: صدوق صالح إلَّا أنه يهم أحيانًا، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو زرعة أيضًا: الطفاوي صدوق إلَّا أنه يهم أحيانًا، وقال أبو حاتم الرازي أيضًا: ضعيف الحديث، قال الدارقطني: قد احتج به البخاري، وقال ابن عدي: وعامة روايته أفراد وغرائب، وإنما ذكرته لأحاديث أيوب التي انفرد بها، وكلها يحتمل ويكتب حديثه، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا ولا بأس به. قال ابن حجر -رحمنا الله وإياه: الذنب فيها لغير الطفاوي، فإنها من رواية عمرو بن عبد الجبار السخاوي عن الطفاوي، وقد أورد له ابن عدي الحديث الأول في ترجمته وهو المتهم به، والله تعالى أعلم. ٣ - أيوب بن أبي تميمة السختياني: تقدم ٤٨. ٤ - أبو قلابة: تقدم ٣٢١. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. تقدم شرحه ١٦٢.

стр. 951

٢٧٤ - باب الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ٤٤٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: عَلَى أَثَرِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَلَمْ أُتْقِنْهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بُسْرَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". • [رواته: ٥] ١ - قتيبة: تقدم ١. ٢ - سفيان بن عيينة: تقدم ١. ٣ - عبد الله بن أبي بكر: تقدم ١٦٣. ٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤. ٥ - بسرة بنت صفوان: تقدم ١٦٣. تقدم شرحه ١٦٣. ٤٤٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ". • [رواته: ٧] ١ - عمران بن موسى القزاز الليثي: تقدم ٦. ٢ - محمَّد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري أبو الخطاب البصري المكفوف، جدُّه العنبر يكنى أبا كردم، روى عن سعيد بن أبي عروبة وجل روايته عنه عن روح بن القاسم، وشعبة وحسين المعلم والحكم بن فروخ وعبيد الله بن الأخنس وأبي معشر وأبي هلال الراسبي وغيرهم، وعنه ابنه سواء وابن أخيه محمَّد ثعلبة بن سواء ووهب بن جرير بن حازم وزيد بن الحباب وخليفة بن خياط ومعلى بن أسد العمي وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، وكان يزيد بن زريع يقول: عليكم به، وقال الأزدي في الضعفاء: كان يغلو في القدر وهو صدوق، وقال ابن المديني: هو من الطبقة السابعة من أصحاب

стр. 952

شعبة، وقد سئل ابن معين عنه في ابن أبي عروبة فقال: هو كخالد بن القاسم، وكان في الذكاء يشبه قتادة. مات سنة ١٨٧، وقيل: سنة ١٨٩. ٣ - شعبة بن الحجاج: تقدم ٢٦. ٤ - معمر بن راشد: تقدم ١٠. ٥ - الزهري محمَّد شهاب: تقدم ١. ٦ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤. ٧ - بُسْرة بنت صفوان ﵂: تقدمت ١٦٣. تقدم شرح الحديث. ٤٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِيهِ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، فَأَرْسَلَ عُرْوَةُ: قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ فَقَالَ: "مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ". • [رواته: ٦ وهم المذكورون في الذي قبله إلَّا اثنين] ١ - الليث بن سعد: تقدم ٣٥. ٢ - مروان بن الحكم: تقدم ١٦٣. تقدم شرحه وما يتعلق به ١٦٣. ٤٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ": قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • [رواته: ٥] ١ - إسحاق بن منصور: تقدم ٨٨. ٢ - يحيى بن سعيد الأنصاري: تقدم ٤. ٣ - هشام بن عروة: تقدم ٦١. ٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤. ٥ - بسرة بنت صفوان: تقدمت ١٦٣.

стр. 953

انتهى تبييض هذا الجزء والذي قبله عند صلاة الظهر يوم الإثنين الموافق لخمس مضين من جمادى الأولى سنة ١٣٩٩ هـ وأرجو الله تيسير التمام والتوفيق في القول والعمل وأن يغفر لي ولكل من دعا لي بخير انتهى تصحيح هذا الجزء على يد مؤلفه بعرض أخيه في الله الفاضل الأستاذ محمَّد نذير حامد الحلبي المدرس بشعبة اللغة بالجامعة الإِسلامية، وكان الإنتهاء منه ضحوة الإثنين ٤ شعبان المبارك بمنزل المؤلف بالمدينة المنورة سنة ١٤٠٣ هـ نسأل الله التوفيق والعون انتهى بحمد الله الجزء الثالث من كتاب سنن النسائي ويليه الجزء الرابع بشرح المؤلف ﵀)

стр. 954

شرح سنن النسائي المسمى «شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية» تأليف فضيلة الشيخ محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي المدرس بالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة المتوفى في المدينة سنة ١٤٠٥ هجرية، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين [الجزء الرابع]

стр. 955

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنبيه: لم يتم الشيخ ﵀ شرح هذا الجزء، وقد ترك فراغًا في بعض المواضع، وذلك ليرجع إلى الإكمال، ولكن المنيَّة عاجلته ﵀ قبل ذلك. وقد أشير إلى تلك المواضع بترك الفراغ والنقاط. كما أن هذا الجزء لم يبيض الشيخ ﵀ مسودته. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكتب للشيخ أجره كاملًا وأن يضاعفه بفضله ومنه وكرمه وهو أرحم الراحمين.

стр. 956

كتاب الصلاة فَرْضِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ - رضى الله عنه - وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ ٤٤٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَقْبَلَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَلآنَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشَقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ فَغَسَلَ الْقَلْبَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِمَّا

стр. 957

يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيل فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَجَعَلَهَا ثَلَاثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ ثُمَّ عَشْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَقُلْتُ: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَنُودِيَ أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا". • [رواته: ٦] ١ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي مولى عبد القيس: تقدم ٢٢. ٢ - يحيى بن سعيد بن فروخ القطان الأحول: تقدم ٤. ٣ - هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر الدستوائي: تقدم ٢٥. ٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدم ٣٤. ٥ - أنس بن مالك ﵁: تقدم ٦. ٦ - مالك بن صعصعة الأنصاري المازني، روى عن النبي ﷺ حديث المعراج بطوله وعنه أنس بن مالك، قال ابن حجر: نسبه ابن سعد فقال: مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن

стр. 958

عدي بن النجار. قال ابن حجر في فتح الباري: (ما له في البخاري ولا من غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف راوٍ عنه إلا أنس بن مالك) اهـ، والله أعلم. • التخريج أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن خزيمة، وحديث الإسراء ثابت بروايات متعددة وطرق مختلفة مطولة ومختصرة، فهي بمجموعها يحصل بها التواتر المعنوي. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد نقله لأحاديث الإسراء عن جماعة من الصحابة في الصحيحين والنسائي ومسند أحمد والبيهقي في الدلائل والطبراني وابن جرير، بطرق متعددة منهم أنس بن مالك بدون واسطة وبواسطة مالك بن صعصعة وأبي بن كعب وأبي ذر وجابر وابن عباس وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن مسعود وحذيفة وبريدة بن الخطيب وأبي سعيد الخدري وعمر بن الخطاب وعائشة وأم هانئ، وذكر طرقًا كثيرة مطولة ومختصرة ثم قال -رحمه الله تعالى-: فإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث كلها صحيحها وحسنها وضعيفها؛ يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على غير الأنبياء ﵈. اهـ. ثم قال: قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) -وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد- ثم قال: (وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وشداد بن أوس وابن عباس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قطى وأبي حية وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر الصديق ﵃ الجميع. منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة؛ فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة الملحدون، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) اهـ.

стр. 959

• اللغة والإعراب والمعنى قوله: "فرض الصلاة" الفرض في اللغة: القطع والواجب لأنه مقطوع بلزومه وتعيين الحق وتحديده، ومنه قوله تعالى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: عيّنها لك، وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: تعيّنوا لهن الصداق لأنه يجب ما تعيّن منه وحدد، وفريضة الزكاة: الواجب في المال أو هو النصاب وكل منهما يسمى فريضة، قال الشاعر: كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم أي: الموجب له. وفرضه يفرضه فرضًا وفرَّضه للتكثير: أوجبه وعيّنه، وفرائض الله: حدود شرعه ومعالم دينه الذي أوجب على عباده العمل به، والفرائض: الحقوق الواجبة في الميراث لأنها لازمة متعينة لأهلها، وفرضة النهر: المشرب منه، وجمعه فرض وفرائض، والمشرعة أيضًا وفراض فيهما. قال لبيد: تجري خزائنه على من نابه ... جري الفرات على فراض الجدول وفرضة البحر: محط السفن، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ بالتخفيف والتشديد: أوجبنا العمل بما فيها أو بيّنا فيها الفرائض الواجبة. والفرض والواجب عند الجمهور مترادفان بمعنى، وعند أبي حنيفة ﵀ الفرض آكد من الواجب. قال ابن عرفة: التوقيت في الواجب يعني التحديد والتعيين، وفرض الصلاة يجوز أن يكون إلزام العباد بها وبيان حكم ذلك لهم، فتكون أل في الصلاة للجنس، وهذا بناء على أنها لم تكن فرضت قبل ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به بيان مقدار المفروض منها على التحديد، وهو الأظهر لأن الأدلة ثبتت بمشروعية الصلاة وفعلها قبل ليلة الإسراء، وإنما الذي خص ليلة الإسراء تحديد الصلوات الخمس في الأوقات المخصوصة، وأما قبل ذلك فلم يتعين ما كان عليه الأمر كما سيأتي في الباب الثاني إن شاء الله في شرح حديث عائشة ﵂، وهذا هو ظاهر القرآن في الأمر بها في أول البعثة، وفعل النبي ﷺ لها في أول البعثة، فيكون معنى فرض الصلاة: بيان المفروض منها المحتم فعله على العباد، فـ (أل) في الصلاة على هذا تكون للعهد الذهني أي: قدر الصلاة التي فرضت عليكم. وفرض: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف،

стр. 960

والأصل فيه الجر بالإضافة لأن تقدير الكلام: هذا بيان فرض الصلاة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك ﵀: وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا وقوله: (واختلاف) معطوف على فرض، والمراد بهذا الإختلاف كونهم نقلوه عن أنس عن النبي ﷺ بلا واسطة، وعنه بواسطة جماعة من الصحابة منهم مالك بن صعصعة وأبي ذر وأبي بن كعب، وذلك محمول على أن أنسًا ﵁ سمعه من النبي ﷺ ، وسمعه من هؤلاء الصحابة عنه ﵊، واختلاف الألفاظ سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وليس فيه تناقض ولكنه محمول على تفاوت الرواة في الضبط والحفظ، ولا يدل على اضطراب كما تقدم. وجواز النسيان على كل أحد ما عدا الأنبياء، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في تخريج الحديث، ولفظ الصلاة تقدم الكلام عليه أول هذا الكتاب المبارك في شرح الآية، وأن الأصل فيها عند الأكثرين: الدعاء، وأغنى عن إعادته هنا، وقد ذكر النووي أن كون الصلاة بمعنى الدعاء قول جماهير العلماء من أهل العربية والفقهاء وغيرهم، ثم ذكر القول بأنها من التصلية وهو كون الشيء ثانيًا لما سبقه، لأن الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، تشبيهًا بالمصلى من الخيل وهو الثاني في الحلبة عند السباق والله أعلم. قوله ﵇: (بينا أنا نائم): أصل كلمة (بينا) (بين) التي هي ظرف في الأصل، فأشبعت الفتحة فتولد منها الألف، ويزاد بعد النون ميم فتصير بينما، والمعنى فيها واحد فهي -فعلى- وليست الألف فيها وصلًا، قال القاضي عياض ﵀: (بينا أنا في أمري) أي بينما، وكأنه من البين الذي هو الوصل، أي بينما أنا متصل بفعلي. قلت: وذلك لأن البين في الأصل كلمة تستعمل لشيئين متضادين: أحدهما البعد والقطع والثاني الوصل والقرب، فمن استعماله في الوصل قول الشاعر: لقد فرّق الواشون بيني وبينها ... فقرّت بذاك الوصل عيني وعينها فالبين هنا بمعنى الوصل، وقول قيس بن ذرع: لعمرك لولا البين لانقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف

стр. 961

أي: للوصل، فهو في هذين البيتين بمعنى القرب، واستعماله في البعد والإفتراق هو الأكثر، ومنه قول الآخر: لما دنا البين بين الحي واقتسموا ... حبل النوى في أيديهم قطع جادت بأدمعها ليلى وأعجلني ... وشك الفراق فما أبكى وما أدع وقول جرير: نعب الغراب فقلت بينٌ عاجل ... ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب ومنه قول كثير: فأما آل عزة غدوة فبانوا ... وأما واسط فمقيم وقد جمع بين المعنيين القائل: وكنا على بين فجمَّع شملنا ... فأعقبه البين الذي شتت الشملا فيا عجبا ضران واللفظ واحد ... فلله لفظ ما أمر وما أحلى قلت: استعمله جرير في الناحية في قوله: غدت هوج الرياح مبشرات ... إلى بين نزلت به السحابا فالبين: الناحية والمكان، وبينا وبينما ظرفان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يقترن بإذ ولا بإذا، كما في قول الشاعر: فبينا الفتى في ظل نعماء غضة ... تباكره أفياؤها وتراوح إلى أن رمته الحادثات بنكبة ... تضيق بها منه الرحاب الفسائح وقول الشاعر: بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جرئ سلفح ومجيء إذ وإذا في جوابهما كثير، قالت حرقة بنت النعمان: بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف ومن زعم أن إذ لا تأتي إلا مع جواب بينما، يردّه قول حميد بن الأرقط - وقيل: هو لجند الطهوي: بينا الفتى يخبط في غيساته ... أنوك في نوكاء من نوكاته إذ انتحى الدهر إلى عفراته ... فاجتاحها بشفرتي مبراته

стр. 962

ويروى: بينا الفتى يخبط في غيساته ... تقلب الحية في قلاته إذ أصعد الدهر إلى عفراته ... فاجتاحها بشفرتي مبراته والغيسان: شرح الشباب، والعفرات: شعر وسط الرأس. وقال الراغب: (بين) لفظ موضع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. فقوله ﵇ (بينا أنا عند البيت) أضاف (بين) إلى الجملة الإسمية قدر محذوفها، أي بين أوقات كذا، وتضاف إلى المفرد بشرط عطف غيره عليه بالواو خاصة دون غيرها، وهنا أضيفت إلى الجملة الإسمية وهي قوله (أنا عند البيت)، فالتقدير على هذا: بين أوقات أنا عند البيت، وعلى قول عياض ﵀ التقدير: بينا أنا متصل بكوني عند البيت: وقوله: (بين النائم واليقظان) أي: بين حالة النائم واليقظان، والظرف هنا متعلق بمحذوف حال، وهذه صفة نومه ﷺ فإنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وتقدم الكلام على النوم واليقظة في شرح حديث أبي هريرة أول حديث من كتاب السنن (إذا استيقظ أحدكم. . . الحديث). وفي رواية للبخاري: بينما في الحجر، وفي رواية له من حديث أبي ذر: في الحطيم، وربما قال: في الحجر، وهو شك من قتادة الراوي عن أنس، وبينت ذلك رواية أحمد عن عفان عن همام بلفظ: "بينا أنا نائم في الحطيم -وربما قال قتادة-: في الحجر"، ورجح ابن حجر ﵀ أن المراد بالحطيم هنا: الحجر، وذلك أن الحطيم مختلف فيه بين أن يكون الحجر أو ما بين الركن والمطاف أو بين زمزم والحجر، أو بين الباب وزمزم، فترجيح كونه الحجر هاهنا من أجل أنه يجمع بين هذه الروايات لأن القصة واحدة على الصحيح، ومخرج الحديث هنا واحد أيضًا لأنه حديث أنس، والفرض بيان المحل الذي حصل فيه ما ذكر، فلا يتجه تخريجه على التعدد مادام المخرج واحدًا، ورواية الزهري عن أنس: فرج سقف بيتي وأنا بمكة. وروى الواقدي بإسناده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وأخرج الطبراني من حديث عبد الأعلي بن أبي مساور عن عكرمة عن أم هانئ قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال: إن جبريل أتاني وأخرجني .. وذكر الحديث.

стр. 963

وكذا روى ابن إسحاق قال: حدثني محمَّد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، ثم ذكرت الحديث، وقد روى الحافظ البيهقي من طرق عن جماعة من التابعين عن علي وابن مسعود وابن عباس أنه كان في بيت أم هانئ راقدًا وقد صلى العشاء الآخرة فذكر الحديث، وعند البيهقي من رواية أبي هارون العبدي -قال ابن كثير: وهو ضعيف- عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها، قال: قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . .﴾ الآية. قال: فأخبرهم، قال: فبينا أنا نائم عشاءً في المسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني، وذكر الحديث بطوله، وفي رواية لأنس عند البزار في مسنده: (بينا أنا نائم إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفي فقمت) فذكر الحديث، وفي مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أخرجه إلى المسجد فأركبه البراق. قلت: وهذا يرشد إلى طريق الجمع بين الروايات، والأولى في الجمع أن النبي ﷺ كان في بيت أم هانئ وهو بشعب أبي طالب أي: أبيها، فجاءه الملك فأخرجه إلى المسجد وهو بين النائم واليقظان، ثم أيقظه من المسجد وشقّ صدره وحمله على البراق، فيكون البيت لأم هانئ وأضافه إلى نفسه لأنه كان نائمًا فيه، أما قول ابن حجر ﵀ أنه كان يسكنه؛ ففيه بُعْدٌ، وتقدم قولها: (نائم عندي تلك الليلة) لأنه ﷺ كان يسكن بيته، وكونه أسري به من الشعب يكون المراد به ابتداء مجيء الملائكة للإسراء به من هذا البيت وهو في الشعب، وأما نفس الإسراء -أعني الشروع في السفر وركوب البراق- فإن ذلك من المسجد كما هو ظاهر الآية، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحقيقة المسجد هو المكان المعروف دون سائر مكة، وإطلاقه في بعض الأحيان على الحرم كله أو على مكة من تسمية الشيء باسم جزئه، وهو نوع من المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة ووجود دليل يدل عليه كما هو معلوم، وأما قوله ﵇: (بينا أنا نائم). وقوله: (بين النائم واليقظان) فلا تعارض بينهما، لأن نومه ﵇ كان على ذلك الحال تنام عينه ولا ينام قلبه

стр. 964

كما ثبت في الصحيح، وفي رواية: إن العين نائمة والقلب يقظان، غير أنه جاء التصريح في بعض الروايات كما تقدم -بكون الملك أيقظه قبل أن يركب البراق، ولا يعارض ذلك ما قدمنا من حال نومه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في فوائد الحديث إن شاء الله تعالى. وقوله: (إذ أقبل أحد الثلاثة) إذ هنا تكون للمفاجأة، فإنها إذا وقعت بعد بينا أو بينما تكون للمفاجاة، كقول الشاعر- وهو بعض بني عذرة: استقدر الله خيرًا وارضين به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور وهي في هذه الحالة عندهم محتملة لأن تكون ظرف زمان، أو ظرف مكان، أو حرف مفاجأة أو حرف توكيد، أو حرفًا زائدًا، خمس احتمالات. ولإذ غير هذا المعنى ثلاثة معان أخر: أن تكون اسمًا للزمان الماضي، والجمهور على أنها حينئذٍ لا تكون إلا ظرفًا أو مضافًا إليه نحو (إذ أخرجه الذين كفروا)، وقيل: إنها تكون مفعولًا به نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ وجزم ابن هشام بأنها في أول القصص مفعولًا به، وغلط من أعربها ظرفًا في تلك الحالة بتقدير (اذكر)، لأن هذا الذكر المأمور به لا يختص بحالة أو وقت دون غيره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وما أشبه ذلك، الثاني: أن تكون اسمًا للزمان المستقبل نحو ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ وأنكره الجمهور وحملوها في مثل ذلك على أنها من باب تنزيل المخبر بوقوعه في المستقبل، منزلة الواقع بالفعل لتحقق الوقوع نحو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. والثالث: التعليل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ ومنه قول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر فهذا معظم ما يتعلق بها، وتقدم في شرح هذا الحديث أن جواب بينا وبينما يقترن بإذا وبإذ، وأن من زعم أن إذ لا تقترن إلا بجواب بينما لم يصب في ذلك. وقوله: (أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين). أقبل: من الإقبال ضد

стр. 965

الإدبار وهو عبارة عن التقدم إلى الشيء، وتقدم الكلام على لفظ (أحد) في أول الكتاب في شرح الآية، وفي الحديث الأول، والمعنى أن أحد النفر الثلاثة وهم الملائكة الذين أتوه في صورة البشر، وأل في الثلاثة للعهد الحضوري ولم يتقدم ذكر لهم في هذه الرواية، ولعله ﷺ كان قد ذكرهم للصحابة قبل التحديث بالقصة أو أثناءها واختصر ذلك بعض الرواة، وعلى فرض أنه ذكرهم وأل تكون للعهد الذكري، وعن مسلم (أحد الثلاثة بين الرجلين) وفيه: فسمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة. . . إلخ. وفيه: من رواية أبي ذر: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، وكذا من رواية أبي ذر عند البخاري: فنزل جبريل، فيحتمل أنه المراد بقوله بين الرجلين جواب الملك لأحد الملائكة، لما ورد عند أحمد: فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة، وفي رواية له أيضًا: فسمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة، وفي رواية مسلم المشار إليها من طريق سعيد عن قتادة: "إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين"، فهي توضح المراد بهذه العبارة وأن أل في الرجلين للعهد الحضوري، والرجلان هما حمزة وجعفر كما ذكره ابن حجر وغيره، وفي رواية أبي ذر عنده وعند البخاري وغيرهما: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل"، فبيّنت هذه الرواية أن الذي أقبل إليه من الملائكة هو جبريل، كما جاء في بعض الروايات التصريح بأن معه: ميكائيل، وأنه الذي ناوله الطست، ولم يرد تعيين الثالث من الملائكة فيما وقفت عليه. قلت: وسياق هذه الرواية صريح في أن المراد هنا بأحد الثلاثة واحد من الملائكة، وأما قوله: بين الرجلين؛ فينبغي أن يقدر قبله محذوف، كما قدمنا في الروايات الصحيحة التي ذكرناها أن الملك هو القائل: أحد الثلاثة بين الرجلين، وأن جواب لمن قال له: أيهم هو؟ كما في الرواية الأخرى، فيكون أحد الثلاثة المذكور في قوله: أقبل أحد الثلاثة؛ غير المقدر، وهو جواب الملك بقوله: أحد الثلاثة بين الرجلين والله أعلم. وتعيين جعفر هنا إن صح يدل على أن الإسراء كان في أول البعثة؛ وهو خلاف ما عليه الجمهور لأن جعفرًا خرج إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وأكثرهم على أنها سنة خمس بعد البعثة، ولم يرجع إلى سنة سبع عند فتح خيبر ولا خلاف أنها كانت سنة سبع من الهجرة والله أعلم، ولم

стр. 966

أر من نبه على ذلك، وتقدم الكلام على (بين) أول شرح الحديث. وقوله: (فأُتِيتُ) بالبناء للمجهول أي: أتاني الملك، وقد تقدم أن الذي جاء بالطست أنه ميكائيل، وقوله: (من ذهب) (من) هنا بيانية، والطست بكسر الطاء وتفتح، ويقال: طسٌّ؛ بالإدغام، وتقدم الكلام عليه في شرح حديث عائشة في الطهارة ٣٣، وقوله: (ملآن) صفة لطست، وفي رواية: "ملأى" وفي أخرى: "مملوء"، أي ذلك الطست المذكور مملوء بالإيمان والحكمة، ونصب حكمة وإيمانًا على التمييز، وذكر بعضهم أن نصبهما على المفعولية وليس عندي بجيد، وظاهر كلام السيوطي في حاشيته (زهر الربى) أن الرواية (ملأى) لأنه شرحها على ذلك، وتبعه الشيخ السندي في حاشيته أيضًا على أنها بألف التأنيث المقصورة، وهذه الروايات الثلاث التي قدمنا ذكرها لا تأثير لاختلافها من جهة المعنى. والطست تذكّر على معنى الإناء وتؤنث، والحكمة والإيمان من المعاني التي لا تتجسم فلهذا قال بعضهم: إن في هذا الطست شيء تحصل به الحكمة والإيمان. قلت: والواجب أن نعتقد أنه مملوء حكمة وإيمانًا كما أخبر ﷺ ، ولكن لا يلزمنا أن نتعقل وجه ذلك، وستأتي زيادة الكلام عليه في فوائد الحديث آخر شرحه عند الكلام على الفائدة الخامسة منه. قوله: (فشقّ من النحر) الضمير يعود إلى جبريل وهو المذكور في قوله: (أقبل. . .) إلخ كما تقدم، و (من) هنا لابتداء الشق وهو الفتح، والنحر هو منتهى أعلى الصدر عند الإنسان عند منحدر الطعام، و (إلى) تقدم الكلام عليها في شرح الآية، وهي هنا لبيان الغاية، وقوله: (مراق) المراق آخر البطن مما يلي العانة، وهي بفتح الميم وتشديد القاف، لأن جلد الإنسان يكون فيها رقيقًا أكثر من غيره، قيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده مرق، وقوله: (فغسل القلب)، أي غسل الملك قلب النبي ﷺ ، والفاء في هذه الجمل كلها عاطفة، وأل في قوله: (القلب) إما للعهد الحضوري أو هي عوض عن الإضافة لأن الأصل: قلبي، وقوله: (بماء زمزم)، الباء للمصاحبة، وزمزم: البئر المعروفة عند الكعبة وهي سقاية إسماعيل، قيل: سميت زمزم لأن هاجر لما نبع الماء جعلت تقول: يا ماء زم زم، ولعل غسله بها لفضلها على غيرها من المياه. وقوله: (ثم ملئ حكمة وإيمانًا) تقدم الكلام على ثم، وهي هنا لترتيب الفعل، وقوله: (ملئ

стр. 967

حكمة وإيمانًا) أي ملأه الملك من الحكمة والإيمان، وتقدم الكلام عليهما قريبًا وسيأتي في الفوائد، كما تقدم الكلام على ثم في السواك (ح ٤). وقوله: (أتيت بدابة) أي أتاني الملك كما هو مصرح به في غير هذه الرواية، (بدابة) الدابة أصلها ما دبّ على وجه الأرض أي تحرك، غير أن العرف في الإستعمال خصّصها بذات الأربع فصارت عرفًا عليها، وقد صرحت الروايات الأخر في الصحيحين وغيرهما أنها تسمى (البراق)، وأن الأنبياء كانت تركبها قبله ﵊. وقوله: (دون البغل) دون ظرف مكان في الأصل ويكون وصفًا فيكون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية فتقول في التقريب: هذا دون هذا أي أقرب منه، وهذا دون هذا في التحقير أي أقل منه قدرًا وعددًا، وحقه في التحقير ونحوه إذا كان وصفًا أن يرفع ويدخل عليه تغيير الإعراب، ولكنه لما كان الأكثر فيه الظرفية نصب في الغالب، إلا إذا دخل عليه حرف الجر كما قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك، وهي منصوبة وموضعها رفع، ويكون بمعنى أمام وبمعنى وراء، فمن الأول: قول الشاعر يصف خمرًا: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق حمل على أن المراد أن القذى من ورائها وهي دونه، فوصفه بقوله (من دونها) وفيه عندي نظر. ومن الثاني: قولهم: أمير على ما دون جيحون؛ بمعنى ما وراءه. وتكون بمعنى فوق، كأن تجيب من وصف شخصًا بالشرف فتقول: هو دون ذلك أي فوق ذلك، وبضده أن يكون أقل منه منزلة أو قدرًا؛ وهو المراد في الحديث هذا لأنه قابله بقوله: (وفوق الحمار)؛ ومن هذا المعنى قوله: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" ويكون بمعنى غير كقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ أي غير الله، ومثله: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي غير ذلك، وله نظائر في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سوى ذلك. ومن استعماله في الحقارة قول الشاعر: إذا ما علا المرء نال العلاء ... ويقنع بالدون من كان دونا أي حقيرًا، والمعنى في الحديث أن هذه الدابة التي هي البراق حجمها متوسط بين حجم البغل وحجم الحمار، أي: أصغر من حجم البغل وفوق

стр. 968

حجم الحمار، وهذه صفة للدابة، يقال: هذا الشيء دون هذا؛ إذا كان أقل منه، وفوق إذا كان أكثر منه. وقوله: (ثم انطلقت مع جبريل) أي: خرجت أسير معه، والإنطلاق: الذهاب وعدم وجود ما يمنع من السير عند إرادته، وقوله: (أسير) جملة في محل نصب على الحال، والتقدير: انطلقت حال كوني سائرًا مع جبريل، ويجوز أن يكون (انطلقت) هنا ضمن معنى: شرعت في السير، ومع ظرف يقتضي المصاحبة للشيء أي مصاحبًا له ومرافقًا، و (جبريل) علم، قيل: إن أصل الوضع فيه عجمي تلقته العرب فاستعملته استعمال أوضاعها، أو اتفقت فيه اللغة العربية مع غيرها في الوضع ولهذا لم تضع له اسمًا. وصحح القرطبي وغيره فيه وفي نظائره من الألفاظ المسمى بها التي جاءت في القرآن؛ أنها عربية نزل بها جبريل بلسان عربي، ولا يضر على ذلك اتفاق غير العربية فيها معها، وفيه عشر لغات: الأولى: جبريل بياء وبدون همز، وهي لغة أهل الحجاز، قال كعب بن مالك ﵁: وببئر بدر إذ يرد جموعهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد الثانية: جَبْريل بفتح الجيم، وبها قرأ ابن كثير والحسن، الثالثة: جبرءيل بياء بعد الهمزة وبدون ألف، وقرأ بها بعض أهل الكوفة وأنشد في شرح القاموس لكعب بن مالك ﵁: شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا جبرءيل أمامها وهي لغة قيس وتميم، والرابعة: جبرئل من غير ياء بعد الهمزة، وقرأ بها أبو بكر عن عاصم. الخامسة مثلها إلا أن اللام مشددة وبها قرأ يحيى بن معمر، السادسة: جبرائل بألف بعد الراء وبدون ياء بعد الهمزة قراءة عكرمة، السابعة مثلها إلا أَن فيها ياء بعد الهمزة. الثامنة: جبراييل بياءين من غير همزة، قرأ بها الأعمش ويحيى بن يعمر أيضًا. التاسعة جبرءين بفتح الجيم وبعد الهمزة ياء وبدل اللام نون. العاشرة: جبرين بكسر الجيم من غير همز والياء بعد الراء ساكنة وآخره نون، قيل: إنها لغة بني أسد ولم يُقرأ بها. وقوله: (فأتينا السماء الدنيا) والضمير في أتينا للنبي ﷺ وجبريل، ففيه استعمال ضمير الجماعة للإثنين كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. والسماء الدنيا أي القربى من السموات التي هي سقف للعالم السفلي، والدنيا

стр. 969

هنا تأنيث الأدنى أي التي تلي الناس، ولم يذكر هنا مرورهم ببيت المقدس، وهو ثابت في الروايات الأخر كما سنبينه إن شاء الله. وقوله: (فقيل: من هذا) فيه حذف كما في الروايات الأخر وهو قوله: (فاستفتح جبريل) والقائل هو الملك أو الملائكة الموكلون بأبواب السماء، و (من هذا؟ ) أي: من المستفتح؟ وقوله: (قال: جبريل) أي: مجيبًا للسائل: جبريل، التقدير: المستفتح جبريل أو هذا جبريل، فحذف المبتدأ للعلم به على حد قول ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما وقوله: (وقيل: من معك) دليل على أنهم قد عرفوا أنه معه أحد، ولعلهم كانوا أُخبروا بأنه سيأتيهم معه رسول الله ﷺ ، ويشهد له ما في بعض الروايات من قول الملك: أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. وقوله: (محمَّد) أي معي محمَّد، وقوله: (وقد أرسل إليه) الأصل: أوَ قد أرسل إليه؟ فحذفت همزة الإستفهام، والحديث حجة على من أنكر جواز حذفها، ومثله قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي أهذا ربي؟ وقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أي: أوَ تلك؟ ومن شواهده قول ابن أبي ربيعة: فوالله ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان أي: أبسبع؟ وقول الآخر: رفوني ثم قالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هُم هُم أي: أهمْ همُ؟ والإستفهام يحتمل أن يكون عن أصل رسالته، وأن يكون المراء الإرسال إليه للعروج إلى السماء، فعلى الأول: يكون دليلًا على أن بوابي السماء لم يكونوا علموا ببعثته، وعلى الثاني: يكونون عالمين بأصل البعثة وكأنهم منتظرون للإرسال إليه للصعود إلى السماء. وقد تعقب الشهاب في شرح الشفاء تجويز ابن حجر وغيره لعدم علم الملائكة بالرسالة إليه بمعنى البعثة. والظاهر أن كلامه أولى بالتعقب في ذلك، لعدم وجود التصريح بكون البوابين على السماء علموا بعثته، فغاية ما في الأمر تجويز علمهم بذلك. وقوله: (مرحبًا به) أي جاء مكانًا رحبًا أي واسعًا، به أي بوجوده فيه. وقوله: (نعم المجيء جاء) نِعْمَ: فعل مبني للمدح، والمجيء اسمها، وقوله: (جاء) أي الذي جاء. قال ابن مالك في شواهده: من هذا الكلام شاهد على

стр. 970

الإستغناء بالصلة عن الموصول أو الصفة عن الموصوف في باب نعم، لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص بمعناها وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: ولنعم المجيء الذي جاء، أو: لنعم المجيء مجيء جاء، وكونه موصولًا أجوز لأنه مخبر عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة. وقوله: (فأتيت على آدم) أي: فمررت عليه في السماء الدنيا، كما في الرواية الأخرى: فإذا فيها آدم. وقوله: (فسلمت عليه) تقدم أن الفاء عاطفة، (قال) أي آدم، (مرحبًا بك) ولم يذكر أنه ردَّ السلام، ولعل ذلك من الإختصار في الحديث فلقد ثبت عن النبي ﷺ أن آدم ردَّ ﵇، كما في صحيح البخاري من رواية جابر بن عبد الله ﵄، فدل ذلك على أن حذفها هاهنا اختصار في الرواية. وقوله: (مرحبا) هذه كلمة تستعمل للقادم على المكان، وتفسيرها عندهم: جئت مكانًا رحبًا أي واسعًا بك أو أصاب رحبًا وسعة، وكنى بذلك عن الإنشراح وسعة الصدر بالقادم. وقوله: (من ابن) يحتمل أنها بيانية ويحتمل أنها زائدة والأول أظهر، قوله: (ثم أتينا السماء الثانية) وفيه (فمثل ذلك) أي: قيل لنا مثل ذلك القول السابق، وهو مصرح به في أكثر الروايات، فذكر يحيى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في الثالثة، وفي رواية ثابت عند مسلم: فإذا هو قد أعطي شطر الحسن، وعند الطبراني وابن عائذ من رواية أبي هريرة: (فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، ومثلها من حديث أبي سعيد عند البيهقي، وهو محمول على أنه أحسن الناس ما عدا النبي ﷺ ، بدليل ما روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا. ثم ذكر إدريس في الرابعة وذكر أنه قال له: مرحبًا بك من أخ ونبي، فاستدل بذلك من قال: إن إدريس ليس أبًا لنوح كما ذكره بعض المؤرخين، لأنه لو كان أبًا لنوح لكان أبًا للنبي ﷺ ، ولقال له ما قال آدم: مرحبًا بك من ابن، ولذا قال بعضهم: إن إدريس هذا ليس بالذي قيل فيه إنه أب لنوح، بل هو إلياس النبي، روي ذلك عن ابن مسعود كما ذكره الشهاب الخفاجي، وهو يحتاج إلى دليل مع بُعْدِه، وعلّل ذلك

стр. 971

بعضهم بأن إدريس قاله تواضعًا، والأنبياء كلهم إخوانه في الدين، وفي الحديث: "الأنبياء أولاد علّات"، والعلات: الضرائر، فمعناه ما وضحه الحديث: بأن الدين واحد، كالأب الواحد والشرائع مختلفة كالأمهات المختلفات، ومن قال: إنه أب لنوح قال: اسمه آخنوخ بالعبرية، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح، قالوا: هو أول من نظر في النجوم وخطّ، وفي رواية شاذة أنه قال له: بالابن، ولم أقف عليها وإنما ذكرها الشهاب من شرح الشفا والعيني في شرح البخاري، ثم ذكر أن في السماء الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم. وقوله: (في موسى فلما جاوزته بكى) وذلك للسبب الذي ذكره موسى وهو أنه أسف لعدم كثرة من يدخل الجنة من أمته، فبكى أسفًا عليهم لا أنه حسد أخاه على فضل الله عليه وعلى أمته، لأن الحسد في حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ممنوع، وهو من الأمراض السيئة في القلوب، وأكبر شاهد على حبه للخير لمحمد ﷺ ولأمته؛ أمره له بمراجعة ربه حتى خفّف عنهم الصلاة. وما جاء في الرواية الأخرى من قوله: يا رب ما ظننت أن ترفع علي أحدًا؛ نوع من الغبطة إن صحت الرواية به، وكذا قوله (هذا الغلام) إنما هو على سبيل التوجع السابق، ووصفه له بكونه غلامًا يحتمل أنه قال ذلك لكبر سن موسى عليه، وهو على ما قاله بعضهم: إن العرب تصف المستجمع القوى من الرجال بالغلام لأن العادة جرت أن الشباب محل القوة والنشاط. قال أبو جهل لعنه الله: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سنيّ ومما يقوي الوجه الأول قوله: (الذي بعثه بعدي) أي بزمن طويل، فكأنه شاب بالنسبة لزمن موسى، وقال العيني: (لم يرد به استصغار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشباب، والمراد: استقصار مدته مع عظيم منة الله عليه وكثرة فضائله)، وقال الخطابي: الغلام ليس علامة على الإزدراء والإستصغار لشأنه، إنما هو على تعظيم منة الله، عليه مما أناله من النعمة وأتحفه به من الكرامة، من غير طول عمر أفناه في طاعة الله، وقد تسمي العرب الرجل المستجمع السن: غلامًا، مادام فيه بقية من القوة، وذلك في لغتهم مشهور. فذكر أنه وجد موسى في السماء السادسة وإبراهيم في السابعة،

стр. 972

وهذا الذي عليه أكثر الروايات إلا رواية شريك وأبي ذر. أما شريك فقد ذكر مسلم وغيره أنه قدّم فيها وأخّر، وطعن غير واحد فيها لأن شريكًا خالف فيها من نحو اثنتي عشرة مسألة، وهو عند المحدثين لا يقبل انفراده لأنه تغير حفظه بعدما ولي القضاء، وأما رواية أبي ذر فقد صرح بأنه لم يضبط أماكنهم. وأما قول بعضهم كالعيني وغيره أن يجمع بين الروايتين بأن موسى كان في السادسة ثم ارتفع إلى السابعة؛ فغير مرضي لعدم وجود ما يدل على أن أحدًا منهم صحبه في الصعود، ورواية مالك بن صعصعة هذه تشهد لكون الذي في السابعة إبراهيم، لأنه ذكر رؤيته البيت المعمور عند وصوله إليه، وفي بعض الروايات أن إبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور والله أعلم. وهي رواية ثابت البناني في أول صحيح مسلم عند أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ . . . رفعه أنس بدون واسطة، قال ابن حجر ﵀: (ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك: (١) أمكنة الأنبياء في السموات، وقد صرح بأنه لم يضبطها ووافقه الزهري في بعض ما ذكر (٢) كون المعراج قبل البعثة (٣) كونه منامًا (٤) مخالفته في محل سدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما تقدم (٥) مخالفته في النهرين وهما النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى (٦) شقُّ الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره كما بينت ذلك في شرح رواية قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة (٧) ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة (٨) نسبة الدنو والتدلي إلى الله ، والمشهور في الحديث أنه جبريل (٩) تصريحه أن امتناعه من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه بعد التاسعة (١٠) قوله: فعلا به الجبار فقال وهو مكانه (١١) رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس (١٢) زيادة ذكر النور في الطست) اهـ. وقوله: (ثم أتينا السماء السابعة فمثل ذلك) تقدم الكلام على هذه الألفاظ. وقوله: (فأتيت على إبراهيم ﵇ فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من

стр. 973

ابن وبني) تقدم الكلام أيضًا على مفردات ألفاظها، وفيها التصريح بأن الرسول ﷺ ابن للخليل وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين. وقوله: (ثم رفع لي البيت) أي أبصرته من بعد، يقال: رفع السراب الشخص يرفعه رفعًا: زهاه، وهو مجاز ورفعت الشيء: قربته مني، ورفع لي أيضًا: قرب مني. قال ذو الرمة: فقلت ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا أي: قربها منك، فالمعنى أنه أظهر له البيت وأبرز حتى رآه كأنه قريب منه. وقد يكون هذا الرفع بإزالة الحواجز بينه وبين البيت المعمور، كما جاء في حديث الإسراء أن قريشًا لما سألته عن بيت المقدس رفع له حتى صار يراه عند دار عقيل .. الحديث، وهذا من أنواع خرق العادة له ﷺ . وقوله: (المعمور) أي الذي يكثر عامروه، وقد اتفقت روايات الأكثرين فيه أنه بيت يقال له: الضراح، وهو في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر الدهر حتى تقوم الساعة، وقد روى ذلك ابن جرير ﵀ من عدة طرق كعادته الحسنة، وأخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس مرفوعًا، وأخرجه عبد الرزاق وجماعة عن علي ﵁ أن ابن الكوّاء سأله عنه فقال: ذلك الضراح بيت فوق سبع سماوات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وفي رواية عنه وكذا عن ابن عباس: أنه حيال الكعبة بحيث لو سقط سقط عليها. اهـ. وذكر قتادة وابن زيد أن في كل سماء بحيال الكعبة بيتًا حرمته كحرمتها، وعمارته بكثرة الواردين عليه من الملائكة ﵈، وقال الحسن: هو الكعبة يعمرها الله كل سنة بستمائة ألف من الناس، فإن نقصوا أتم العدد من الملائكة. قلت: وهذا عندي في غاية السقوط لمصادمته للأحاديث الصحيحة في تعيين البيت المعمور، ولعله لا يصح عن الحسن إلا إذا قيل: مراده أن صفة المعمور ينطبق على الكعبة؛ لأنه من المجاز المشهور: بيت معمور بمعنى مسكون تكثر الناس عنده في محل هو فيه مأهول بالناس مسكون، وعمارة الكعبة بالمجاورين عندها والقادمين عليها، فإن أريد هذا المعنى فهو صحيح، أما إرادة الكعبة في الأحاديث الصحيحة في الإسراء التي تنص على البيت

стр. 974

المعمور فهو بعيد والله أعلم. وقوله: (فسألت جبريل) أي عن البيت الذي رفع له (فقال) أي جبريل (هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم) أي آخر الدهر (ثم رفعت لي سدرة المنتهى) أي جليت لي حتى رأيتها كما تقدم مثله في البيت المعمور. والسدرة واحدة السدر، وهو اسم جنس شجر معروف، والمنتهى سميت به لأنه ينتهي إليها علم الملائكة، لم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ ، وينتهي إليها ما يرفع من الأرض وما ينزل من فوقها. ومن رواية هدبة بن خالد عن همام بن يحيى عن قتادة عند البخاري في المناقب باب المعراج؛ تقديم ذكر السدرة على البيت المعمور، فقد يكون ذلك من عدم ضبط الرواة. قوله: (فإذا نبقها مثل قلال هجر) الفاء هنا يشبه أن تكون الفصيحة والتقدير: فرأيتها فإذا، ويحتمل أنها التي تقترن بإذا الفجائية كأنه فاجأته رؤية نبقها لعظم شأنه. وقوله: (نبقها) النبق ثمر السدر وهو معروف، وقوله: (مثل قلال هجر) أي في العظم وكبر الحجم، والقلال جمع قلة. قال في التاج: والقلة الحب العظيم أو الجرة العظيمة أو الجرة عامة أو الجرة الكبيرة من الفخار وقيل: هو الكوز الصغير، قال: وهذا هو المعروف الآن بمصر ونواحيها فهو ضد؛ يعني أنه يقال للكبير وللصغير فهو من الأضداد. قال: والجمع قلل وقلال كصرد وجبال، قال جميل بن معمر: فظللنا بنعمه واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله وقال حسان ﵁: وأقفر من حضاره ورد أهله ... وقد كان يسقى في قلال وحنتم وفي الحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث". قال أبو عبيد: بعض هذه الحباب العظام وهي معروفة بالحجاز وقد تكون بالشام، قال: وفي صفة سدرة المنتهى ونبقها كقلال هجر، وهجر: قرية قرب المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. وروى شمر عن ابن جريج: أخبرني من رأى قلال هجر تسع القلة منها الفرق. قال عبد الرزاق: الفرق أربعة أصوع بصاع النبي ﷺ . قلت: هذا خلاف ما عليه الأمر، فإن عامة من ذكروا الفرق قالوا: إنه ثلاثة أصوع، وقد تقدم ذلك في الطهارة ويأتي في فدية الحج

стр. 975

إن شاء الله. قال صاحب التاج تتمة كلامه: وروى عيسى بن يونس: القلة نحو أربعين دلوًا أكثر ما قيل في القلتين قلتين، وقال الأزهري: وقلال هجر والأحساء ونواحيها؛ تأخذ القلة منها مزادة كبيرة من الماء وتملأ الراوية قلتين، وكانوا يسمونها الخروس. قال: وأراها سميت قلالًا لأنها تُقلُّ أي ترفع إذا ملئت وتحمل. اهـ. منه، قال ابن حجر: قال ابن التين: القلة مائتا رطل وخمسون رطلًا بالبغدادي، والأصح عند الشافعي خمسمائة رطل، وقال الخطابي: القلال الجرار وهي معروفة عند المخاطبين معلومة القدر. قال ابن فارس: القلة ما أقله الإنسان من جرّة أجُبّ وليس في ذلك عند أهل اللغة حد محدود، وهذا أقرب إلى الصواب، أما قول الخطابي ﵀ أنها معروفة عند المخاطبين معلومة، فلا يتجه إلا على ما ذكره ابن فارس من أن المعنى معلوم، وأما كونها معروفة فاشية بقدر معين فالظاهر خلافه، وذلك بالنسبة لتحديدها في الماء. أما على قول الهروي أنها ما يقل فهو ظاهر في اللغة، ويبقى التشبيه بقلال هجر فهو يدل على أن هناك نوع يعرفه بعض الناس الذين رأوه، والخلاف في المسألة طويل الذيل. قال الهروي: القلة ما يأخذ مزادة من الماء، سميت بذلك لأنها تقل أي ترفع، والقول بأن هجر قرية بنواحي المدينة محتمل، مع أنه يبعد كونها لا تعرف بعينها، ولم أر من نص على محلها بالتعيين من كثرة الكلام على حديث ابن عمر في القلتين واختلاف الناس فيه، وإلى اليوم لا تعرف عنه الناس ولا في كتب البلدان وتواريخ المدينة لم يذكر أحد منهم محلها، إلا ما يقولون من الخلاف في حديث القلتين: هل هي هجر الأحساء أو غيرها؟ وقد تقدم ذلك وأنهم لم يذكروا ما بينها، فلهذا يترجح أحد الوجهين الآتيين عن الماوردي من أنها كانت تجلب من هجر إلى المدينة، أو أنها عملت بالمدينة على مثال قلال هجر، كما نقله ياقوت عنه مع حكايته القول بأنها قرية حول المدينة، حكاه بصيغة التمريض. قال ياقوت: (وهجر: قصة بلاد البحرين، والهجر: بلد من اليمن وبينه وبين عثّر يوم وليلة من جهة اليمن. قال ابن الحائك: الهجر: قرية صمد وجازان وهجر: اسم للمستقر) اهـ. وقوله: (وإذا ورقها مثل آذان الفيلة) جمع أذن وهي الجارحة التي بها السمع، والفيلة بكسر الفاء وفتح الياء جمع فيل، وفي رواية للبخاري

стр. 976

في بدء الخلق: مثل آذان الفيول وهو جمع فيل أيضًا، وقوله: (وإذا في أصلها أربعة أنهار) أي في أصل سدرة المنتهى، وهو محل منبت طرفها الأسفل لأنها منه تنبت وتنمو وتتفرع، ولمسلم: "يخرج من أصلها". قال ابن حجر: يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها فيصحّ أنها من الجنة، والأنهار جمع نهر بسكون الراء ونهر بفتحها، وأصله الشق ومنه: ما أنهر الدم. . . الحديث، والمراد به هنا الماء الجاري، لأن العادة أنه يشق الأرض فيقال لمحله الذي شقه: نهر، ثم أطلق على الماء الجاري فيه، وهو مجاز مرسل علاقته المحلية؛ سمي الماء باسم محله أو العكس. قال في القاموس وشرحه: النهر -ويحرك- مجرى الماء، قال في التاج: هذا قول الأكثرين، وقيل: هو الماء نفسه. وفي المصباح: أنه حقيقة في الماء مجاز في الأخدود، الجمع أنهار ونهر -بضم النون وسكون- ونهور وأنهر. قال الشاعر: شقتين مادامت بكرمان نخلة ... حوامل تجري بينهن نهور ويطلق النهر محركًا على السعة والضياء، وبه فسّر قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، والصواب في الآية خلاف ذلك، وأن المراد بقوله: نهر؛ اسم جنس بمنزلة الجمع كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي الأدبار، و ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي أطفالًا، وهو كثير من كلام العرب: قال الزجاج: إن الواحد قد يدل على الجمع فيجتزأ به عنه، وقوله: (نهران ظاهران ونهران باطنان) الظاهر الباين الواضح ضد الباطن، والباطن هو الخفي غير أنه يكون نسبيًا فهو في كل شيء بحسبه. وقوله: (فسألت جبريل) أي عن الأنهار (فقال) أي مجيبًا لسؤاله، والفاء في هذه الألفاظ كلها عاطفة، وقوله: (أما الباطنان) تقدم الكلام على (أما) في الطهارة وفي حديث ابن عباس في المقبورين المعذبين، وقوله: (ففي الجنة) الفاء واقعة في جواب (أما) أي فهما نهران في الجنة. قال ابن حجر: (وفي حديث أبي سعيد: فإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منهما نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له: نهر الرحمة. قال: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب. قال: وكذا روي عن مقاتل قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. قال: وأما الحديث الذي أخرجه مسلم

стр. 977

بلفظ: سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة؛ فلا يغاير هذا لأن المراد أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، ولم يثبت لسيحون وجيحون أنهما من سدرة المنتهى، أي وكونهما من الجنة لا يستلزم ذلك كما لا يخفى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في الحديث فلا يصح تفسيرهما بسيحون وجيحون، لعدم ورود ما يدل على ذلك، ولا مجال للرأي فيه) والله أعلم. قال النووي ﵀: (في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها. قال: وهذا لا يمنعه النقل وقد شهد به ظاهر هذا الخبر فليعتمد، قال: وأما قول القاضي عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لأنه قال: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض؛ وهو ضعيف وأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض. قال: والحاصل أن أصلهما في الجنة، ويخرجان أولًا من أصلها غير خروجها بالنبع من الأرض. قال: والحاصل أن أصلهما في الجنة ويخرجان أولًا من أصلها ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان. اهـ. والنيل على ما قالوا مبدأ نبعه من جبال القمر -بضم القاف وسكون الميم وقيل: بفتح الميم- تشبيهًا لها بالقمر في بياضه، قيل: من اثنتي عشرة عينًا هنالك، ويجري ثلاثة أشهر في القفار وثلاثة أشهر في العمران، حتى يصل إلى مصر فيفترق فرقتين عند قرية يقال لها: شطنون، فيمر الغربي منه على رشيد ويصب في البحر الملح، وأما الشرقي فيفترق أيضًا فرقتين عند جوجر، فتمر الغربية منهما على دمياط من غربيها وينصب في البحر الملح، والشرقية منهما تمر على أشمون طناح، فتنصب هناك في بحيرة شرقي دمياط يقال لها: بحيرة تفيس وبحيرة دمياط. وأما الفرات فأصله من أطراف أرمينية قريب من قاليقلا، ثم يمر على بلاد الروم ثم يمر بأرض مالطية، ثم على شميشاط وقلعة الروم والبيرة وجسر منبج وباليس وجعبر والرقة والرحبة وقرقيسياء وعانات والحديث وهيت والأنبار، ثم يمر بالطنوف ثم بالحلة ثم بالكوفة وينتهي إلى البطائح وينصب في البحر

стр. 978

الشرقي. قالوا: ومقدار جريانه على وجه الأرض أربعمائة فرسخ، ذكر أكثر ذلك العيني في شرحه على البخاري رحمة الله علينا وعليهما. وقوله: (ثم فرضت) تقدم الكلام على معنى الفرض، والمراد: فرض عليه وعلى أمته، ولم يذكر الأمة لأنهم تبع له في التشريع. وقوله: (خمسون) بالرفع نائب فاعل فرض، إذ الأصل: فرض الله عليَّ خمسين، والجار والمجرور في محل نصب، إما لأنه حال، أو لأنه بمثابة المفعول الثاني على تقدير أن فرض الشيء بمثابة جعله فرضًا وألزمه إياه، والمراد أنه أمر أن يصلي هو وأمته في اليوم والليلة خمسين صلاة، وقوله: (فأتيت على موسى) الفاء يحتمل أنها فصيحة أي: فرجعت فأتيت على موسى، ويحتمل أنها عاطفة، ومعنى أتيت على موسى: مررت به في رجوعي، وقوله: (فقال لي) أي موسى: (ما صنعت؟ ) الفاء عاطفة و (ما) استفهامية في محل نصب بصنعت، أي: صنعت أي شيء؟ مع احتمال أنها مبتدأ وجملة (صنعت) خبره والمفعول محذوف، وهو وجه ضعيف. وفي رواية: بم أمرت؟ وهي تبين المراد من قول موسى: صنعت، كأنه قال: ما الذي أتيت به من عند ربك؟ وقوله: (قلت) أي: في جواب موسى (فرضت علي) بالبناء للمجهول أي: فرض ربي عليّ، لأن الفاعل معلوم وهو في مثل هذا يكون حذفه اختصارًا، (خمسون) نائب الفاعل على ما تقدم، و (صلاة) تمييز للعدد. وقوله: (قال) أي موسى مخاطبًا للنبي -صلّى الله وسلّم عليهما- على سبيل النصيحة والإشفاق، (إني أعلم بالناس) أي بحال الناس وعدم تحمل أكثرهم لمشاق التكاليف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ أي: ثقيل متباطئ عن الطاعة، (وإني عالجت بني إسرائيل) أي حاولت إصلاحهم وقيامهم بأوامر الله تعالى، وعالج الشيء يعالجه: إذا سعى في تحصيله أو في إصلاحه، فالمعالجة: محاولة فعل الشيء كالمزاولة والمجاهدة والممارسة، أي: مارستهم ولقيت منهم شدة في الدعوة إلى الطاعة. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب، وهم قوم موسى وأمته الذين أرسل إليهم. وقوله: (أشدّ المعالجة) (أشد) منصوب على المصدرية من غير اللفظ، وبعضهم يسميه: ما ناب عن المصدر، وقد يجوز فيه أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: معالجة أشد المعالجة، ولكن الحذف خلاف الأصل، و (أشد) في الأصل أفعل

стр. 979

تفضيل، وقوله: "إن أمتك" أي جماعتك وقومك الذين أرسلت إليهم، وأصلها لفظ مشترك بين معاني، فإنها تكون بمعنى الجماعة والجيل من الناس، وهو الأكثر فيها، وتكون بمعنى الملة والدين كما في قوله: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: ملة، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملتكم ودينكم، ومنه قوله: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع والأمة: الرجل المقتدى به الجامع للفضائل كما في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، وقوله ﵇ في زيد بن عمر: "أمة وحده". والِأُمّة بالكسر والضم: الهيئة والعصارة والنعمة، ومنه قول الشاعر: ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بأمته يمضي القطوط ويأفق والأمة: القامة الحسنة، قال الشاعر: إن معاوية الأكرمين ... بيض الوجوه حسان الأمم والأمة: النعمة، قال الأعشى: ولقد جررت إلى الفتى ذا فاقة ... وأصاب غزوك أمة فأزالها والأمة: البرهة من الزمن، قال تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد مدة، ولها معانٍ غير هذا. وقوله: (لن يطيقوا ذلك) أي: لن يقدروا عليه، والإشارة إلى أداء هذا العدد من الصلاة كل يوم وليلة، أي: لن يقدروا على القيام بأداء خمسين صلاة، من الإطاقة وهي: القدرة على الشيء، من قوله: طاقه طوقًا وأطاقه إطاقة وأطاق عليه، والاسم: الطاقة، قال الأزهري: أطاقه يطوقه طوقًا، وأطاقه يطيقه إطاقة وطاقة، كما يقال: طاع يطوع طوعًا وأطاع يطيع إطاعة وطاعة، والطاعة والطاقة اسمان يوضعان موضع المصدر. وقوله: (فارجع إلى ربك) الفاء سببية وإن كانت تحتمل الإستئناف، أي: المحل الذي ناجيت فيه ربك أو فرض عليك فيه ذلك، وقوله: (فاسأله أن يخفف عنك) أي: سله التخفيف عليك فيما فرضه عليك وعلى أمتك، وهذا دليل على أن موسى قد علم أن الفرض عليه فرض على أمته، وقوله: (فرجعت فسألته) الفاء الأولى سببية أو عاطفة والثانية عاطفة، وقوله: (أن يخفف عني) أي: سألته التخفيف، فالمصدر في محل نصب مفعول به، وقوله: (أربعين) مفعول ثان لـ (جعلها)، أي: نقص منها عشرًا أي حطها عني من الخمسين فبقي العدد

стр. 980

أربعين، ثم ذكر مراجعته لموسى حتى وضع منها عشرًا بعد عشر حتى صارت عشرًا، ثم وضع منها خمسًا فبقيت خمس، ورواية عشرة هنا بتذكير العدد وهو مؤنث، ولهذا جاء في رواية البخاري: عشرًا؛ وهي أظهر غير أن رواية التاء قد تخرج على معنى الفرض أي عشرة فروض، أو على الوقت: عشرة أوقات، ويكون قوله (فجعلها) أي: الصلاة عشرة فروض. وقوله: (إني أستحيي من ربي ) يقال: أستحيي على الأصل بياءين وأستحي بياء واحدة تخفيفًا، وقد تقدم الكلام عليه في حديث أم سليم في الغسل، وتقدم أيضًا الكلام على قوله في أول الكتاب المبارك. والرب لفظ يطلق على المالك والمدبّر والقائم بالأمر والملك، قال الشاعر وهو لبيد ﵁: واهلكن يومًا رب كندة وابنه ... ورب معد بن خربت وعرعره وأعوض بالدومي من فوق حصنه ... وأنزلن بالأسباب رب المشقره من قولهم: ربه يربه إذا أصلحه، قال علقمة: وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب وقوله ﵊ في اللقطة: "فإن جاء ربها"، وهذه المعاني لا يستعمل في شيء منها إلا مضافًا، وأما إن جرد عن الإضافة فلا ينصرف إلا للمتصف بهذه الأوصاف كلها على الحقيقة، وهو الله . وقوله: (من أن أرجع إليه) المصدر بدل من قوله: (من ربي) أي: استحييت من الرجوع إليه، وقوله: (فنودي) أي ناداه ربه أو الملك بأمر ربه له، وفي الرواية الأخرى "فنُودِيتُ" وهي بمعنى الأولى، وكل من اللفظين بالبناء للمفعول، وقوله: (أن أمضيت فريضتي) أي بأن أمضيت أي أثبت وقررت فريضتي التي افترضتها عليك وعلى أمتك، وأمضى الشيء يمضيه: إذا أنفذه، وقوله: (وخففت عن عبادي) أي: بما نقص عنهم من الخمسين التي فرضت عليهم. وقد اختلف العلماء هل هذا الذي حصل في هذه القضية نسخ أم لا؟ قال الإِمام عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الحنفي السهيلي الماليقي ﵀ المولود سنة ٥٠٨ بمالقة المتوفى سنة ٥٨١: (أما فرض الصلاة خمسين ثم حط منها عشرًا عشرًا، وروي أنها حطت خمسًا خمسًا، وقد يمكن الجمع بين الروايتين بدخول الخمس من العشر، فقد تكلم في هذا النقص من

стр. 981

الفريضة أهو نسخ أم لا؟ على قولين؛ فقال قوم: هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من جهتين إحداهما: البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها، لأن ذلك عدَّه من البدَاء والبدَاء محال على الله سبحانه. الثاني: أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك، فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين. قال: وإنما ادعى النسخ في هذه الصلوات الموضوعة عن محمَّد ﷺ وأمته: القاشاني، ليصحّح بذلك في أن البيان لا يتأخر. ثم قال أبو جعفر: إنما هي شفاعة رسول الله ﷺ لأمته ومراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته، ولا يسمى مثل هذا نسخًا، ثم قال السهيلي ﵀: أما مذهبه في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها وأن ذلك بداء فليس بصحيح، لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم، وليس النسخ من هذا في شيء، إنما النسخ تبديل حكم بحكم، والكل في سابق علمه ومقتضى حكمه، كنسخ المرض بالصحة والصحة بالمرض ونحو ذلك. وأيضًا فإن العبد المأمور يجب عليه عند توجه الأمر إليه ثلاث عبادات: الفعل الذي أمر به والعزم على الإمتثال واعتقاد الوجوب، وعلم الله ذلك منه فصحَّ امتحانه له واختباره إياه، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من نيّته، وإنما الذي لا يجوز: نسخ الأمر قبل نزوله وقبل علم المخاطب به، والذي ذكره النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها؛ ليس هو حقيقة النسخ، لأن العبادة المأمور بها قد مضت، وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها) اهـ. قلت: معنى هذا أن المفعول من العبادة الذي ثبت عمل العبد له قبل النسخ؛ لا يبطل ثوابه بالنسخ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وإنما أمر العبد بترك ما كان يعمل وذلك لا يبطل عمله السابق. ثم قال السهيلي ﵀: (وقولنا في الخمس والأربعين صلاة الموضوعة عن محمَّد ﷺ وأمته أحد وجهين: إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة، ونسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، وقول أبي جعفر؛ إنما كان شافعًا

стр. 982

ومراجعًا، لا ينفي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم) قلت: ويشهد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. قال ﵀: (فشفاعته ﵇ كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمسين فيه خاصة، وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل بلوغه إلى المأمور كما قدمنا) اهـ. قلت: خلاصة هذا أن النسخ في هذه القصّةِ خاص به ﷺ ، وأما في حق الأمة فلا يسمَّى نسخًا. قال ﵀: وهذا كله أحد الوجهين في الحديث. الوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخله النسخ، ومعنى الخبر أنه ﵇ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، وكذلك قال في الحديث: هي خمس وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها، فتأوله رسول الله ﷺ على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثواب لا في العمل) اهـ. قلت: وهذا الوجه عندي بعيد جدًا، وإني لأستغرب صدوره من هذا الإِمام الجليل رحمه الله تعالى. قال ابن حجر ﵀ في شرح حديث أبي ذر أول كتاب الصلاة عند قوله "فوضع شطرها": (في رواية مالك بن صعصعة: فوضع عني عشرًا، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت. فحطّ عني خمسًا. قال ابن المنير: ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة. قال: قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر دفعتين والشطر خمس دفعات، أو المراد بالشطر في حديث الباب: البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها. قال: وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين وفي الثانية ثلاثة عشر -يعني نصف الخمس والعشرين بجبر الكسر- وفي الثالثة سبعًا؛ كذا قال وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن باقي الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم) اهـ. ثم قال: (واستدل به على جواز النسخ في الإنشاءات ولو كانت مؤكدة، خلافًا لقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل

стр. 983

عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقّبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة، لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ للأمة فمسلّم. لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل، فالمسألة حقيقة التصوير في حقه ﷺ ) والله تعالى أعلم. وقد تعرض بعض الشراح هنا لبيان أشياء من حكمة في هذا الحديث، ولاسيما العيني وابن أبي جمرة، وذلك شيء لا يعجبني التعرض له ما لم يكن بيان من الله ومن رسوله، وكذلك تعليل استحيائه ﷺ من ربه وتعليل تخصيص المذكورين من الأنبياء، وكل ذلك عندي أن الإشتغال بالكلام فيه لا أصل له وليس فيه كبير فائدة، وكل ما كان من هذا النوع فإني أرى الإمساك عنه أولى، خشية القول بما لا علم به والله الموفق للصواب. وقوله: (وأجزي بالحسنة عشر أمثالها) أجزي بمعنى أثيب وأعطي وتقدم الكلام على الحسنة والسيئة. وقوله: (عشر أمثالها) هذا على أقل ثوابها، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء، ويضاعف لمن يشاء فيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، وقال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. • الأحكام والفوائد هذا الحديث تضمن معجزة عظيمة للرسول ﷺ ، ولهذا نوه الله بهذه القصة فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . . .﴾ الآية، وفيه كثير من الفوائد سنشير إلى ما تيسر منها بعون الله، وهو الموفق للصواب: أولًا: قوله: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) تقدم أن هذه حالة نومه ﷺ ، إن أريد أن عينه نائمة وقلبه يقظان، وكذلك إن أريد المعنى الثاني: وهو أنه سِنة ولم يتمكن منه النوم، فعلى الوجهين: فيه دليل على جواز النوم في المسجد، وإذا كان ذلك للإستعانة على العبادة كان نومه عبادة، كما قال بعض الصحابة ﵃: أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.

стр. 984

الثاني: قال ابن أبي جمرة: فيه دليل على تحري النبي ﷺ للصدق في المقال، وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا فيما لابد منه، ووجه ذلك: أن من كان بهذه الحالة لو قال: إنه يقظان؛ لصح ذلك مجازًا، لأن نوم الجوارح مع يقظة القلب أقرب إلى اليقظة، فصحّ إطلاق اليقظة عليه لكنه بين الأمر الواقع على حقيقته. الثالث: قوله: (بين الرجلين) إن حُمل على أنه نائم بين اثنين؛ يؤخذ منه تواضعه ﷺ في نومه بين رجلين، وحسن خلقه، وذلك أمر مشهور عنه ﵊ حتى قال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد". وقوله للذي ارتعد منه: "إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة". الرابع: فيه على هذا الوجه جواز نوم الجماعة في مكان واحد، بشرط أن يكون على كل منهم ما يستره عن صاحبه. الخامس: ذكر بعضهم أن قوله: (أتيت بطست من ذهب) وهو إناء يتخذه الناس لغسل أيديهم وحوائجهم، وهو مبسوط القاع معطوف الأطراف إلى ظاهره؛ قال: فيه دليل على فضيلة هذا الإناء لتخصيصه ﷺ به من بين الآنية. وأما كونه ذهبًا، فلا يعترض به، لأن القصة كانت قبل تحريمه على الأمة، وأيضًا المستعمل له الملائكة الكرام فليسوا كالنبي ﷺ أو بني آدم في ذلك. السادس: احتج بعض العلماء بقوله: (مملوء حكمة وإيمانًا) على أن الحكمة والإيمان جواهر محسوسات لا معاني، لأن المعاني ليس لها أجسام حتى تملأ الإناء، ولأن الإناء لا يمتلئ إلا بالأجسام والجواهر. وهذا نص من الشارع بخلاف ما ذهب إليه المتكلمون من أن الإيمان والحكمة أعراض. قال ابن أبي جمرة: (والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها إخبار؛ أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن، لأن للعقل بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق؛ حدًا يقف عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه. فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع ﵇ في

стр. 985

الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها ﵇، فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل، والحقيقة هي ما ذكره ﵇ في الحديث. ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه، ونشير لشيء من ذلك كتبينة لما عداه، فمثل ذلك الموت حيث أخبر ﵇ في الحديث: أنه يؤتى به يوم القيامة كبشًا أملح، فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض على أهل تينك الدارين فيعرفونه، ومثل ذلك أيضًا الأذكار والتلاوة، لأن ما ظهر منها معاني وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات، لأنها توزن في الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر) اهـ. وهو بديع في بابه. وملخص كلامه ﵀ قصور العقل البشري عن إدراك كثير من حقائق الأمور الواردة في السنة، ومثلها الوارد في القرآن، غير أن الواجب على العبد الإيمان بها وإن لم يتعقل معناها، وهذا من أصول الإيمان بالغيب؛ لأنه يعم ما يتصوره الإنسان وما لا يتصوره، والله الموفق للصواب وهو الهادي وإليه المآب. السابع: يؤخذ منه أن الحكمة أجل شيء بعد الإيمان وإن اختلفوا في تعريفها، لأن أصلها: وضع الشيء في محلِّه، وهو موافق لقولهم: الحكمة: إصابة الصواب، وتقدم أنها من: حكم بمعنى منع، وقيل: هي الفقه في الدين. والمقصود أنهم استدلوا باقترانها هنا بالإيمان على أنها أجلّ شيء بعد الإيمان، وقد اختلفوا: هل الحكمة والإيمان متلازمان أو كل منهما مستقلّ بنفسه عن الآخر؟ وهو الظاهر. الثامن: استدلوا بالحديث على أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، لأنهم عرفوه ﷺ من بين من هو معهم. التاسع: في قوله: (فشق من النحر إلى مراق البطن) فيه دليل ظاهر على كمال قدرة الله تعالى، وأن خرقه للعادة لا يتوقف على شيء سبحانه، لأنه من المعلوم أن شق البطن أمر صعب وينشأ عنه جرح عظيم وألم كثير، ولم يحصل شيء من ذلك له ﷺ . قلت: وربما كان في ذلك زيادة تمرين له على خرق العادة في الأمور الكثيرة التي عرضت له هذه الليلة، فيكون قد رأى من خرق الله للعادة ما لا يستبعد معه أي خارق كان والعلم عند الله، وكذلك يقال
следующие страницы →