← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

.. "وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى: يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده ... وقال القاضى عياض: والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه" (١) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها (٢) . ... أما ما زعمه "در منغم" من تقربه ﷺ إلى العزى بشاة بيضاء (٣) وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه ﷺ تمسح بالصفراء (٤) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟ ! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ﷺ ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ز- من مظاهر عصمته ﷺ شق صدره الشريف: ... قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٥) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ﷺ ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم (٦) .

стр. 107

.. والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير: أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ﷺ ، شرح معنوى وحسى معاً. ... أما الشرح المعنوى: فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢) . ... أما الشرح الحسى: فقد حدث له ﷺ أربع مرات (٣) وبه قال كثير من الأئمة: وكانت المرة الأولى: عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه ، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ﷺ ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره (٤) .

стр. 108

وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه (١) أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره (٢) فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره" (٣) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (٤)

стр. 109

، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره ﷺ . وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة (١) .

стр. 110

فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه (١) أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالساً. وقال: لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير" (٢) .

стр. 111

وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحي والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير (١) فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ نذر أن يعتكف شهراً هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ﷺ ذات ليلة فسمع: السلام عليك، فقال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوباً، وقالت: ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت: السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت: أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال: ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت (٢) منه، فجئت مسرعاً، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعداً، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال: اقرأ، ولم أك قرأت كتاباً قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، قلت ما أقرأ قال ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ (٣) حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئاً بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت: السلام عليك يا رسول الله" (٤)

стр. 112

٠ أما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى ﷺ فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهباً لمناجاة ربه ، والمثول بين يديه، واستعداداً لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية (١) . فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان أبو ذر رضى الله عنه (٢) يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء ... الحديث (٣) . والحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له ﷺ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان ﷺ أشجع الناس، وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ما زاغ البصر ما طغى﴾ (٥) .

стр. 113

والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته ﷺ ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيماناً؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله هين... وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا: وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله ﵎ (١) . ح- من مظاهر عصمته ﷺ تكافؤ أخلاقه: ... وهكذا نشأ المصطفى ﷺ ، محفوظاً ومعصوماً قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصوماً من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً حتى سماه قومه "الأمين" (٢) . ... وهذا الاسم العظيم "الأمين" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٣) .

стр. 114

.. وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد ﷺ أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى: أن أخلاقه ﷺ كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه... وهكذا لا تجد له خلقاً فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته ﷺ معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد ﷺ كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله. ... وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد ﷺ ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته ﷺ ، وهذا من الإعجاز والعصمة. ... وإذا أردت مثلاً على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته ﷺ فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح ﷺ بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفاً مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!.

стр. 115

.. كلا! إن سيدنا محمد ﷺ ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب. ... فحياته ﷺ قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها (١) . ... ولا غرو فى أن يكون رسول الله ﷺ بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه ، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به. ط- من مظاهر عصمته ﷺ كمال عقله: ... إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ (٢) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته.

стр. 116

.. فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب (١) وقد قص الله لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ... وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد ﷺ ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء. ... قال القاضى عياض: بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه ﷺ أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال: "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة" (٢) . ... وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة: أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها:

стр. 117

حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال ﷺ : "هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بنى عليه" (١) .

стр. 118

وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد ﷺ ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره ﷺ (١) على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه ﷺ هو الذى حل المشكلة، إنه ﷺ الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! (٢) .

стр. 119

ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله ﷺ لمشكلة المهاجرين ﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله﴾ (١) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله ﷺ ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ (٢) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار (٣) وبذلك حل النبى ﷺ مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل. كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة: الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله ﷺ وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى ﷺ من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها.

стр. 120

وبهذا العهد (١) قضى رسول الله ﷺ على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه. وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل... ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه. ب- ومن مظاهر كمال عقله ﷺ وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها:

стр. 121

١- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد (١) – ﵀ – قال: رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت: ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ، ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال: بلى... وذكر الحديث وفيه: "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟، قيل: ها هو ذا، قال: فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال: ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا: معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى: يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟! ..." (٢) .

стр. 122

٢- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد (١) وهو من عظماء قريش، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، يقصدون: رسول الله ﷺ ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى ﷺ ، فقال: أوسعوا للشيخ، وعمران (٢) وأصحابه متوافرون.

стр. 123

.. فقال حصين: ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال ﷺ : يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال: سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال: فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال: الذى فى السماء. قال: فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال: لا واحدة من هاتين. قال: "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال: يا حصين! أسلم تسلم. قال: إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال: قل: اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى ﷺ بكى، وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ (١) وتفرقوا عنه (٢) . ... فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش: "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله ﷺ ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم! (٣) .

стр. 124

٣- وعن أبى أمامة رضى الله عنه (١) قال: إن فتى شاباً أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا: مهٍ مهٍ (٢) فقال ﷺ : أدنه، فدنا منه قريباً. قال: فجلس فقال ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: لا! والله، جعلنى الله فداك فقال ﷺ : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال ﷺ : أفتحبه لابنتك؟ قال: لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال ﷺ : أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ : ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال ﷺ : أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال ﷺ : أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلنى الله فداك. قال ﷺ : ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ" (٣) .

стр. 125

.. انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه ﷺ إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو ﷺ بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة (١) . ... والشاهد مما سبق أنه ﷺ لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته. ٤- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته (٢) فقال له النبى ﷺ هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال ﷺ ما ألوانها؟ قال: حمر. قال ﷺ : فهل فيها من أورق (٣) قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : فأنى هو؟ (٤) قال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له (٥) فقال له النبى ﷺ وهذا لعله يكون نزعه عرق له (٦) .

стр. 126

.. إنه ﷺ فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له ﷺ مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له ﷺ المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق (١) . جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته ﷺ براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى:

стр. 127

مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى (١) الذى سمع بقول الله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ (٢) فقال: أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله ﷺ وغلبه، فقال النبى ﷺ : "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه ﷺ : ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون﴾ (٣) . فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم.

стр. 128

على هذا النحو كانت مجادلة النبى ﷺ للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة (١) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى: وفد بنى تميم: فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها (٢) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله ﷺ : جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لموتى له (٣) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا (٤) . لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته ﷺ ، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه. لقد أسلم الوفد (٥) ، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى له، وتأييده فى كل أموره (٦) .

стр. 129

وبعد: فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك والضلال، والغفلة، والشك، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته، الخ، وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته. وكذلك اتضح عصمته ﷺ من كل ما يمس عقله بسوء، حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلاً وفطنة، كما كان ﷺ أكمل الناس إيماناً وخلقاً. وكذا عصم رب العزة رسوله ﷺ وخصه دون سائر الأنبياء بعصمة بدنه الشريف من القتل، وقد دل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فإلى تفصيل ذلك فى المبحث التالى.

стр. 130

المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية ... المراد بعصمة النبى ﷺ فى بدنه هنا، عصمته من القتل ، أما الأمراض والآفات الغير منفرة فلا. لأن رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء والرسل، من البشر. وهم بحسب ظواهرهم يطرأ عليها ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام. ... وهذا كله ليس بنقيصه فيهم لأن الشئ إنما يسمى ناقصاً بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله على أهل هذه الدار كلها، بأنهم فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون. فالمرض والشكوى منه والتداوى، والإحساس بالحر والبرد، وإدراك الجوع والعطش، والغضب والضجر، والتعب والضعف والموت. كل ذلك سمات البشر كلها، والتى لا محيص عنها، وقد جرى على خير خلق الله من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام السمات السابقة، كما ابتلاهم الله بضروب من المحن، وذلك من تمام حكمته عزوجل لحكم منها ما يلى: ليتحقق بامتحانهم بشريتهم، ويرتفع الالتباس من أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وضلال اليهود بعزيز. ليظهر شرفهم، ورفعة درجاتهم، كما قال : ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ (١) . تسلية لأممهم، وتذكرة لهم ليتأسوا بهم فى البلاء، ويستخرجوا حالات الصبر، والرضى، والشكر، والتسليم، والتوكل ونحو ذلك مما وقع منهم. فى امتحانهم محو لهنات فرطت منهم أو غفلات سلفت لهم - إن صح التعبير - ليلقوا الله عزوجل طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل (٢) .

стр. 131

وكل ذلك تحقيقاً لما أجمله القرآن الكريم ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (٢) وهذا ما فصله وبينه النبى ﷺ فى أحاديث عدة منها ما يلى: ١- عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه (٣) قال: قلت: يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءً قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبلتى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة" (٤) . وقوله ﷺ قال الله تعالى: "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك" (٥) . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (٦) .

стр. 132

وعن أبى سعيد الخدرى وعن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه" (١) . ومن أجل كل ما سبق كانت شدة المرض والوجع بالنبى ﷺ بدليل: عن عائشة رضى الله عنها قال: ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ " (٢) . وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً. قال: "أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل، ذلك كذلك" (٣) .

стр. 133

وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضعت يدى عليها، فوجدت حرارتها فوق القطيفة، فقلت: ما أشد حر حماك يا رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر" قال أبو سعيد: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: "ثم الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء" (١) . خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه من القتل: ... إذا كانت الأحاديث النبوية السابقة تؤكد على أن رسول الله ﷺ جرى عليه ما جرى على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمات البشر التى لا ميحص عنها، وابتلى كما ابتلى غيره من الأنبياء بضروب المحن، إلا أنه ﷺ اختص بعصمة بدنه الشريف من القتل بدليل قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (٢) . وقال سبحانه: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ (٣) .

стр. 134

فتأمل قوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ وقوله سبحانه: ﴿قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم﴾ إن الخطاب فى هاتين الآيتين موجه من رسول الله ﷺ كما أمره ربه إلى قتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، وتحدى لهم بأوضح بيان، بأنهم وإن وقع منهم قتل الأنبياء من قبل رسول الله ﷺ بإذن الله تعالى، فهم مع رسول الله ﷺ مهما حاولوا قتله، فلم ولن يفلحوا، لأن الله عصم بدنه الشريف من القتل، كما عصم قلبه وعقله وَخُلُقَه من كل ما يمسهم بسوء، وخصوصية عصمة بدنه الشريف من القتل مستفادة من الآيتين السابقتين فى تكرار قوله: "من قبل" و"من قبلى" فتأمل. وقال : ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) . روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كان النبى ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى ربى " (٢) وهذه الآية الكريمة، وإن كانت مدنية النزول على قول الأكثرين من المفسرين، إلا أنها لا تعنى أن خصوصية عصمة رسول الله ﷺ فى بدنه من القتل لم تكن إلا بعد الهجرة النبوية، كلا! لما يلى:

стр. 135

أولاً: لاحتمال تكرار نزول الآية مرة بمكة، وبمرة بالمدينة: ... ومن تمسك برواية أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها السابقة، فلا حجة له فيها لاحتمال أن السيدة عائشة لم تخبر عن أمر شهدته، وإنما حدثت عن من شهد الحادثة، وقت نزول الآية فى مكة من الصحابة رضى الله عنهم ويؤيد هذا الاحتمال، الاختلاف فى رفع الحديث ووقفه كما قال الحافظ ابن حجر (١) وأيضاً: اختلاف ألفاظ روايات حديث عائشة تشير إلى أنها حدثت أولاً عن أمر سمعته من غيرها، كما فى حديث الترمذى – وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية، وهو محتمل احتمالاً قوياً أن يكون فى مكة، فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما "لا يخفى ليس بنص فى المقصود" كما قال الإمام الألوسى فى تفسيره (٢) . ... وهى رضى الله عنها تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته، وكانت فيه مع رسول الله ﷺ ، بدليل رواية الإمام أحمد "وهى إلى جنبه" (٣) . ثانياً: يحتمل أن قول رسول الله ﷺ السابق فى حديث عائشة – على فرض أن هذا القول كان بالمدينة، إخبار عن حال ثابتة له ﷺ منذ كان بمكة، ولما رأى حرص أصحابه على حمايته، وانتدابهم لحراسته فى بلد نزل فيه مهاجراً قبل أن يستقر؛ ذكرهم بأنه لا حاجة له بحراستهم فى المدينة أيضاً، لأن الله تعالى قد عصمه منذ كان فى شدة الأزمات والشدائد بمكة (٤) .

стр. 136

.. ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان النبى ﷺ يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بنى هاشم حتى نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: يا عم إن الله قد عصمنى من الجن والإنس" (٢) وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ فذهب ليبعث معه فقال: "يا عم إن الله قد عصمنى لا حاجة لى إلى من تبعث" (٣) .

стр. 137

.. وللحديث شاهد ثانى من رواية أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: "كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ ... الآية، ترك رسول الله ﷺ الحرس" (١) فهذه الروايات السابقة مع معنى الآية الواردة فيها يقتضى أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التى كانت تعترض رسول الله ﷺ وهو يدعو قومه، فقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ أى بلغ أنت رسالتى، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك (٢) والعباس فى حراسته لرسول الله ﷺ على ما جاء فى رواية أبى سعيد الخدرى، هو بلا شك أحد فتيان بنى هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله ﷺ .

стр. 138

.. وذهاب الحافظ ابن حجر فى الفتح (١) إلى أن ملازمة العباس لرسول الله ﷺ إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه – رحمه الله تعالى – عما تلهمه الآية، ويقتضيه حال الدعوة فى مستهلها من حاجة الرسول ﷺ إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه، واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد فى الأخبار من أن رسول الله ﷺ حرس فى بدر، وفى أحد، وفى الخندق، وفى رجوعه من خيبر، وفى وادى القرى، وفى عمرة القضاء، وفى حنين، وهذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن وقعة حنين (٢) غير مسلم به من وجهين:

стр. 139

الوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول ﷺ ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله ﷺ من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس، فإنه يدل على رسول الله ﷺ بأنه الرجل الذى يجلس مع العباس بن عبد المطلب (١) ومما يؤكد ملازمة العباس لرسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة أيضاً – وهى بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله ﷺ ، من أعدائه – أن العباس لم يترك رسول الله ﷺ وحده فى بيعة العقبة الكبرى التى تمت بين رسول الله ﷺ ، وبين الأنصار، وكان أول متكلم فى تلك الليلة، وفيما قاله دليل على أنه كان يحرس رسول الله ﷺ ويمنعه من أذى قومه قال: "يا معشر الخزرج... إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده... فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده" (٢) .

стр. 140

.. فحراسات رسول الله ﷺ بمكة من قبل أهله وعشيرته، كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية سيدنا محمد ﷺ وهو منهم فى الذروة لرد اعتداء قريش عنه، ومنع طغيانها عليه. الوجه الثانى: أن حراسته ﷺ بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله ﷺ فى المدينة، تراها: إما فى أول مقدمة المدينة كما فى حديث عائشة رضى الله عنها عند البخارى أنها قالت: "كان النبى ﷺ سهر، فلما قدم المدينة قال: ليت رجلاً من أصحابى صالحاً يحرسنى الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد بن أبى وقاص جئت لأحرسك، فنام النبى ﷺ " (١) .

стр. 141

أو أن تكون أسباب حراسته صلى الله عليه وسلمأموراً داخلية خاصة به، كما فى حراسة أبى أيوب رضى الله عنه (١) لرسول الله ﷺ ليلة بنائة صلى الله عليه وسلمبصفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها (٢) وهو عائد من خيبر، فقد بين أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله ﷺ حين سأله عن حراسته له ﷺ فقال أبو أيوب: "خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها، وزوجها، وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك" فقال رسول الله ﷺ : "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى" (٣) . أو أن تكون وقائع حربية كما فى حراسته ﷺ فى بدر وأحد والخندق وحنين (٤) وغيرها من المشاهد الحربية.

стр. 142

وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله ﷺ كان يعلم قطعاً فى هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم، ولكنه طلبها أو أقرها تشريعاً لأمته لتقتدى به فى ذلك، ولتتعلم الأخذ بالحذر، والاحتراس من العدو، وحراسة السلطان أو القائد خشية القتل، وفى هذا يقول الحافظ ابن حجر: "وإنما عانى النبى ﷺ ذلك مع قوة توكله، للاستنان به فى ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل. وأيضاً فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وهى عمل البدن، وقد قال ﷺ : "اعقلها وتوكل" (١) . وقال القرطبى: "ليس فى الآية – يعنى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافى الحراسة، كما أنه ليس فى أعلام الله نصر دينه وأظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد" (٢) .

стр. 143

وبهذين الاحتمالين السابقين تبقى مكية الآية قائمة، ومما يؤكد القول بمكيتها ما قاله ﷺ لابنته زينب رضى الله عنها (١) لما قامت تغسل عنه التراب الذى نثره أحد سفهاء قريش، وهى تبكى؛ خاطبها ﷺ : بقوله: "لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك" (٢) فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه ﷺ كان على يقين من عصمة الله له من جميع ما يكيدون ويدبرون. وأيضاً فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما فى أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ، والتحريض عليه، والتوعد على التقصير فيه، يتنافى مع ما كان عليه رسول الله ﷺ فى المدينة من عزة ومنعة، مكنته من التبليغ ونشر الدعوة بقوة، ونقلها إلى خارج المدينة التى هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها. بل كيف يتأتى القول أن تنزل عليه آية العصمة من الناس فى المدينة، وهو للعصمة أحوج فى مطلع الرسالة منه عليها فى آخرها؛ وسورة المائدة من آخر القرآن تنزيلاً" (٣) .

стр. 144

هذا فى الوقت الذى تأييده ﷺ بالمؤمنين ظاهر فى قوله تعالى: ﴿هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ (١) فلا معنى لأخباره على القول بمدنية آية العصمة – بعصمته من الناس – وقد عَرَفَه قبلاً أنه مؤيد بنصره تعالى، وبالمؤمنين. وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله فى بعث أبى طالب حُراساً مع رسول الله ﷺ بأن "هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية" (٢) غير مسلم به لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلاً سوى ما يظهر من أنها موجودة فى نظم التلاوة فى سورة مدنية. ووجود الآية فى سورة مدنية، لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيراً من الآيات المكية، وضعت توقيفاً منه ﷺ فى سورة مدنية، وكثيراً من الآيات المدنية وضعت توقيفاً فى سورة مكية. وبهذا أيضاً يُردَّ على الإمام القرطبى فيما ذهب إليه، من أن حديث ابن عباس – الذى سبق أن سقناه – يقتضى مكية هذه الآية، والسورة مدنية بإجماع (٣) . فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها. ودعوى أبى حيان فى البحر: "أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنها فى قصة اليهود والنصارى" (٤) غير مسلمة أيضاً لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها فى المعنى منسقة فى الربط والتناسب، لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات، إذ كثيراً ما تكون الآية مكية، لكنها مناسبة لمعانى آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفاً من رسول الله ﷺ (٥) .

стр. 145

"لأن المدار فى سمو نظم القرآن الكريم لم يقم على أساس التوافق الزمنى أو المكانى فى نزول الآيات، وإنما المدار فيه على انسجام المعنى، واتساقه فى نظم التلاوة، ولو تباعد زمن النزول واختلف مكانه، وهذا هو سر التوقيف فى ترتيب الآيات ونظمها فى وضع التلاوة. فلا بدع أن تكون آية أو آيات نزلت فى مطلع الرسالة وشدائدها، ثم وضعت توقيفاً بين آيات نزلت فى أواخر ما نزل من القرآن مادام المعنى فى الآيات منسجماً متسقاً، يأخذ بعضه بحجز بعض، وهذا كثير فى القرآن الحكيم، وهو من دلائل الإعجاز" (١) . قلت: ويؤكد مكية الآية، أو تكرار نزولها، وبالتالى خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات كلها مكية تخاطبه ﷺ بأنه محفوظ بعناية الله ، وسيكفيه المستهزئين من قومه، ومن هذه الكفاية عصمة بدنه الشريف من القتل. قال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (٤) وهذه الآيات الكريمات السابقة كلها مكية، وهى واضحة الدلالة على بيان اختصاص النبى ﷺ بعصمته من القتل.
следующие страницы →