أو أن تكون أسباب حراسته صلى الله عليه وسلمأموراً داخلية خاصة به، كما فى حراسة أبى أيوب رضى الله عنه (١) لرسول الله ﷺ ليلة بنائة صلى الله عليه وسلمبصفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها (٢) وهو عائد من خيبر، فقد بين أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله ﷺ حين سأله عن حراسته له ﷺ فقال أبو أيوب: "خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها، وزوجها، وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك" فقال رسول الله ﷺ : "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى" (٣) .
أو أن تكون وقائع حربية كما فى حراسته ﷺ فى بدر وأحد والخندق وحنين (٤) وغيرها من المشاهد الحربية.
стр. 142
وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله ﷺ كان يعلم قطعاً فى هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم، ولكنه طلبها أو أقرها تشريعاً لأمته لتقتدى به فى ذلك، ولتتعلم الأخذ بالحذر، والاحتراس من العدو، وحراسة السلطان أو القائد خشية القتل، وفى هذا يقول الحافظ ابن حجر: "وإنما عانى النبى ﷺ ذلك مع قوة توكله، للاستنان به فى ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل. وأيضاً فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وهى عمل البدن، وقد قال ﷺ : "اعقلها وتوكل" (١) .
وقال القرطبى: "ليس فى الآية – يعنى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ ما ينافى الحراسة، كما أنه ليس فى أعلام الله نصر دينه وأظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد" (٢) .
стр. 143
وبهذين الاحتمالين السابقين تبقى مكية الآية قائمة، ومما يؤكد القول بمكيتها ما قاله ﷺ لابنته زينب رضى الله عنها (١) لما قامت تغسل عنه التراب الذى نثره أحد سفهاء قريش، وهى تبكى؛ خاطبها ﷺ : بقوله: "لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك" (٢) فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه ﷺ كان على يقين من عصمة الله له من جميع ما يكيدون ويدبرون.
وأيضاً فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما فى أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ، والتحريض عليه، والتوعد على التقصير فيه، يتنافى مع ما كان عليه رسول الله ﷺ فى المدينة من عزة ومنعة، مكنته من التبليغ ونشر الدعوة بقوة، ونقلها إلى خارج المدينة التى هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها.
بل كيف يتأتى القول أن تنزل عليه آية العصمة من الناس فى المدينة، وهو للعصمة أحوج فى مطلع الرسالة منه عليها فى آخرها؛ وسورة المائدة من آخر القرآن تنزيلاً" (٣) .
стр. 144
هذا فى الوقت الذى تأييده ﷺ بالمؤمنين ظاهر فى قوله تعالى: ﴿هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ (١) فلا معنى لأخباره على القول بمدنية آية العصمة – بعصمته من الناس – وقد عَرَفَه قبلاً أنه مؤيد بنصره تعالى، وبالمؤمنين.
وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله فى بعث أبى طالب حُراساً مع رسول الله ﷺ بأن "هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية" (٢) غير مسلم به لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلاً سوى ما يظهر من أنها موجودة فى نظم التلاوة فى سورة مدنية. ووجود الآية فى سورة مدنية، لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيراً من الآيات المكية، وضعت توقيفاً منه ﷺ فى سورة مدنية، وكثيراً من الآيات المدنية وضعت توقيفاً فى سورة مكية.
وبهذا أيضاً يُردَّ على الإمام القرطبى فيما ذهب إليه، من أن حديث ابن عباس – الذى سبق أن سقناه – يقتضى مكية هذه الآية، والسورة مدنية بإجماع (٣) . فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.
ودعوى أبى حيان فى البحر: "أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنها فى قصة اليهود والنصارى" (٤) غير مسلمة أيضاً لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها فى المعنى منسقة فى الربط والتناسب، لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات، إذ كثيراً ما تكون الآية مكية، لكنها مناسبة لمعانى آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفاً من رسول الله ﷺ (٥) .
стр. 145
"لأن المدار فى سمو نظم القرآن الكريم لم يقم على أساس التوافق الزمنى أو المكانى فى نزول الآيات، وإنما المدار فيه على انسجام المعنى، واتساقه فى نظم التلاوة، ولو تباعد زمن النزول واختلف مكانه، وهذا هو سر التوقيف فى ترتيب الآيات ونظمها فى وضع التلاوة. فلا بدع أن تكون آية أو آيات نزلت فى مطلع الرسالة وشدائدها، ثم وضعت توقيفاً بين آيات نزلت فى أواخر ما نزل من القرآن مادام المعنى فى الآيات منسجماً متسقاً، يأخذ بعضه بحجز بعض، وهذا كثير فى القرآن الحكيم، وهو من دلائل الإعجاز" (١) .
قلت: ويؤكد مكية الآية، أو تكرار نزولها، وبالتالى خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات كلها مكية تخاطبه ﷺ بأنه محفوظ بعناية الله ، وسيكفيه المستهزئين من قومه، ومن هذه الكفاية عصمة بدنه الشريف من القتل. قال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (٤) وهذه الآيات الكريمات السابقة كلها مكية، وهى واضحة الدلالة على بيان اختصاص النبى ﷺ بعصمته من القتل.
стр. 146
ولم لا! ورب العزة يخاطبه فى شدة المحن والابتلاء فى مكة المكرمة بقوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أى اصبر على أذاهم، ولا تبالهم ﴿فإنك بأعيينا﴾ أى بمرأى منا، وتحت كلاءتنا. وما تلك العناية الإلهية إلا خطاب للنبى ﷺ ، بأنه معصوم من ربه من الناس" (١) وجاء التأكيد لعصمته ﷺ من الناس، بالأمر الربانى بالمضى فى دعوتة، وعدم المبالاة بأعداءه من المشركين، حيث سيكفيهم إياه سبحانه القائل ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٢) وهذه الآية المكية نظير الآية المدنية على ما ذهب إليه بعض المفسرين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) .
стр. 147
ففى الآيتين ﴿والله يعصمك من الناس﴾ و ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ خطاب من رب العزة لنبيه ومصطفاه ﷺ بالعصمة من الناس. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ قال: "المستهزءين: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بنى عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمى، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل – ﵇ فشكاهم إليه رسول الله ﷺ ، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله (١) فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، ثم أراه الحارث بن غيطل السهمى، فأومأ إلى بطنه، فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمى، فأومأ إلى أخمصه (٢) ، فقال: ما صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يرش نبلاً له (٣) فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمى، فمنهم من يقول: عمى كذا، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة، فجعل يقول: يا بنى لا تدفعون عنى، قد هلكت أطعن بشوك فى عينى، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج فى رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر فى بطنه حتى خرج خرؤه (٤) مِنْ فِيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك
стр. 148
يوماً حتى دخل فى رجله شبرقه (١) حتى امتلأت منها فمات" (٢) .
وللحديث شاهد عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: مر النبى ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون فى قفاه، ويقولون: هذا الذى يزعم أنه نبى، ومعه جبريل، فَغَمَزَ جبريل بإصبعه، فوقع مثل الظفر فى أجسادهم، فصارت قروحاً، حتى نَتُنُوا، فلم يستطيع أحدٌ أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ (٣) .
وصدق رب العزة: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (٤) بلى كاف عبده!! وقال ﷺ : "إن الله أمرنى أن أُحَرِّقَ قريشاً، فقلت رب إذاً يَثْلَغُوا (٥) رأسى! فَيَدعُوهُ خُبْزَةً، قال: استخرجهم كما
стр. 149
استجرجوك واغزهم نغزك (١) ، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله..." (٢) .
وسياق هذا الحديث فى صحيح مسلم يشعر على طوله بأن التحديث به كان بعد الهجرة النبوية، وقد تنبه الإمام القرطبى إلى ذلك، فنزع هذه الجملة من سياق مسلم، ووضعها فى موضعها عند كلامه على آية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) باعتبارها مكية (٤) وهذا هو الصواب عندى، وعند غيرى (٥) والله أعلم.
وتأكيداً لخصوصية عصمته ﷺ من القتل فى مكة، حتى على فرض مدنية آية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ إليك هذه النماذج:
стр. 150
١- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿أرأيت الذى ينهى عبداً إلى صلى. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى. كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ (١) فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر (٢) محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه فى التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقاً من نار وهولا، وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً" قال: فأنزل الله – لا ندرى فى حديث أبى هريرة أو شئ بلغه - ﴿كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى﴾ ... الآيات (٣) .
стр. 151
٢- وفى رواية عن أبى عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى: ﴿سندع الزبانية﴾ قال: قال: أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلى، لأطأن عنقه، فقال النبى ﷺ "لو فعل لأخذته الملائكة عياناً" (١) لقد ظن أبو جهل فرعون هذه الأمة أنه يستطيع أن ينال من رسول الله ﷺ ، بل ظن أنه يستطيع أن يقتله، لكنه ما إن اقترب من رسول الله ﷺ إلا سلط الله عليه ما أخافه كل الخوف، وأفزعه كل الفزع، مما جعله يعود خاسئاً، يجرى إلى الخلف صاغراً، وهكذا يعصم الله رسوله ﷺ ، ويهين أعداءه (٢) .
стр. 152
.. قال الحافظ ابن حجر: "وإنما شدد الأمر فى أبى جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبى معيط، حيث طرح سلى الجزور على ظهره ﷺ وهو يصلى" (١) لأنهما وإن اشتركا فى مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفى ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبه بدعائه ﷺ عليه وعلى من شاركه فى فعله فقتلوا يوم بدر" (٢) .
стр. 153
٣- ما نزل فى قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبى لهب وتب﴾ (١) فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبى لهب﴾ جاءت امرأة أبى لهب (٢) ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشئ (٣) فقال رسول الله ﷺ : "إنه سيحال بينى وبينها" فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت، قال أبو بكر رضى الله عنه: ما رأتك؟ قال: "لا، مازال ملك يسترنى حتى ولت" (٤) .
стр. 154
وروى عنه أيضاً قال: "إن الملأ من قريش اجتمعوا فى الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمداً لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة (١) تبكى، حتى دخلت على النبى ﷺ فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك، فقال: يا بنيه ائتنى بوضوئى، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ حفنة من تراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر" (٢) .
стр. 155
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فى قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (١) قال: "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق – يريدون النبى ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على بن أبى طالب رضى الله عنه على فراش رسول الله ﷺ تلك الليلة، وخرج رسول الله ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليَّاً يحسبونه النبى ﷺ : فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياًّ رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال" (٢) .
стр. 156
فتأمل ما فى الروايات السابقة من عصمة المولى لرسوله ﷺ من محاولات قتله التى همَّ بها كفار قريش، فرادى تارة، وجماعات تارة أخرى، والتى كان آخرها جماعة فى مكة، ليلة هجرته إلى المدينة المنورة، حيث رد كيدهم إلى نحورهم، وعادوا إلى ديارهم، كحالهم فى كل مرة يجرون أذيال خزى الله لهم.
هذا ولم تكن عصمة المولى لرسوله ﷺ فى ليلة الهجرة قاصرة على نجاته من بين أيدى صناديد الكفر فى مكة، وإنما امتدت عنايته ورعايته لرسوله ﷺ ، وهو فى طريقه إلى المدينة، وفى غار ثور، كما جاء فى الحديث السابق، من نسج العنكبوت على باب الغار، فكان قولهم: "لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه".
ولم تكن عصمة الله لرسوله ﷺ فى غار ثور، قاصرة على العنكبوت، وإنما امتدت إلى الشجرة التى أنبتها الله على فهم الغار، تستر رسول الله ﷺ ، وصاحبه رضى الله عنه، وإلى حمامتين وحشيتين وقفتا على فم الغار.
стр. 157
فعن أبى مصعب المكى (١) قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، رضى الله عنهم، فسمعتهم يحدثون: أن النبى ﷺ ليلة الغار أمر الله سبحانه، شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيَّهم وحرْباتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى ﷺ ، قدر أربعين ذراعاً جعل بعضهم ينظر فى الغار، فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى ﷺ ما قال؛ فعرف أن الله قد درأ بهما، فدعا لهن وسمَتَ (٢) عليهن، وفرض جزاءَهن، ونزلن بالحرم" (٣) .
стр. 158
وهذا الحديث على غرابة سنده، فلا غرابة فى متنه، وما فيه قليل فى كرامته ﷺ ، وجائز فى العقل، مؤيد بمطلق قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم﴾ (١) فتأمل ما فى الآية الكريمة من نسبة نصر رسول الله ﷺ إلى الله ، وتأييده ﷺ بجنود لا يراها أحد، تجد أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون ما ورد فى الحديث الغريب السند من الحمامتين الوحشيتين، والشجرة، والعنكبوت من جنود الله تعالى!!
وامتدت عصمة الله لنبيه ﷺ فى غار ثور إلى أمره ملائكته أن تستر نبيه وصاحبه عن أعين المشركين، فكان ﷺ وصحابه يريان المشركين، والمشركون لا يرونهما.
فعن أبى بكر رضى الله عنه قال: "كنت مع النبى ﷺ فى الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال ﷺ : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (٢) "لا تحزن إن الله معنا" (٣) وهذا اليقين من النبى ﷺ بعصمة الله له، تجلى فى ملائكة الله التى سترتهم وهم فى الغار.
стр. 159
فعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها (١) : "وطافوا فى جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذى فيه رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذا الرجل يرانا – وكان مواجهة– فقال: كلا! إن ملائكة تسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهة الغار، فقال النبى ﷺ : "لو كان يرانا ما فعل هذا" (٢) .
стр. 160
وتمتد عناية الله وعصمته لنبيه صلى الله عليه وسلممن محاولة سراقة بن مالك (١) النيل من رسول الله ﷺ ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التى رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتى برسول الله ﷺ " قتيلاً أو أسيراً وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال: "حتى إذا دنوت منهم، (أى اقترب من رَكْبِه ﷺ فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام (٢) فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره، فركبت فرسى – وعصيت الأزلام – تقربِّ بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ (٣) وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم
стр. 161
زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (١) ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخباراً ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى (٢) ولم يسألانى إلا أن قال: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن (٣) ، فأمر عامر بن فهيرة رضى الله عنه (٤) فكتب فى رقعة من آدم (٥) ثم مضى رسول الله ﷺ " (٦)
стр. 162
٠
فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله ﷺ من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التى رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله ﷺ حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه ﷺ ، حتى إذا ما سمع دعاءه ﷺ بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه فى هذه المرة غاصت فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع فى السماء، وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله ﷺ محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن فى نفس الوقت، أنه نبى الله حقاً، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله ﷺ سوى أن يقف فى مكانه، ولا يترك أحداً يلحق برَكْبِهِ ﷺ ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى ومشيئته فى عصمة رسول الله ﷺ بتغير حال سراقة "إذ كان فى أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له" (١) أى حارساً له بسلاحه، بل وبلسانه أيضاً كما جاء فى رواية ابن سعد: "أنه لما رجع، قال لقريش: قد عرفتم بصرى بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئاً، فرجعوا" (٢) وقال أيضاً رضى الله عنه رداً على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه فى تركهم أنشده:
أبا حكم والله لو كنت شاهداً ... *** ... لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه
стр. 163
عجبت ولم تشكك بأن محمداً ... *** ... نبى وبرهان فمن ذا يقاومه؟ !
عليك بكف الناس عنه فإننى ... *** ... أرى أمره يوماً ستبدو معالمه (١) .
... وبعد: فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله وعصمته لرسوله ﷺ من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته ﷺ من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٢) ؟!!.
... إن خصوصية عصمة النبى ﷺ فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضاً.
... وإليك نماذج من كفاية الله وعصمته لرسوله ﷺ من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة:
стр. 164
١- ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب (١) قتل النبى ﷺ ، وكتمه ذلك سراً بينه وبين صفوان بن أمية (٢) على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئاً ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله ﷺ وكان ابنه "وهب" وقع أسيراً يوم بدر، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال: انعموا صباحاً – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله ﷺ : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة" فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال: "فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: "فما بال السيف فى عنقك" قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال: "أصدقنى ما الذى جئت له؟ " قال: ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمداً: فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول
стр. 165
الله ﷺ : "فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره" ففعلوا" (١) .
فتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتلهصلى الله عليه وسلم، وإعلامه بأن الله حائل بينه، وبين ما جاء من أجله.
стр. 166
٢- وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمداً، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (١) .
стр. 167
٣- وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن عمرو بن أمية الضمرى (١) حين انصرف من بئر معونة (٢) لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبىصلى الله عليه وسلم، ففداهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً (٣) ، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل ﵇، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾ (٤)
стр. 168
، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد: "وأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول اللهصلى الله عليه وسلم، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال ﷺ : إلى الحشر" (١) .
فتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى لنبيهصلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!
إن مراجعة الأعرابى لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله.
وفى جوابهصلى الله عليه وسلم "يمنعنى الله منك" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزدهصلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى له.
стр. 169
وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتلهصلى الله عليه وسلم، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقاً، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليهصلى الله عليه وسلم، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامهصلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر. ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمتهصلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال : ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فقوله "من قبل" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبلهصلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى.
стр. 170
٤- عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن امرأة يهودية (١) أتت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها. فجئ بها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك" قال: أو قالصلى الله عليه وسلم: "علىَّ" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا (٢) ، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات (٣) رسول اللهصلى الله عليه وسلم (٤) .
стр. 171
ففى قولهصلى الله عليه وسلم "ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: علىَّ" فيه بيان عصمتهصلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) وهى معجزة لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنهصلى الله عليه وسلم قال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة" (٢) .
стр. 172
٥- وعن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه (١) أنه كان مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق (٢) ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: "أنا نبى" قال: ما نبى؟ قال "رسول الله" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبىصلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت" (٣) زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف" (٤) .
فتأمل يقين رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفهصلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبىصلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولاً قتل رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتلهصلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله لهصلى الله عليه وسلم.
стр. 173
٦- وعن جعدة بن خالد بن الصَّمة رضى الله عنه (١) قال: شهدت النبى ﷺ وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى ﷺ : لم تراع، لم تراع (٢) لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى" (٣) .
٧- وعن فضالة بن عمير الليثى رضى الله عنه (٤) قال: أردت قتل النبىصلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم "أفضالة"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله ، فضحك النبىصلى الله عليه وسلم ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلىَّ منه" (٥) نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة.
стр. 174
٨- وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه (١) قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول اللهصلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار (٢) يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة (٣) ، فإذا أنا باثنى عشر راكباً، قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله ﷺ بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ ، هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله ﷺ فى العقبة، فليقوه منها. قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمداً قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة (٤) . قلنا: يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" (٥) .
стр. 175
وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل رضى الله عنه (١) .
وأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: "فى أمتى اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم" (٢) وكان حذيفة رضى الله عنه على علم بأسمائهم من رسول الله ﷺ دون غيره من الصحابة (٣) ، ولما سئل رضى الله عنه: "كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ولا عمر؟ قال: إنى كنت أسير خلف رسول الله ﷺ ، فنام على راحلته، فسمعت ناساً منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى ﷺ ، فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة، قال: من هؤلاء خلفك؟ قلت: فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال: وسمعت ما قالوا؟ قلت: نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال: إن هؤلاء فلاناً وفلاناً، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحداً" (٤) ، وفيهم أنزل
стр. 176
قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا﴾ (١) .
إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه ﷺ بعصمته من مؤامرة نفراً من المنافقين هموا بقتله ﷺ ، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر منافقاً، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله ﷺ وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله ﷺ ، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له ﷺ .
وبعد: فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته ﷺ من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفاً.
وإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.
стр. 177
الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها
ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها:
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.
المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.
المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله عزوجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها.
المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتعرض الشيطان له والجواب عنها.
المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ والجواب عنها.
المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها:
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ " والرد عليها.
المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي" والرد عليها.
المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها.
المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله ﷺ " والرد عليها.
المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ" والرد عليها.
стр. 178
تمهيد
... ثبت فيما سبق ثبوتاً قطعياً من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب أو نحو ذلك من مظاهر الكفر، والشرك، والشك، والضلال والغفلة، وكذا عصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس عقله وخلقه بسوء؛ ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على نبيه ﷺ ، عكس ذلك بعد اصطفائه فقد ظن السوء بربه. أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب.
стр. 179
.. وكما ظهر قديماً من يطعن فى عصمة الأنبياء ممن لا يعتد بخلافهم من الأزرقة، والكرامية، والرافضة وغيرهم فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين لسنة المعصوم ﷺ وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن عجيب أمر هؤلاء الأذيال تحمسهم لفكرة أن الأنبياء غير معصومين، أكثر من أسلافهم، إذ تجرأوا على أنبياء الله بجعلهم أقل مرتبة من سائر البشر، وحال لسانهم يقول: الأنبياء أناس يخطئون كما يخطئ عامة الناس، بل إن الله قد يتوب على عامة الناس، ولا يتوب عليهم، وليس أدل على ذلك من زعم بعضهم أن "وصف الأنبياء بالعصمة المطلقة تأليه لهم، وأنهم معرضون للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك الأكبر، وأنهم سيحاسبون أمام الله يوم القيامة" (١) ومن هنا زعموا أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك" (٢) وتجرأ بعضهم على كتاب الله زاعماً: "أن القرآن الكريم لم يعتبر النبى ﷺ معصوماً" (٣) بل ويذهب إلى أن الاعتقاد بعصمة الأنبياء فى الإسلام دخيل عليه من النصرانية إذ يقول: "دخلت فكرة عصمة الأنبياء، إلى الفكر الإسلامى نقلاً عن الفكر المسيحى الذى يؤمن بأن المسيح اقنوم "صورة" لله، وأنه لذلك لا يمكن أن يخطئ، لأنه معصوم بطبيعته من الوقوع فى الخطأ" (٤) متجاهلاً أن حقوق الأنبياء واحدة لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع، لأنهم متساوون فيما يجب
стр. 180
لهم، وما يستحيل عليهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يأتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (٢) وقوله : ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ (٣) ومن هنا كان الدفاع عن عصمة نبينا ﷺ دفاع عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
... والمتتبع للمروجين لفرية عدم عصمة الأنبياء، يهون عليه أنه يجدهم جميعاً من أصحاب المنافع والشهوات، أو من أصحاب الأغراض، وأرباب الهوى.
... وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى ﷺ إلى بعض النصوص القرآنية والنبوية التى قد يتوهم من ظاهرها أن رسول الله ﷺ كان فى ضلال أو غفلة قبل نبوته، أو فى شك، وتأثير للشيطان، عليه بعد البعثة، وكلك نصوص وردت فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى رسول الله ﷺ فى القرآن الكريم (٤) وهذه التنبيهات قد تبدو فى الظاهر وكأنها تمس عصمته ﷺ ، فأخذوا يلوون تلك النصوص، ويحملونها من المعانى مالا تحتمل، إلا أنهم لن يستطيعوا بهذه الحيلة أن يضللوا الأمة.
... وسوف أعرض لهذه النصوص والتنبيهات، وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق، ويصحح الفهم، ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله تعالى، آملاً منه التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد، وحسن الأدب فى بيان المراد. فإلى بيان ذلك فى المبحثين التاليين.