قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا﴾ (١) .
إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه ﷺ بعصمته من مؤامرة نفراً من المنافقين هموا بقتله ﷺ ، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر منافقاً، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله ﷺ وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله ﷺ ، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له ﷺ .
وبعد: فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته ﷺ من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفاً.
وإذا تقرر هنا فى هذا الفصل تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فقد حان الآن بيان شبهات الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها، فإلى تفصيل ذلك فى الفصل التالى.
стр. 177
الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها
ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها:
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.
المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه ﷺ والجواب عنها.
المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله عزوجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها.
المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتعرض الشيطان له والجواب عنها.
المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ والجواب عنها.
المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها:
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ " والرد عليها.
المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي" والرد عليها.
المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها.
المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله ﷺ " والرد عليها.
المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ" والرد عليها.
стр. 178
تمهيد
... ثبت فيما سبق ثبوتاً قطعياً من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله ﷺ قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب أو نحو ذلك من مظاهر الكفر، والشرك، والشك، والضلال والغفلة، وكذا عصمته ﷺ من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس عقله وخلقه بسوء؛ ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على نبيه ﷺ ، عكس ذلك بعد اصطفائه فقد ظن السوء بربه. أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب.
стр. 179
.. وكما ظهر قديماً من يطعن فى عصمة الأنبياء ممن لا يعتد بخلافهم من الأزرقة، والكرامية، والرافضة وغيرهم فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين لسنة المعصوم ﷺ وسيرته العطرة الواردة فيها، ومن عجيب أمر هؤلاء الأذيال تحمسهم لفكرة أن الأنبياء غير معصومين، أكثر من أسلافهم، إذ تجرأوا على أنبياء الله بجعلهم أقل مرتبة من سائر البشر، وحال لسانهم يقول: الأنبياء أناس يخطئون كما يخطئ عامة الناس، بل إن الله قد يتوب على عامة الناس، ولا يتوب عليهم، وليس أدل على ذلك من زعم بعضهم أن "وصف الأنبياء بالعصمة المطلقة تأليه لهم، وأنهم معرضون للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك الأكبر، وأنهم سيحاسبون أمام الله يوم القيامة" (١) ومن هنا زعموا أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك" (٢) وتجرأ بعضهم على كتاب الله زاعماً: "أن القرآن الكريم لم يعتبر النبى ﷺ معصوماً" (٣) بل ويذهب إلى أن الاعتقاد بعصمة الأنبياء فى الإسلام دخيل عليه من النصرانية إذ يقول: "دخلت فكرة عصمة الأنبياء، إلى الفكر الإسلامى نقلاً عن الفكر المسيحى الذى يؤمن بأن المسيح اقنوم "صورة" لله، وأنه لذلك لا يمكن أن يخطئ، لأنه معصوم بطبيعته من الوقوع فى الخطأ" (٤) متجاهلاً أن حقوق الأنبياء واحدة لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع، لأنهم متساوون فيما يجب
стр. 180
لهم، وما يستحيل عليهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يأتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً﴾ (٢) وقوله : ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ (٣) ومن هنا كان الدفاع عن عصمة نبينا ﷺ دفاع عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
... والمتتبع للمروجين لفرية عدم عصمة الأنبياء، يهون عليه أنه يجدهم جميعاً من أصحاب المنافع والشهوات، أو من أصحاب الأغراض، وأرباب الهوى.
... وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى ﷺ إلى بعض النصوص القرآنية والنبوية التى قد يتوهم من ظاهرها أن رسول الله ﷺ كان فى ضلال أو غفلة قبل نبوته، أو فى شك، وتأثير للشيطان، عليه بعد البعثة، وكلك نصوص وردت فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى رسول الله ﷺ فى القرآن الكريم (٤) وهذه التنبيهات قد تبدو فى الظاهر وكأنها تمس عصمته ﷺ ، فأخذوا يلوون تلك النصوص، ويحملونها من المعانى مالا تحتمل، إلا أنهم لن يستطيعوا بهذه الحيلة أن يضللوا الأمة.
... وسوف أعرض لهذه النصوص والتنبيهات، وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق، ويصحح الفهم، ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله تعالى، آملاً منه التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد، وحسن الأدب فى بيان المراد. فإلى بيان ذلك فى المبحثين التاليين.
стр. 181
المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى ﷺ
فى عقله وبدنه والرد عليها
تمهيد:
... إن الذى يتتبع القرآن الكريم، ويتقصى آياته العظيمة، ويمعن النظر فيه، ينتهى منه إلى رصيد ضخم، وثروة لا حدود لها، من الثناء الحلو، والمديح الطيب، والتنويه الذى ليس قبله ولا بعده، برسول هذه الإنسانية، وسيد هذا الكون، حتى لكأنه بلغ قمة الثناء، وغاية المديح، وكل ذلك تجده حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها خصوم السنة المطهرة والسيرة العطرة.
... إن مما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع للآيات المتشابهات التى استدلوا بها على عدم عصمتهم ﷺ ، يرى أنها ورادة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه فى الدنيا والآخرة، بأعظم ما يكون البيان.
... ويرى بوضوح وجلاء أن كل آية من تلك الآيات تأتى بنوع من الترفق برسول الله ﷺ فى الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، وتنادى بأن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته ﷺ غير مراد، وتنادى بأن ما صدر منه من خطأ فى الاجتهاد، ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم تؤثر على شئ من عصمته، ولا مما ناله من شرف القرب، والرضا عليه من الله ، مما يمكن أن يقال فيه: إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم، الذى جعله رب العزة هدى ورحمة للعالمين.
... ومن هنا من يتأمل ما استدل به أعداء الإسلام من آيات قرآنية على عدم عصمته ﷺ ، لا يستطيع إلا أن يقرر بأنها افتراءات أطلقوا عليها اسم أدلة وبراهين... وقد لا يصل القارئ إلى هذا التقرير، إلا بعد أن يتأمل جيداً، ويرجع إلى النصوص، ويمحصها بدقة فيخرج بنتيجة حاسمة، وحكم نهائى، بأن ما زعموه أدلة وحججاً وبراهين، إنما هى من نفخ الشيطان وهمزه ونفثه، سولها لهم الشيطان، وحسنها فى قلوبهم، ودفعهم بأن يقولوا أنها حجج قرآنية.
стр. 182
.. وسوف نناقشها فقرة فقرة، وننقضها لبنة لبنة، حتى يقتنعوا أن ما زعموه من أدلة هى السراب الباطل الذى يحسبه الظمآن ماءً.
... إنى أقول ذلك ومعى تأكيداً له شواهد من التاريخ، والنقل الثابت من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة على عصمته ﷺ من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها من كل ما يمس قلبه وعقيدته وخلقه وعقله بسوء، ومبرهناً فى نفس الوقت أن رسول الله ﷺ أجل وأعلى، وأرفع وأقدس من أن تناله الشبه.
... فإلى بيان ذلك من خلال استعراض شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.
المطلب الأول: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه ﷺ
والجواب عنها
... احتج المشاغبون الذاهبون إلى نفى العصمة عن رسول الله ﷺ فى قلبه وعقيدته قبل البعثة وبعدها، بما ورد من آيات أسند فيها "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه ﷺ ، وحملوها على الكفر فى حقه ﷺ كقوله تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) وقوله : ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٣) .
... ويجاب عن ما سبق بما يلى:
стр. 183
أولاً: حمل أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة كلمتى "الضلال" والغفلة، فى الآيات على الكفر والغى والفساد! وهذا تعسف باطل فى تأويل الآيات، ومرفوض من وجوه:
الأول: أنه قبل النبوة لم يكن هناك شرعاً قائماً حتى يوصف المنحرف عنه بالضلال.
الثانى: ما ثبت بإجماع الأمة قاطبة من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر (١) .
الثالث: ما ثبت بالتواتر عن حال النبى ﷺ فى نشأته قبل النبوة من عصمة ربه له من كل ما يمس عقيدته وخلقه بسوء على ما سبق تفصيله (٢) .
ثانياً: إن تأويل أعداء الإسلام للآيات يرفضه القرآن الكريم، حيث وردت فيه كلمة "الضلال" مراداً بها أكثر من معنى، منها ما يلى:
ضلال بمعنى الكفر فى نحو قوله تعالى: ﴿ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون﴾ (٣) .
ضلال بمعنى النسيان فى نحو قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٤) أى أن تنسى إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى.
ضلال بمعنى الغفلة فى نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى ﵇ لفرعون: ﴿قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين﴾ (٥) .
стр. 184
ضلال بمعنى المحبة فى نحو قوله على لسان أولاد سيدنا يعقوب: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين﴾ (١) أى فى حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه فى قوله تعالى على لسانهم أيضاً: ﴿قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم﴾ (٢) وكذلك قوله سبحانه على لسان نسوة المدينة: ﴿وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها فى ضلال مبين﴾ (٣) أى حب مبين ليوسف ﵇.
ولما كان الضلال فى لسان أهل اللغة: العدول عن الطريق المستقيم، وضده الهداية، كان كل عدول ضلال، سواء كان عمداً أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً، ومن هنا صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد (٤) .
وعلى الوجهين الثالث والرابع تفسر آية: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ونحوها، ويكون المعنى على الوجه الرابع: ووجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلى:
أ- ما صح من سيرة رسول الله ﷺ قبل النبوة، وتحنثه فى غار حراء طلباً للهداية، حتى نزل عليه جبريل ﵇ بالوحي (٥) .
ب- أن من أسماء المحبة عند العرب "الضلال" قال الشاعر:
هذا الضلال أشاب منى المفرقا ... *** ... والعارضين ولم أكن متحققا
عجباً لعزة فى اختيار قطيعتى ... *** ... بعد الضلال فحبلها قد أخلفا (٦) .
стр. 185
قال الإمام الزرقانى (١) : وهذا أى الوجه الرابع، وتأويل الضلال بمعنى المحبة منقول عن قتادة، وسفيان الثورى، فلا يضر عدم وجوده فى الصحاح وأتباعه، فاللغة واسعة (٢) ، وقال الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: وهذا قول حسن جداً (٣) ويكون المعنى على الوجه الثالث: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ أى وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك أى فأرشدك.
... والضلال هنا: بمعنى الغفلة كقوله تعالى: ﴿لا يضل ربى ولا ينسى﴾ (٤) أى لا يغفل ولا يسهو ﷻ عن شئ فى السماوات والأرض وما فيهن (٥) وقال تعالى فى حق نبيه ﷺ : ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٦) أى لم تكن تدرى القرآن، والشرائع وما فيها من قصص الأنبياء، فهداك الله إلى ذلك، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ (٧) .
стр. 186
.. والغفلة فى حق الأنبياء لا جهل فيها، لأن الجاهل لا يسمى غافلاً حقيقة لقيام الجهل به، فصح أن ضلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غفلة لا جهل (١) وقد روى هذا التأويل والوجه بعينه عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، وجماعة من أهل التأويل (٢) .
... وقيل: الضلال فى الآيات بمعنى التحير، ولهذا كان ﷺ يخلو بغار حراء فى طلب ما يتوجه به إلى ربه، ويتشرع به؛ حتى هداه الله إلى الإسلام (٣) وهذا التأويل قريب من الوجه السابق.
... وبقيت وجوه أخرى من التأويل ذكرها أهل العلم (٤) وأقواها ما اكتفيت بذكره.
стр. 187
.. أما ما استدلوا به من قوله ﷺ على ما حكاه عنه القرآن الكريم: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) وزعمهم بأن نسبة الضلال إلى نفسه ﷺ يعنى أنه غير معصوم منه حتى بعد النبوة، فلا حجة لهم فى التعلق بظاهر هذه النسبة! لأن نسبة الضلال إلى نفسه ﷺ جاءت منه على جهة الأدب مع ربه ، وهكذا الأنبياء جميعاً إذا مسهم ضر نسبوه إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق ﷻ ، لئلا ينسبوا له فعلاً يكره، مع علمهم أن كلا من عند الله تعالى، قال الخليل ﵇: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٢) وقال الخضر ﵇: ﴿فأردت أن أعيبها﴾ (٣) أى السفينة، مع أن فعله كان بأمره كما قال على لسانه: ﴿وما فعلته عن أمرى﴾ (٤) وقال موسى ﵇: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾ (٥) وقال نبينا ﷺ : "والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك" (٦) يعنى: ليس إليك يضاف الشر وصفاً لا فعلاً، وإن كان الفعل كله من عند الله كما قال: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ (٧) .
стр. 188
.. أما الشرط فى الآية ﴿إن ضللت﴾ فلا يقتضى الوقوع ولا الجواز، فالضلال لا يقع منه ﷺ ، ولا يجوز أن يقع منه، لا قبل النبوة ولا بعدها، بمقتضى عصمة الله له، ألا ترى كيف قال الله تعالى: ﴿لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾ (١) والمعنى: لولا ما عصمناه ورحمناه، لأتى ما يذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع.
... وكذلك قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٢) والمعنى: لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً﴾ فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله ﷺ ، لا أنها من المتشابهات.
... ومعناها: "لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك" (٤) .
... فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته ﷺ ، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه (٥) .
стр. 189
.. وصفوة القول: أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته ﷺ لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى فى حقيقة الأمر واردة فى مقام المنة على رسول الله ﷺ ، ومع تلك المنَّة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته ﷺ وتأمل معى آية سبأ: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴾ (١) فهل مع منَّة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٢) فهل مع منة الوحي، ونزول القرآن عليه يجوز فى حقه ﷺ غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ تجدها آية كريمة وردت فى سورة عظيمة أقسم رب العزة فى أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه ﷺ ، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته فى رد ما قال المشركون للنبى ﷺ ، ثم أخذ رب العزة يعدد فى ضمن نفى التوديع والقلى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٣) نعمه على حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة، وآمراً له بأن يحدث بها قال تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيماً فأوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (٤) فتأمل كيف وردت آية ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ فى معرض الثناء والمدح، والمنَّة عليه ﷺ بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مراداً بالضلال فى هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد
стр. 190
به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله فى مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته فى قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ (١) مع تأكيد النفى بالقسم بقوله : ﴿والنجم إذا هوى﴾ (٢) .
... وتأمل دلالة كلمة "صاحبكم" فى قوله ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ ولم يقل: محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيداً لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال فى العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة: لا ينقمون عليه أمراً واحداً قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله : ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾ (٤) .
... هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه ﷺ يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل فى حقه الضلال.
... إن الآية الكريمة ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ مسوقة لتبرئته ﷺ مما رماه به المشركون قديماً من الضلال والغى، وهى أيضاً مسوقة لتبرئته ﷺ مما رماه به أذيالهم حديثاً من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عاماً فى الضلال والغى قبل النبوة وبعدها.
... وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم فى اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع فى سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعاً بلا نزاع.
стр. 191
.. زد على هذا أن الأفعال بمنزلة النكرات، والنكرة تعم، فكأنه قال: ما صدر منه ﷺ ضلال لا فى عقيدة ولا فى خلق لا قبل النبوة ولا بعدها (١) .
... والمفسرون حين عمموا الآية فى جميع الضلال قبل النبوة وبعدها، قالوا بما يدل عليه اللفظ العربى دلالة وضعية لغوية، وبما يقتضيه سياق الآية، وبما تشهد به سيرته ﷺ من كمال عقله وخلقه قبل النبوة وبعدها، وعصمته فى قلبه وعقيدته من الكفر والشرك، والشك، والضلال، والغفلة، على ما سبق تفصيله (٢) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
المطلب الثانى: شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه ﷺ
والجواب عنها
... مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ ، وزعموه أدلة على جواز الكبائر والصغائر عنه ﷺ ، قبل النبوة وبعدها، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات أسند فيها "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٤) وقوله : ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ (٥) .
ويجاب عن ما زعموا بما يلى:
أولاً: إن ظاهر ما استدلوا به على عدم عصمته ﷺ ، لا حجة لهم فيه، لأن ظاهره غير مراد، لمن تفكر فى سياق الآيات التى ورد فيها كلمتى: "الذنب، والوزر"!.
стр. 192
.. وهو سياق يظهر منَّة الله على رسوله ﷺ ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه فى الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن فى عصمته غير مراد، وإنما هو فى حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به ﷺ . وتأمل معى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ إنها آية كريمة وردت بين منتين:
الأولى: شرح الصدر فى قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (١) شرحاً حسياً ومعنوياً، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعاً، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات (٢) .
والثانية: رفع ذكره فى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٣) رفعاً بلغت قمته فى الشهادة التى لا يكون الشخص مسلماً إلا إذا نطق بها، فضلاً عن قرن اسمه ﷺ باسمه فى الآذان، والإقامة، والتشهد فى الصلاة، وفى خطب الجمعة، والعيدين، وفى خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه ﷺ عبادة على المسلمين (٤) .
... وتأمل معى أيضاً ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إن سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها تجدها لا تحتمل إلا وجهاً واحداً، وهو تشريف النبى ﷺ ، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب فى الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية: أما الأخروية فشيئان:
سلبية وهى غفران الذنوب، وإن لم يكن للمخاطب ﷺ ذنب، ولو لم يذكر غفرانها لكان فى ذلك ترك استيعاب جميع أنواع النعم.
стр. 193
وثبوتية وهى لا تتناهى أشار إليها رب العزة بقوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ (١) وجميع النعم الدنيوية شيئان أيضاً:
دينية أشار إليها بقوله تعالى: ﴿ويهديك صراطاً مستقيماً﴾ (٢) أى يثبتك على دين الإسلام.
ودنيوية وهى قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ (٣) أى نصراً لا ذل معه وقدم النعم الأخروية على الدنيوية، وقدم فى الدنيوية الدينية على غيرها تقديماً للأهم فالأهم فانتظم بذلك تعظيم قدر النبى ﷺ بإتمام أنواع نعم الله عليه المتفرقة فى غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذى عظمه وفخمه بإسناده إليه بنون العظمة، وجعله خاصاً بالنبى ﷺ بقوله "لك" (٤) فهل يعقل فى مقام المنَّة هذا، أن يكون المراد بالذنب والوزر ظاهرهما؟!
ثانياً: إن هذه الألفاظ التى يتعارض ظاهرها مع العصمة تحتمل وجوهاً من التأويل:
تخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها فى الآيات، فالوزر فى أصل اللغة الحمل والثقل (٥) قال تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ (٦) أى أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزاراً لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شئ أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزراً، تشبيهاً بالوزر الذى هو الثقل الحقيقى.
стр. 194
وليس يمتنع أن يكون الوزر فى الآية ثقل الوحي، كما قال : ﴿إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً﴾ (١) وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة فى مقام الامتنان عليه ﷺ وقوله : ﴿فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً﴾ (٢) والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه (٣) .
فإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفى قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك (٤) والوقر الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه (٥) .
أن "الوزر" و"الغفران" فى الآيتين مجازاً عن العصمة، والمعنى: عصمناك عن الوزر الذى أنقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلاً، كما قال : ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٦) وقوله : ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً﴾ (٧) والمعنى: لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع على ما سبق شرحه (٨) .
стр. 195
"فسمى رب العزة العصمة "وضعاً" على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به، لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه فى حالة التوبة منه. والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك" (١) .
ويشهد لصحة هذا القول: سيرة النبى ﷺ قبل النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعرى، وكذا تشهد سيرته ﷺ بعد النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٢) كما عصمه ربه من أن يفتنوه عن الوحي أو التقول عليه، ولو حدث شئ من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد فى قوله سبحانه: ﴿إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (٣) وقوله : ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين﴾ (٤) .
فهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة فى الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟
الإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب فى آيات الشرط ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ و ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط فى تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز.
стр. 196
وإذا صح تسمية العصمة "وضعاً" فى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (١) مجازاً، صحح أيضاً إطلاق المغفرة كناية عن العصمة فى قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٢) إذ الغفر الستر والغطاء (٣) والمعنى فى الآية: ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه.
قال الإمام السيوطى (٤) : "وهذا القول فى غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة فى القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءُوا ما تيسر من القرآن﴾ (٥) وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدى النجوى قال سبحانه: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ (٦) وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال : ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ (٧) .
стр. 197
ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة: أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب.
واختيرت هذه الكناية – أعنى الاستعارة – لأن المقام مقام امتنان عليه ﷺ . ثم المعنى بعد هذا: ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفى، ولكن تعفوا وتغفر (١) .
стр. 198
ولهذا دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح مطاطئاً رأسه حتى كاد يمس مقدمة رحله، وهو راكب على بعيره تواضعاً لله (١) .وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعاً" (٢) وفى نفس الوقت كان يرجع (٣) فى تلاوته، وهو على مشارف مكة سورة الفتح (٤) وهذا يعنى أنه ﷺ كان مندمجاً فى حالة من العبودية التامة لله تعالى، شكراً له ، على هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى، ولهذا كان ﷺ يكثر من الاستغفار والعبادة شكراً لله سبحانه على ذلك، وليس كما يفهم أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة أنه استغفار لذنبه (٥) لأن الاستغفار ليس خاصاً بالذنوب، بل له حِكَمٌ كثيرة، على رأسها: شكر الله على نعمه، ولذا جاء الأمر به للنبى ﷺ شكراً لله بنصره على أعدائه، وفتح مكة له، قال تعالى: ﴿إذا
стр. 199
جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ (١) وامتثل النبى ﷺ لهذا الأمر الإلهى كما جاء فى حديث عائشة رضى الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ " فقال: خبرنى ربى أنى سأرى علامة فى أمتى، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها "إذا جاء نصر الله والفتح – فتح مكة – ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً" (٢) .
وعصمته ﷺ من الذنب فيما تقدم من عمره، وفيما أخر منه، من أعظم النعم التى قام النبى ﷺ بشكرها، بالاستغفار، والقيام بين يدى الله حتى تورمت قدماه.
فعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً" (٣) والمعنى: "أن المغفرة سبب لكون التهجد شكراً فكيف أتركه؟ " (٤) .
стр. 200
وعلى ما تقدم فقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ونحوها من الآيات مراداً بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله ، على ما أنعم عليه من العصمة.
وأقول: إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة فى حقه ﷺ ، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذى ارتكبه رسول الله ﷺ ، سواء قبل النبوة أو بعدها؟!.
إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (١) وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان فى إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات (٢) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .
стр. 201
قلت: وكيف يتخيل صدور الذنب فى حقه ﷺ ، وقد عصمه ربه فى قوله وفعله وخاطبه بقوله سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) وقال : ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢) . "ومن تأمل إجماع الصحابة على اتباعه ﷺ والتاسى به فى كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، ولم يكن عندهم فى ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها، وعلى اتباعها، عَلِمَ بهم ﷺ أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه ﷺ استحى من الله تعالى أن يخطر بباله خلاف ذلك" (٣) .
ثم إن حقيقة الذنب فى اللغة ترجع إلى كل فعل يُسْتَوخَمُ عُقباَهُ كما فسره الراغب فى مفرداته (٤) . وشرعاً: يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله تعالى أو نهيه.
وهو أمر نسبى يختلف باختلاف الفعل والفاعل، وقصد الفاعل، فليست المخالفة من العَالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد، كالمخالفة التى لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد، كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث. وعلى ضوء ذلك نفهم معانى الآيات التى ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافاً إلى ضمير خطابه ﷺ (٥) .
стр. 202
وصفوة القول، أن يقال: إما أن يكون صدر من رسول ﷺ ذنب أم لا! فإن قلنا: لا، امتنع أن تكون هذه الآيات إنكاراً عليه، وقدحاً فى عصمته. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ يدل على حصول العفو (١) وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه! فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله تعالى ﴿واستغفر لذنبك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ ، يدل على كون رسول الله ﷺ مذنباً، أو غير معصوم!. وهذا جواب شاف كاف قاطع. وما فوق مقام رسول الله ﷺ مقام أهـ.
стр. 203
المطلب الثالث: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ بتقوى الله
ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها
... زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الذنوب كبائرها وصغائرها، قبل النبوة وبعدها، ودليلهم ما ورد فى القرآن الكريم من آيات تخاطب رسول الله ﷺ بتقوى الله ، وتنهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين والكاذبين، كما تنهاه عن التكذيب بآيات الله ، وتحذره من الشك فيما أنزل عليه، ومن الوقوع فى الشرك؛ ومن الآيات التى استشهدوا بها على ما زعموا ما يلى:
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿فلا تطع المكذبين. ودو لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (٢) .
وقوله : ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٣) .
وقوله: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٤) .
وقوله: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ (٥) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
стр. 204
أولاً: لا حجة للخصوم فى التعلق بظاهر الآيات التى استشهدوا بها على عدم عصمته ﷺ لِمَ صح من سيرته ﷺ أنه كان أتقى وأخشى خلق الله ، وما كذب بآيات ربه تعالى، ولا شك فيما أنزل عليه، ولا أشرك بالله طرفة عين أو أقل منها، ولا أطاع أحداً من الكافرين، أو المنافقين، أو الكاذبين. ومن زعم خلاف ذلك فليبينه لنا، فالأصل براءة الذمة حتى يثبت العكس، وهذه قاعدة أصولية، تحدد الأصل فى كل شئ، وهى تعنى أن كل منهم برئ حتى تثبت إدانته... فالمتهم بالشرك أو الشك، أو بأى ذنب آخر هو برئ منه، حتى تثبت إدانته بما اتهم به بالدليل الشرعى!.
... فهل من دليل شرعى على ما افتروه على رسول الله ﷺ من عدم عصمته؟! ولكن أنى لأعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة بدليل شرعى بعد شهادة القرآن الكريم له بالخشية والخوف من الله تعالى فى غير ما آية. منها:
قوله تعالى: ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (٢) .
وهذا وإن كان أمراً من الله أن يقول ذلك، فهو أيضاً تقرير لحقيقة حاله ﷺ ، ووصف له فى المعنى بتلك الصفة الإيمانية العليا.
وفى الآية أيضاً شهادة له ﷺ بأنه ما أطاع أهل الكفر فى أهوائهم؛ وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام كلهم بمحل الخشية والخوف من الله تعالى، كما وصفهم بذلك بقوله: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً﴾ (٣) وخوفهم ليس خوف معصية وإساءة، وإنما هو خوف إعظام وتبجيل.
стр. 205
ونبينا محمد ﷺ هو سيد الأنبياء وخاتمهم وأفضلهم، فهو معهم على ذلك الخُلُق، وتشمله هذه الآية شمولاً أولياً، لأنها فى صدر الحديث عنه، فهى شهادة قرآنية إلهية له ﷺ بهذا الخُلُق العظيم (١) .
وقد دعم هذه الشهادة، الشواهد الكثيرة من الأحاديث الشريفة من واقع حياته ﷺ ، ومن تلك الشواهد قوله ﷺ : "ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إنى لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" (٢) وفى رواية قال: "أما والله إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له" (٣) .
стр. 206
وفى الإخلاص لله ، شهد له بذلك القرآن الكريم حيث قص قوله ﷺ وهو يخاطب أهل الكتاب: ﴿قل أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون﴾ (١) فهو ﷺ يخبر عن نفسه بأنه مخلص لله تعالى فى دينه وعبادته، وهو الصادق الأمين، وقد أقره القرآن الكريم على ذلك، فحكى مقالته على سبيل الإقرار والاعتماد والإشادة، مما يدل على أن هذا الخلق العظيم قد كان مستحكماً فيه ﷺ فى كل أحواله، كما هو شأنه فى كل خُلُق عظيم، وما جاء فى قوله تعالى: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٢) فالشرط فى الآية لا يقتضى الوقوع ولا الجواز على ما سيأتى تفصيله بعد قليل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى تفسير الآية: "لم يشك النبى ﷺ ولم يسأل" وعامة المفسرين على هذا، وقالوا: وفى السورة نفسها ما دل على هذا التأويل، قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ (٣) فهذا تقرير لحقيقة حاله ﷺ ، وشهادة له بأنه ما شك فيما أنزل إليه، ولا سأل أهل الكتاب، وكان من عباد الله المؤمنين المخلصين.
وفى إخلاصه فى عبادته لله تعالى يقول : ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (٤) فهذا القرآن الكريم يلقن النبى ﷺ أن يعلن للملأ هذه الحقيقة الكامنة فيه لما علمها الله تعالى منه.
стр. 207
وقد كان ﷺ يطبق هذا التوجيه القرآنى، فكان يقول عند قيامه إلى الصلاة "وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى وممات لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" (١) .
فهل بعد كل هذه الشهادات، يصح قول أعداء الإسلام، وخصوم السيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشرك والشك؟!
ثانياً: الأوامر والنواهى الواردة فى القرآن الكريم فى حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هى أوامر ونواهى إرشاد وإعلام على جهة الوصية والنصيحة، وهى أحد دلائل العصمة، فوجودها لا يخل بالعصمة بناء على ما تقدم فى تعريف العصمة، فى بقاء الاختيار فى أفعالهم تحقيقاً للابتلاء (٢) .
ثالثاً: لله أن يؤدب أنبياءه وأصفياءه، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله .
... ألا ترى كيف نهى الله تعالى رسول الله ﷺ عن النظر لبعض المباحات فقال: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إنى أنا النذير المبين﴾ (٣) مع قوله تعالى فى مقام آخر: ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٤) .
стр. 208
.. فتأمل كيف أن الله لم يحرم التمتع بالزينة، وأكل الطيبات إذا كانت من كسب الحلال، ومع ذلك نهى رسول الله ﷺ عن النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وهى من المباحات، فكيف يحرم النظر إليها؟! "إن ذلك ما هو إلا لأن الله تعالى أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لقربهم عنده، وحضورهم، وتجاوز عن العامة أمثال ذلك، فإن الزلة على بساط الآداب، ليست كالذنب على الباب، كما لا يخفى على أولى الألباب، ممن قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين" (١) .
... وتأمل قوله ﷺ يوم فتح مكة: "إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين" (٢) يعنى: الإشارة بالعين فى الأوامر حتى يفصح بها، والإشارة بالعين فى الأوامر مباحة لغير الأنبياء، لكن نهى عنها الأنبياء تنزهاً وتأكيداً لرفع الالتباس" (٣) .
стр. 209
.. إن رب العزة يأمر رسوله ﷺ بما يشاء، وإن استحال تركه، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر﴾ (٢) وقوله : ﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله﴾ (٣) وقد كان ﷺ من أتقى وأخشى خلق الله (٤) وما قهر يتيماً، وما نهر سائلاً، وإنما كان مثالاً أعلى للبذل والعطاء حتى شهد له ربه بذلك بقوله: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم﴾ (٥) وهو ما شهدت به سيرته العطرة قبل أن يأتيه وحى الله تعالى وبعده.
стр. 210
.. فقد وصفته خديجة رضى الله عنها بقولها: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتُكسب (٢) المعدوم، وتقرى الضيق، وتعين على نوائب الحق" (٣) فهى تصفه بهذه الصفات البالغة عظمة وخطورة، التى كان عليها قبل بعثته ورسالته، ولم يكن قد تحمل أعباء أمته، ولا قد أضفت عليه النبوة زيادة كمال وعظمة، فكيف به بعد ذلك كله؟! لا جرم أن كرمه ﷺ بعد ذلك سيكون بالغاً ذروة الذرى فى كرم الأنبياء وسائر البشر، وهو ما دلت عليه الدلائل النقلية الكثيرة منها ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا" (٤) وهو ما يؤكد ما سبق من أن رب العزة يأمر نبيه ﷺ بما شاء، وإن استحال عليه تركه، وَمَنْ عِنْدَهُ خلاف ذلك فليأتنا به؟!
стр. 211
.. كما أن رب العزة ينهى رسوله ﷺ عما يشاء، وإن لم يكن وقوعه منه كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (١) أى لا تعط شيئاً لتطلب أكثر منه، لأنه طمع لا يليق بك، بل اعط لربك، واقصد به وجهه (٢) وهكذا كان خلقه ﷺ .
... وقال سبحانه: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) وما كان طردهم ﷺ من مجلسه، وما كان من الظالمين أى ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك.
... فعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: كنا مع النبى ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبى ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع فى نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله : ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٤) .
... وهذا أصح ما روى فى سبب نزولها. وعند الحاكم فى مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضاً ولم يذكر فيه ما جاء فى رواية مسلم من قول سعد "فوقع فى نفس النبى ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه، فنزلت الآية".
стр. 212
.. وإنما الذى جاء فى حديث الحاكم أن سعداً قال: "نزلت هذه الآية فى خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبى ﷺ : لو طردت هؤلاء عنك جالسناك! تدنى هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ ... إلى قوله... ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ (١) ولا يخلو هذا من الإشعار الذى أشعر به حديث مسلم فى كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح فى الإشعار من حديث الحاكم.
... ولعل حديث الحاكم دخله شئ من الاختصار، أو أن حديث مسلم روى بالمعنى فدخله شئ من التفصيل.
... وحديث سعد – عند مسلم – صريح فى أن العتاب فى الآية وقع على ما حدث به النبى ﷺ نفسه. وهذا على فرض التسليم به لا يقدح فى عصمته ﷺ ، لأن همه ﷺ بذلك كان ابتغاء مرضاة الله تعالى، برجاء إسلام قومه، وذلك لا يضر فى نفس الوقت أصحابه رضى الله عنهم لعلمه ﷺ بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه (٢) وإلا فما ورد على لسان سعد من همه ﷺ بالاستجابة لاقتراحهم لا حجة فيه، فقد أخبر بحسب ظنه، وأخبر عن أمر لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع على أسرار قلوب خلقه.
... ويؤكد أن الإخبار عن هذا الهم بحسب ظن الراوى، وأن رسول الله ﷺ ما كان ليطردهم، ما أنزل عليه ﷺ من قبل آية الأنعام، مما جاء على لسان نوح ﵇ جواباً على مثل اقتراح كفار قريش. قال تعالى: ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى آراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون﴾ (٣) .
стр. 213
.. وهذا ما تؤكده الروايات السابقة، وشواهدها من حديث ابن مسعود رضى الله عنه (١) وخباب رضى الله عنه (٢) حيث لم يرد فى شئ منها أن رسول الله ﷺ طرد أحداً من أصحابه فى مجلسه.
... بل الروايات جميعها على أنه بمجرد اقتراح أهل الشرك على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم يوماً يجلسون معه دون الفقراء والعبيد، نزلت الآية جواباً على اقتراحهم أو سؤالهم، بنهيه ﷺ عن ذلك قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) .
... وهذه مِنَّة من الله على رسوله ﷺ ، حيث عاتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد العثرات الصورية، وأدب نبيه ﷺ بأشرف الآداب، وأجل الأخلاق، وعاتبه إن كان ثمَّ عتاب – قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء عن المخالفة، ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية والرعاية فى العصمة (٤) .
... وإذا تقرر أن الله ينهى رسوله ﷺ عما يشاء وإن لم يكن وقوعه منه، علمت الجواب الرابع عن هذه الشبهة وهو:
стр. 214
رابعاً: الأوامر والنوهى السابقة فى حقه ﷺ لا تقتضى الوقوع ولا الجواز فقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) كقوله : ﴿ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأِ الله يختم على قلبك﴾ (٣) وقوله: ﴿فإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٤) وقوله: ﴿وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ (٥) وقوله: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (٦) وقوله: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٧) وقوله: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٨) فكل هذا شرط، والشرط لا يقتضى الوقوع ولا الجواز، إذ لا يصح ولا يجوز على رسول الله ﷺ ، أن يشرك، ولا أن يدعو من دون الله أحداً، ولا أن يخالف أمر ربه ، ولا أن يتقول على الله مالم يقل، أو يفترى على الله شيئاً، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يشك.
... فمثال هذه الآيات إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين (٩) أى أن الشرط فى الآيات السابقة فى حقه ، وفى حقه ﷺ ، وحق غيره، معلق بمستحيل، فكما لا تنقسم الخمسة على متساويين، فكذلك الشرط فى الآيات السابقة لا يكون منه ﷺ ، لا وقوعاً ولا جوازاً.
стр. 215
خامساً: وقيل فى الجواب عن الآيات التى معنا، أن الخطاب فى الظاهر فيها للنبى ﷺ والمراد بها غيره، إذ هو معصوم من مخالفة الأوامر، وارتكاب النواهى الواردة فى الآيات، ومستحيل عليه فعلها، لعصمة الله له، وإنما هذا إفهام لغيره من المسلمين، أن الرسول ﷺ ، وهو رسول رب العالمين، ذو المنزلة الرفيعة، والمقام الأسمى عند الله عزوجل، إن افترض وقوع ذلك منه، فإن الله تعالى يجازيه على ما فرط، فكيف إذا فعل ذلك أحد من المؤمنين؟! فسيلقى عقابه من باب أولى، وذلك أيضاً إيضاح لقدرة الله عزوجل، وأنه عدل، ولا يحابى أحداً من خلقه فليس أحد من المشركين بمأمن من عذابه تعالى حتى ولو كان نبياً، وهنا يفهم المؤمنون عامة، هذه الحقائق، فيرتدعون عن المعاصى والذنوب والآثام، خوفاً منه تعالى وخشية، مادام سبحانه لا يستثنى أحداً من عذابه، إن أشرك.. حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكنهم لا يشركون لعصمة الله لهم (١) .
... ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على الأنبياء، وعلى خاتمهم ﷺ ارتكاب الكبائر من الكفر والشرك والشك أو نحو ذلك، فقد ظن السوء بربه، أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ
بتعرض الشيطان له والجواب عنها