.. كما أن رب العزة ينهى رسوله ﷺ عما يشاء، وإن لم يكن وقوعه منه كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (١) أى لا تعط شيئاً لتطلب أكثر منه، لأنه طمع لا يليق بك، بل اعط لربك، واقصد به وجهه (٢) وهكذا كان خلقه ﷺ .
... وقال سبحانه: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) وما كان طردهم ﷺ من مجلسه، وما كان من الظالمين أى ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك.
... فعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: كنا مع النبى ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبى ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع فى نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله : ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٤) .
... وهذا أصح ما روى فى سبب نزولها. وعند الحاكم فى مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضاً ولم يذكر فيه ما جاء فى رواية مسلم من قول سعد "فوقع فى نفس النبى ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه، فنزلت الآية".
стр. 212
.. وإنما الذى جاء فى حديث الحاكم أن سعداً قال: "نزلت هذه الآية فى خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبى ﷺ : لو طردت هؤلاء عنك جالسناك! تدنى هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ ... إلى قوله... ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ (١) ولا يخلو هذا من الإشعار الذى أشعر به حديث مسلم فى كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح فى الإشعار من حديث الحاكم.
... ولعل حديث الحاكم دخله شئ من الاختصار، أو أن حديث مسلم روى بالمعنى فدخله شئ من التفصيل.
... وحديث سعد – عند مسلم – صريح فى أن العتاب فى الآية وقع على ما حدث به النبى ﷺ نفسه. وهذا على فرض التسليم به لا يقدح فى عصمته ﷺ ، لأن همه ﷺ بذلك كان ابتغاء مرضاة الله تعالى، برجاء إسلام قومه، وذلك لا يضر فى نفس الوقت أصحابه رضى الله عنهم لعلمه ﷺ بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه (٢) وإلا فما ورد على لسان سعد من همه ﷺ بالاستجابة لاقتراحهم لا حجة فيه، فقد أخبر بحسب ظنه، وأخبر عن أمر لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع على أسرار قلوب خلقه.
... ويؤكد أن الإخبار عن هذا الهم بحسب ظن الراوى، وأن رسول الله ﷺ ما كان ليطردهم، ما أنزل عليه ﷺ من قبل آية الأنعام، مما جاء على لسان نوح ﵇ جواباً على مثل اقتراح كفار قريش. قال تعالى: ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى آراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون﴾ (٣) .
стр. 213
.. وهذا ما تؤكده الروايات السابقة، وشواهدها من حديث ابن مسعود رضى الله عنه (١) وخباب رضى الله عنه (٢) حيث لم يرد فى شئ منها أن رسول الله ﷺ طرد أحداً من أصحابه فى مجلسه.
... بل الروايات جميعها على أنه بمجرد اقتراح أهل الشرك على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم يوماً يجلسون معه دون الفقراء والعبيد، نزلت الآية جواباً على اقتراحهم أو سؤالهم، بنهيه ﷺ عن ذلك قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) .
... وهذه مِنَّة من الله على رسوله ﷺ ، حيث عاتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد العثرات الصورية، وأدب نبيه ﷺ بأشرف الآداب، وأجل الأخلاق، وعاتبه إن كان ثمَّ عتاب – قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء عن المخالفة، ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية والرعاية فى العصمة (٤) .
... وإذا تقرر أن الله ينهى رسوله ﷺ عما يشاء وإن لم يكن وقوعه منه، علمت الجواب الرابع عن هذه الشبهة وهو:
стр. 214
رابعاً: الأوامر والنوهى السابقة فى حقه ﷺ لا تقتضى الوقوع ولا الجواز فقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) كقوله : ﴿ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأِ الله يختم على قلبك﴾ (٣) وقوله: ﴿فإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٤) وقوله: ﴿وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ (٥) وقوله: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (٦) وقوله: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٧) وقوله: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٨) فكل هذا شرط، والشرط لا يقتضى الوقوع ولا الجواز، إذ لا يصح ولا يجوز على رسول الله ﷺ ، أن يشرك، ولا أن يدعو من دون الله أحداً، ولا أن يخالف أمر ربه ، ولا أن يتقول على الله مالم يقل، أو يفترى على الله شيئاً، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يشك.
... فمثال هذه الآيات إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين (٩) أى أن الشرط فى الآيات السابقة فى حقه ، وفى حقه ﷺ ، وحق غيره، معلق بمستحيل، فكما لا تنقسم الخمسة على متساويين، فكذلك الشرط فى الآيات السابقة لا يكون منه ﷺ ، لا وقوعاً ولا جوازاً.
стр. 215
خامساً: وقيل فى الجواب عن الآيات التى معنا، أن الخطاب فى الظاهر فيها للنبى ﷺ والمراد بها غيره، إذ هو معصوم من مخالفة الأوامر، وارتكاب النواهى الواردة فى الآيات، ومستحيل عليه فعلها، لعصمة الله له، وإنما هذا إفهام لغيره من المسلمين، أن الرسول ﷺ ، وهو رسول رب العالمين، ذو المنزلة الرفيعة، والمقام الأسمى عند الله عزوجل، إن افترض وقوع ذلك منه، فإن الله تعالى يجازيه على ما فرط، فكيف إذا فعل ذلك أحد من المؤمنين؟! فسيلقى عقابه من باب أولى، وذلك أيضاً إيضاح لقدرة الله عزوجل، وأنه عدل، ولا يحابى أحداً من خلقه فليس أحد من المشركين بمأمن من عذابه تعالى حتى ولو كان نبياً، وهنا يفهم المؤمنون عامة، هذه الحقائق، فيرتدعون عن المعاصى والذنوب والآثام، خوفاً منه تعالى وخشية، مادام سبحانه لا يستثنى أحداً من عذابه، إن أشرك.. حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكنهم لا يشركون لعصمة الله لهم (١) .
... ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على الأنبياء، وعلى خاتمهم ﷺ ارتكاب الكبائر من الكفر والشرك والشك أو نحو ذلك، فقد ظن السوء بربه، أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
المطلب الرابع: شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله ﷺ
بتعرض الشيطان له والجواب عنها
стр. 216
.. زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشيطان، واستدلوا على ذلك بآيات ورد فيها مخاطبة النبى ﷺ بتعرض الشيطان له بالوسوسة، وتسببه فى سهوه، نحو قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (١) وقوله : ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته﴾ (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولاً: التعلق بظاهر الآيات السابقة على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان لا حجة فيه لهم، إذ لم يسلط الشيطان على رسول الله ﷺ ، وعلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأكثر من التعرض لهم، دون أن يكون له قدرة على إلحاق أى ضرر يضر بالدين.
стр. 217
.. وعصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كيد إبليس وجنوده هو وسائر الأنبياء، ثابتة لهم بكتاب الله ، فهم على رأس عباد الله المخلصين الذين لا سلطان للشيطان عليهم لقوله: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً﴾ (١) وقد تقدم تفصيل عصمته ﷺ من الشيطان الرجيم فى قلبه وعقيدته وخلقه منذ الصغر بنزع العلقة السوداء – حظ الشيطان - من قلبه ﷺ وعلى هذا إجماع الأمة، كما قال القاضى عياض: "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس" (٢) .
... وهو بذلك يبين حقيقة العصمة من الشيطان، وأنها لا تتعارض مع تعرض الشيطان لخاطره ﷺ بالوساوس.
... واستدل القاضى على ذلك بحديث ابن مسعود مرفوعاً: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير" (٣) .
стр. 218
.. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بتصدى الشياطين له فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه الشريفة، وإدخال شغل عليه، إذ يئسو من إغوائه فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له فى صلاته فأخذه النبى ﷺ وأسره (١) وقد سبق ذكر نماذج من هذه الأحاديث (٢) التى تتفق فى ظاهرها مع الآيات التى استدل بها خصوم السيرة العطرة على عدم عصمته ﷺ من الشيطان، دون أن يفهموا حقيقة ظاهر هذه الآيات، وهو: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٣) أى يتعرض لك الشيطان بأدنى وسوسة – إذ النزغ أدنى الوسوسة، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يكفى أمرك، ويكون سبب تمام عصمتك (٤) ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه (٥) وهو ما أكدته الأحاديث المشار إليها.
ثانياً: ما يتوهم من قدرة الشيطان على النبى ﷺ حيث أسند النسيان بسبب الشيطان إلى ضمير خطابه ﷺ فى قوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٦) .
стр. 219
.. فليس فى الآية دليل على تسلط الشيطان على النبى ﷺ ، لأن فعل الشيطان فى هذا النسيان، لا يعدو أكثر من شغل خاطره ﷺ وتذكيره أكثر فأكثر بحرصه على إسلام قومه، مع شدة كفرهم وعنادهم، وطعنهم فى آيات الله ، فيكون شغله وتذكيره بهذا الحرص، سبباً فى نسيان الإعراض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غير حديث القرآن الكريم، وهذا ما يقتضيه سياق الآية الكريمة: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (١) كما أن هذا المعنى هو ما يقتضيه واقع حال النبى ﷺ فى دعوته.
... والنسيان فى هذه الحالة لا طلب عليه فى الشرع، ولا ذم بالإجماع، كما أنه لا يتعارض مع عصمته ﷺ .
... فالسهو والنسيان من الأنبياء فى الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية جائز فى حقهم، وهو ظاهر القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (٢) .
... وفرقوا بين ذلك، وبين السهو فى الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، لقيام المعجزة على الصدق فى القول، ومخالفة ذلك تناقضها.
стр. 220
.. أما السهو فى الأفعال البلاغية، فغير مناقض لها ولا قادح فى النبوة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى" (١) وحالة النسيان والسهو هنا – فى الأفعال البلاغية – فى حقه ﷺ سبب إفادة علم، وتقرير شرع، كما قال ﷺ : "إنى لأَنسْىَ، أو أُنسَىَ لأَسُن" (٢) أى: إنما أدفع إلى النسيان لسوق الناس بالهداية إلى طريق مستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (٣) .
... وهذه الحالة زيادة له فى التبليغ، وتمام عليه فى النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم على قول الآخرين.
стр. 221
.. وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله ﷺ ، وما يختص به من أمور دينه، وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه. فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات، والغفلات بقلبه، وذلك مما كلفه من مقاساة الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة الأهل، وملاحظة الأعداء، ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال، بل على سبيل الندور (١) كما قال ﷺ : "إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله، فى اليوم مائة مرة" (٢) وفى رواية: "فى اليوم أكثر من سبعين مرة" (٣) .
... "والغين" بالغين المعجمة الغيم، والمراد هنا ما يتغشى القلب من السهو الذى لا يخلوا منه البشر (٤) وذكر العلماء عدة أقوال فى المراد بالحديث منها ما يلى:
قال القاضى عياض: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه، فإذا افتر عنه أو غفل عد ذلك ذنباً، واستغفر منه.
стр. 222
أن الغين همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، وسببه اشتغاله بالنظر فى مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته. وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهى نزول عن عالى درجته، ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.
أن الغين هو السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله﴾ (١) ويكون استغفاره إظهاراً للعبودية والافتقار، وملازمة الخشوع وشكراً لما أولاه (٢) .
أن الغين حاله خشية وإعظام، والاستغفار شكرها، ومن ثمَّ قيل: خوف الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى.
أن الغين ليست حالة نقص فى حاله ﷺ ، بل هو كمال أو تتمة كمال ومثال ذلك: بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلاً، فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفى الحقيقة هو كمال. فهكذا بصيرة النبى ﷺ متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها، ووقاية عن ذلك (٣) .
قلت: والأقوال السابقة معناها محتمل، وجائزة فى حقه ﷺ ، ولا تناقض عصمته. أهـ. والله أعلم.
стр. 223
وأما قوله حين نام عن الصلاة يوم الوادى لما عاد من خيبر أو من الحديبية وبطريق تبوك روايات (١) : "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" (٢) وفى رواية قال ﷺ : "إن هذا واد به شيطان" (٣) .
стр. 224
فهذا الحديث ليس فيه ذكر لتسلط الشيطان عليه ﷺ ، ولا وسوسته له، ولا يصح الطعن فى عصمة النبى ﷺ بمقتضى ظاهر هذا الحديث، لأنه ﷺ بين على من تسلط الشيطان بقوله ﷺ : "إن الشيطان أتى بلالاً، وهو قائم يصلى، فأضجعه، فلم يزل يهدئه (١) كما يهدأ الصبى حتى نام" (٢) ، فظهر من ذلك أن تسلط الشيطان فى ذلك الوادى، إنما كان على بلال الموكل بمراقبة طلوع الفجر ليوقظهم، كما جاء فى حديث أبى هريرة السابق، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى (٣) عرس (٤) وقال لبلال: "اكلأ (٥) لنا الليل" فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجهة الفجر، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً" (٦) .
стр. 225
فإن قيل: كيف نام النبى ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله ﷺ : "إن عينى تنامان، ولا ينام قلبى" (١) فجوابه من وجهين:
١- أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان.
٢- أنه ﷺ كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع. والثانى: لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول (٢) .
стр. 226
وقريب من الأول، من قال: إن القلب قد يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء (١) ويؤيد ذلك ما جاء فى رواية أبى قتادة رضى الله عنه (٢) قال: "فجعل بعضنا يهمس إلى بعض! ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا فى صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فِىَّ أُسوَةٌ؟ ثم قال: أما إنه ليس فى النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة، حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" (٣) .
والكلام فيما سبق من ظاهر تسلط الشيطان على بلال، موجه إلى أن جملة: "إن هذا وادٍ به شيطان" تنبيهاً على سبب النوم عن الصلاة، وهو تنويم الموكل بحراسة الوقت.
أما إن جعلنا جملة: "إن هذا واد به شيطان" تنبيهاً عن سبب الرحيل عن الوادى، وعلة لترك الصلاة به، على ما جاء فى رواية مالك فى الموطأ (٤) فلا اعتراض بهذا الحديث على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان (٥) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 227
المطلب الخامس: شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله ﷺ
والجواب عنها
... مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ وزعموه أدلة على صدور وجواز الكبائر والصغائر من الذنوب عنه ﷺ . ما ورد فى القرآن الكريم من آيات ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿عبس وتولى، أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى وهو يغشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (٢) وقوله : ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) وقوله: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٤) وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٥)
стр. 228
٠
... ويجاب عن ما سبق إجمالاً بما يلى:
أولاً: إن عتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوارد فى القرآن الكريم، هو فى الظاهر عتاب، وفى الحقيقة كرامة وقربة لله ، وتنبيه لغيرهم ممن ليس فى درجتهم من البشر، بمؤاخذتهم بذلك، فيستشعروا الحذر، ويلتزموا الشكر على النعم، والصبر على المحن، والتوبة عند الزلة (١) .
ثانياً: أن لله تعالى أن يعتب أنبياءه وأصفياءه، ويؤدبهم، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله عزوجل (٢) .
ثالثاً: أن غاية أقوال الأنبياء وأفعالهم التى وقع فيها العتاب من الله لمن عاتبه منهم، أن تكون على فعل مباح، كان غيره من المباحات أولى منه فى حق مناصبهم السنية.
رابعاً: المباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، فهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات، مما يتقون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .
خامساً: أنه ليس كل من أتى ما يلام عليه يقع لومة، فاللوم قد يكون عتاباً، وقد يكون ذماً، فإن صح وقوع لومه، كان من الله عتاباً له لا ذماً، إذ المعاتب محبور (٤) والمذموم مدحور، فاعلم – رحمك الله – صحة التفرقة بين اللوم والذم قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه ... *** ... فربما صحت الأجسام بالعلل (٥) .
إذا ذهب العتاب فليس ود ... *** ... ويبقى الود ما بقى العتاب (٦) .
стр. 229
سادساً: أن العتاب فيما قيل أنه عوتب عليه رسول الله ﷺ ، إنما كان على ما حَكَمَ فيه رسول الله ﷺ بالاجتهاد، والاجتهاد محتمل الخطأ، فكان تصحيح الخطأ فى اجتهاده من الله ، بتوجيهه ﷺ إلى الأخذ بالصوب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي.
سابعاً: عدم ورود نهى عما عوتب فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى يكون عتابهم ثمَّ ذم.
ثامناً: إنه ما من آية ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ إلا وهى واردة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ ، وبيان عظيم فضله ومكانته عند ربه بأعظم ما يكون البيان.
... وإليك التفصيل:
ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (١) .
هذه الآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى ﷺ وتعظيمه، خلافاً لمن وهم، ففهم منها عتابه أو تأنيبه، لأن النبى ﷺ لم يخالف أمراً ولا نهياً، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم.
فرسول الله ﷺ لما عزم على الخروج إلى تبوك، استأذنه بعض المنافقين فى التخلف، لأعذار أبدوها، فأذن لهم فيه لسببين:
أحدهما: أن الله لم يتقدم إليه فى ذلك بأمر ولا نهى.
ثانيهما: أنه لم يرد أن يجبرهم على الخروج معه، فقد يكون فى خروجهم على غير إرادتهم ضرر.
стр. 230
.. فأنزل الله تعالى: يبين له أن ترك الإذن لهم كان أولى، لما يترتب عليه من انكشاف الصادق من الكاذب، فيما أبدوه من الأعذار، واستفتح رب العزة ما أنزله بجملة دعائية. هى قوله: ﴿عفا الله عنك﴾ على عادة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة، أو بقولهم: غفر الله لك، أو جعلت فداك، أو نحوها يقصدون تكريم المخاطب؛ إذا كان عظيم القدر، ولا يقصدون المعنى الوصفى للجملة (١) .
... ولو بدأ رب العزة حبيبه ومصطفاه بقوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق فى عذره من الكاذب؟
... وفى هذا من عظيم منزلته عند الله مالا يخفى على ذى لب، ومن إكرامه إياه وبره به، ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب.
... فليتأمل كل مسلم! هذه الملاطفة العجيبة فى السؤال من رب الأرباب، المنعم على الكل، المستغنى عن الجميع، ويستثير ما فيها من الفوائد.
стр. 231
.. وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب (وهل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا إن كان ثمَّ عتب) وأنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثمَّ ذنب، وهكذا فى أثناء عتبه براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته (١) . إن قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ غاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل، وقد بينت أن ترك الأولى ليس بذنب، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب، لم تركت الأفضل، ولم عدلت عن الأولى، ولا يقتضى ذلك إنكاراً، ولا ذنباً (٢) .
... أما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: ﴿عفا الله عنك﴾ والعفو يستدعى سابقة ذنب، وأن الاستفهام فى قوله تعالى: ﴿لم أذنت لهم﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٣) .
فهذا قول من يجهل لغة العرب فى استفتاح كلامهم بهذه الجملة ونحوها يقصدون بها تكريم المخاطب، إذا كان عظيم القدر، وتحاشياً عن جعل الاستفهام أول كلام للمعظم.
وليس "عفا" هنا فى الآية بمعنى "غفر" أى ستر، وترك المؤاخذة بل بمعنى: لم يلزمك شيئاً فى الأذن، كما قال ﷺ : "إنى قد عفوت عنك عن صدقة الخيل والرقيق، ولكن هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهماً، درهماً" (٤) .
стр. 232
ولم تجب عليهم زكاة فى خيل ورقيق قط، أى: لم يلزمكم ذلك، فليس معناه: إسقاط ما كان واجباً، ولا ترك عقوبة هنا فتأمل (١) .
وصفوة القول: أن يقال: إما أن يكون صدر عن رسول الله ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: لا! امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله "لم أذنت لهم" إنكاراً عليه. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله : ﴿عفا الله عنك﴾ يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه.
فثبت أنه على التقديرين المذكورين، يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ يدل على كون الرسول مذنباً، وهذا جواب شاف كاف قاطع.
وعند هذا يحمل قوله: ﴿لم أذنت لهم﴾ على ترك الأولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك (٢) كالإمام الزمخشرى (٣) فقد أساء الأدب فى التعبير – مع جلالة علمه – عن بيان العتاب – فى زعمه – فقال: إن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت (٤) .
стр. 233
وقد استغواه فى هذا التعبير السئ سلفه الجبائى (١) الذى يرى أن أذن رسول الله ﷺ للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك "كان قبيحاً، ووقع صغيراً" (٢) فالزمخشرى – ﵀ – مقلد فى سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاوى (٣) الزمخشرى فى جفوة التعبير فى هذا الموضع من تفسيره (٤) .
стр. 234
وقد علق أبو حيان (١) - رحمه الله تعالى فى البحر، على هذا المسلك من التفكير والتعبير فقال: "وكلام الزمخشرى فى تفسير قوله ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ مما يجب إطراحه، فضلاً عن أن يذكر فيرد عليه" (٢) قال الألوسى (٣) : "وكم لهذه السقطة فى الكشاف من نظائر" (٤) .
وأما قوله تعالى: فى أسارى بدر: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (٥) فليس فى هذه الآية الكريمة وما بعدها إلزام ذنب لرسول الله ﷺ ، لتصديرها بجملة "ما كان لنبى" وهذا الأسلوب المكون من "كان" المنفية بـ "ما" الآتى بعدها لام الجحود، تأكيداً لتقوية النفى فيها قد ورد فى القرآن الكريم، وكلام العرب على وجهين، كما قال المفسرون، وأهل المعانى (٦) .
стр. 235
الوجه الأول: النفى كما هو ظاهر أسلوبها كقوله تعالى ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ (١) وقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (٢) وهذا هو الأصل فى معنى هذا الأسلوب، لأن توكيد فعل الكون بلام الجحود هو "أبلغ لفظ يستعمل فى النفى" (٣) ومعناه انصباب النفى على ما قبل اللام وما بعدها نفياً مطلقاً "يشمل جميع الحالات المعنوية التى يتضمنها الكلام" (٤) .
... ويفيد هذا التركيب معنى زائداً على نفى مجرد الفعل، وهو نفى التهيؤ للفعل المنفى عنه وإرادته والصلاحية له، كما أوضح ذلك أبو حيان وغيره (٥) .
... ولا شك أن نفى التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفى الفعل، لأن نفى الفعل لا يستلزم نفى إرادته، ونفى التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفى الفعل، فلذلك كان النفى مع لام الجحود أبلغ" (٦) .
... أما الوجه الثانى: من وجهى استعمال هذا الأسلوب فى القرآن الكريم، فهو النهى الضمنى عن أن يقع متعلق الخبر، كقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ (٧) .
... وقد جعل منه بعض العلماء آية بحثنا هذا ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى﴾ (٨) ومعنى الآية على الوجه الأول: أن الله يبرئ نبيه ﷺ ، وينزه ساحته عن أن يكون له تهيئة وقصد فى أخذ الأسرى، وإنهاء المعركة قبل الإثخان فى الأرض.
стр. 236
.. والمعنى على الوجه الثانى: نهيه ﷺ عن أن يكون له أسرى قبل الإثخان فى الأرض، والمبالغة فى إضعاف قوة العدو، ولا يستلزم هذا النهى وقوع المنهى عنه من المخاطب، لجواز
أن يكون وقوع المنهى عنه، كان ممن له صلة تبعية بالمخاطب، ويؤيد هذا أن "التنكير – أى تنكير نبى فى قوله "ما كان لنبى" إبهاماً فى كون النفى لم يتوجه عليه معيناً" (١) تلطفاً به ﷺ ، وإشارة إلى أن هذا سنة من سنن الله تعالى مع أنبيائه وبياناً لأنه لم يكن ﷺ متوجه القصد، إلى أن يكون له أسرى قبل الإثخان فى العدو، وإكثار القتل، والجراح فيه، وعلى ذلك يكون الخطاب – فى ظاهره – موجهاً لرسول الله ﷺ مع هذا التلطف الذى يبرئ سماحته ﷺ مما يوجب العتاب، ويكون الخطاب - فى حقيقته - موجهاً إلى الذين أسرعوا فى إنهاء المعركة، وأخذ الغنائم والأسرى بمجرد ظهور طلائع النصر، ولم يصبروا حتى يكثروا القتل فى العدو كسراً لشوكته. وقد نزه الله تعالى نبيه ﷺ عن إرادة شئ من الدنيا بتوجيه الكلام بطريق الإفراد فى أول الكلام فى قوله "ما كان لنبى" الذى أخرج مخرج الغيبة، مع أن المقصود به هو النبى ﷺ ، إلى الجمع فى قوله: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ الذى قصد به بعض الصحابة، ممن تجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبى ﷺ ولا علية أصحابه رضى الله عنهم (٢) .
стр. 237
.. وهذا يدل على أن النبى ﷺ لم يدر بخلده، أن ينهى المعركة قبل الإثخان فى العدو ليأخذ الأسرى، ويغنم أصحابه المغانم، ويؤكده ما رواه ابن إسحاق فى سيرته: "ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ فى العريش (١) وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله ﷺ متوحشاً السيف فى نفر من الأنصار، يحرسون رسول الله ﷺ ، يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له رسول الله ﷺ لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ قال: أجل، والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال" (٢) .
стр. 238
.. وهذا يدل على أن النبى ﷺ لم ينكر على سعد بن معاذ ما رأى فى وجهه من كراهية ما يصنع القوم، فاستفسره عن ذلك، فقال له: "والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " فقال سعد: أجل يا رسول الله، وعلل سعد ذلك بأن هذه أول وقعة فى الإسلام نصر الله فيها المسلمين على أعدائهم من المشركين، فكان الإثخان فى القتل أحب إليه من استبقاء الرجال. وفيه دلالة على أن المعاتب عليه عدم الإثخان فى القتل، والإسراع إلى الغنيمة، لا أخذ الفداء، لأن سعداً أبان عن رأيه قبل الاستشارة فى أخذ الفداء، وهذا كالصريح فى أن أخذ الفداء من الأسرى لا عتاب عليه، وقد بين الله تعالى هذا بقوله ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (١) فإنه تعالى لعظيم فضله، وبالغ رحمته، منع عذابه العظيم عن المؤمنين المجاهدين يوم بدر، الذى استحقوه بما مالت إليه أنفسهم من الإسراع فى جميع الغنائم، قبل إكثار القتل فى عدوهم.
... وهذه الآية الكريمة: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض﴾ (٢) كما هو ظاهر منها لا تمنع الأسر، وأخذ الفداء نهائياً، ولكنها تقرر أنهما لا يكونان إلا بعد الإثخان فى الأرض بظهور المسلمين على أعدائهم.
... وهى لا تتنافى مع آية سورة محمد ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء﴾ (٣) فلا زيادة فى حكم هذه الآية، على آية الأنفال، لأن كلتا الآيتين متوافقتان "فإن كلتيهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء" (٤) فلا نسخ إذن كما يزعم البعض.
... ولكن بعض الصحابة رضى الله عنهم حين اشتغلوا بجمع الغنائم قدموا عرض الدنيا على الآخرة فخالفوا ما أراده الله تعالى لهم من عظيم الظهور وقوة الشوكة.
стр. 239
.. أما الكتاب المذكور فى قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ فقد أدى إبهامه إلى اختلاف العلماء فيه على أقوال كثيرة أوصلها الشوكانى (١) إلى ستة أقوال، لعل أرجحها وأقربها إلى المعقول، وأولاها بالقبول هو: ألا يعذب الله أحداً إلا بعد أن يقدم إليه أمراً أو نهياً فيخالف ما قدمه الله إليه (٢) .
... والمعنى: لولا أنه سبق منى أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهى لعذبتكم على ما أخذتم من الفداء. إذ لو كان منهياً عنه محرماً لاستحقوا بمخالفته العذاب، فالمراد بالكتاب: حكم الله الذى كتبه وقدره، وهذا التفسير ينفى أن يكون أمر فداء الأسارى معصية لعدم النهى (٣) .
стр. 240
.. وفى الآية بيان لما كان مسطوراً فى غيبه تعالى من إحلال الغنيمة، وتطييبها لعبادة المؤمنين من هذه الأمة، وهذا كان من خصائصه ﷺ على سائر الأنبياء فكأنه قال: "ما كان أخذ الفداء لنبى غيرك" وهو ما أكده ﷺ بقوله: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى، أحلت لى الغنائم، ولم تحل لأحد قبلى – الحديث" (١) .
... فقال الله تعالى تطيباً لنفوس أولئك المجاهدين ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ (٢) وهذا كله ينفى الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل الله لم يعص (٣) .
стр. 241
.. أما ما روى فى أسباب نزول آيات بحثنا، من مشاورة رسول الله ﷺ أصحابه فى أمر أسرى بدر، واختياره ﷺ لرأى أبى بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء، من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء، ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله، ويهتدى بهداه، ثم بكاءه ﷺ وصاحبه أبى بكر شفقة لأجل ما عرض عليه ﷺ من عذاب أصحابه لأخذهم الفداء، ونزول الآيات بذلك (١) فليس فى ذلك ما يفيد أصلاً بأن النبى ﷺ أشار بأخذ الفداء، وإنما شاور أصحابه، فأشارت الكثرة منهم بأخذ الفداء، وهم الذين عوتبوا بقوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ (٢) فلما خرج إليهم بعد المشاورة قال لهم: ﴿أنتم عالة، فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق﴾ (٣) .
стр. 242
.. وهذه المشاورة مأمور بها النبى ﷺ كما يدل على ذلك صريح حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: جاء جبريل ﵇ يوم بدر إلى النبى ﷺ ، فقال: "خير أصحابك فى الأسرى إن شاءوا فى القتل، وإن شاءوا فى الفداء، على أن يقتل منهم فى العام المقبل مثلهم، فقالوا: الفداء ويقتل منا" (١) .
стр. 243
.. ومن هنا يظهر جلياً أن النبى ﷺ لم يختر أخذ الفداء ولا حبذه، بدليل ما رواه البخارى من قوله ﷺ فى أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدى (١) حياً، ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى (٢) لتركتهم له" (٣) .
... وهذا يدل على أن لا عتاب على أخذ الفداء لعزم رسول الله ﷺ على ترك الأسرى، وإطلاقهم بدون فداء، فيما لو كان المطعم بن عدى حياً، وكلم رسول الله ﷺ فيهم.
стр. 244
.. كما يؤخذ أيضاً من حديث تخيير جبريل فى أمر الأسرى، أن أخذ الفداء، لا عتاب عليه، إذ لو كان أخذ الفداء موضع مؤاخذة، ما جاء جبريل ﵇ بالتخيير بينه، وبين القتل، لأنه لا يخير بين جائز مطلق، وبين مؤاخذ عليه. وبالتالى فهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه، لكن بعض الصحابة مال إلى أضعف الوجهين، فى حين كان الأصلح غيره من الإثخان فى القتل، فعوتبوا على ذلك، وتبين لهم ضعف اختيارهم، وتصويب اختيار غيرهم، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين (١) .
стр. 245
.. ويؤيد أنه لا عتاب على رسول الله ﷺ فى أخذ الفداء، أنه ﷺ سبق أن فادى الحكم بن كيسان (١) وعثمان بن عبد الله بن المغيرة (٢) اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش الأسدى رضى الله عنه (٣) حين أرسله رسول الله ﷺ ومعه ثمانية من المهاجرين – إلى وادى نخلة بين مكة والطائف لرصد عير قريش – وذلك قبل غزوة بدر الكبرى بأكثر من شهرين، فالتقوا بهم فى آخر يوم من رجب، من السنة الثانية من الهجرة، فغنموا العير، واقتادوا معهم الأسيرين إلى المدينة، فوقف رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وقال أهل الكفر: استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وأكثروا فى ذلك، فرد الله عليهم قولهم فأنزل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهوكافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (٤) .
стр. 246
فقبل رسول اللهصلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وأخذ الغنيمة، وهى أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الإسلام" (١) ولم يعاتب الله تعالى أحداً على شئ من ذلك، فلو كان الفداء ممنوعاً لعتب (٢) .
وعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه، وأخذ الغنيمة، فيما سبق هذه الغزوة أولاً، هذا بالإضافة إلى أن اختيار أخذ الفداء يوم بدر، وقع من الصحابة رضى الله عنهم كما فى حديث تخيير جبريل ﵇.
على أن بعض الأئمة من الذين يرون أن فى الآية عتاباً، أخذاً بظاهر رواية مسلم المشار إليها (٣) رجحوا رأى الصديق رضى الله عنه بأخذ الفداء.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد اختلف السلف فى أى الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأى أبى بكر لأنه وافق ما قدر الله فى نفس الأمر، ولم استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم فى الإسلام، إما بنفسه، وإما بذريته التى ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى فى حق من كتب له الرحمة" (٤) قالوا: وأما بكاء النبىصلى الله عليه وسلم، فإنما كان شفقة لنزول العذاب، لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وغيره من عليَّة أصحابه (٥) أ. هـ. والله أعلم.
стр. 247
٣- وأما قوله تعالى: ﴿عبس وتولى. أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) .
أولاً: هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم الأعمى (٢) أتى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدنى، وعند رسول اللهصلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللهصلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول: بأساً؟ فيقول: لا، ففى هذا أنزلت "عبس وتولى" (٣) .
فهذا أصح ما روى فى سبب نزول الآيات، والزعم بأن هذا السبب لا يصح، والقصة مفتعلة، لأن عائشة الراوية لها لم تدركها (٤) ، قول مردود بما يلى:
أ-أن مرسل الصحابى مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به، لأن غالب رواية الصغار من الصحابة عن صحابة مثلهم، وكلهم عدول، ورواية صغار الصحابة عن غيرهم نادرة، فإذا رووها بينوها، وحيث أطلقوا فالظاهر أنها عن الصحابة وأكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات، والقول بأنه لا يحتج بمرسل الصحابى قول ضعيف.
стр. 248
ب-اتفاق أهل الحديث على أن الصحابى الذى شاهد الوحي والتنزيل إذا فسر شيئاً من آى القرآن، أو أخبر عن آية نزلت فى كذا، كان له حكم المرفوع المسند، وقيده بعضهم بما إذا كان التفسير مما لا مجال فيه للاجتهاد، ولا يقال من قبل الرأى (١) .
جـ- اتفاق السلف، وجمهور المفسرين على أن فاعل "عبس وتولى" هو رسول الله ﷺ (٢) كما أجمعوا على أن هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم (٣) .
ثانياً: مع صحة سبب نزول الآيات، فليس فيها إثبات ذنب لرسول الله ﷺ ، بل الآيات إعلام من الله تعالى لرسوله ﷺ ، بأن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى، كان لو كشف له حال الرجلين، لاختار الإقبال على الأعمى لأنه ﴿جاءك يسعى. وهو يخشى﴾ والإعراض عن الكافر، وتوهين أمره لأنه استغنى عن الإسلام بكفره، ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ أى ليس عليك بأس فى أن لا يتزكى بالإسلام، والمراد: لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم، بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.
...
... وفعل النبى ﷺ لما فعل من العبوس والإعراض، وتصديه لذلك الكافر، كان طاعة لله عزوجل، وتبليغاً عنه، واستمالة للكافر، رجاء إسلامه، كما شرعه الله له بالتبليغ، ومن لين الجانب لمن يدعوه، وبالتالى لا معصية ولا مخالفة لله (٤) .
стр. 249
.. وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه وإن فقد بصره، كان يسمع مخاطبة رسول الله ﷺ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ بعد سماعه، إيذاء له ﷺ وذلك معصية عظيمة.
... فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذى فعله رسول الله ﷺ كان هو الواجب المتعين، سواء كان ابن أم مكتوم مسلماً فى ذلك الوقت، كما هو رأى الجمهور، أو لم يكن أسلم بعد، على ما ذهب إليه السهيلى (١) فى الروض الأنف ورجحه قائلاً: "مع أنه – أى الأعمى – لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (٢) ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله ﷺ ، وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل فى الإيمان من قبل – والله أعلم – وإنما دخل فى الإسلام بعد نزول الآية ويدل على ذلك قوله للنبى ﷺ : "يا محمد استدننى" (٣)
стр. 250
، ولم يقل "يا رسول الله استدننى" مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء فى لعله يزكى، عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، و (لعل) تعطى الترجى والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجى والانتظار للتزكى والله أعلم" (١) .
... أما قوله تعالى: ﴿أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ (٢) فهو معطوف على قوله "يزكى" الواقع خبراً لحرف الرجاء "لعل" فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله: "لعله يزكى" يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان (٣) ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلى فى اختياره عدم إيمانه حين مجيئه إلى رسول الله ﷺ .