فقبل رسول اللهصلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وأخذ الغنيمة، وهى أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى الإسلام" (١) ولم يعاتب الله تعالى أحداً على شئ من ذلك، فلو كان الفداء ممنوعاً لعتب (٢) .
وعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم فى فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه، وأخذ الغنيمة، فيما سبق هذه الغزوة أولاً، هذا بالإضافة إلى أن اختيار أخذ الفداء يوم بدر، وقع من الصحابة رضى الله عنهم كما فى حديث تخيير جبريل ﵇.
على أن بعض الأئمة من الذين يرون أن فى الآية عتاباً، أخذاً بظاهر رواية مسلم المشار إليها (٣) رجحوا رأى الصديق رضى الله عنه بأخذ الفداء.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد اختلف السلف فى أى الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأى أبى بكر لأنه وافق ما قدر الله فى نفس الأمر، ولم استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم فى الإسلام، إما بنفسه، وإما بذريته التى ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى فى حق من كتب له الرحمة" (٤) قالوا: وأما بكاء النبىصلى الله عليه وسلم، فإنما كان شفقة لنزول العذاب، لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وغيره من عليَّة أصحابه (٥) أ. هـ. والله أعلم.
стр. 247
٣- وأما قوله تعالى: ﴿عبس وتولى. أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) .
أولاً: هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم الأعمى (٢) أتى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدنى، وعند رسول اللهصلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللهصلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول: بأساً؟ فيقول: لا، ففى هذا أنزلت "عبس وتولى" (٣) .
فهذا أصح ما روى فى سبب نزول الآيات، والزعم بأن هذا السبب لا يصح، والقصة مفتعلة، لأن عائشة الراوية لها لم تدركها (٤) ، قول مردود بما يلى:
أ-أن مرسل الصحابى مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به، لأن غالب رواية الصغار من الصحابة عن صحابة مثلهم، وكلهم عدول، ورواية صغار الصحابة عن غيرهم نادرة، فإذا رووها بينوها، وحيث أطلقوا فالظاهر أنها عن الصحابة وأكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات، والقول بأنه لا يحتج بمرسل الصحابى قول ضعيف.
стр. 248
ب-اتفاق أهل الحديث على أن الصحابى الذى شاهد الوحي والتنزيل إذا فسر شيئاً من آى القرآن، أو أخبر عن آية نزلت فى كذا، كان له حكم المرفوع المسند، وقيده بعضهم بما إذا كان التفسير مما لا مجال فيه للاجتهاد، ولا يقال من قبل الرأى (١) .
جـ- اتفاق السلف، وجمهور المفسرين على أن فاعل "عبس وتولى" هو رسول الله ﷺ (٢) كما أجمعوا على أن هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم (٣) .
ثانياً: مع صحة سبب نزول الآيات، فليس فيها إثبات ذنب لرسول الله ﷺ ، بل الآيات إعلام من الله تعالى لرسوله ﷺ ، بأن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى، كان لو كشف له حال الرجلين، لاختار الإقبال على الأعمى لأنه ﴿جاءك يسعى. وهو يخشى﴾ والإعراض عن الكافر، وتوهين أمره لأنه استغنى عن الإسلام بكفره، ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ أى ليس عليك بأس فى أن لا يتزكى بالإسلام، والمراد: لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم، بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.
...
... وفعل النبى ﷺ لما فعل من العبوس والإعراض، وتصديه لذلك الكافر، كان طاعة لله عزوجل، وتبليغاً عنه، واستمالة للكافر، رجاء إسلامه، كما شرعه الله له بالتبليغ، ومن لين الجانب لمن يدعوه، وبالتالى لا معصية ولا مخالفة لله (٤) .
стр. 249
.. وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه وإن فقد بصره، كان يسمع مخاطبة رسول الله ﷺ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ بعد سماعه، إيذاء له ﷺ وذلك معصية عظيمة.
... فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذى فعله رسول الله ﷺ كان هو الواجب المتعين، سواء كان ابن أم مكتوم مسلماً فى ذلك الوقت، كما هو رأى الجمهور، أو لم يكن أسلم بعد، على ما ذهب إليه السهيلى (١) فى الروض الأنف ورجحه قائلاً: "مع أنه – أى الأعمى – لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (٢) ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله ﷺ ، وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل فى الإيمان من قبل – والله أعلم – وإنما دخل فى الإسلام بعد نزول الآية ويدل على ذلك قوله للنبى ﷺ : "يا محمد استدننى" (٣)
стр. 250
، ولم يقل "يا رسول الله استدننى" مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء فى لعله يزكى، عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، و (لعل) تعطى الترجى والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجى والانتظار للتزكى والله أعلم" (١) .
... أما قوله تعالى: ﴿أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ (٢) فهو معطوف على قوله "يزكى" الواقع خبراً لحرف الرجاء "لعل" فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله: "لعله يزكى" يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان (٣) ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلى فى اختياره عدم إيمانه حين مجيئه إلى رسول الله ﷺ .
стр. 251
.. قلت: فى كلا الحالتين إسلامه وعدمه وقتئذ، فليس فى الآيات إثبات ذنب له ﷺ ، وإنما الذنب والمعصية ما فعله ابن أم مكتوم على ما سبق شرحه. وإن كان ثمَّ عتاب موجه إلى رسول الله ﷺ ، فهو بسبب عمى ابن أم مكتوم حيث استحق مزيداً من الرفق به، ولذا ذكره الله فى كتابه بوصفه المشتق من العمى، بيان لعذره فيما واجه به رسول الله ﷺ من تكرير القول عليه، وسبب فى أحقية التلطف به والعطف عليه، وأنه جاءه يسعى، أى يمشى مع عجزه، إشارة لذلك، وللصفح عنه (١) وبيان أن عجزه هذا مما له مدخل فى العتاب، الذى جاء بأحسن ما يكون بعدم التصريح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين (عبس وتولى) تلطفاً برسول الله ﷺ عن المفاجأة بهذا الخطاب المشعر بالشدة.
... وذهب البعض إلى أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبى ﷺ ، وهذا يرده ما فى الآيات من قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ (٢) وقوله: ﴿فأنت عنه تلهى﴾ (٣) فإن ظاهره أن هذا التصدى والتلهى من قبل من يهمه هذا الدين، فيتصدى لهذا، ويتلهى عن ذلك!
стр. 252
.. والقول بأن التصدى كان لأهداف أخرى دنيوية، أو أن التصدى للدعوة كان من غيره ﷺ (١) قول ضعيف يرده ما فى الآيات من كاف الخطاب التى للتعظيم فى قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ (٣) وقوله : ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ (٤) فهل جاء مثل هذا الخطاب لغير رسول الله ﷺ ؟!.
... وهل فيمن يتصدى للدعوة أو غيرها أيام النبوة من يسعى إليه غير رسول الله ﷺ ؟!.
وقالا شارحا الشفا، الشهاب الخفاجى، وعلى القارى فى شرحيهما رداً على من قال، إن فاعل "عبس" هو الكافر. قال الخفاجى: "وهو قول فى غاية الضعف، بعيد عن السياق الذى عليه المفسرون أنه النبى ﷺ " (٥) وقال على القارى: "وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل، بل كاد فى مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع" (٦) .
стр. 253
.. وبالجملة: ففى هذه القصة ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله ﷺ فى حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان، رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه، كان غير متمش مع طبيعة. الهداية الإلهية، التى عليه ﷺ أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذن يرثون دعوة رسول الله ﷺ ، وتبليغ رسالته ونهجه فى إيصالها إلى جميع الناس، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبتصحيح هذا الاجتهاد، يعود حكم اجتهاده ﷺ إلى وحى الله تعالى، وإن كان ثمَّ عتاب فهو على أمر اجتهادى وقع على خلاف الأولى، لا على ذنب، كما أن المعاتب محبور كما سبق (١) أهـ. والله أعلم.
٤- وأما قوله تعالى فى قصة زيد عن حارثة رضى الله عنه: ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً﴾ (٢) .
... إن هذه الآية الكريمة ذكر فيها كلاماً من بعض الذين تصدوا لتفسير القرآن الكريم، وتحملوا أمانة تجلية معانيه، وهو كلام لا يليق بمنصب النبوة، ولا بالعصمة، اتخذ فيما بعد منطلقاً لضجيج أهوج، وصيحات هستيرية تطعن فى السنة النبوية وأهلها من أعدائها (٣) وترمى بالنقيصة، وعدم العصمة أكمل الناس خلقاً، وأحمدهم سيرة.
стр. 254
.. من ذلك أقوال وآراء تضمنتها تفاسير الطبرى، والزمخشرى، والنسفى، ومن نحا نحوهم حول الآية الكريمة.
... فقد ذكرت هذه التفاسير: أن نبينا ﷺ رأى زينب بنت جحش رضى الله عنها (١) وهى تحت زيد بن حارثه، على حالة جعلت قلبه يتعلق بها، ويود لو فارقها زيد فيتزوجها، وخشى أن يقول الناس، أمر ابنه بطلاق امرأته، ونكحها حين طلقها، والله أحق أن يخشاه من الناس (٢) وفى هذا طعن على نبينا ﷺ ، فتح الباب لأعداء الإسلام قديماً وحديثاً من المبشرين والمستشرقين الذين أطلقوا العنان لخيالهم، وهم يتحدثون عن تاريخ رسول الله ﷺ فى هذا الموضوع، والذى اتخذوا منه دعامة للطعن فى نبوته، وعصمته ﷺ (٣) .
والجواب:
... لا حجة لهم فى التعلق بظاهر الآية، ولا بالآراء التى قيلت فى تأويلها ولا سند لها بل هى باطلة لوجوه:
стр. 255
الوجه الأول: أنه ليس فى الآية ما يدل على أن رسول الله ﷺ صدر منه فى هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شئ منه، ولا ذكر أنه عصى أو أخطأ، ولا ذكر استغفار النبى ﷺ منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئاً، وأنه لو صدر عنه زلة لوجد من ذلك شئ، كما فى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلة – إن صح التعبير – أو ترك مندوب.
الوجه الثانى: أنه ذكر فى القصة بصريح القرآن الكريم: ﴿ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له﴾ (١) ونفى الحرج عن النبى ﷺ تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البتة، كما أن نفى الحرج رد على من توهم من المنافقين نقصاً فى تزويجه ﷺ إمرأة زيد مولاه، ودعيه الذى كان قد تبناه (٢) .
الوجه الثالث: أنه تعالى ذكر الحكمة والعلة من زواجه ﷺ من زينب رضى الله عنها بقوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها كيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً﴾ (٣) ولم يقل: إنى فعلت ذلك لأجل عشقك! أو نحو ذلك.
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿زوجناكها﴾ ولو حصل فى ذلك سوء لكان قدحاً فى الله تعالى، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر منه ﷺ ذنب البتة فى هذه القصة.
الوجه الخامس: أنه لو كان ما زعموه صحيحاً، لكان قوله ﷺ لزيد كما حكى القرآن الكريم ﴿أمسك عليك زوجك﴾ نفاقاً، لأنه أظهر بلسانه خلاف ما يضمره فى نفسه! لكن الله عصم نبيه ﷺ من ذلك.
стр. 256
الوجه السادس: أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى زينب للمرة الأولى، فهى بنت عمته، ولقد شاهدها منذ ولدت، وحتى أصبحت شابة، أى شاهدها مرات عديدة، فلم تكن رؤيته لها مفاجأة، كما تصور القصة الكاذبة! ولو كان رسول الله ﷺ يحمل أى ميل نحو زينب رضى الله عنها لتقدم بزواجها، وقد كان هذا أملها، وأمل أخيها حين جاء ﷺ يخطبها منه، فلما صرح لهما بزيد، أبيا، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) فقالا: رضينا بأمر الله ورسوله (٢) وكانت هذه الآية توطئة وتمهيداً لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعى يجب على المؤمنين الانصياع له، وامتثاله والعمل به، وتقبله بنفس راضية، وقلب مطمئن، وتسليم كامل.
стр. 257
الوجه السابع: أن ما أخفاه النبى ﷺ ، وأبداه الله تعالى هو: أمره بزواج زينب ليبطل حكم التبنى، هذا ما صرحت به الآية، لا شئ آخر غيره، قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً﴾ (١) .
... فكيف يعدلون عن صريح القرآن الكريم إلى روايات لا زمام لها ولا خطام؟! (٢) وليس فى هذا الإخفاء ما يعاب عليه ﷺ أصلاً، وإلا لكان ذنباً تجب منه التوبة، وليس فى الآية الكريمة ما يشعر بشئ من ذلك.
... وعليه فالإخفاء هو غاية العقل، وعين الكمال، لأن ذلك إنما كان سراً بينه وبين خالقه عزوجل، لم يأمره بإذاعته قبل أوانه، فكتمانه فى الحقيقة، قبل مجئ وقته هو الكمال الذى لا ينبغى غيره.
стр. 258
.. ويوضح هذا ويبينه ما وقع منه ﷺ فى قصة عائشة رضى الله عنها، حين أتاه جبريل ﵇، قبل أن يتزوجها بأمد بعيد، بصورتها على ثوب من حرير، وقال له: "هذه امرأتك"، وقد عرفها رسول ﷺ يقيناً، ولم يشك فى أنها ستكون من أزواجه الطاهرات، ومع ذلك فقد ترك هذا الأمر سراً مكتوماً بينه وبين ربه، وقال: "إن يك هذا من عند الله يمضه" (١) أى أنه من الله ولابد، فلأتركه إلى أن يجئ وقته الموعود، فلما جاء هذا الوقت أظهره الله تعالى، وتم ما أراد عزوجل.
إذن ليس فى الإخفاء المذكور منقصة، ولا خيانة للوحى، كلا، بل لو أنه ﷺ كان قد أذاع هذا السر المكنون، والأمر المصون، لكان ذلك هو الخروج عن دائرة الحزم والكمال.
стр. 259
وهنا نصل إلى أصح المحامل فى قصة زينب رضى الله عنها، وهو: أن الله تعالى قد أعلم نبيه ﷺ أنها ستكون من أزواجه، فلما شكاها له زيد، وشاوره فى طلاقها، ومفارقتها، قال له على سبيل النصيحة والموعظة الخالصة "أمسك عليك زوجك واتق الله" أى واتق الله فى شكواك منها (١) واتهامك لها بسوء الخلق، والترفع عليك، لأنه شكا منها ذلك، وأخفى رسول الله ﷺ فى نفسه ما كان أعلمه الله به من أنه سيتزوجها، مما الله مبديه، ومظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لها (٢) .
стр. 260
ويصحح هذا قول المفسرين فى قوله تعالى بعد هذا ﴿وكان أمر الله مفعولاً﴾ (١) أى لابد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أيضاً أن الله لم يبد من أمره ﷺ معها غير زواجه لها، فدل أنه الذى أخفاه ﷺ مما كان أعلمه به ربه .
وبهذا القول: الذى تعطيه التلاوة من أن الذى أخفاه النبى ﷺ هو إعلام الله له أنها ستكون زوجة له بعد طلاقها من زيد، قال به جمهور السلف، والمحققون من أهل التفسير، والعلماء الراسخون كابن العربى والقرطبى (٢) والقاضى عياض (٣) والقسطلانى فى المواهب والزرقانى فى شرحها (٤) وغيرهم (٥) ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها، وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.
стр. 261
بقى فى القصة: قوله تعالى: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) فليس مرد هذه الخشية عند رسول الله ﷺ رهبة شئ يحول بينه وبين تبليغ رسالته من قريب أو بعيد، ولا يصح أن يفهم منها أنه ﷺ لم يكن يخشى الله تعالى، بدليل ما ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من آية الشهادة له ﷺ بالخشية والخوف قال تعالى: ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (٢) وقوله : ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ (٣) وهذه الآية الكريمة تشمله ﷺ شمولاً أولياً لأنها فى صدر الحديث عنه (٤) ومن هنا فالخشية فى آية بحثنا ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ مردها إلى شدة حياءه ﷺ ، فقد كان يتحرج حياء من بيان ما قد اطلعه الله عليه، مما سيؤول إليه أمر زينب رضى الله عنها، لأن الناس كانوا يعدون ذلك أمراً كبيراً، ولكن لما كان شرعاً محكماً، كان لابد من بيانه.
стр. 262
أما ما ارتضاه كثير من المفسرين فى معنى الخشية بأنها: مجرد خوفه من قالة المنافقين، وطعنهم فى ذاته الكريمة بقولهم: تزوج زوجة ابنه، أى من تبناه (١) . فهذا التأويل ترده سيرته العطرة مما تعالم وعرف فى تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة فى مكة – ثلاثة عشر عاماً – وما مضى من مدة قدومه ﷺ المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب، وهى قد وقعت فى السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، من مناهضة الكفر والشرك والوثنية، وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية العطرة من صبر على البلاء، ومجابهة الأعداء فى وقائع وأحداث كثيرة تدل قطعاً على أن النبى ﷺ ما كان فى حياته المباركة يخشى أحداً غير الله تعالى، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس فيه، وأفعالهم معه، وفى مهاجره ﷺ لقى من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين مالا يقل فى عنفونه وعتوه، عن فجور مشركى مكة، فلم يحفل به، ولا خشى أحداً من الناس، ولو لم يكن من صور صبره ﷺ على سفاهة السفهاء، وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره فى قصة الإفك (٢)
стр. 263
وعدم المبالاة بتقول المتقولين، وافتراء المفترين، لكفاه ﷺ ذلك فى مواقف الفخر بالاعتصام بالله، وأفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.
والذى أرتضيه فى المراد بالخشية فى قوله تعالى: ﴿وتخشى الناس﴾ هو ما أشار إليه ابن حزم (١) فى كتابه الفصل فى الملل والنحل:"أنه ﷺ خشى ضرر الناس، ووقوعهم فى الهلاك
стр. 264
بسبب إساءة ظنهم به، وبسط ألسنتهم فيه بالسوء" (١) كما وقع له ﷺ ، أنه كان واقفاً مرة مع زوجته صفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها، ليلاً، فمر عليه رجلان من أصحابه، فلما أبصراه واقفاً معها أسرعا فى المشى، فقال لهما رسول الله ﷺ ، "على رسلكما، إنها صفية بنت حى" فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ذلك (٢) فقال النبى ﷺ : "إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وقد خشيت (٣) أن يقذف فى قلوبكما شيئاً" (٤) فالخشية كانت من سوء الظن، والإشاعات الكاذبة التى قد تؤثر على بعض ضعفاء الإيمان، أو تقف عقبة فى سبيل تبليغ الرسالة، فيستغلها الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهذا هو المعقول اللائق بعظيم منزلته ﷺ ، وإلا فمجرد الخوف من قالة الناس، وخشية الطعن منهم، مما يجب أن ينزه عنه مقام النبوة
стр. 265
الأسمى، فإنه أى خوف الناس، لا ينشأ إلا من حب المحمدة والثناء، والحرص على الجاه عند الناس، وحسن الأحدوثة بينهم، وهذا مما يترفع عنه آحاد الأتقياء، فضلاً عن سيد الأنبياء، وعلى ذلك فليست قصة زينب المذكورة، مسوقة مساق العتاب له ﷺ ، كما توهمه المفسرون، وإنما سيقت فى الحقيقة لبيان كماله وحزمه ﷺ ، وشدة شفقته على الناس، وحرصه على سلامتهم من الأذى، كما يومئ إليه قوله تعالى قبل هذه القصة ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) فإن إعطاء النبى ﷺ هذا المنصب العظيم، وإحلاله هذه المنزلة الرفيعة، التى جعلت رأيه فوق رأى الجميع، بحيث لا يكون لمؤمن ولا مؤمنة الخيرة فى شئ ما، بعد قضائه ورأيه ﷺ ، يدل على دلالة ظاهرة على أن هذه القصة، وهى قصة زينب المذكورة، إنما ذكرت هنا كالتعليل لاستحقاقه ﷺ ما ذكر، فلابد حينئذ أن يكون
مضمونها مدحاً له ﷺ ، وتنزيهاً له عن جميع الأغراض والحظوظ النفسية، فما قيل من أنه صلى الله عليه وسلمأبصرها فتعلق قلبه بها وأخفاه، فهو قول باطل كما قال بعض العلماء، لا يلتفت إليه، وإن جل ناقلوه، فإن أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا، وكذلك لا يجدى فيه الاعتذار، بأن ميل القلب غير مقدور، فإنه هنا أيضاً مما يجب صيانة النبى ﷺ وعصمته عنه، ويرد هذا القيل: أن الله لم يبده، أى لم يبد الميل القلبى كما زعمتم، وإنما أبدى نكاحه إياها نسخاً لما كان عليه الجاهلية من تحريم أزواج الأدعياء (٢) .
стр. 266
فإن قيل: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ فإنه يدل على معاتبة النبى ﷺ ، بأنه خشى الناس، ولم يخش الله الأحق بالخشية؟.
فالجواب: بأن ظاهر الآية غير مراد، وإنما المعنى: والله أحق أن تخشاه، أى: جدير بأن تخشاه كما فعلت يا رسول الله، وذلك لأن خشية ضرر الناس، وتوقى هلاكهم على ما وقع منه ﷺ فى قصة صفية بنت حى السابقة، إنما نشأت من مراقبته لله تعالى، وقيامه بحق الرعاية التى جعلها الله تعالى له عليهم، فهو فى الواقع إنما خشى الله فى الناس، فجاء قوله : ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ تعزيزاً له ﷺ على ما فعل، وإخباراً بأن الله تعالى جدير بأن يخشاه مثلك يا رسول الله فى عباده، بأن يقيهم أسباب الضرر والهلاك، ويحرص على هدايتهم وسعادتهم فى الدارين.
قلت: وهذا الوجه الأخير من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة، لأنه اللائق بما جبل عليه رسول الله ﷺ من الرأفة والرحمة، وبما كان فى المسلمين من حدثاء الإسلام، الذين لم تتعمق جذور الإيمان فى قلوبهم بعد، فخشى رسول الله ﷺ عليهم ذلك (١) . أهـ ... ...
стр. 267
٥- أما قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) ففهم البعض من هذه الآية، أن تحريمه ﷺ على نفسه ما أحله الله له ابتغاء مرضاة أزواجه، أنه ارتكب ذنباً، وبالتالى فهو غير معصوم! .
قال أحمد صبحى منصور (٢) : "إن تحريم الحلال، اعتداء على حق الله تعالى فى التشريع، والله تعالى يقول فى ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٣) .
стр. 268
وأحمد صبحى منصور فيما أطلقه فى حق رسول الله ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ منه براء، وتعليله بما علل به، تصيد لزلة من زلات أحد المفسرين الأعلام هو الزمخشرى؛ إذ قال فى تفسيره: "كان هذا ما حرمه الرسول على نفسه من ملك اليمين أو العسل زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، لأن الله ، إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فى إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة" (١) .
قلت: وعد الزمخشرى ﵀، ظاهر التحريم فى الآية زلة لرسول الله ﷺ ، وتعليله بما علل به، زلة من الزمخشرى نفسه.
وإليك تفصيل ذلك فى الجواب:
أولاً: قبل دفع هذه الشبهة، وما قاله الزمخشرى، وتبعه فيه خصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، أذكر سبب نزول هذه الآية، حيث يوضح سبب النزول حقيقة ما حرمه رسول الله ﷺ على نفسه مما كان حلاله.
فأقول: وردت روايات فى صحيحى البخارى ومسلم، وتفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو العسل، كذلك وردت روايات أخرى تفيد أن ما حرمه ﷺ على نفسه هو وطء جاريته مارية رضى الله عنها (٢) . فلنذكر كلا منهما، لنعرف من الموازنة بينهما أيهما أصح، ولنعرف أيضاً أيهما أكثر توافقاً وانسجاماً مع ألفاظ هذه الآية، والآيات بعدها.
أ- حديث العسل:
стр. 269
.. روى مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة رضى الله عنها قالت: إن النبى ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً. قالت: فتواطئت أنا وحفصة (١) أن أيتنا ما دخل عليها النبى ﷺ ، فلتقل: إنى أجد منك ريح مغافير (٢) أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له. فقال: "بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له" فنزل: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ ... إلى قوله: "إن تتوبا (لعائشة وحفصة) وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثاً، لقوله: بل شربت عسلاً" (٣) .
... وفى رواية للبخارى: "فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً" (٤) وقد روى مسلم فى صحيحه روايتين، أحدهما السابقة، والتى تفيد أن التى سقت الرسول ﷺ العسل، زينب بنت جحش، وأن المتظاهرتين عليه هما عائشة وحفصة رضى الله عنهما.
стр. 270
.. والرواية الثانية تفيد أن التى سقته العسل هى حفصة، وأن المتظاهرات عليه من نسائه، سودة وعائشة وصفية رضى الله عنهن (١) والحديث الأول الذى فيه أن المتظاهرتين عائشة وحفصة رضى الله عنهما أرجح (٢) لما يلى:
لأنه يتوافق مع لفظ الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٣) فإنه بالتثنية.
ولأنه يتفق مع الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما بسندهما عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنه سأل عمر رضى الله عنه عن المرأتين اللتين نزلت فيهما الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ فما أتم سؤاله حتى قال عمر: هما عائشة وحفصة رضى الله عنهما (٤) .
ب- حديث مارية رضى الله عنهما:
стр. 271
.. عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "إن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة، وحفصة حتى حرمها فأنزل الله : ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ (١) .
... وعن عمر رضى الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية فى بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتى، ما صنعت بى هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليك، فقال: لا تذكرى هذا لعائشة، فهى علىَّ حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهى جاريتك، فحلف لها لا يقربها، فقال النبى ﷺ ، لا تذكريه لأحد، فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهراً، فاعتزلهن تسعاً وعشرين ليلة: فأنزل الله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٢) .
стр. 272
.. وللحديث شواهد أخرى (١) بمجموعها يتبين أن للقصة أصلاً، كما قال الحافظ ابن حجر، وزاد أحسب لا كما زعم القاضى عياض أن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح (٢) وغفل – ﵀ – عن طريق النسائى التى سلفت، فكفى بها صحة (٣) .
... وهناك أقوال أخرى غير ما سبق فى أسباب نزول آية التحريم، ولكن ضعفها العلماء لإرسالها وشذوذها (٤) ولهذا استبعدت ذكرها.
стр. 273
.. ويبقى معنا قولان: الأول: وهو تحريم العسل، والثانى: وهو تحريم مارية أما القول الأول: فهو إن كان أقوى من جهة رواية الشيخين له، ورجحه بعض الأئمة على ما سبق قريباً، إلا أن القول الثانى: أكثر موافقة لألفاظ الآيات، ومال إلى ترجيحه ابن الجوزى (١) فى تفسيره، وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين، وإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمى فى تفسيره حيث قال: "والذى يظهر لى هو ترجيح روايات تحريم الجارية فى سبب نزولها وذلك لوجوه: منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (٢) ويهتم به لهن. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه (٣) .
... ولا مانع من القول بعد كل هذا بأن الآية نزلت بعد القصتين، فاقتصر بعض الرواة على إحداهما، والبعض الأخرى على نقل الأخرى. قال الحافظ فى فتح البارى: "وطريقة الجمع بين هذا الاختلاف، الحمل على التعدد، فلا يمتنع أن تكون الآية نزلت فى السببين معاً" (٤) .
стр. 274
.. قلت: وأياً كان السبب، فإن ما أطلقه الزمخشرى، وتابعه فيه خصوم السنة النبوية، والسيرة العطرة، فى حق النبى ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ مما أطلقوه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين:
الوجه الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله ، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الإيمان، وإن صدر! سلب المؤمن حكم الإيمان.
... والزمخشرى كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ أن يعتقد رسول الله ﷺ تحريم ما أحله الله له... وما هذه من الزمخشرى إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض أدعياء العلم على ما سبق.
الوجه الثانى: الامتناع عما أحله الله ، وهو المعنى الأصلى لمادة "حرم" فى اللغة (١) وقد ورد التحريم بهذا المعنى فى القرآن الكريم فى آيات منها:
قوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ (٢) أى منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه (٣) .
وقوله : ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ (٤) أى منعه من دخولها.
وقوله سبحانه: ﴿كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٥) أى إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب ﵇ عنه من قبل نفسه.
والامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكداً باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.
стр. 275
وعلى هذا الوجه الثانى تحمل آية التحريم، والتفسير الصحيح، والحديث الصحيح يعضده فإن النبى ﷺ فى العسل قال: "فلن أعود له، وقد حلفت". وفى مارية عندما قالت حفصة، كيف تحرم عليك وهى جاريتك حلف لها لا يقربها.
فالتحريم منه ﷺ كان امتناعاً عن العسل أو مارية، وهو امتناع أكده باليمين، مع اعتقاد حله، ولذا نزلت الآيات وفيها الحث على التحلل من يمينه، والتكفير عنه، قال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (١) وهذا المقدار مباح، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم (٢) .
وإنما قيل له ﷺ : ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (٣) رفقاً به، وشفقه عليه، وتنويهاً لقدره بحيث لا يجب له أن يضيق على نفسه فى سبيل إرضاء أى شخص، فيكون معنى الآية على هذا، وقد صدرت بندائه بوصف النبوة تشريفاً لمكانه، وتعظيماً لمقامه، يا أيها النبى لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك، مما لك فيه رغبة ومتعة وسرور، تبتغى بذلك مرضاة أزواجك؟ وهن أحق أن يسعين فى رضاك ليسعدن!.
وهذا القيد ﴿تبتغى مرضاة أزواجك﴾ هو محط العتاب فى الحقيقة، وليس مجرد منعه ﷺ نفسه من المتعة بالمباح، محلاً للعتاب، لأنه ﷺ كثيراً ما منع نفسه من بعض المباحات، التى ينعم بها الناس، ولاسيما فى مجال المتعة الجسدية، زهداً فى الدنيا وبعداً عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شئ من ذلك كله.
стр. 276
إذن فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك﴾ منَّة وتعظيم من الله لرسوله ﷺ برفع الحرج عليه، فى الامتناع عن شئ ليرضى أزواجه، إذ هنَّ وسائر المؤمنين أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن، قال تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ (١) .
فتأمل كيف أن صلاته ﷺ مأمورا بها ليرضى هو، لا ليكفر الله عنه سيئاته، ولا ليرضى عليه، وحينئذ فلا كلفة عليه فيها، لأن فيها شهوده لربه الذى هو قرة عينه، كما قال ﷺ : "وجعلت قرة عينى فى الصلاة" (٢) فانظر: إلى هذا الخطاب اللطيف المشعر بأنه ﷺ حبيب رب العالمين، وأفضل الخلق أجمعين، حيث قال له ربه: ﴿لعلك ترضى﴾ ولم يقل: لعلى أرضى عنك، ونحو ذلك (٣) .
стр. 277
ومن هنا جعل رب العزة رضاه عن خلقه، مقترناً برضا حبيبه ومصطفاه ﷺ عنهم، حيث أتبع رضا نبيه لرضاه سبحانه مباشرة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسول أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ (١) فوحد الضمير فى "يرضوه" مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية؛ لأن إرضاء الرسول ﷺ لا ينفك عن إرضاء الله تعالى، كما قال : ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) فلتلازمهما جعلاً كشئ واحد، فعاد إليهما الضمير المفرد (٣) وإذا كان الله تعالى قد جعل إرضاء رسوله ﷺ إرضاءً له، وطاعته طاعة له، فذلك دليل على كمال رضاه عنه فى الدنيا قبل الآخرة، وليس أدل على ذلك من مسارعة ربه لمرضاته ﷺ كما قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٥) .
فتأمل هذا الخطاب، وقارنه بخطاب موسى ﵇ لربه ﴿وعجلت إليك ربى لترضى﴾ (٦) .
стр. 278
وهذه المسارعة فى مرضاته ﷺ لاحظتها أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، لما أنزل الله تعالى: ﴿ترجى (١) من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ (٢) قال عائشة قلت: "ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك" (٣) أى ما أرى الله إلا موجوداً لما تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار وترضى (٤) وإنما جاء التعبير بالهوى هنا، بدافع الغيرة، وحاشاها رضى الله عنها أن تعنى حقيقة اللفظ!.
стр. 279
وبعد: أليس فيما سبق تأكيد لما فى آية التحريم من منَّة وتكريم وتعظيم لرسول الله ﷺ ، وشفقة عليه، ورفقاً به، بحيث لا يجب عليه أن يمتنع عن شئ مباح له من أجل مرضاة أزواجه، إذ هن وسائر الأمة كافة أحق أن يسعوا فى مرضاته ليسعدن فى الدنيا والآخرة؟! وإذا افترض أن فى الآية إنكاراً عليه، ودليل على أنه صدر منه ذنب – عصمه الله من ذلك - فقوله تعالى فى ختام الآية ﴿والله غفور رحيم﴾ يدل على حصول الغفران، وبعد حصول الغفران، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه!.
بمعنى: أنه يمتنع أن يقال أن قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ دليل على كون الرسول مذنباً! وإذا صح أن فى الآية عتاب، فهو وارد بأحسن ما يكون العتاب من تعظيم المولى لنبيه ﷺ ، حيث ناداه وخاطبه فى هذا المقام بوصف النبوة فى أكثر من موطن فى القصة بدأً من أولها، قال تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا﴾ (٢) ولكن أنى يكون العتاب؟ وأنى يصح افتراضه، مع ما ورد فى القصة من قوله : ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٣) إن فى الآية بيان لمن أذنب، ولمن يستحق العتاب والتأديب، من نسائه اللائى تظاهرن عليه ﷺ ، وأفشين سره، إنهن بالتظاهر، وإفشاء السر، آذين رسول الله ﷺ ، والتوبة من ذلك واجبة فى حقهن، لأن قلوبهن قد مالت عن الحق، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود رضى الله عنه ﴿زاغت قلوبكما﴾ (٤) وعلى هذا فإن قوله ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ليس جواب الشرط، وإنما هو دليله وتعليله.
стр. 280
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله ﷺ ، وإيذائه بالتظاهر عليه، وإفشاء سره، فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق فى مغاضبة رسول الله ﷺ وإيذائه.
ويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر، يأتى من حمل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ على معنى أنها مالت إلى الحق، وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسول الله (١) وندمت على ما كان منها، من مغاضبة النبى ﷺ ، وإيذائه.
والمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة النبى ﷺ ، وتندماً على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق، ومصالحة النبى ﷺ ومرضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة، وإيذاء لم يكن صادراً عن قلوبكما، وإنما هو فورة غضب، ونار غيرة.
ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ (٢) أى إن استمررتما على المغاضبة، والإيذاء، وتعاونتما عليه ﷺ ، فإن الله ناصره بقوته القاهرة، وخواص ملائكته، وعامتهم، وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ٠
стр. 281
ثم تلطف الله تعالى بنبيه ﷺ إظهاراً لحفاوته به، وإعلاء لمقامه، بما زاد فى تأديب الزوجات الطاهرات، متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً﴾ (١) أى جامعات للكمال فى إسعاده ﷺ حساً ومعنى، فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده، وإدخال السرور عليه، بما يفرغ قلبه من حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم، وهو تبليغ رسالته، وتعليم أمته، وإعطاؤها الأسوة الحسنة به، لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس (٢) .
وكل ما سبق تأكيد على أن قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ليس إنكاراً عليه، ولا عتاباً له على ذنب، بل تكريمه وتعظيمه على نحو ما سبق فى قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٣) ونحو ما يقول الإنسان منا لعزيز عليه، ضيق على نفسه فى شئ، والله حرام عليك فعل كذا، والمراد: إظهار مكانته، وفضله، وشرفه، إذ كيف يفعل هذا الأمر الذى فيه مشقة عليه، مع عظم مكانته، والمراد "حرام عليك ظلم نفسك" وليس المراد تأثيم المخاطب المعظم بنحو هذه العبارة، وهذا غاية ما يمكن أن يدعى فى قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل بالنسبة لمقامه العظيم، وترك الأولى فى المباح ليس بذنب فى حقه ﷺ .
стр. 282
وبعد: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته ﷺ ، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره، ما يقضى بأنه جمع أقصى درجات التكريم، ويكفى أن تجد هذا التصريح بعظيم مكانته وفضله عند ربه فى الدنيا والآخرة، حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، على نحو ما سبق تفصيله فى هذا المبحث الذى وصلنا إلى نهايته الآن، وسوف أنتقل بإذن الله تعالى، إلى شبهاتهم على عدم عصمته فى عقله من السنة المطهرة والرد عليها فى المبحث التالى، فإلى بيان ذلك.
стр. 283
المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى ﷺ
فى عقله وبدنه والرد عليها
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ " والرد عليها.
المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي" والرد عليها.
المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها.
المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله ﷺ " والرد عليها.
المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ" والرد عليها.
تمهيد
... بعد أن تحايل أعداء الإسلام، وأعداء السنة والسيرة العطرة، على بعض آيات من القرآن الكريم، ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على عدم عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى قلبه، وعقيدته، وخلقه، تجدهم هنا باسم السنة ونصوصها يستشهدون بها أيضاً على إنكار حجتها، وإنكار مصدريتها التشريعية، فى تحديد شخصية وسيرة رسول الله ﷺ ، بزعم أن فيها أحاديث صحيحة يفيد ظاهرها - فى نظرهم - عدم عصمته ﷺ ويشوه سيرته، وهذا رأى الشيعة ممن تغالوا فى فهم العصمة.
... وفريق آخر يشترك مع سابقه فى إنكار حجية السنة، وإنكار مصدريتها التشريعية فى فهم سيرة رسول الله ﷺ ، إلا أنه فى نفس الوقت يستشهد من ظاهر نصوص السنة والسيرة ما يفيده فى زعمه ودعواه بعدم عصمته ﷺ فى قلبه وعقيدته.
... وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا فى السنة المطهرة والسيرة العطرة فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم، واحتجوا به مع وضعه أو ضعف دلالته على ما يزعمون.
... وهذا العمل مع جهالته، أخطر منطق عكسى فى التدليل على فساد الشئ بمادته، نصاً وأسلوباً.
стр. 284
.. لأنه إذا كان من الخطأ والخطر قبول الأحاديث الباطلة والموضوعة، وعزوها إلى رسول الله ﷺ ، فمثله فى البطلان رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، بالهوى، والعجب، والتعالم على الله ورسوله، وسوء الظن بالأمة، وعلمائها، وأئمتها، فى أفضل أجيالها وخير قرونها.
... إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل فى الدين، وفى سيرة رسول الله ﷺ ما ليس منها.
... أما رد الأحاديث الصحيحة، فيخرج من الدين، ومن سيرة النبى ﷺ ما هو منها. ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم، قبول الباطل، ورد الحق.
... ولأعداء الإسلام، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، شبهات على عدم عصمة رسول الله ﷺ فى قلبه وعقيدته، بنوها على أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.
... وسوف أذكر تلك الشبهات مع الرد عليها فى المطالب التالية، فإلى بيان ذلك، سائلاً المولى التوفيق والسداد.
стр. 285
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ "
والرد عليها
... يذهب أعداء الإسلام من المستشرقين، وأذيالهم من أعداء السنة المطهرة إلى إنكار الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (١) فبعض المستشرقين مثل "نيكولوسون" يرجعه إلى حالة عصبية كانت تنتابه ﷺ فى فترات متقطعة (٢) بينما تجد "موير" يوافقه ويزيد عليه أنها لم تؤثر فى شخصيته، معللاً ذلك بحسن تكوينه وسلامة أعضائه، ونجد أن "شبرنجر" يؤيدهما أيضاً ويتلمس مخرجاً لظهور هذه الحالة عنده، فيعللها بأنها موروثة له عن أمه بسبب الرؤيا التى كانت تراه أثناء حمله... وما هى إلى من قبيل الخرافات (٣) وهو يقصد أن أمه آمنة كانت مصابة بداء الصرع، يدلنا على وجوده عندها تلك الرؤيا المتكررة لها أثناء حملها له، وليس لها نصيب من الحق، وقد ورث هذا الصرع منها.
... أما "درمنغم" فإنه يعزو شرح الصدر إلى أمر معنوى يشير إلى مغزى فلسفى نبهت إليه سورة "الشرح" فيقول: "إنها نشأت من قول الله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٤) وأن هذه العملية أمر باطنى قام على تطهير ذلك القلب وتوسيعه ليتلقى رسالة الله عن حسن نية، ويبلغها بإخلاص تام، ويحتمل عبئها الثقيل، وأن أسطورة شق الصدر ذات مغزى فلسفى لما تشير إليه تلك الدرنة السوداء من الخطيئة الأولى التى لم يعف منها غير مريم وعيسى، ولما يدل عليه تطهير القلب من معنى الورع الصوفى" (٥) .
... وقد تأثر بهذا الفكر الاستشراقى أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة من القرآنيين، والرافضة.