ثم تلطف الله تعالى بنبيه ﷺ إظهاراً لحفاوته به، وإعلاء لمقامه، بما زاد فى تأديب الزوجات الطاهرات، متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً﴾ (١) أى جامعات للكمال فى إسعاده ﷺ حساً ومعنى، فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده، وإدخال السرور عليه، بما يفرغ قلبه من حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم، وهو تبليغ رسالته، وتعليم أمته، وإعطاؤها الأسوة الحسنة به، لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس (٢) .
وكل ما سبق تأكيد على أن قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ليس إنكاراً عليه، ولا عتاباً له على ذنب، بل تكريمه وتعظيمه على نحو ما سبق فى قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٣) ونحو ما يقول الإنسان منا لعزيز عليه، ضيق على نفسه فى شئ، والله حرام عليك فعل كذا، والمراد: إظهار مكانته، وفضله، وشرفه، إذ كيف يفعل هذا الأمر الذى فيه مشقة عليه، مع عظم مكانته، والمراد "حرام عليك ظلم نفسك" وليس المراد تأثيم المخاطب المعظم بنحو هذه العبارة، وهذا غاية ما يمكن أن يدعى فى قوله ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ أن تكون دالة على أنه ﷺ ترك الأولى والأفضل بالنسبة لمقامه العظيم، وترك الأولى فى المباح ليس بذنب فى حقه ﷺ .
стр. 282
وبعد: فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته ﷺ ، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره، ما يقضى بأنه جمع أقصى درجات التكريم، ويكفى أن تجد هذا التصريح بعظيم مكانته وفضله عند ربه فى الدنيا والآخرة، حتى فى الآيات المتشابهات التى استدل بها أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة، والسيرة العطرة، على نحو ما سبق تفصيله فى هذا المبحث الذى وصلنا إلى نهايته الآن، وسوف أنتقل بإذن الله تعالى، إلى شبهاتهم على عدم عصمته فى عقله من السنة المطهرة والرد عليها فى المبحث التالى، فإلى بيان ذلك.
стр. 283
المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى ﷺ
فى عقله وبدنه والرد عليها
... ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ " والرد عليها.
المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي" والرد عليها.
المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها.
المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله ﷺ " والرد عليها.
المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ" والرد عليها.
تمهيد
... بعد أن تحايل أعداء الإسلام، وأعداء السنة والسيرة العطرة، على بعض آيات من القرآن الكريم، ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على عدم عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى قلبه، وعقيدته، وخلقه، تجدهم هنا باسم السنة ونصوصها يستشهدون بها أيضاً على إنكار حجتها، وإنكار مصدريتها التشريعية، فى تحديد شخصية وسيرة رسول الله ﷺ ، بزعم أن فيها أحاديث صحيحة يفيد ظاهرها - فى نظرهم - عدم عصمته ﷺ ويشوه سيرته، وهذا رأى الشيعة ممن تغالوا فى فهم العصمة.
... وفريق آخر يشترك مع سابقه فى إنكار حجية السنة، وإنكار مصدريتها التشريعية فى فهم سيرة رسول الله ﷺ ، إلا أنه فى نفس الوقت يستشهد من ظاهر نصوص السنة والسيرة ما يفيده فى زعمه ودعواه بعدم عصمته ﷺ فى قلبه وعقيدته.
... وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا فى السنة المطهرة والسيرة العطرة فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم، واحتجوا به مع وضعه أو ضعف دلالته على ما يزعمون.
... وهذا العمل مع جهالته، أخطر منطق عكسى فى التدليل على فساد الشئ بمادته، نصاً وأسلوباً.
стр. 284
.. لأنه إذا كان من الخطأ والخطر قبول الأحاديث الباطلة والموضوعة، وعزوها إلى رسول الله ﷺ ، فمثله فى البطلان رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، بالهوى، والعجب، والتعالم على الله ورسوله، وسوء الظن بالأمة، وعلمائها، وأئمتها، فى أفضل أجيالها وخير قرونها.
... إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل فى الدين، وفى سيرة رسول الله ﷺ ما ليس منها.
... أما رد الأحاديث الصحيحة، فيخرج من الدين، ومن سيرة النبى ﷺ ما هو منها. ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم، قبول الباطل، ورد الحق.
... ولأعداء الإسلام، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، شبهات على عدم عصمة رسول الله ﷺ فى قلبه وعقيدته، بنوها على أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به.
... وسوف أذكر تلك الشبهات مع الرد عليها فى المطالب التالية، فإلى بيان ذلك، سائلاً المولى التوفيق والسداد.
стр. 285
المطلب الأول: شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره ﷺ "
والرد عليها
... يذهب أعداء الإسلام من المستشرقين، وأذيالهم من أعداء السنة المطهرة إلى إنكار الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (١) فبعض المستشرقين مثل "نيكولوسون" يرجعه إلى حالة عصبية كانت تنتابه ﷺ فى فترات متقطعة (٢) بينما تجد "موير" يوافقه ويزيد عليه أنها لم تؤثر فى شخصيته، معللاً ذلك بحسن تكوينه وسلامة أعضائه، ونجد أن "شبرنجر" يؤيدهما أيضاً ويتلمس مخرجاً لظهور هذه الحالة عنده، فيعللها بأنها موروثة له عن أمه بسبب الرؤيا التى كانت تراه أثناء حمله... وما هى إلى من قبيل الخرافات (٣) وهو يقصد أن أمه آمنة كانت مصابة بداء الصرع، يدلنا على وجوده عندها تلك الرؤيا المتكررة لها أثناء حملها له، وليس لها نصيب من الحق، وقد ورث هذا الصرع منها.
... أما "درمنغم" فإنه يعزو شرح الصدر إلى أمر معنوى يشير إلى مغزى فلسفى نبهت إليه سورة "الشرح" فيقول: "إنها نشأت من قول الله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٤) وأن هذه العملية أمر باطنى قام على تطهير ذلك القلب وتوسيعه ليتلقى رسالة الله عن حسن نية، ويبلغها بإخلاص تام، ويحتمل عبئها الثقيل، وأن أسطورة شق الصدر ذات مغزى فلسفى لما تشير إليه تلك الدرنة السوداء من الخطيئة الأولى التى لم يعف منها غير مريم وعيسى، ولما يدل عليه تطهير القلب من معنى الورع الصوفى" (٥) .
... وقد تأثر بهذا الفكر الاستشراقى أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة من القرآنيين، والرافضة.
стр. 286
.. يقول محمود أبو ريه (١) مصرحاً بهذا التأثير قائلاً: "من شاء أن يستزيد من معرفة الإسرائيليات، والمسيحيات وغيرها فى الدين الإسلامى، فليرجع إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جلدتسيهر" وفون كريمر وغيرهما، فقد نقلت فيهما من هذه الإسرائيليات والمسيحيات أشياء كثيرة" (٢) .
... ويقول طاعناً فى حديث شق الصدر قائلاً: "إن حديث شق الصدر يأتى مؤيداً لحديث البخارى: "ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان، غير مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم ﴿وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (٣) .
стр. 287
.. ويقول: "وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحد غيرهما من بنى آدم أجمعين، حتى الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم، وخاتمهم محمد ﷺ فانظر واعجب! ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبى ﷺ لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نقذت الطعنة إلى قلبه، وكان ذلك بعملية جراحية تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب! ونصت هذه الروايات أن صدره صلوات الله عليه قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء! وحظ الشيطان كما يقولون، وكأن هذه العملية لم تنجح فأعيد شق صدره... وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح ﵇، وإنما ذكروا ذلك لكى يغفر الله خطيئة آدم التى احتملها هو وذريته من بعده إلى يوم القيامة، وأصبحت فى أعناقهم جميعاً، وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن بعقيدة الصلب.
стр. 288
.. ولئن قال المسلمون لإخوانهم المسيحيين: ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية التى أزهقت فيها روح طاهرة بريئة، هى روح عيسى ﵇ بغير ذنب؟ قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه من الأنبياء والمرسلين – نقياً من العلقة السوداء، وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التى تمزق فيها صدره وقلبه مراراً عديدة! " (١) ومما يؤسف له تأثر بعض كتاب المسلمين بهذا الفكر الاستشراقى ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل (٢) حيث يقول فى كتابه حياة محمد: "لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند، فالذى رأى الرجلين فى رواية كُتَّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ" (٣) .
стр. 289
ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:
أولاً: رواية شق صدر رسول الله ﷺ ثابتة صحيحة رويت فى مصادر عدة بطرق صحيحة لا يسع العقل المدرك إنكارها.
ثانياً: المستشرقون ومن تابعهم فى إنكارهم لشق الصدر لا يستندون إلى علم أو منطق سليم. وإليك التفصيل.
... أما مستند إنكار "موير" و"نيكولسون" و"شبرنجر" فيكمن فى: أن ما حدث لرسول الله ﷺ إنما كان ضرباً من نوبات الصرع التى كانت تتعاوده بين الحين والحين، وهو ما زعموه أيضاً فى حالات نزول الوحي عليه (١) بهدف إنكار نبوته! لكن المتأمل فى معجزة شق الصدر يجد أن هناك بوناً شاسعاً بينه وبين الصرع، فإن نوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أى ذكر لما مر به أثناءها، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسياناً تاماً، ولا يذكر شيئاً مما صنع أو حل به خلالها، ذلك أن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطيل.
... هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ليصيب رسول الله ﷺ ، بل كانت تنتبه حواسه المدركة فى تلك الأثناء تنبهاً لا عهد للناس به، وكان يذكر كل ما يطرأ عليه بدقة فائقة، بدليل قوله ﷺ لما سئل عن كيفية إتيانه الوحي قال: أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال..." (٢) .
стр. 290
.. هذا بالإضافة إلى أن قصة شق صدره الشريف تحدث به الأطفال الذين كانوا فى صحبته إبان حدوثها، ومن البعيد، بل ومن المستحيل أن يتفق الأطفال على اختراع حادثة لا أساس لها، وذلك لطهرهم وصفاء سريرتهم ونقائها على أن رسول الله ﷺ تحدث بها أيضاً بعد الرسالة على ما جاء فى رواية مسلم عن أنس بن مالك، وتصريحه بأنه كان يرى أثر المخيط فى صدره ﷺ !.
... وكذلك جاء التصريح بقصة شق الصدر صريحاً على لسان رسول الله ﷺ على ما جاء فى رواية عبد الله بن أحمد عن أبى هريرة رضى الله عنه، وكذلك جاء التصريح بالشق ليلة الإسراء والمعراج على ما جاء فى الصحيحين عن أبى ذر رضى الله عنه.
... أما ما زعمه "موير" من عدم تأثير النوبة فيه لحسن تكوينه فإنه دس خبيث، وطعن مردود، مؤداه إنكار شق صدره لإنكار نبوته، متذرعاً بما هو مقرر عند المسلمين من كمال هيئته وحسن تكوينه ﷺ ، وليس فى الروايات ما يساعد على زعمه وافتراءاته.
... إذ كيف يجتمع حسن التكوين، وحدوث الصرع؟ إنها قضية من المضحكات المبكيات على عقله الكليل المتناقض!.
... وأما ما زعمه "شبرنجر" من أن رسول الله ﷺ كانت له حالات عصبية تنتابه، وأنه ورثها عن أمه بسبب الرؤيا التى كانت تراها أثناء حمله، وما هى إلا من قبيل الخرافات! يكذبه ما سبق من أن أعراض الصرع ما كان ليصيب رسول الله ﷺ منها شئ.
... وحمله سبب الصرع، على رؤيا آمنة يكذبه أيضاً ما ثبت فى الصحيح من تأكيده ﷺ لرؤيا أمه، فى قوله ﷺ : "إنى عبد الله وخاتم النبيين وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين..." (١) .
стр. 291
.. وإذا كان "شبرنجر" يعتبر رؤيا أم رسول الله ﷺ ، من قبيل الخرافات، فهل يعتبر أيضاً رؤيا أم موسى من قبيل الخرافات؟ والواردة فى قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (١) .
... إن أم رسول الله ﷺ آمنة، كان من أعقل الناس، وأصحهم بدناً، ومن زعم خلاف ذلك من المستشرقين فعليه الدليل، ولا دليل! لأن الحق المؤيد بالأدلة القاطعة. أن أم رسول الله ﷺ كانت مؤمنة بعصمة ابنها (محمد بن عبد الله ﷺ من الشيطان، وأنه سيكون له شأن، وكان هذا بناءاً على أمارات تحدثت بها لحليمة السعدية عندما تخوفت على رسول الله ﷺ لما بلغها قصة شق صدره الشريف مع الغلمان.
... قالت لها: "أفتخوفت عليه الشيطان؟ قالت حليمة: قلت نعم، قالت آمنة: كلا! والله ما للشيطان عليه من سبيل (٢) وإن لابنى شأناً! أفلا أخبرك خبره، قالت: قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى به قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف، ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته، وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك، وانطلقى راشدة" (٣) .
стр. 292
.. أما ما ادعاه "درمنغم" من أن قصة شق الصدر لا تستند إلا إلى الآية الكريمة وأنه عمل روحى خالص، فإن الدليل ليس هو الآية فقط، وإنما الدليل على وقوع شق الصدر على جهة الحس، إنما هو الروايات المتواترة والمتكاثرة، التى ذخرت بها كتب السنة كما أسلفنا، وحسبك بمصدرها أحد الصحيحين (مسلم) فلا سبيل إلى التشكيك فى وقوع القصة بعدها، وخاصة أنها جاءت مؤكدة ومفسرة للآية الكريمة ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (١) .
... وإن كانت دعوى المفكرين من المستشرقين، ومن لف لفهم من المسلمين، بأن حياة الرسول ﷺ حياة إنسانية رفيعة، فلا معنى لمثل هذا الحادث بالنسبة له!! فإننا نقول لهم: إن الحياة الإنسانية الرفيعة لا تتعارض والمعجزات الحسية للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولماذا ينكر هذا على سيد ولد آدم، ولا ينكر على غيره ممن سبقه من الأنبياء ممن ظهرت على أيديهم خوارق العادات كموسى وعيسى ﵉، ولم يقل أحد من أهل العلم إن ذلك كان مجافياً لحياتهما الإنسانية الرفيعة؟.
... وقصة شق الصدر لا تخالف العقل أيضاً من جهة كونها تمت دون إراقة دم، والتأمت دون آلات طبية، فإن العلم الحديث يؤيد ذلك ويصدقه، فقد اخترعت آلات للجراحة تجعل الجرح يلتئم بدون سيلان دم من جسم المريض، كما وجد بعض الأودية تمنع سيلان الدم بمجرد بثها على الجرح، والطبيب لا يدعى أنه يفعل الأشياء الخارقة، وإنما يعتقد أن ذلك قد تم بعلم مدروس له قواعده وأصوله. كيف وقد تم زرع بعض الأجسام المنقولة من ميت أو صحيح إلى آخر مريض، ويزاول حياته الطبيعية بعد أن برأ وعافاه الله وزال عنه المرض؟ وإذا جاز ذلك فى حق البشر وهو من جملة ما خلق الله ، أيستبعد ذلك على الخالق ﷻ ؟.
стр. 293
.. أما ما ادعاه الدكتور هيكل وغيره: بأن قصة شق الصدر ضعيفة السند، ولم يقم عليها دليل قطعى من الكتاب أو السنة (١) أو أن هذه القصة مأخوذة عن أهل الجاهلية، ومفتعلة ومختلقة (٢) .
... فهو نقد هزيل، لأنه نقد عام دون بيان الضعف من جهة السند، كيف وقد وردت قصة شق الصدر فى صحيح مسلم وغيره من كتب السنة كما بينا (٣) حتى قال الحافظ فى الفتح عن شق الصدر ليلة الإسراء إنه تواترت الروايات به (٤) .
стр. 294
.. وهؤلاء الطاعنون بذلك أدخلوا أنفسهم فى ميدان هم ليسوا من فرسانه فحالفهم الخطأ، وخالفهم الصواب، لأن رواية قصة شق الصدر – كما عرفت آنفاً – رواها أئمة الحديث، وجهابذته العارفون بكل دقائقه، وما يتصل به من تمحيص المرويات، ودراسة أحوال رجالها، وما يتصل بذلك من قواعد علم الجرح والتعديل وغيرها. وأهل كل فن هم أعلم به من غيرهم! وقد ثبت صحة هذه القصة سنداً ومتناً، وأنها خالية من كل مطعن حسب قواعد علم الحديث وأصوله، مما يضطر العقل إلى قبولها والتسليم بها، وأحاديث شق الصدر رواها الخلف عن السلف فى كل الطبقات منذ حدوثها إلى الآن، وهذا هو المعول عليه فى قبول الحديث أو رده (١) وليس اتباع الهوى والغرض دون دليل أو برهان، وإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يشذ عن الإقرار بحدوثها إلا كل مكابر يجافى الحق وأهله، وطرائق البحث الجاد المستقيم فى صادق الأخبار.
... أما قول الدكتور هيكل: إن الذى رأى الرجلين فى رواية كتاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلاً، وكذلك كانت سن محمد يومئذ.
стр. 295
.. فهو ادعاء ينقصه الدليل، والأرجح والأصح عند العلماء أنها كانت بعد إتمامه الأربع من السنين، وهو سن أجاز علماء الحديث فيه صحة تحمل الطالب للحديث مادام مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب، ورداً للجواب ونحو ذلك طبقاً لمعايير خاصة حول الإدراك والتمييز والضبط تتفق مع ما هو ملاحظ فى واقع الأطفال من النباهة، وقوة الحافظة (١) .
... وإذا كان مقبولاً ممن سوى المصطفى ﷺ فى مثل سنه، وهم بلا ريب فى أدنى درجات التعقل بالنسبة له، أفلا يجوز ذلك لمن لو وزن بأمته كلها لرجحها ﷺ ؟.
... وحتى لو كان سن رسول الله ﷺ ومن معه من الغلمان ممن شهدوا قصة شق الصدر لا يزيد على سنتين إلا قليلاً كما يزعم الدكتور هيكل؛ أليس رسول الله ﷺ صرح بالتحديث بها بعد البعثة؟! أليس فى هذا التصريح بعد البعثة دليل على أن ذلك وحى من الله إليه بما حدث له فى صغره من عناية الله به وعصمته؟!.
أليس فى التحديث بها بعد وحى الله إليه دليل على صحة القصة ووجوب قبولها، حتى ولو كان رسول الله ﷺ ومن شهدها فى الصغر دون سن التمييز؟!.
... وأختم الرد على الدكتور هيكل ومن شايعه بما قاله فضيلة الشيخ محمد عرجون: قال: "ولا عبرة بعدم اطمئنان المستشرقين، وجماعة "العقلانيين" من الباحثين المعاصرين إلى القصة ووقوعها، فلو لم يكن فى رواياتها إلا رواية الشيخين البخارى ومسلم لكانت فى أعلى مرات الصحة من ناحية السند.
... وأما غمز القصة بطفولية النبى ﷺ ، واستعظام ما حدث به على سنه فى الرواية، فهذا من قبيل الإيهام المضلل، لأن تحديد السن لم تتفق عليه الروايات!.
стр. 296
.. على أننا نسأل عبيد الاستشراق والمستشرقين، ما قولكم فى رواية البخارى وهى صريحة فى أن القصة وقعت بعد النبوة ليلة الإسراء؟ والحديث معكم فى وقوع القصة لا فى زمانها ومكانها، لأن ذلك تحقيق تاريخى لا يضير البحث ألا تؤمنوا به، وكيف يستعظم تحدثه ﷺ على سنه، والأمر كله من قبيل الإعجاز؟ على أن تحدثه كان وهو نبى رسول، إذ سئل من بعض أصحابه فأجاب بما جاء فى الرواية.
... والذى يعنى البحث أن قصة شق الصدر حادث كونى، ومعجزة عجيبة وقعت لنبينا محمد ﷺ ، وجاءتنا بها الروايات الصحيحة الثابتة، ولا يردها تشكيك مستشرق، ولا مستغرب، ولا متعوقل ولا متعالم" (١) .
... أما من حمل شرح الصدر على الأمور المعنوية من المستشرقين فظاهر من جحدهم وإنكارهم، أما من حمله على ذلك من المسلمين، فإن صاحب السيرة الهاشمية يقول رداً عليهم: "وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوى، وإلزام قائله القول بقلب الحقائق، فهو جهل صريح، وخطأ قبيح، نشأ من خذلان الله تعالى لهم وعكوفهم على العلوم الفلسفية، وبعدهم عن دقائق السنة" (٢) . أهـ.
... ولا شك أن ذلك ينسحب على كل منكر له فى القديم والحديث. عصمنا الله من ذلك.
... أما مقارنة محمود أبو ريه بين قصة شق الصدر، وحديث نخس الشيطان كل مولود. فلا وجه لهذه المقارنة، لأن شق الصدر لم يكن لإزالة أثر النخسة كما زعم، وإنما كانت لتطهير القلب من شئ يخلق لكل إنسان بمقتضى أنه خلق ليبتلى.
стр. 297
.. أما تكراره فذلك كان لمقصود مناسب لوقت وقوعه، فالمقصود أولاً، غير المقصود ثانياً، وثالثاً، ورابعاً. على نحو ما فصل سابقاً (١) وبالتالى لا وجه لسؤال أعداء السيرة العطرة، لماذا تكررت هذه العملية أربع أو خمس مرات فى أوقات متباعدة؟!!.
... كما أنه لا وجه للمقارنة بين شق الصدر والصلب لما يلى:
أولاً: لأن شق الصدر أمر حق وممكن، وثابت بالأسانيد الصحيحة المؤكدة للآية الكريمة ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٢) والصلب أمر باطل، وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه القرآن نفياً باتاً، قال تعالى: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ (٣) .
ثانياً: شق صدر رسول الله ﷺ لم يؤلمه البتة على ما زعمه أعداء السنة والسيرة (٤) وإنما شق صدره الشريف على ما جاء فى الحديث: "أخذ كل واحد من الملكين بعضده، ولا يجد ﷺ لأحدهما مساً، واضجعاه بلا قصر ولا حصر، وهوى أحدهما إلى صدره الشريف ففلقها، ورسول الله ﷺ لا يرى دماً، ولا وجعاً" (٥) وهذا كله بخلاف الصلب!.
ثالثاً: شق صدره ﷺ على ما جاء فى الروايات الصحيحة ليس لتكفير ذنبه ولا ذنب غيره، وهذا بخلاف خرافة صلب المسيح!.
стр. 298
.. أما قول محمود أبو ريه تبعاً لأسياده من المبشرين والمستشرقين قال: "ولئن قال المسلمون... ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية... قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟ ".
... قيل له: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمت، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم ﵇ وهو عبد من عبيد الله، فيعاقب الله عيسى ﵇! وهو عند زاعمى ذلك "ابن الله الوحيد" بتلك العقوبة القاسية التى تألم لها عيسى بزعمهم أبلغ الألم، وصرخ بأعلى صوته "إيلى ايلى، لم شبقتنى" أى إلهى إلهى لم تركتنى؟ وقد قال الله : ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً إن وعد الله حق﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ألا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى﴾ (٢) وغير ذلك من الآيات التى تبطل الأساس الذى قامت عليه خرافة صلب المسيح!.
... ثم أين العلم: أن قلوب سائر المرسلين لم تُخْلَق كما خُلِقَ قلب محمد ﷺ ؟ فقد تكون خلقت سواء، وخص سيدنا رسول الله ﷺ بهذا التطهير، أو طهرت أيضاً بهذه الوسيلة أو غيرها، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٣) .
... أما ما ادعاه محمود أبو ريه من أن بعض القساوسة المسيحيين: "اتكأوا على حديث نخس الشيطان كل مولود حين يولد، وقصة شق الصدر فى إثبات عقيدة من عقائدهم الزائفة، وهذا فى زعمه دليل على بطلان الحديث وقصة شق الصدر وردهما (٤) .
... فهذا ادعاء واتكاء باطل، والتبعة فى هذا الادعاء والاتكاء على من حرف الحديث عن موضعه، وحمله على غير محامله الصحيحة.
стр. 299
.. فالحديث صحيح رواية، ودراية، وليس فى معناه ما يدعو إلى رده عند المحققين، لأنه لا يخالف عقلاً ولا نقلاً. بل الحديث استجابة لدعاء أم السيدة مريم حيث قالت كما حكى القرآن عنها: ﴿وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ (١) وبالتالى فالحديث جاء تأكيداً وبياناً للآية الكريمة، كما جاء على لسان راوى الحديث أبو هريرة رضى الله عنه.
... كما أن الحديث ليس كما توهم مخالفاً لقوله تعالى: ﴿قل رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال هذا صراط على مستقيم إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ (٢) .
... ولا مخالفاً أيضاً لما ثبت من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الشيطان الرجيم لأن الذى يقتضيه ظاهر الحديث. أن إبليس – عليه لعنة الله – مُمَكَنْ من مس كل مولود عند ولادته، لكن عباد الله المخلصين لا يضرهم ذلك المس أصلاً، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه ذهب يمس على عادته، فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص (٣) ، ولا يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين من أنبياء الله عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
... وليس فى إسناد خصوصية لعيسى ﵇، أو لغيره من الأنبياء، ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء، ولا ما يثبت تفضيله عليهم، إذ من المسلم به أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية (٤) .
стр. 300
.. هذا ولا يلزم من وقوع المس إضلال الممسوس وإغواءه، فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله ، بعدم تمكنه من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين؛ وتأمل قوله تعالى فى حق سيدنا أيوب ﵇: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقوله سبحانه فى حق سيدنا آدم وزوجته: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) وقوله فى حق سيدنا موسى ﵇: ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ (٣) وقوله تعالى لسيدنا رسول الله ﷺ : ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٤) وقوله ﷺ : "إن عفريتاً (٥) من الجن جعل يفتك (٦) على البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته (٧) ... الحديث" (٨) .
... فكل هذا لا يتعارض مع حديث (نخس الشيطان كل مولود) ولا مع قوله تعالى ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ لأن معناه والله أعلم: "لن تسلط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ . وهذا لا ينافى أن يسلط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر بالدين (٩) .
стр. 301
.. هذا ولا يلزم من ظاهر حديث (نخس الشيطان كل مولود) أن تمتلئ الدنيا صراخاً وعياطاً كما توهم الزمخشرى (١) لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب، وأما بعدها فلا! ولو حكمنا المشاهدة، فما من مولود إلا ويستهل صارخاً أو باكياً، وإنكار ذلك مكابرة (٢) .
... أما زعم محمود أبو ريه: أن ذلك النخس أو المس لو وجد لبقى أثره، ولو بقى أثره لزم الصراخ والبكاء. فنقول: أرأيتم إذا ختن الطفل فتألم وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟!!.
... أما ما ذكره محمود أبو ريه: عن الرازى وغيره (٣) أن الخبر على خلاف الدليل لأن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخيروالشر، والصبى ليس كذلك، كما أنه يلزم منه تمكن الشيطان من إهلاكهم... فأقول: ومن قال إن النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للإيلام فقط، فذلك من خبث الشيطان، مُكِّن منها، كما مُكِّن مما أصاب به سيدنا أيوب ﵇، وكما يمكن الكفار من قتل المسلمين حتى الأنبياء، وذبح أطفالهم. وإن كانت النخسة لإحداث أمر من شأنه أن يورث القلب قبولاً ما للوسوسة بعد الكِبَرْ، فهذا لا يستدعى معرفة الخير والشر فى الحال. والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل البلاء. ولا يلزم من تمكنه من هذا النخس أن يفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين، وإفساد أحوالهم كما زعم أعداء السنة والسيرة العطرة، لأنه لا يتمكن إلا إن مكنَّه الله تعالى، فإذا مكنَّه الله تعالى من أمر خاص، فمن أين يلزم تمكنه من غيره؟!! (٤) .
стр. 302
.. ولعله بعد هذا العرض، ومناقشة المستشرقين وأضرابهم قد تبين لك الثقة الكاملة فى ثبوت الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ فى المرة الأولى مدعماً بالدليل الصحيح، وأيضاً فيما تبعه من تكرره فى سن العاشرة وأشهر، وعند البعثة، وفى ليلة الإسراء والمعراج، مدعماً بالأدلة فى أصح كتب الصحيح كما بينا فى موضعه مما سبق.
... هذا وقد أنكر صحة وقوع شق الصدر ليلة الإسراء ابن حزم وعياض، وادعيا أنها تخليط من "شريك" وليس كذلك فقد ثبت هذا أيضاً فى الصحيحين من غير طريق "شريك" (١) .
... قال الحافظ ابن حجر: "جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يحبب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شئ من ذلك (٢) ويؤيده الحديث الصحيح. أنهم كانوا يرون أثر المخيط فى صدره ﷺ " (٣) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 303
المطلب الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحي "
والرد عليها
... روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة (١) فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو فى غار حراء، فجاءه الملك،، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى (٢) حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم﴾ (٣) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملونى زملونى فزملوه (٤) حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله
стр. 304
أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتكسب المعدوم (٢) وتقرى الضيف، وتعين على نوائب (٣) الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى – ابن عم خديجة – وكان امرءاً تنصر فى الجاهلية، فيكتب بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى (٤) فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذى نزل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذعاً (٥) ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك رسول الله ﷺ أو مخرجى هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك، أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي" (٦)
стр. 305
٠
وفى هذا الحديث الموصول زيادة فى آخره رواها الإمام عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى بلاغاً قال: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً، كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكى يلقى منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك" (١) .
... بهذه الرواية وزيادتها، طعن أعداء السنة والسيرة العطرة قديماً وحديثاً فى المحدثين زاعمين أن فى هذه الرواية طعن فى نبوة رسول الله ﷺ وعصمته. فقديماً قالوا: "كيف يجوز للنبى أن يرتاب فى نبوته حتى يرجع إلى ورقة، ويشكوا لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفى بذروة جبل ليلقى منها نفسه على ما جاء فى رواية معمر؟ " (٢) .
стр. 306
.. وحديثاً: لم يخرج أعداء السنة والسيرة عن طعون أسلافهم قديماً. إذ يقول: عبد الحسين شرف الدين الموسوى (١) "تراه – يعنى حديث بدء الوحي – نصاً فى أن رسول الله ﷺ كان – والعياذ بالله – مرتاباً فى نبوته بعد تمامها، وفى المَلَكْ بعد مجيئه إليه، وفى القرآن بعد نزوله عليه، وأنه كان من الخوف على نفسه فى حاجة إلى زوجته تشجعه، وإلى ورقة الأعمى الجاهلى..." (٢) .
... ويقول جعفر مرتضى العاملى (٣) "كيف يجوز إرسال نبى يجهل نبوة نفسه، ويحتاج فى تحقيقها إلى الاستعانة بامرأة، أو نصرانى؟ ألم تكن هى فضلاً عن ذلك النصرانى أجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك؟ ثم كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقى نفسه من شواهق الجبال" (٤) .
стр. 307
.. ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:
أولاً: الحديث الذى طعنوا فيه - بدون الزيادة - صحيح سنداً ومتناً، وفى أعلى درجات الصحة، باتفاق البخارى ومسلم وغيرهما على إخراجه من رواية عائشة رضى الله عنها، ولا يقدح فى سند الحديث، وصحة متنه، أن عائشة رضى الله عنها لم تدرك القصة، لما يلى:
أ- لأن مرسل الصحابى حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به (١) .
ب- السيدة عائشة رضى الله عنها لم تنفرد برواية حديث بدء الوحي، فللحديث شاهد من حديث جابر بن جابر عبد الله رضى الله عنه، وهو أيضاً لم يشهد هذه القصة، ولكنه فى روايته يصرح بالتحديث عن بدء الوحي وفترته سماعاً من رسول الله ﷺ (٢) مما يؤكد صحة مرسل عائشة، حيث لا يبعد سماعها تلك القصة من رسول الله ﷺ أو ممن سمعها منه ﷺ ، وهو يحدث بها، كما سمعها جابر وصرح بذلك. ومما يؤكد صحة سماعها رضى الله عنها من رسول الله ﷺ حديث بحثنا، ما ورد فى الحديث من قوله (فغطنى حتى بلغ منى الجهد) فهنا فى الكلام التفات، حيث انتقل الكلام من حكاية عائشة، إلى حكاية رسول الله ﷺ ، عن نفسه، مما يؤيد صحة إرسالها، وأنه موصول من أوله إلى آخره.
ثانياً: الزيادة الواردة فى سند حديث عائشة رضى الله عنها غير ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً منها، ولا فعلها، فهى لا تصح سنداً ولا متناً لما يلى:
стр. 308
أ- فأما الدليل على عدم صحة هذه الرواية سنداً فهو ما ورد فى الرواية ذاتها إذ فيها "حزن النبى ﷺ ، فيما بلغنا..." والقائل "فيما بلغنا" هو الإمام الزهرى (١) وهو أعلم الحفاظ، ولكن لا يقبل ما رواه من غير سند! فعن يحيى بن سعيد القطان (٢) قال: مرسل الزهرى شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى! وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه (٣) وهذه الزيادة من هذه القبيل، حيث أنها منقطعة قد رواها الزهرى بلاغاً، وهو من صغار التابعين، وجل روايته عن كبار التابعين، وأقلها عن صغار الصحابة (٤) فكيف بالكبار منهم، لاسيما من شهدوا بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (٥)
стр. 309
وعلى ذلك فلا سند يعتمد عليه، ولعل الإمام البخارى وغيره ممن أخرج هذه الزيادة أرادوا بذلك التنبيه إلى مخالفتها لما صح من حديث بدء الوحي الذى لم تذكر فيه هذه الزيادة، وخصوصاً أن البخارى لم يذكر هذه الزيادة فى بدء الوحي، ولا التفسير، وإنما ذكرها فى التعبير على ما سبق فى التخريج.
... ويؤيد ما سبق، أن الأئمة الحفاظ يذكرون عقب هذه الزيادة حديث جابر الصحيح فى فترة الوحي إلى الزهرى بنفس السند الذى يروونه عنه فى حديث عائشة الأول، ويفهم من صنيعهم ذلك: أن الزهرى نفسه كان يحدث بحديث جابر عقب حديث عائشة.
... ففى مصنف الإمام عبد الرزاق بعد فراغه من حديث عائشة: قال معمر، قال الزهرى، فأخبرنى – حرف الفاء هذا يفيد العطف على رواية سابقة، والتعقيب بأخرى لاحقة، وذلك فى مجلس واحد - أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال فى حديثه: "بينما أنا أمشى سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسى، فإذا الذى جاءنى بحراء جالساً على كرسى بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ (١) منه رعباً، ثم رجعت، فقلت: زملونى، زملونى، ودثرونى، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى ﴿والرجز فاهجر﴾ (٢) .
стр. 310
.. وكذلك الإمام البخارى ذكر حديث عائشة المتقدم فى بدء الوحي عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها إلى قولها: ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي، ثم قال عقبة: قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال... فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، غير أنه زاد فى آخره: "فحمى الوحي وتتابع" (١) .
... قال الحافظ ابن حجر: قوله: (قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة) إنما أتى بحرق العطف، ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال: أخبرنى عروة بكذا، وأخبرنى أبو سلمة بكذا، وأخطأ من زعم أن هذا معلق، وإن كانت صورته صورة التعليق، ولو لم يكن فى ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنها دالة على تقديم شئ عطفته – وهو حديث عائشة المتقدم – ثم قال ابن شهاب – أى بالسند المذكور – وأخبرنى أبو سلمة بخبر آخر، وهو حديث جابر عن فترة الوحي) (٢) .
... وكذلك فعل الإمام أحمد فى مسنده، مع أنه قد جمع فى مسنده مرويات كل صحابى على حده، دون الالتزام بالوحدة الموضوعية للأحاديث، لكنه لما روى حديث عائشة المتقدم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، قال: فذكر حديثاً (٣) لعله يشير إلى حديث جابر الذى أخرجه قبل ذلك فى المسند (٤) .
стр. 311
.. وكذلك صنعا مسلم، وابن حبان فى صحيحيهما عقب إخراجهما لحديث عائشة رضى الله عنها (١) فدل هذا كله، على أن ابن شهاب الزهرى كان يحدث بالحديثين معاً، كما روى عنه غير واحد مما سبق بيانه، وأن الصواب فى رواية حديث عائشة بدون تلك الزيادة، كما أخرجه مسلم، والبخارى فى بعض مواضعه، وغيرهما (٢) .
ب- أما الدليل على عدم صحة هذه الزيادة متناً فهو ما يلى:
стр. 312
معارضتها لأصل من أصول الإسلام، وهو عصمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بمعنى: حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم، وتفكيرهم وخواطرهم، وسائراً أعمالهم، حفظاً كاملاً، فلا يقع منهم قط ما يشكك فى نبوتهم ورسالاتهم، وهذا البلاغ المعمرى أو الزهرى، لم يبق لعصمة النبى ﷺ مكاناً فى مدة الحزن اليائس التى تقول أقصوصة هذا البلاغ إنه ﷺ مكثها وهو يغدو مراراً كى يتردى من شواهق الجبال، ولاسيما على مذهب من يرى أن مدة فترة الوحي – وهى مدة الحزن اليائس – قد طالت إلى ثلاث سنوات، أو سنتين ونصف سنة، أو ستة أشهر، وفى هذا البلاغ الضعيف تصريح بأن صاحبه يذهب مذهب من يرى طول مدة فترة الوحي (١) لأن ما ذكر فيه من الغدو مراراً لكى يلقى بنفسه من ذرا الشواهق يقتضى طول المدة، ولاسيما مع تمثل جبريل له وقوله: أنا جبريل، وأنت رسول الله حقاً، أكثر من مرة.
стр. 313
يتعارض هذا البلاغ مع ما يجب أن يكون عليه النبى ﷺ من رسوخ الإيمان بنبوته، وكمال اليقين برسالته، ولا شك أن ما جاء فى هذا البلاغ، من تبدى جبريل ﵇ للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منها نفسه، وقوله له: يا محمد: أنت رسول الله حقاً، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ﵇، فقال مثل ذلك – يصور مدى ما بلغه ذلك الحزن اليائس – فى زعم قائليه – من نفس النبى ﷺ حتى جعله يتشكك فى تبدى جبريل له، وفى إخباره أنه رسول الله حقاً، فالنبى ﷺ كما تصرح به عبارة هذا البلاغ – لم يكد يسكن جأشه لتبدى جبريل له وإخباره أنه رسول الله حقاً حتى يعود إلى عزيمته فى إلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال، فيتبدى له جبريل مرة أخرى، ويقول له: يا محمد، أنت رسول الله حقاً.
فأين سكون جأشه الذى أحدثه فى نفسه تبدى جبريل له، وإخباره أنه رسول الله حقاً؟.
وأين رسوخ إيمانه برسالة ربه التى شرفه بها قبل فترة الوحي، وأنزل عليه فى أول مراتب وحيها فى غار حراء قرآناً يتلى، حتى يعود عن عزيمته لإلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال إذا طالت عليه فترة الوحي؟!.
إن ما تضمنه هذا البلاغ الضعيف يشمل أمرين:
أحدهما: ظاهر محسوس، يمكن مشاهدته، والحكم بوجوده أو عدم وجوده بمقتضى إمكان مشاهدته حساً.
стр. 314
ثانيهما: باطن محجوب فى داخل النفس، لا يمكن معرفته إلا بإخبار صاحبه الذى دار فى نفسه، أو إخبار من أظهرهم عليه بنقل ثابت عنه. فذهاب النبى ﷺ إلى أعالى الجبال وشواهقها التى ألف الصعود إليها فى أزمان خلواته وتطلعاته للتفكر فى عجائب آيات الله الكونية، وبدائع ملكوته، أمر محسوس، يمكن الحكم عليه برؤيته ومشاهدته، ولا حرج فى أن يكون النبى ﷺ قد حزن فى فترة الوحي اشتياقاً لأنوار الشهود الروحانى الأعلى الذى كان يغمره فى أوقات نزول الوحي، ونزول آيات القرآن المبين، حزناً كان يغدو منه إلى ذرا الجبال التى كانت مأنس روحه، تطلعاً إلى آفاق أشواقه لشهود تجليات أمين الوحي جبريل ﵇ الذى سبق له أن تجلى فى آفاقها بصورته الملائكية الروحانية العالية.
... وكون هذا الذهاب إلى ذرا شواهق الجبال لقصد التردى منها ليقتل نفسه – كما هو نص عبارة البلاغ الضعيف – أمر باطن محجوب بأستار الضمير فى حنايا النفس، لا يعلمه، ولا يطلع عليه إلا الله علام الغيوب، وإلا صاحبه الذى دار فى حنايا نفسه، وعزم على تحقيقه عملياً، وإلا من يظهره عليه صاحبه العليم به، بأخبار منه إليه، وكل ذلك لم يثبت!.
... وما روى عن ابن عباس من قوله: "مكث النبى ﷺ أياماً بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير (١) مرة، وإلى حراء أخرى، يريد أن يلقى نفسه" (٢) غير مسلم من وجوه.
стр. 315
أ- أن حديث ابن عباس من رواية الواقدى (١) ، وهو معروف بالضعف، لا يقبل الجهابذة من المحدثين روايته إلا إذا اعتضدت بروايات الثقات.
ب- إذا صح سند الحديث إلى ابن عباس رضى الله عنهما، فهو اجتهاد لا يعلم معتمده، فى أمر لا سبيل إلى معرفته إلا بإخبار من النبى ﷺ ، ولم يثبت هذا الإخبار، فالحديث موقوف على ابن عباس، فيكون فى منزلة بلاغ الزهرى، كما يؤخذ من كلام ابن حجر (٢) يجب رفضه كرفض بلاغ الزهرى، وإبطاله كإبطاله، ولعل هذا الحديث الضعيف فى سنده، الباطل فى متنه ونصه، هو مستند بلاغ الزهرى، والزهرى إمام موثق، فلا حرج على البخارى فى إلحاق بلاغة بجامعه من جهة توثيق السند، على أن البخارى لم يلحقه بجامعه إلا فى موضع واحد فقط من مواضع حديث بدء الوحي، وهى متعددة فيه بالإسناد نفسه مقروناً بإسناد آخر تارة، وغير مقرون تارة أخرى، ولم يرد فى تلك المواضع ذكر لهذا البلاغ الضعيف إلا فى كتاب (التعبير) بلاغاً لا تأصيلاً.
ثالثاً: ثبت فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ تحدث عن فترة الوحي، ولم يرد فى كلامه ﷺ كلمة واحدة، تشعر بما جاء فى هذا البلاغ الضعيف، حتى ولو مجرد حزن لحق به تأسفاً على هذه الفترة.
стр. 316
.. هذا مع أنه لا نرى حرجاً فى أن يكون النبى ﷺ قد اعتراه شئ من الحزن فى مدة فترة الوحي، لانقطاع أنوار الشهود الروحى، ولا نرى حرجاً فى أن النبى ﷺ كان يغدو إلى ذرا الجبال تطلعاً لتجليات أمين الوحي الذى عهد لقاءه فى هذه الذرا، وهذا أمر فطرى وطبيعى، فالإنسان إذا حصل له خير أو نعمة فى مكان ما، فإنه يحب هذا المكان، ويلتمس فيه ما افتقده، فلما فتر الوحي: صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال، ولاسيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل فى حراء، فليجده فى غيره، فرآه راوى هذه الزيادة وهو يرتاد قمم الجبال، فظن أنه يريد أن يلقى بنفسه، وقد أخطأ الراوى المجهول فى ظنه قطعاً.
... وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل ﵇ كان يقول للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: "يا محمد إنك رسول الله حقاً" وأنه كرر ذلك مراراً، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفى فى تثبيت النبى ﷺ وصرفه عما حدثته به نفسه كما زعموا (١) .
стр. 317
رابعاً: ما يشكل ظاهره فى الحديث الموصول – لعائشة رضى الله عنها – من ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته – كما زعموا – مستشهدين على ذلك بقوله ﷺ لخديجة "لقد خشيت على نفسى" وزعمهم شكواه ﷺ لخديجة، ورجوعه إلى ورقة بن نوفل... هذا الإشكال لا وجه لهم فيه، كما أن هذه الكلمة: "لقد خشيت على نفسى" فى ذاتها لا تضير عصمة رسول الله ﷺ ، ولا نبوته شيئاً.
...
والذين ذكروا هذه الكلمة فى رواياتهم قد أدوا أمانة العلم، ولا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين تقحموا متخرصين فى تفسير المراد من الخشية، حتى زعم بعضهم فى تفسيرها، وبيان المراد منها، بما كان ويكون أمضى سلاح فى يد أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
... وما قيل فى تفسير الخشية من كلام لا يليق، ولا ينبغى أن يدون فى سيرة المعصوم ﷺ قد أبطله بعض حذاق الأئمة، وحق له أن يبطل (١) .
... أما ما زعمه أعداء السنة المطهرة من أن ظاهر هذه العبارة "لقد خشيت على نفسى يفيد ارتياب وشك رسول الله ﷺ فى نبوته، فهذا من تخرصاتهم، ويرده سياق الحديث الذى وردت فيه هذه العبارة، وقبل بيان ذلك أقول: إن الله إذا اصطفى أحداً لنبوته أو رسالته يخلق فيه علماً ضرورياً بنبوته بحيث لا يبقى له قلق ولا اضطراب، كما يظهر من قصة سيدنا موسى ﵇، حين توجه إلى جبل الطور بسيناء ليأتى بقبساً أو يجد على النار هدى.
стр. 318
.. ومعلوم أنه لم يكن مراقباً عما يصنع به، ولا منتظراً بما يكلف به، إذ ناداه ربه من شاطئ الوادى الأيمن: ﴿إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ (١) وأمره أن يذهب إلى فرعون إنه طغى، فلما سمعه موسى ﵇، ألقى عليه فى ساعته تلك من اليقين، والإذعان بنبوته، ما هون عليه الدعوة لمثل فرعون الباغى الطاغى، ولم يشك فى نبوته كجناح بعوضة، إلا أنه كان بشراً، خلق من ضعف، ولذا خاف من عصاه حين صار جاناً – حية عظيمة – لما أمره ربه ، بإلقاءها من يده، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى. قال هى عصاى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب أخرى.
قال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هى حية تسعى. قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (٢) .
... وقال سبحانه: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون. إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإنى غفور رحيم﴾ (٣) .
... وبمقتضى بشريته أيضاً خاف من القتل، كما حكى القرآن الكريم على لسانه: ﴿ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (٤) ومن هنا شكى إلى ربه عن ضعفه، وسأله أن يجعل أخيه ردئاً يصدقه، ويكون عوناً له فإنه كان أفصح لساناً، قال تعالى: ﴿قال رب إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله معى ردءاً يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون﴾ (٥) .
... ولم يكن هذا الخوف شكاً منه أو إعراضاً عما أمره الله به – والعياذ بالله – بل إظهاراً لضعف جبل عليه الإنسان.
... فإذا لم يشك من كان نبى بدون تمهيد، ولا سابقة خبر، فكيف بمن مهد له تمهيداً، ومرن تمريناً فى النوم واليقظة؟.
стр. 319
.. فالتمهيد كان منذ صغره وشبابه، من شق صدره، ونهيه عن التعرى، وعصمته من كل مظاهر الجاهلية التى سبق تفصيلها (١) والتمرين فى النوم بالرؤيا التى كان لا يراها إلا وتجئ مثل فلق الصبح الذى لا شك فيه، وفى اليقظة كان التمرين على الوحي والنبوة بسلام الحجر عليه، وسماع الصوت، ورؤية الضوء.
... فعن جابر بن سمرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إنى لأعرف حجراً بمكة كان يسلم على، قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن" (٢) .
стр. 320
.. وجاء التصريح بصيغة التسليم برسول الله فى حديث عائشة رضى الله عنها (١) وحديث على بن أبى طالب رضى الله عنه إذ يقول: "كنت مع النبى ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر، إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله" (٢) وعنه ﷺ قال: "يا خديجة إنى أسمع صوتاً، وأرى ضوءاً، وإنى أخشى أن يكون بى جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا عبد الله..." (٣) .
... وكل هذا التمهيد والتمرين على النبوة قبل التنبؤ يستحيل معه أن يشك رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته بعد التنبؤ – حتى لو فتر الوحي – وهنا نصل إلى تفسير الخشية.
تفسير الخشية فى قوله (لقد خشيت على نفسى) :
... ورد فى سياق حديث (بدء الوحي) ما يعين على فهم صحيح ودقيق لقوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسى" ويرد تخرصات أعداء الإسلام، وأعداء السيرة العطرة، فى أن ظاهر هذه العبارة يفيد ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته.