.. هذا مع أنه لا نرى حرجاً فى أن يكون النبى ﷺ قد اعتراه شئ من الحزن فى مدة فترة الوحي، لانقطاع أنوار الشهود الروحى، ولا نرى حرجاً فى أن النبى ﷺ كان يغدو إلى ذرا الجبال تطلعاً لتجليات أمين الوحي الذى عهد لقاءه فى هذه الذرا، وهذا أمر فطرى وطبيعى، فالإنسان إذا حصل له خير أو نعمة فى مكان ما، فإنه يحب هذا المكان، ويلتمس فيه ما افتقده، فلما فتر الوحي: صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال، ولاسيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل فى حراء، فليجده فى غيره، فرآه راوى هذه الزيادة وهو يرتاد قمم الجبال، فظن أنه يريد أن يلقى بنفسه، وقد أخطأ الراوى المجهول فى ظنه قطعاً.
... وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل ﵇ كان يقول للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: "يا محمد إنك رسول الله حقاً" وأنه كرر ذلك مراراً، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفى فى تثبيت النبى ﷺ وصرفه عما حدثته به نفسه كما زعموا (١) .
стр. 317
رابعاً: ما يشكل ظاهره فى الحديث الموصول – لعائشة رضى الله عنها – من ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته – كما زعموا – مستشهدين على ذلك بقوله ﷺ لخديجة "لقد خشيت على نفسى" وزعمهم شكواه ﷺ لخديجة، ورجوعه إلى ورقة بن نوفل... هذا الإشكال لا وجه لهم فيه، كما أن هذه الكلمة: "لقد خشيت على نفسى" فى ذاتها لا تضير عصمة رسول الله ﷺ ، ولا نبوته شيئاً.
...
والذين ذكروا هذه الكلمة فى رواياتهم قد أدوا أمانة العلم، ولا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين تقحموا متخرصين فى تفسير المراد من الخشية، حتى زعم بعضهم فى تفسيرها، وبيان المراد منها، بما كان ويكون أمضى سلاح فى يد أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
... وما قيل فى تفسير الخشية من كلام لا يليق، ولا ينبغى أن يدون فى سيرة المعصوم ﷺ قد أبطله بعض حذاق الأئمة، وحق له أن يبطل (١) .
... أما ما زعمه أعداء السنة المطهرة من أن ظاهر هذه العبارة "لقد خشيت على نفسى يفيد ارتياب وشك رسول الله ﷺ فى نبوته، فهذا من تخرصاتهم، ويرده سياق الحديث الذى وردت فيه هذه العبارة، وقبل بيان ذلك أقول: إن الله إذا اصطفى أحداً لنبوته أو رسالته يخلق فيه علماً ضرورياً بنبوته بحيث لا يبقى له قلق ولا اضطراب، كما يظهر من قصة سيدنا موسى ﵇، حين توجه إلى جبل الطور بسيناء ليأتى بقبساً أو يجد على النار هدى.
стр. 318
.. ومعلوم أنه لم يكن مراقباً عما يصنع به، ولا منتظراً بما يكلف به، إذ ناداه ربه من شاطئ الوادى الأيمن: ﴿إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ (١) وأمره أن يذهب إلى فرعون إنه طغى، فلما سمعه موسى ﵇، ألقى عليه فى ساعته تلك من اليقين، والإذعان بنبوته، ما هون عليه الدعوة لمثل فرعون الباغى الطاغى، ولم يشك فى نبوته كجناح بعوضة، إلا أنه كان بشراً، خلق من ضعف، ولذا خاف من عصاه حين صار جاناً – حية عظيمة – لما أمره ربه ، بإلقاءها من يده، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى. قال هى عصاى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب أخرى.
قال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هى حية تسعى. قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (٢) .
... وقال سبحانه: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون. إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإنى غفور رحيم﴾ (٣) .
... وبمقتضى بشريته أيضاً خاف من القتل، كما حكى القرآن الكريم على لسانه: ﴿ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (٤) ومن هنا شكى إلى ربه عن ضعفه، وسأله أن يجعل أخيه ردئاً يصدقه، ويكون عوناً له فإنه كان أفصح لساناً، قال تعالى: ﴿قال رب إنى قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله معى ردءاً يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون﴾ (٥) .
... ولم يكن هذا الخوف شكاً منه أو إعراضاً عما أمره الله به – والعياذ بالله – بل إظهاراً لضعف جبل عليه الإنسان.
... فإذا لم يشك من كان نبى بدون تمهيد، ولا سابقة خبر، فكيف بمن مهد له تمهيداً، ومرن تمريناً فى النوم واليقظة؟.
стр. 319
.. فالتمهيد كان منذ صغره وشبابه، من شق صدره، ونهيه عن التعرى، وعصمته من كل مظاهر الجاهلية التى سبق تفصيلها (١) والتمرين فى النوم بالرؤيا التى كان لا يراها إلا وتجئ مثل فلق الصبح الذى لا شك فيه، وفى اليقظة كان التمرين على الوحي والنبوة بسلام الحجر عليه، وسماع الصوت، ورؤية الضوء.
... فعن جابر بن سمرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إنى لأعرف حجراً بمكة كان يسلم على، قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن" (٢) .
стр. 320
.. وجاء التصريح بصيغة التسليم برسول الله فى حديث عائشة رضى الله عنها (١) وحديث على بن أبى طالب رضى الله عنه إذ يقول: "كنت مع النبى ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر، إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله" (٢) وعنه ﷺ قال: "يا خديجة إنى أسمع صوتاً، وأرى ضوءاً، وإنى أخشى أن يكون بى جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا عبد الله..." (٣) .
... وكل هذا التمهيد والتمرين على النبوة قبل التنبؤ يستحيل معه أن يشك رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته بعد التنبؤ – حتى لو فتر الوحي – وهنا نصل إلى تفسير الخشية.
تفسير الخشية فى قوله (لقد خشيت على نفسى) :
... ورد فى سياق حديث (بدء الوحي) ما يعين على فهم صحيح ودقيق لقوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسى" ويرد تخرصات أعداء الإسلام، وأعداء السيرة العطرة، فى أن ظاهر هذه العبارة يفيد ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته.
стр. 321
١- وأول ما يعين على بيان حقيقة المراد من الخشية فى سياق الحديث قوله: "حتى فجئه الحق" (١) بكسر الجيم أى بغتة الأمر الحق، وهو الملك جبريل ﵇ بالوحي.
... وهذه الجملة فى الحديث، تفيد أن رسول الله ﷺ تعرض وهو فى غار حراء للمفاجأة، وتحققت ثلاثة مرات متواليات:
الأولى: فى دخول الملك عليه ﷺ مختلاه ومتعبده، دون تمهيد يشعر النبى ﷺ بأن أحداً سيدخل عليه فى الغار.
الثانية: فى رؤيته للملك جبريل ﵇ على صورته الملائكية، وقد سد الأفق.
الثالثة: فى أمره بالقراءة عقب دخوله عليه مباشرة، وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب!.
... وفى كل ذلك نوع من المفاجأة الباغتة المؤثرة على الطبيعة البشرية بما يهز كيانها هزاً يقحم عليها الرعب والفزع.
... ومن هنا كان خوف وفزع النبى ﷺ خوفاً وفزعاً بشرياً رجف منه فؤاده، وسائر جسده، وظهرت على بشريته آثاره، حتى هدأت نفسه، فتلقى رسالة ربه متثبتاً، مغموراً بأنوار شهود العزة الإلهية فى يقين لا يداخله أدنى شك فى اصطفائه رسولاً بعد اجتبائه نبياً من الصالحين.
٢- وثانى ما يعين على تفسير الخشية قوله: "فغطى حتى بلغ منى الجهد" فهذه العبارة تبين مدى الشدائد التى صحبت رسول الله ﷺ فى هذا اللقاء المفاجئ.
стр. 322
.. إذ صحب مع دخول الملك عليه فى متعبده، دون تمهيد، ورؤيته للملك فى صورته الملائكية، وأمره بالقراءة، صحب كل ذلك مع ما فيه من شدة شدائد أخرى، إذ غطه الملك ثلاث مرات، والغط: العصر الشديد، وحبس النفس، وكأنه أراد ضمنى وعصرنى، أو أراد غمنى، ومنه الخنق، ويدل عليه رواية أبو داود الطيالسى "فأخذ بحلقى" (١) . وفى كل مرة من هذا الغط بلغ من رسول الله ﷺ "الجهد" مبلغه وغايته حتى ظن بنفسه الموت (٢) .
٣- وثالث ما يعين على فهم قوله "لقد خشيت على نفسى" نزول الوحي عليه بأوائل سورة "العلق" وحالات النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه كلها شدة، فهى حالات خاصة تتغلب فيها روحانيته على بشريته، ليتصف بصفة الملك، ليقع بينهما التناسب والتجانس، ويتم التلقى على أكمل وجه وأثبته.
... يقول الإمام ابن حجر: "وهى حالة يؤخذ فيها النبى ﷺ عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخى، يحصل له عند تلقى الوحي، ولما كان الرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله نبيه ﷺ ببرزخ فى الحياة، يلقى إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار" (٣) .
... ويدل على شدة الوحي أثناء نزوله على رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة منها:
حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه قال: "كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجمان ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبداً".
стр. 323
وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: سألت رسول الله ﷺ ، هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض" وغير ذلك من الروايات السابق ذكرها (١) وهى روايات تبين لنا إلى أى مدى لاقى النبى ﷺ من شدة أثناء تنزيل الوحي عليه حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه، وحتى أنه ﷺ يصرح بأنه ما من مرة يوحى إليه إلا ظن أن نفسه تقبض!.
فإذا كانت الروايات السابقة تبين لنا حاله ﷺ بعد مزاولات ومعاهدات بالوحي، فما ظنك بحاله إذا نزل عليه الوحي لأول مرة، وهو غير ممارس لتلك الأهوال ولا حامل لهذه الأثقال؟!.
إن كل ما سبق من دخول الملك على رسول الله ﷺ فى متعبده دون تمهيد، وتجلى الملك له، وقد سد الأفق، وغطه ﷺ حتى بلغ منه الجهد، وأمره بالقراءة مع أميته، ونزل الوحي عليه، وهو ما لو أنزل على الجبال لتصدعت من خشية الله.
كل ذلك جعله يرجف فؤاده، ويخشى على نفسه، لا لريب عرضه، أو هول هاله، بل لضعف فطر عليه الإنسان. نعم وحق لرسول الله ﷺ أن يرجف ويخشى، كيف وقد كان هذا أول معاملة اعترته! وفكر فى نفسك لو اعتراك ما اعتراه ﷺ كيف يكون حالك؟!.
стр. 324
ومما يؤكد ما سبق من تفسير الخشية قوله ﷺ : "بينما أنا أمشى، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملونى" (١) وهذا الحديث وإن كان فى واقعة أخرى، لكن ما جاء فيه من قوله: "فرعبت منه" قرينه قوية على أن خشيته ﷺ على نفسه كانت مما رأى من المفاجآت السابق ذكرها، فضلاً عن شدة الوحي التى اعترته لأول مرة، وهو فى غار حراء، وكلها أمور تضعف عن حملها فطرة البشر. فالخوف والخشية، لا يصادم الإذعان والإتقان بشئ أصلاً، لأنه فى بنية البشر، قال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ (٢) .
وكما جاز لموسى ﵇ أن يخاف من عصاه حين صار ثعباناً، ولم يصادم ذلك إيمانه، جاز لرسول الله ﷺ أيضاً أن يخشى عند رؤية الملك بهيئته الملائكية، وغطه، وشدة الوحي، فكل ذلك ليس بأقل من عصا موسى ﵇ (٣) .
стр. 325
وكما هو معلوم فإن النبوة لا تمنع الأعراض البشرية التى لا تنافى العصمة، وسيدنا رسول الله ﷺ ثبتت له النبوة قطعاً قبل مفاجأة الغار، وقبل فترة الوحي (١) .
فإذا روى أنه فزع من هول المفاجأة، وما حف بها، فلا يجوز قط أن يقال: إنه فزع فزعاً أذهله عن مقام نبوته فلم يتمكن من التأمل، وخشى على نفسه أن يكون كاهناً أو أن يكون به جنن.
كما لا يجوز قط أن يقال عنه: إنه حزن على فتور الوحي حزناً أخرجه عن عصمة النبوة والرسالة، وحمله على محاولة قتل نفسه.
стр. 326
ففترة الوحي طالت أو قصرت (١) شأن من شئون الله تعالى التى ينفرد بحكمتها فهى كانت لطفاً من الله تعالى لنبيه ﷺ ورحمة به، ليستجم من عناء ما لاقى من روع المفاجأة، وشدة الغط، وشدة الوحي، لاستفراغ بشريته ليزداد تشوفاً وتشوقاً إلى تتابع الوحي، وتقوية لروحانيته على احتمال ما يتوالى من الله إليه، حتى يتم استعداده لتبليغ رسالته إلى الخلق كافة بصبر وقوة، ويقين لا يدانيه يقين فى أن الله ، سيتم عليه نعمته.
ويشهد لصحة تفسير الخشية بما سبق ذكره، رجوعه ﷺ إلى مكان تحنثه فى غار حراء (٢) ، بعد ما لاقاه من الشدائد السابق ذكرها.
فهل فى منطق العقل أن يكون رسول الله ﷺ خشى على نفسه ما تخرص به المتخرصون، ثم يسرع إلى العودة إلى المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه فى زعم المتخرصين؟!.
стр. 327
إن بداهة العقل تأبى أن تقبل ذلك، وتنادى بأن أى إنسان توجس خفية من شر حادث وقع له فى مكان لا يمكن أن يعود إليه، وفى سرعة، وهو يملك الاختيار والإرادة، وبالتالى فعودة رسول الله ﷺ لنفس المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه، دليل قاطع على ثباته ﷺ ، ورباطة جأشه، واطمئنانه ويقينه بفوزه برسالة ربه وأنه لم يشك قط ولو للحظة واحدة فى نبوته، ولا فى أن ما جاءه هو جبريل ﵇، ومعه وحى الله تعالى.
فكل ذلك يؤكد أن الخشية من الموت من شدة الرعب (من المفاجآت التى توالت عليه ﷺ فى هذا اللقاء على ما سبق تفصيله) هو أدنى الأقوال بالصواب فى تفسير الخشية، وأسلمها من الارتياب كما قال الحافظ ابن حجر (١) وهو ما أقول به وأرجحه، بدليل سياق الحديث على ما سبق شرحه، وبدليل قوله ﷺ يعد تتابع نزول الوحي عليه: "فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض" (٢) فهو نص صريح فى خشيته على نفسه من الموت، من شدة الوحي، وهو أحد المفاجآت التى توالت عليه فى هذا اللقاء.
كما لا يمنع أن تكون خشيته ﷺ على نفسه من الموت على أيدى كفار قريش، إذا بلغهم رسالة ربه ، ويشهد لصحة هذا قوله ﷺ : "...وإن الله أمرنى أن أحرق قريشاً. فقلت رب! إذا يثلغوا رأسى فيدعوه خبزه. قال: استخرجهم كما استخرجوك" (٣) .
стр. 328
إن خوف رسول الله ﷺ على نفسه من الموت من شدة الرعب، وشدة نزول الوحي عليه، ومن أن يقتله قومه، جعله يرجع بما حملت نفسه الكريمة من آثار ذلك كله، إلى بيته، وزوجته الأمينة، وزيرة الصدق، ومأنس الوفاء، يبدى لها ما تعرض له فى غار حراء، من محن وشدائد تذيب رواسى الجبال، فكان من فراستها ورجاحة عقلها، أن أقسمت على أن الله تعالى لن يخزيه، وأكدت ذلك بلفظ التأبيد (كلا والله ما يخزيك الله أبداً) واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائى، فوصفته بأصول مكارم الأخلاق (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق) .
خامساً: بقى الجواب عن ما يزعمه أعداء السنة المطهرة من استنكار لتخفيف الزوجة على زوجها، إذا ألمت به محنة وشدة، وكذلك استنكار لطلب عين اليقين.
...
إذ زعموا أن فى إخبار رسول الله ﷺ لزوجته ما حدث له، ثم ذهابهم إلى ورقة بن نوفل، منقصة لرسول الله ﷺ ، ودليل فى زعمهم على ارتيابه فى نبوته، ومنقبة لزوجته خديجة وورقة وأنهما أحق بالنبوة منه (١) وهذا لعمرى لمنطق معكوس إذ كيف ينكر عاقل دور الزوجة عامة فى تخفيف الآلام عن زوجها، وخاصة دور خديجة العظيم فى تخفيف آلام رسول الله ﷺ منذ أول يوم أرسل إليه فيه، حتى تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بموتها وموت عمه أبو طالب، ونالت قريش من أذيته ﷺ ما لم تكن تطمع به فى حياتهما (٢) وما ذلك إلا لأن مواقفها من رسول الله ﷺ ، من أشرف المواقف التى تحمد لامرأة فى الأولين والآخرين.
стр. 329
ويدل على ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام، فأدركتنى الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: "لا والله ما أبدلنى الله خيراً منها، آمنت بى إذ كفر الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله منها أولاداً إذ حرمنى أولاد النساء" قالت عائشة: فقلت فى نفسى، لا أذكرها بسيئة أبداً" (١) .
وأصل الحديث فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبى ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبى ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها فى صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن فى الدنيا امرأة إلا خديجة؟! فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لى منها ولد" وفى رواية مسلم: "إنى قد رزقت حبها" (٢) .
فتأمل قوله ﷺ : "لا والله ما أبدلنى الله خيراً منها، آمنت بى إذ كفر الناس.. إلخ إنها كلمات من جوامع الكلم تبين عظيم دورها فى تخفيف آلام الدعوة وشدائدها عن رسول الله ﷺ ، كما أن فى الحديث بيان لعظم فضلها، وإلى أى مدى عرف لها النبى ﷺ قدرها ومنزلتها فى حياتها، وحفظ لها ودها وعهدها بعد وفاتها، فرضى الله عنها وأرضاها، وجزاها بفضله وكرمه عن دينه ونبيه، خير وأوفر الجزاء.
стр. 330
وإذا كان دورها فى الدعوة الإسلامية لا ينكره عاقل، فلا وجه لاستنكار أعداء السنة المطهرة، تخفيفها عن رسول الله ﷺ بعد عودته من غار حراء ولاسيما ورسول الله ﷺ ، عاد إليها وعليه آثار الروع والمشقة، رأتها على وجهه وجسده الشريف، كما كان يراها فيما بعد صحابة رسول الله ﷺ ، على ما ورد فى حالات نزول الوحي عليه.
وليس فى روايات الحديث ما يحاول زعمه أعداء السنة والسيرة العطرة، من أن رسول الله ﷺ اشتكى لخديجة (شكوى من يرتاب فى نبوته ورسالته والعياذ بالله) .
وإنما إذا صح التعبير أن يكون من رسول الله ﷺ شكوى، فهى شكوى من زوج لزوجته، يريد أن يخفف عنه ما لاقاه من رعب وفزع وشدة فى هذا اللقاء الذى عاد منه إلى بيته، ولا تزال آثاره على سائر جسده الذى يرجف مما جعله يقول: "زملونى، زملونى" أو "دثرونى، دثرونى" والمعنى واحد، وكأنه ﷺ يقول: غطونى بما أدفأ به حتى يذهب عنى أثر الرعب والرجفة عن سائر جسدى (١) تقول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها "فزملوه حتى ذهب عنه الروع" وهو بفتح الراء أى الفزع، وأما الذى بضم الراء فهو موضع الفزع من القلب (٢) .
وتأمل ما جاء فى الحديث من قوله ﷺ : "يا خديجة مالى؟ " وهو استفهام تعجبى، أى: أى شئ ثبت لى، حتى حصل ما حصل، وأخبرها الخبر، وما عانى فيه، حتى ظن أن نفسه تقبض من شدة الفزع والرعب، من هول المفاجأة، ومن معاناة نزول الوحي عليه، وهو ما عبر عنه بقوله: "لقد خشيت على نفسى".
стр. 331
فأين الشكوى التى يزعمها أعداء السيرة العطرة؟ وإذا كانت شكوى فأين ما فيها مما يفيد فى زعمهم أنه شك وارتاب فى نبوته؟ إنه مجرد "إخبار من زوج لزوجته لموقف شديد حدث له يريد أن تخفف عنه آثاره! فأى استنكار فى ذلك؟!.
وقد أدت الزوجة خديجة رضى الله عنها دورها باطمئنان زوجها والتخفيف عنه بأعظم الكلمات على ما سبق شرحه قريباً.
وأرادت أن تزداد يقيناً فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان امرءاً تنصر فى الجاهلية، واشتهر عنه فى مكة من العلم بما فى التوراة والإنجيل، وتباشير الأحبار والرهبان، بما جاء فى الكتابين من أوصاف نبى آخر الزمان، وأن وقته قد أظل، فلما أخبره ﷺ بما رأى، قال ورقة (هذا الناموس الذى أنزل على موسى) وتمنى ورقة أن يعيش حتى يدرك انتشار الإسلام، ليكون جندياً من جنود الله، يجاهد فى ظل لواء النبى ﷺ فى سبيل إعلاء كلمة الله ولكنه أدركته منيته، فلم يلبث بعد بعث النبى ﷺ إلا قليلاً، ثم توفى، وفتر الوحي، هذا كل ما تفيده قصة ذهابه ﷺ وزوجته إلى ورقة بن نوفل.
فهل فيها ما يزعمه الخصوم من ارتياب رسول الله ﷺ فى نبوته؟!.
وأنى لهم هذا الزعم، وكل ما فى الحديث أن ورقة، سأل رسول الله ﷺ ، عما رأى قائلاً: "يا ابن أخى ماذا ترى؟ " فأخبره ﷺ خبر ما رأى" إذن لم يسأله ورقة عما يشك فيه؛ ولم يقل له رسول الله ﷺ إنى أشك فى كذا، وإنما كل ما فى الأمر، سؤال عما حدث له، وإخبار منه ﷺ لهذا الحدث.
стр. 332
وما كان من جواب ورقة لرسول الله ﷺ إلا بيان بأن ما رآه هو أمين وحى الله تعالى الذى أنزل على موسى ﵇، وهنا ازداد رسول الله ﷺ نوراً إلى نور يقينه، لما يعلمه من مكانه ورقة فى العلم والمعرفة بما فى التوراة والإنجيل من المبشرات ببعث رسول الله قد أظل الحياة مخرجه.
فهل فى طلب عين اليقين استنكار؟! لاسيما وأن النبوة، من المغيبات تبقى فيها أمور تتردد النفس فى تفاصيلها، ولا يكون هذا التردد فى المتعلقات التى لا تدخل فى الإيمان، ألا ترى إلى قوله تعالى فى سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحيائه للموتى ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) أى الإيمان حاصل بالمرة، ولكن إحيائك غيب، فأريد أن أرى الغائب شاهداً لأزيل به ما يبقى فى الغيب، وسماه طمأنينة، وبالتالى سؤاله ﵇ لم يخالف إيمانه، بل أكده.
стр. 333
وكذلك الحال مع ذهاب رسول الله ﷺ إلى ورقة، كل ما فيه طلب عين اليقين؛ ولا يعنى ذهابه أنه شك فى نبوته عما يزعم الرافضة، بدليل أن رسول الله ﷺ لم يعقب على كلام ورقة إلا بقوله: "أو مخرجى هم؟ " ولم يعقب ﷺ على قوله "هذا الناموس الذى أنزل على موسى" لأنه ﷺ كان على يقين بأنه مَلَك من عند ربه ، نزل عليه بوحى الله تعالى، فلم يزده ﷺ هذا الجواب إلا يقيناً على يقينه، وإلا لو كان فى شك – لجاء – ما يشير إلى ذلك، تعقيباً واستفسار منه ﷺ لورقة، وإنما لم يعقب ولم يستفسر ﷺ عن ذلك ليقينه بذلك، وإنما جاء التعقيب والاستفسار على قول ورقة "ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك" ففى هذا الكلام شئ جديد على رسول الله ﷺ ، فيستفسر "أو مخرجى هم" وكأنه ﵊ يقول: كيف يخرجونى، وأنا جئت لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكيف يخرجونى من حرم الله، وجوار بيته، وبلدة آبائى من عهد إسماعيل ﵇؟.
فيأتى الجواب من ورقة: نعم! أى هم مخرجوك، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ولعل حكمة المولى اقتضت أن تكون ما أخذت رسول الله ﷺ من المخافة، وما غشيته من الخشية والرهبة كلها ألقيت عليه تكويناً، ليرجع إلى من جعلها الله سكناً، وترجع به إلى ورقة، فيشيع خبر نبوته من قبلهم... ويصير بهذا الطريق دليلاً محكماً على أن محمداً ﷺ نبى صادق، حتى شهد به شاهد من أهله، (خديجة) وشهد به ورقة الذى كان يعرف حال الأنبياء، ليكون حجة على أهل الكتاب، وعلى المشركين الذين يقدرون علم ومكانه ورقة بالمبشرات.
стр. 334
وهكذا يقدر المولى لأنبيائه ورسله أموراً، ويلقيها عليهم تكويناً لمصالح لا يعلمها إلا هو (١) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 335
المطلب الثالث: شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم "
والرد عليها
... روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) .
... هذا الحديث طعن فيه أعداء السنة والسيرة قديماً من أهل الأهواء والبدع، وزعموا أن فيه طعناً فى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢) وتابعهم حديثاً أذيالهم إذا يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: "إن الظاهر من قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ثبوت الشك لرسول الله ﷺ ، ولسائر الأنبياء، وأنهم جميعاً أولى به من إبراهيم، ولو فرض عدم إرادة الأنبياء جميعاً فإرادة رسول الله ﷺ مما لابد منها...، والحديث نص صريح فى أنه أولى بالشك" (٣) .
... ويجاب عن ما سبق بما يلى:
стр. 336
أولاً: إجماع الأمة على عصمة أنبياء الله ورسله، من الكفر والشرك، والشك، ومن تسلط الشيطان عليهم، وأن تلك العصمة صفة أساسية فيهم، وشرطاً ضرورياً من شروط الرسالة، كما أنها جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله به، حتى يبلغوا رسالة ربهم إلى أقوامهم، وقد سبق تفصيل ذلك فى حقه ﷺ من خلال القرآن والسنة (١) .
ثانياً: اتفاق علماء المسلمين على أن ظاهر الشك فى قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس مراداً، كما أنه ليس فى ظاهر هذا القول اعتراف بالشك، بل نفيه عن نفسه ﷺ ، وعن إبراهيم وسائر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق واحد منهم يجور فى حق الجميع.
...
يقول الحافظ ابن كثير: قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف (٢) .
وقال الإمام على القارى (٣) : "ليس فى قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" اعترافاً منه بالشك لهما، بل نفى لأن يكون إبراهيم ﵇ شك" (٤) .
стр. 337
ثالثاً: إن سبب قوله ﷺ "نحن أحق بالشك من إبراهيم" على ما جاء فى الحديث ما ذكره ﷺ من قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رب أرنى كيف تحى الموت قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) وهذه الآية وما بعدها قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فأراد ﷺ نفى هذا الشك عن سيدنا إبراهيم، وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا به ﵇.
... ويؤكد ذلك أنه ليس فى سؤال سيدنا إبراهيم ﵇ ما يدل على أنه شك، إذ السؤال وقع بـ "كيف" الدالة على حال شئ موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟ فكيف فى الآية، سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر لدى سيدنا إبراهيم ﵇ (٢) وهو ما شهد به رب العزة لسيدنا إبراهيم رداً على سؤاله، بقوله : "أولم تؤمن" والاستفهام هنا تقريرى للمنفى، وهو الشك، كأنه قال له: ألست مؤمناً بالبعث؟ فكان جوابه ﵇ بـ "بلى" لإثبات المنفى وهو الشك، والمعنى: أنا مؤمن بالبعث كما علمت ما فى قلبى، لكننى أريد أن يطمئن قلبى برؤية الكيفية فقط، واعتبر بذلك.
... فما شك إبراهيم ﵇، ولم يكن لديه أى شبهة فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، إذ لم يقل لله تعالى: أتستطيع أن تحى الموتى؟ وإنما أراد أن يرى الهيئة، كما أننا لا نشك فى وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، ورسول الله ﷺ ، ثم يرغب من لم يرى ذلك منا، فى أن يرى كل ذلك، ولا يشك فى أنه حق، لكن ليرى العجب الذى يتمثله فى نفسه، ولم تقع عليه حاسة بصره قط (٣) .
стр. 338
.. فواضح فى السؤال والجواب، أنه ﵇، لم يسأل لشك أو شبهة أو تردد وهذا ظاهر من سؤاله، إذ لم يقل لله تعالى: "هل تقدر أن تحى الموتى، أم لا تقدر؟.
... وهذا يشبه قولك لرسام كبير: دعنى أنظر إليك وأنت ترسم لوحة، أو لخطاط فنان: خط أمامى لكى أرى كيف تخط مثل هذه الخطوط الجميلة.
... فليس فى مثل هذا الطلب أى ناحية تعجيزية، بل هو تعبير عن الافتنان بفنه الجميل، واعتراف به، ولهفة على رؤية دقائق فنه، وسعادة كبيرة فى تأمل كيفية ظهور لوحة رائعة، مرحلة مرحلة. أجل: فالسؤال كان حول كيفية الإحياء، وليس حول إمكانيته أو عدم إمكانيته" (١) .
... قلت: وكيف يشك من وصفه ربه فى كتابه بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (٣) والرشد، والإيقان، اسمى مراتب العلم الذى لا يصح معه شك أو حتى شبهة!.
... وكيف يصح الشك، وقد وصفه ربه تعالى بقوله: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ (٤) فبين رب العزة كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد به، أنه كان سليماً من الشك، وخالصاً للمعرفة واليقين، ثم ذكر المولى ، أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال تعالى: ﴿ماذا تعبدون. أإفكاً آلهة دون الله تريدون﴾ (٥) فسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل، ثم قال سبحانه: ﴿فما ظنكم برب العالمين﴾ (٦) وهذا قول عارف بالله تعالى غير شاك!.
... فكيف يكون قوله ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ (٧) شك فى البعث وإحياء الموتى؟!.
الحديث حجة لنا لا علينا:
стр. 339
.. ومن هنا كان قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" حجة لنا إذ فيه نفى للشك عن سيدنا إبراهيم ﵇، وعن نفسه ﷺ ، وهذا من أحسن الأقوال وأصحها وأرجحها عندى فى معنى قوله ﷺ ، "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فكأنه ﷺ يقول: إن الشك مستحيل فى حق إبراهيم ﵇، فإن الشك فى إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، لأن ما يجوز فى حق واحد من الأنبياء يجوز فى حقهم جميعهم، وقد علمتم أنى لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك!.
أو أراد ﷺ بقوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أن يقول: إن هذا الذى تظنونه شكاً، أنا أولى به، ولكنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين.
... وهذا الكلام مما جرت به العادة فى المخاطبة، لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئاً، قال: مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لى، ومقصوده ﷺ لا تقل ذلك.
... وإنما خص إبراهيم ﵇، لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة، منها احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم ﵇ على نفسه ﷺ ، تواضعاً وأدباً، أو قبل أن يعلم ﷺ أنه خير وسيد ولد آدم ﵇ (١) .
... هذا: وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لكنها أقوال ضعيفة (٢) ومن هنا اقتصرت على ذكر ما سبق منها، لكونها أصحها، وأوضحها، وأرجحها أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
стр. 340
المطلب الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله ﷺ "
والرد عليها
... روى البخارى ومسلم: عن عائشة رضى الله عنها قالت: "سحر رسول الله ﷺ يهودى من يهود بنى زُريق، يقال له: لبيد بن الأعصم (١) قالت: حتى كان رسول الله ﷺ ، يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا. ثم دعا. ثم قال: يا عائشة! أَشَعَرْتِ أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه؟ جاءنى رجلان (٢) فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى، للذى عند رجلى، أو الذى عند رجلى، للذى عند رأسى: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب (٣) قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم قال فى أى شئ؟ قال فى مشط (٤) ومشاطة (٥) قال: وجب (٦) طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: فى بئر ذى أروان (٧) قالت: فأتاها رسول الله -
стр. 341
صلى الله عليه وسلم - فى أناس من أصحابه، ثم قال: يا عائشة! والله! لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين، قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا أحرقته؟ (١) قال: لا. أما أنا فقد عافانى الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت (٢) .
... أنكر هذا الحديث بعض المبتدعة قديماً على ما حكاه عنهم غير واحد من الأئمة قال الإمام النووى: "وقد أنكر بعد المبتدعة هذا الحديث بسبب أنه يحط من مقام النبوة وشرفها، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع" (٣) وتابع المبتدعة طعناً فى الحديث أذيالهم من الرافضة، ودعاة اللادينية.
стр. 342
.. يقول أحمد صبحى منصور: "اتهام الرسول بالسحر أو بأن بعضهم سحره فيه تشكيك فى الرسالة، وطعن فى الدين (١) ويفقد المصداقية فى أى قول أو فعل يصدر منه، ومنه يدخل باب الشك فى الإسلام جملة وتفصيلاً، ويتعارض مع قوله تعالى: ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ (٢) .
стр. 343
.. ويقول صالح الوردانى (١) : "وتأتى قضية السحر لتؤكد لنا مدى هامشية شخصية الرسول ﷺ فى نظر أهل السنة، ومدى إهمال الوحي له، حتى أن بعض السحرة يسحرونه ويسيطرون عليه، فيفعل الشئ ولا يفعله، أو يتخيل فعل الشئ، وهذا يعنى أن الساحر قد هيمن على الرسول نفسياً، ومن الممكن أن يقول على لسانه ما يشاء. ومرة أخرى يطرح السؤال: أين دور الوحي..." (٢) .
стр. 344
.. وتأثر بتلك الطعون من علماء المسلمين الإمام محمد عبده (١) وتابعه على ذلك من سار على طريقته من علماء المسلمين، وقال بقولهم بعض أدعياء العلم.
стр. 345
.. قال الإمام محمد عبده ﵀: "نعلم أن البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله، وأنا لا أشك أن البخارى سمع هذا من أساتذته، والبخارى يشترط فى أحاديثه المعاصرة واللقاء، إلا أننى أرى أن هذا لم يحدث مع النبى ﷺ ، وإن كان قد دس من الإسرائيليات إلى مشايخ البخارى الذين أخذ منهم، وإلا فإننا إن قد صدقنا أن النبى ﷺ ، قد سحر فقد صدقنا كلام الظالمين الذى حكاه القرآن عنهم، ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا﴾ (١) وإن صدقنا أن النبى ﷺ قد سحر، فقد كذبنا الله القائل فى كتابه الحكيم: ﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾ (٢) وقال : ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا﴾ (٣) ثم قال: وأما الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن المظنون على أى حال، فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى ﷺ فى عقله – كما زعموا – جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً، وهو لم يبلغه، أو أن شيئاً نزل عليه، وهو لم ينزل عليه، والأمر هنا ظاهر لا يحتاج إلى بيان. ثم ختم كلامه قائلاً: أحب أن أكذب البخارى، من أن أنسب إلى رسول الله ﷺ ، أنه سحر" (٤) .
ويجاب عن الشبه السابقة بما يلى:
стр. 346
أولاً: إن الحديث صحيح، وثابت بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله فقد رواه الشيخان فى صحيحهما، ولا يصح لنا أن نقول بصدق البخارى ثم نكذب شيوخه، فإن ما يجرى على شيوخه، يجرى عليه، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى وروايته، اعتماداً على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد، ولو أننا سلمنا جدلاً بصدق معطيات العقل، لأتينا على كثير من السنة، بل وعلى كثير من آيات القرآن الكريم نفسه (١) .
ثانياً: قول الإسناد الإمام: بأن الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، لأنها لا تفيد إلا الظن، قول غير صحيح، لأن الحق الذى ترجحه الأدلة الصحيحة، أن الحديث الصحيح، مقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقينى النظرى، سواء كان فى أحد الصحيحين أم فى غيرهما، وهذا العلم اليقينى نظرى برهانى، لا يحصل إلا للعالم المتجر فى الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل، المميز بين صحيحه وسقيمه، وغثه وثمينه، وأصيله ودخيله، أما من ليس من أهل هذا الشأن، فإن هذه القرائن ولو كثرت، لا تفيدهم علماً، فمثلهم لا يعتد به فى هذا المقام، ولا تبنى عليه هنا الأحكام (٢) .
... هذا مع العلم بأن التفرقة بين العقائد والأحكام فى العمل بخبر الواحد، لا تعرف عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما تعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم.
стр. 347
.. يقول الإمام ابن دحية (١) : "وعلى قبول خبر الواحد الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين، وجماعة أهل السنة، يؤمنون بخبر الواحد، ويدينون به فى الاعتقادات" (٢) .
стр. 348
ثالثاً: قول الأستاذ الإمام عن حديث السحر: وعلى أى حال، فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل. فهذا كلام خطير جداً يفتح ثغرة ضد الثابت الصحيح من السنة، كما يفتح مجالاً لقالة السوء فى الصدام بين الكتاب والسنة، والأمر ليس كذلك، بينما حدد لنا رسول الله ﷺ فى حديثه الصحيح: "إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ " (١) كما أن الأستاذ الإمام بجعله الأخذ بالكتاب، وبدليل العقل فقط، ترك فرصة للهجوم عليه، مما دفع تلميذه محمد رشيد رضا (٢)
стр. 349
إلى القول: بأن الأستاذ الإمام كان ضعيفاً فى الحديث، كما أنه وحتى الآن محل نقد من رجال السنة، مما جرهم إلى التهجم عليه، وعلى أفكاره، بينما أبان هو عن هدفه من ذلك وجعله محدداً فى قوله: "وقد قال الكثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة، ولا ما يجب لها، أن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فليزم الاعتقاد به".
... ويبدو أن الأستاذ الإمام قد أبدى بعض التراجع عن هذه الفكرة عندما قال: "ثم إن نفى السحر عنه لا يستلزم نفى السحر مطلقاً" مع أنه قد أقر سابقاً بأن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية، يعرفها بعض الناس، ويجهلها الأكثرون... إلى أن قال: أن السحر يتلقى بالتعليم، ويتكرر بالعمل فهو أمر عادى قطعاً بخلاف المعجزة، ثم يجعل بعد ذلك نفى السحر بالمرة ليس بدعة، لأن الله تعالى لم يذكره ضمن آية ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (١) ويجعل سحر سحرة فرعون ضرباً من الحيلة ويستدل بقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (٢) وما قال أنها تسعى بسحرهم.
... مع أن أقوى دليل يمكن أن ترد به على الأستاذ الإمام قوله تعالى: ﴿قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾ (٣) فكيف غاب عن الأستاذ الإمام النظر فى هذه الآية، وكيف كان يمكن له أن يفسرها على خلاف ما هى عليه من إثبات حقيقة السحر لا كونه تخييلاً أو وهماً.
... وهل يأمر رب العزة بالاستعاذة من وهم وتخيل فى قوله: ﴿ومن شر النفاثات فى العقد﴾ ؟ (٤) وهو يعنى بالنفاثات السواحر إذا رقين ونفثن فى العقد؟ (٥) .
стр. 350
.. أما الحديث فقد ثبت فى صحيح البخارى، وهو مرجع أساسى للسنة، فلو شككنا فى حجية الثابت فى البخارى، فكيف يقبل الناس بعد ذلك حديثاً ورد فى كتب الصحاح أو فى رواية عن غير البخارى؟!.
... وما دفع الأستاذ الإمام من عاطفة تنزيه مقام النبوة أو محاولة إظهار الإسلام بمظهر لا يكون فيه موضع اتهام من أعداء الإسلام، أو محاربة السحر كخرافة، بعد أن توسع الناس فى عمل أشياء تتنافى مع عظمة الإسلام، وإنكاره لمظاهر الكهانة والسحر والشعوذة.
... وهذه إن جاز أن تكون دوافع الأستاذ الإمام فلا يجوز أن تكون بحيث تصادم الثابت الصحيح، وهو الذى كثيراً ما وقف عند الثابت عن المعصوم ﷺ لا يتعداه، ولا يحاول تأويله، ويسلم به تسليم معتقد لما جاء به، حيث لا مجال للعقل فيه.
... ثم ما هو الدافع؛ لأن يتأثر الأستاذ الإمام بالمعتزلة فى ذلك، ويحاكى رأيهم، وهو الذى كثيراً ما نعى على التقليد والمقلدين، وكان أولى به أن يأخذ برأى الإمام ابن قيم الجوزية، عندما قال فى هذا الشأن: "وأما قولكم أن سحر الأنبياء ينافى حماية الله لهم، قيل لكم: إنه سبحانه كما يحميهم، ويصونهم، ويحفظهم، ويتولاهم، يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم، ليستوجبوا كمال كرامته، وليتأسى بهم من بعدهم من أممهم، إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا، ورضوا، وتأسوا بهم" (١) .
... ومن أجل ذلك أثبت علماء الإسلام هذا الحديث، وأوجدوا له مخرجاً يتفق مع سلامة النسبة إليه، ومع مكانة النبوة، وعصمته ﷺ ، فقالوا:
стр. 351
أولاً: الزعم بأن الحديث يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، وفى عصمة الأنبياء، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل (١) .
ثانياً: أن سحر الرسول ﷺ ، يرفع من مقام النبوة وشرفها، ولا يحط من شأنها، ولا يتعارض مع عصمته ﷺ ، فالرسول ﷺ لم يكن معصوماً من الأمراض، فلقد كان يأكل، ويشرب، ويمرض، كما قالت عائشة رضى الله عنها "إن رسول الله ﷺ كان رجلاً مسقاماً، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم" (٢) وكانت تجرى عليه كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وليس فى السحر على الهيئة الواردة ما ينقص من قدره وعصمته كإمام لسائر الأنبياء والمرسلين، مادام السحر على قواه البدنية (٣) .
... قال القاضى عياض: "وقد جاءت راويات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث: "حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن" ويروى: "يخيل إليه" بالمضارع كلها: أى يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور.
стр. 352
.. قلت: وهذا مثل ما يعترى الرجل السليم قوى البدن، المحطم للأرقام القياسية فى رفع الأثقال، يظن تحطيم رقم قياسى أعلى، وعند محاولة الرفع لا يستطيع، ومثل ذلك أيضاً الإنسان فى حالة النقاهة من المرض، يظن أن به قدرة على الحركة، وعندما يهم بذلك لا تحتمله قدماه.
... قال القاضى عياض: وكل ما جاء فى الروايات من أنه يخيل إليه فعل الشئ ولم يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبساً على تبليغه أو شريعته، أو يقدح فى صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا (١) فلا مطعن لأهل الضلالة" (٢) ثم إنه لم يثبت، بل ولم يرد أنه ﷺ تكلم بكلمة واحدة فى أثناء مدة السحر تدل على اختلال عقله ﷺ ، ولا أنه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر به، ومن نفى فعليه بالدليل ولا دليل (٣) وكل هذا يوضح كيف أخطأ خصوم السنة والسيرة العطرة فى تفسير السحر، وأنه أثر على عقله ﷺ عصمه الله من ذلك.
стр. 353
ثالثاً: أن عصمة الرسول ﷺ الواردة فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) العصمة هنا المراد بها عصمته ﷺ من القتل، والاغتيال، والمكائد المهلكة، فضلاً عن عصمته من الغواية، والهوى، والضلال، وعدم الوقوع فى المعاصى والمنكرات، ولا يدخل فى العصمة هنا عصمته من الأمراض كما سبق أن ذكرت، بل الأنبياء جميعاً غير معصومين من المرض غير المنفر، فهم جميعاً تجرى عليهم كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وعلى ذلك فالآية ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها ما استطاع أحد أن يخطئ فى حقه ﷺ ، ولا أن يناله بأذى، وهاهم يخطئون فى حقه ﷺ كثيراً، بوصفه بالجنون والكهانة، والسحر، وينالون منه فى المعارك بكسر رباعيته، وشج رأسه، وهذا يدل على أن الآية فى عصمته من القتل، والغواية، والضلال، ولا تعارض بينهما وبين شخص يسحره (٢) .
رابعاً: أن القول بأن الحديث معارض للقرآن الكريم، ويصدق المشركين فى قولهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ (٣) مردود بأن المشركين كانوا يقولون إن محمداً بشر، وأنه فقير، وأنه لا يعلم الغيب، فهل نكذبهم فى ذلك؟!. ...
стр. 354
ثم إننا نعلم يقيناً، أن الكفار لا يريدون بقولهم هذا، أن يثبتوا لرسول الله ﷺ ما أثبته هذا الحديث، وهو أن فلاناً من اليهود سحره بضعة أيام، فأدركه شئ من التغير، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشئ، وهو لا يفعله، ثم أن الله شفاه من ذلك، هم لا يريدون هذا، بل يريدون أن ما يصدر عن رسول الله ﷺ ، إنما يصدر عن خيال وجنون، وأنه لم يوح إليه شئ، فإذا آمنا بما دل عليه الحديث لم نكن مصدقين للمشركين فى دعواهم، فمفهوم الحديث شئ، ودعواهم شئ آخر.
خامساً: زعمهم أن السحر من عمل الشياطين، وصنع النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن بعبادة الله كالأنبياء، فليس للشيطان، ولا للشريرين عليهم من سلطان، قال تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ (١) .
стр. 355
.. هذا الزعم مردود عليهم بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تثبت تعرض الشيطان للأنبياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله بعدم تمكنه من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين، وتأمل قوله تعالى: فى حق سيدنا أيوب ﵇ ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقوله سبحانه فى حق سيدنا آدم وزوجته: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) ومن هنا لا يلزم من وقوع السحر فى حق الأنبياء، إضلالهم وإغوائهم، فإن ذلك ظن فاسد، وتأمل قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس فى نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألقى ما فى يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ (٣) فقد صرحت الآيات بأن سحر أولئك السحار، قد أوقع نبى الله موسى فى التخييل، حتى تغيرت أمامه الحقائق، فحسب الحبال حيات، والساكنات متحركات، وعندما أوجس فى نفسه من ذلك خيفة، كانت عصمة ربه له بالوحي إليه بعدم الخوف لأنه رسول الله حقاً، وعليه إلقاء ما فى يمينه يعنى عصاه فإذا هى ﴿تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ فتأمل ما فى الآيات من إثبات السحر للأنبياء مع عصمتهم من آثاره المضرة بدعوتهم.