أولاً: الزعم بأن الحديث يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، وفى عصمة الأنبياء، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل (١) .
ثانياً: أن سحر الرسول ﷺ ، يرفع من مقام النبوة وشرفها، ولا يحط من شأنها، ولا يتعارض مع عصمته ﷺ ، فالرسول ﷺ لم يكن معصوماً من الأمراض، فلقد كان يأكل، ويشرب، ويمرض، كما قالت عائشة رضى الله عنها "إن رسول الله ﷺ كان رجلاً مسقاماً، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم" (٢) وكانت تجرى عليه كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وليس فى السحر على الهيئة الواردة ما ينقص من قدره وعصمته كإمام لسائر الأنبياء والمرسلين، مادام السحر على قواه البدنية (٣) .
... قال القاضى عياض: "وقد جاءت راويات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث: "حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن" ويروى: "يخيل إليه" بالمضارع كلها: أى يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور.
стр. 352
.. قلت: وهذا مثل ما يعترى الرجل السليم قوى البدن، المحطم للأرقام القياسية فى رفع الأثقال، يظن تحطيم رقم قياسى أعلى، وعند محاولة الرفع لا يستطيع، ومثل ذلك أيضاً الإنسان فى حالة النقاهة من المرض، يظن أن به قدرة على الحركة، وعندما يهم بذلك لا تحتمله قدماه.
... قال القاضى عياض: وكل ما جاء فى الروايات من أنه يخيل إليه فعل الشئ ولم يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبساً على تبليغه أو شريعته، أو يقدح فى صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا (١) فلا مطعن لأهل الضلالة" (٢) ثم إنه لم يثبت، بل ولم يرد أنه ﷺ تكلم بكلمة واحدة فى أثناء مدة السحر تدل على اختلال عقله ﷺ ، ولا أنه قال قولاً فكان بخلاف ما أخبر به، ومن نفى فعليه بالدليل ولا دليل (٣) وكل هذا يوضح كيف أخطأ خصوم السنة والسيرة العطرة فى تفسير السحر، وأنه أثر على عقله ﷺ عصمه الله من ذلك.
стр. 353
ثالثاً: أن عصمة الرسول ﷺ الواردة فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) العصمة هنا المراد بها عصمته ﷺ من القتل، والاغتيال، والمكائد المهلكة، فضلاً عن عصمته من الغواية، والهوى، والضلال، وعدم الوقوع فى المعاصى والمنكرات، ولا يدخل فى العصمة هنا عصمته من الأمراض كما سبق أن ذكرت، بل الأنبياء جميعاً غير معصومين من المرض غير المنفر، فهم جميعاً تجرى عليهم كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وعلى ذلك فالآية ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها ما استطاع أحد أن يخطئ فى حقه ﷺ ، ولا أن يناله بأذى، وهاهم يخطئون فى حقه ﷺ كثيراً، بوصفه بالجنون والكهانة، والسحر، وينالون منه فى المعارك بكسر رباعيته، وشج رأسه، وهذا يدل على أن الآية فى عصمته من القتل، والغواية، والضلال، ولا تعارض بينهما وبين شخص يسحره (٢) .
رابعاً: أن القول بأن الحديث معارض للقرآن الكريم، ويصدق المشركين فى قولهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ (٣) مردود بأن المشركين كانوا يقولون إن محمداً بشر، وأنه فقير، وأنه لا يعلم الغيب، فهل نكذبهم فى ذلك؟!. ...
стр. 354
ثم إننا نعلم يقيناً، أن الكفار لا يريدون بقولهم هذا، أن يثبتوا لرسول الله ﷺ ما أثبته هذا الحديث، وهو أن فلاناً من اليهود سحره بضعة أيام، فأدركه شئ من التغير، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشئ، وهو لا يفعله، ثم أن الله شفاه من ذلك، هم لا يريدون هذا، بل يريدون أن ما يصدر عن رسول الله ﷺ ، إنما يصدر عن خيال وجنون، وأنه لم يوح إليه شئ، فإذا آمنا بما دل عليه الحديث لم نكن مصدقين للمشركين فى دعواهم، فمفهوم الحديث شئ، ودعواهم شئ آخر.
خامساً: زعمهم أن السحر من عمل الشياطين، وصنع النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن بعبادة الله كالأنبياء، فليس للشيطان، ولا للشريرين عليهم من سلطان، قال تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ (١) .
стр. 355
.. هذا الزعم مردود عليهم بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تثبت تعرض الشيطان للأنبياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله بعدم تمكنه من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين، وتأمل قوله تعالى: فى حق سيدنا أيوب ﵇ ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقوله سبحانه فى حق سيدنا آدم وزوجته: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) ومن هنا لا يلزم من وقوع السحر فى حق الأنبياء، إضلالهم وإغوائهم، فإن ذلك ظن فاسد، وتأمل قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس فى نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألقى ما فى يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ (٣) فقد صرحت الآيات بأن سحر أولئك السحار، قد أوقع نبى الله موسى فى التخييل، حتى تغيرت أمامه الحقائق، فحسب الحبال حيات، والساكنات متحركات، وعندما أوجس فى نفسه من ذلك خيفة، كانت عصمة ربه له بالوحي إليه بعدم الخوف لأنه رسول الله حقاً، وعليه إلقاء ما فى يمينه يعنى عصاه فإذا هى ﴿تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ فتأمل ما فى الآيات من إثبات السحر للأنبياء مع عصمتهم من آثاره المضرة بدعوتهم.
стр. 356
.. وهكذا يتضح أن الحديث لا يتعارض مع أى آية من القرآن الكريم، بل آيات القرآن الكريم تؤيده نحو قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات فى العقد. ومن شر حاسد إذا حسد﴾ (١) فهذه السورة وسورة الناس، واللتين تسميان بالمعوذتين، نزلتا فى قصة سحره ﷺ ، كما جاء من حديث ابن عباس (٢) ومن حديث عائشة أيضاً ففيه من الزيادة أنه "وجد فى الطلعة تمثالاً من شمع، تمثال رسول الله ﷺ وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألماً، ثم يجد بعدها راحة" (٣) حتى قام رسول الله ﷺ ، كأنما نشط من عقال، أى من حبل كان مربوطاً به.
... وهنا قد يرد سؤال: إذا كانت عصمة الله وعنايته أحاطت رسول الله ﷺ فلم أثر فيه السحر؟.
... والجواب: لتتعلم الأمة كيف تعالج نفسها من السحر، إذا وقع لواحد من أبنائها شئ من السحر، وهو علاج من أربعة أمور وردت فى الحديث:
стр. 357
الأول: الصبر على البلاء، ابتغاء الأجر والمثوبة الواردة فى قوله ﷺ : "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (١) وكذلك الأنبياء يبتلون ابتغاء أجر البلاء وهو فى حقهم لرفعة درجاتهم، وإظهاراً لشرفهم، كما قال : ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ (٢) وفى الحديث عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءاً قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة" (٣) ومن هنا صبر رسول الله ﷺ على سحره يحتسب أجر ذلك عند الله تعالى.
الثانى: كثرة الدعاء، ففى الحديث الذى معنا صبر ﷺ فترة، ثم دعا، ودعا، ودعا. وفى هذا تعليم للأمة، أنه للمبتلى منها عليه بكثرة الدعاء، فإنه ببركة الدعاء، يفرج الله عنه ما هو فيه، قال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ (٤) وقال ﷺ : "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (٥) .
стр. 358
الثالث: الرقية، وذلك بقراءة سورتى ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ (١) ففى بعض روايات هذا الحديث على ما سبق قريباً أنه ﷺ ، رقى بهاتين السورتين، وكلما رقى بآية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، وشفى بفضل الله تماماً.
... وفى سورتى الفلق والناس واللتين تسميان بالمعوذتين، فيهما يقول ﷺ : "ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما" (٢) .
الرابع: النشرة (٣) وهى مباحة، وهذه الإباحة مستفادة من قول عائشة رضى الله عنها: "هلا تنشرت" ولم ينكر عليها ﷺ قولها.
... وذكر الإمام البخارى عن سعيد بن المسيب (٤) بأنه سئل عن النشرة للذى يؤخذ عن أهله، فقال: لا بأس! لم ينه عن الصلاح، إنما نهى عن الفساد، ومن استطاع ان ينفع أخاه فليفعل (٥) .
стр. 359
.. ومن الناس من كره النشرة على العموم، ونزع بحديث خرجه أبو داود مرفوعاً "هو من عمل الشيطان" (١) .
... قال الحافظ ابن حجر: "ويجاب عن الحديث، بأنه إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيراً كان خيراً، وإلا فهو شر" (٢) وقال الإمام السهيلى: النشرة من عمل الشيطان، هذا والله أعلم فى النشرة التى فيها الخواتم والعزائم، وما لا يفهم من الأسماء العجمية (٣) .
... وبعد: فإن حديث سحر رسول الله ﷺ ، لا يتعارض مع عصمته ﷺ ولا يشكك فى النبوة، كما أنه لا يمثل ثغره فى السنة والسيرة العطرة، وإنما يمثل نقطة مشرقة، إنه سحر، لكنه لم يخرج عن دائرة الصواب، بل كان فى أعلى درجات الاستقامة والهداية، وهذا يدل على أن السحر لم يؤثر فى قواه ﷺ العقلية، ولا فى درجته الإيمانية، وإنما كان مؤثراً فى أداء الجسم، وهذا لا علاقة له بالرسالة والوحي، والعصمة، ومع أنه أمر جسدى، فإن الرعاية الإلهية قد شملته، وتولاه الله بالحفظ، وسلمه سبحانه وشفاه، بعد أن أطلعه على المكيدة التى صنعها له لبيد بن الأعصم فى السحر، فذهب إلى حيث قد طوى الرجل أمشاطه، وأسباب سحره، فأبطل ﷺ كل ذلك.
стр. 360
.. وهكذا فأنت ترى أن هذا الحديث دليل إكرام وعصمة من الله لرسوله ﷺ أكثر من كونه دليل أذى قد أصابه فى جسمه، أو أى جانب يتعلق ببشريته (١) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 361
المطلب الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "أَهَجَرَ "
والرد عليها"
... روى البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لما حضر رسول الله ﷺ ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى ﷺ : "هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ ، قال ﵊: قوموا، وكان ابن عباس يقول: إنا الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم" (١)
стр. 362
٠
... هذا الحديث طعن فيه الرافضة، بما جاء فى بعض رواياته من قول بعض الحاضرين "أهجر" وزعموا كذباً نسبة هذه اللفظة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأنه بقوله "أهجر" ورفعه شعار "حسبنا كتاب الله" تجاوز حد الأدب مع رسول الله ﷺ ، وطعن فى شخصه الكريم، واتهامه بالتخريف والهذيان، كما زعموا أن تبرير الفقهاء لموقف عمر تشويه لرسول الله ﷺ ، وحط من قدره وشخصه، ومكانته العالية، ومساس بعصمته ورسالته (١) .
стр. 363
.. يقول: أحمد حسين يعقوب (١) : "أول من اتهم رسول الله ﷺ بالهجر، ورفع بوجهه شعار "حسبنا كتاب الله" هو عمر بن الخطاب، حيث حضر هو وثلة من حزبه ليطمئنوا على الوضع الصحى لرسول الله، ومن المؤكد أن شخصاً ما أخبر عمر بأن الرسول سوف يكتب وصية تلك الليلة، فأحضر عمر عدداً كبيراً من حزبه ليحول بين الرسول، وبين كتابة وصيته كما أقر عمر بذلك. وما أن قال الرسول: "قربوا كتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً" حتى تصدى له عمر بن الخطاب، فقال فوراً دون أن يسأل عن مضمون الكتاب: "حسبنا كتاب الله، إن رسول الله قد هجر" وبدون تروى صاح الحاضرون من حزب عمر فقالوا: القول ما قاله عمر!! إن رسول الله يهجر، واستغرب الحاضرون من غير حزب عمر، وصعقوا من هول ما سمعوا، فقال عفوياً: قربوا يكتب لكم رسول الله، وكان الحاضرون من حزب عمر يشكلون الأكثرية، لأنهم أعدوا للأمر عدته فصاح عمر وأعوانه: "حسبنا كتاب الله إن الرسول يهجر" واختلف الفريقان وتنازعوا، وصدم عمر وحزبه خاطر النبى، فقال النبى للجميع: "قوموا عنى، ولا ينبغى عندى التنازع، وما أنا فيه خير مما تدعونى إليه" ولقد أصاب ابن عباس عندما سمى ذلك اليوم بيوم الرزية!!! " (٢)
стр. 364
٠
... ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:
أولاً: نسبة القول بـ "أَهَجَر" إلى الفاروق عمر بن الخطاب، لا دليل عليه، إذ جميع روايات هذا الحديث تنفى هذه الكلمة إلى عمر رضى الله عنه. وإنما الذى جاء على لسان عمر فى جميع الروايات: قال ابن عباس: "فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله" (١) .
... أما لفظ "أَهَجَر" فجاءت جميع الروايات بنسبتها إلى بعض الحاضرين فى بيت رسول الله ﷺ دون تحديد لأشخاصهم، قال ابن عباس: "فقالوا ما شأنه؟ أهجر! استفهموه" (٢) .
... فأين إذن ما يزعمه الرافضة من نسبة هذه الكلمة إلى سيدنا عمر رضى الله عنه؟.
إنه لا وجود لهذه النسبة إلا فى أذهانهم المريضة، وقلوبهم الممتلئة حقداً على صحابة رسول الله ﷺ !!.
ثانياً: ليس فى كلمة "أهجر" ما يعارض عصمة رسول الله ﷺ فى عقله، وفى الوحي وتبليغ الرسالة، حال صحته، وحال مرضه يبين ذلك ضبط الكلمة المبين حقيقة المراد منها وهو سلب الهجر لا إثباته، وحاصل هذا الضبط فيما يلى:
стр. 365
أ- إثبات همزة الاستفهام، وبفتحات عليها، "أَهَجَرَ" على أنه فعل ماض، والكلمة فى هذه الحالة، على سبيل الاستفهام الإنكارى على من توقف فى امتثال أمره ﷺ ، بإحضار الكتف والدواة. فكأن قائلها قال: كيف تتوقف فى امتثال أمره ﷺ ، أتظن أنه ﷺ كغيره يقول الهذيان فى مرضه، امتثل أمره، وأحضره ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق.
... وهذا الضبط والمراد به، هو أحسن الأجوبة، وأرجحها عند الحافظ ابن حجر، والقرطبى فى توجيه هذه الكلمة (١) وهو ما أرجحه أيضاً.
ب- وضبطها بعضهم: "أهُجْراً" بضم الهاء، وسكون الجيم، والتنوين والكلمة فى هذه الحالة راجعة إلى المختلفين عند رسول الله ﷺ وقائلها خاطبهم بها، والمراد: جئتم باختلافكم عند رسول الله ﷺ ، وبين يديه هجراً ومنكراً من القول (٢) .
... وهذا الضبط الثانى والمراد به، تثبته الروايات، وما جاء فيها من كثرة لغطهم ولغوهم.
стр. 366
ثالثاً: اتفق العلماء على أنه لا يصح أن تكون هذه الكلمة "أهجر" إخباراً، لأن الهجر بالضم، ثم السكون، من الفحش أو الهذيان، والمراد به هنا: ما يقع من كلام المريض الذى لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته (١) . ووقوع ذلك من النبى ﷺ مستحيل فى حقه، لأنه معصوم فى صحته ومرضه، لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (٢) ولقوله ﷺ : "فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه (أى من فمه الشريف فى حال غضبه، ورضاه، وكذا صحته ومرضه) ، إلا حق" (٣) .
... وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى فى الحديث "هجر" أو "يهجر" (٤) وهى محمولة عند أهل العلم على وجهين:
الوجه الأول: حذف ألف الاستفهام، والتقدير أهجر؟.
... ويؤيد صحة هذا الحمل، أنه لو احتمل من بعض الصحابة أنه قال تلك الكلمة، إخباراً عن حال رسول الله ﷺ ، أو عن شك عرض له فى عصمة رسول الله ﷺ حال مرضه، لوجد من ينكره عليه من كبار الصحابة، بل من رسول الله ﷺ نفسه رداً عن عصمته، ولو ثبت الإنكار من الصحابة أو الرسول، لنقل إلينا، ولا نقل! وهو ما يؤكد صحة هذا المحمل.
стр. 367
الوجه الثانى: فى المراد بظاهر رواية "هجر" و"يهجر" هو حملها على ما جاء فى الرواية الثانية من قول الفاروق عمر: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع" ويكون قائل "هجر" أو "يهجر" لم يضبط لفظه، وأجرى الهجر، مجرى شدة الوجع، لأنه ينشأ منه، لا أنه اعتقد أنه ﷺ يجوز عليه الهجر، وإلا وجد من ينكر عليه كما سبق.
هذا وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه كلمة "هجر" و"يهجر" فاقتصرت على ما سبق لكونه أرجح عندى من غيره (١) .
... وعلى ما سبق فليس فى قول القائل "أَهَجَر" أياً كان قائلها، كما أنه ليس فى قول عمر رضى الله عنه: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع" ما يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ ، ولا ما يشوه شخصيته، ويحط من قدره كما يزعم الرافضة! لأن قائل "أهجر" أو "أهجراً" كان القول منه سلباً للهجر لا إثباته، وإنكاراً منه على من توقف فى امتثال أمره ﷺ ، وإنكاراً أيضاً على المختلفين بين يديه ﷺ ، وما أحدثوه بحضرته من لغط ولغو. ولو حملت الكلمة من قائلها، على الإخبار بحاله ﵊ لوجد من ينكر على قائلها، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ينكر ذلك، ولنقل إلينا، ولا نقل! مما يؤكد أن قائل "أهجر" قصد بها سلب الهجر عن رسول الله ﷺ ، لا إثباته كما يزعم الرافضة!.
رابعاً: اتفق قول العلماء – سوى الرافضة – على أن قول عمر "إن رسول الله، قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله" رد على من نازعه، لا على أمر النبى ﷺ .
стр. 368
.. كما أن العلماء عدو قوله: من قوة فقهه، ودقيق نظره، ومن موافقاته للوحى، قصد منه التخفيف عن رسول الله ﷺ ، حين رآه قد غلب عليه الوجع، وشدة الكرب، وقامت عنده قرينه بأن الذى أراد كتابته، ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل، لم يتركه ﵊، لأجل اختلافهم ولغطهم، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) .
... كما لم يترك ﷺ تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وفى تركه ﵊، الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه ﷺ رأيه (٢) .
... قلت: وهذا عندى من أقوى ما يتمسك به فى الرد على الرافضة ومن قال بقولهم، لأن ترك رسول الله ﷺ الإنكار على عمر، هو إقرار منه ﷺ بتصويب رأيه، ويأخذ هذا الإقرار حكم المرفوع المسند.
... ويؤيد صحة ما سبق، من صحة رأى عمر، وأن أمره ﷺ بالكتابة لم يكن على سبيل الوجوب، ما جاء فى نفس الحديث من وصيته ﵊ بثلاث قال: "اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم (٣) وسكت عن الثالثة أو قال الراوى: فنسيتها" (٤) .
стр. 369
.. فهذا يدل على أن الذى أراد أن يكتبه ﷺ ، لم يكن أمراً متحتماً، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه، لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله ، من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظاً، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.
... وقد عاش ﵊ بعد هذه المقالة أياماً، وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيحتمل أن مجموعها ما أراد أن يكتبه ويبعد مع كل هذا أن يكون أمره ﷺ بالكتابة على الوجوب ويتركه!.
كما يبعد كل البعد، بدليل ما سبق، ما يزعمه الرافضة من الوصية لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، بالخلافة من بعده ﵊، وزعمهم أن عمر رضى الله عنه، حال بين رسول الله، وبين كتابة تلك الوصية (١) .
стр. 370
.. قال الإمام المازرى (١) : "وإنما جاز للصاحبة الاختلاف فى هذا الكتاب، مع صريح أمره ﷺ لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه ﵊ قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر رضى الله عنه، على الامتناع، لما قام عنده من القرائن، بأنه ﷺ قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه ﷺ على الكتابة كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه ﷺ الكتابة إن كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضاً، وفيه حجة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد فى الشرعيات" (٢) وهو ما ينكره الرافضة على صحابة رسول الله ﷺ (٣) .
стр. 371
.. قلت: وفى كلا الحالتين العزم على الكتابة وتركها، سواء كان بالوحي، أو بالاجتهاد، فيه إقرار من رسول الله ﷺ لرأى عمر رضى الله عنه، فيأخذ حكم المرفوع المسند، وهو دليل على صحة موقف الصحابة رضى الله عنهم من اختلافهم فى الكتاب، مع صريح أمره ﷺ .
... قال الإمام القرطبى (١) : "واختلاف الصحابة رضى الله عنهم، فى هذا الكتاب كاختلافهم فى قوله ﷺ : "لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة" (٢) فتخوف ناس فوات الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف ﷺ أحد منهم، من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح" (٣) .
... وعلى ما سبق من اختلاف الصحابة رضى الله عنهم، فى فهم أمره ﷺ ، ثم إقراره ﷺ لهذا الاختلاف فى فهمهم لأمره، يرد على زعم الرافضة، ومن قال بقولهم، فى أن اختلاف الصحابة، فى أمر رسول الله ﷺ بالكتابة، سوء أدب منهم، مع رسول الله ﷺ !!.
стр. 372
.. لأنهم رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا يراجعونه ﷺ فى بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية، فى كتاب الصلح بينه وبين قريش (١) . فأما إذا أمر ﵊ بالشئ أمر عزيمة، ولا قرينة تصرفه عن ذلك، فلا يراجع فيه أحد منهم (٢) .
خامساً: زعم الرافضة أن فى قول عمر: "حسبنا كتاب الله" دعوى منه للاكتفاء به عن بيان السنة، زعم لا دليل عليه، لأن سيدنا عمر رضى الله عنه لم يرد بقوله هذا، الاكتفاء به عن بيان السنة المطهرة، بل قال ما قاله لما قام عنده من القرينة، على أن الذى أراد ﷺ كتابته مما يستغنى عنه، بما فى كتاب الله ، لقوله تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شئ﴾ (٣) حيث لا تقع واقعة إلى يوم القيامة، إلا وفى الكتاب، أو السنة بيانها نصاً أو دلالة.
стр. 373
.. وفى تكلف النبى ﷺ فى مرضه من شدة وجعه، كتابة ذلك مشقة ومن هنا رأى عمر، الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصاً أو دلالة تخفيفاً عليه ﷺ ، ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر" (١) .
... وهذا دليل على أنه ﷺ وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر رضى الله عنه الصواب تركهم على هذه الجملة، لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، مع التخفيف عن رسول الله ﷺ ، وفى تركه ﵊ الإنكار على عمر، دليل على استصوابه رضى الله عنه رغم أنف الرافضة (٢) .
... ولا يعارض ذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما: إن الرزية كل الرزية ... الخ لأن عمر كان أفقه منه قطعاً، هذا مع اعترافنا بأنه حبر الأمة، وترجمان القرآن، وأعلم الناس بتفسير كتاب الله وتأويله، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، لاسيما وقد بقى ابن عباس حتى شاهد الفتن (٣) . أهـ.
وبعد:
стр. 374
.. فقد استبان لك أيها الناظر بما سبق؛ عصمة رسول الله ﷺ ، فى بدنه من الصرع (١) وفى عقله وقلبه من الكفر (٢) والشرك والضلال والغفلة (٣) والشك، والفحش، ومن تسلط الشيطان عليه (٤) واستحالة ذلك ونحوه عليه شرعاً وإجماعاً، ونظراً وبرهاناً وعصمته فيما سبق قبل النبوة وبعدها، وفى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح.
... وما استدل به أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة من أحاديث يفيد ظاهرها عدم عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه لا تفيدهم فى دعواهم، لأن ما استدلوا به من أحاديث، منها ما هو ضعيف، وموضوع لا يحتج به، ومنهما ما هو صحيح ولكن تضعف دلالته على ما احتجوا به، على ما سبق تفصيله فى المطالب السابقة أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 375
الباب الثانى: عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ الوحي ودفع الشبهات
... ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية.
ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.
المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.
الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:
... ... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها.
... ... المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض عقلية ونفسية والرد عليها.
... ... المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها.
... ... المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها.
المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:
المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ ، قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها.
... ... المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ، ليست له سنة نبوية والرد عليها.
المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط والرد عليها.
... ... المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ ، تأليه وشرك والرد عليها.
стр. 376
الفصل الأول: عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي
كما يصورها القرآن الكريم والسنة المطهرة
... ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: التعريف بالوحي، وكيفياته.
المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.
تمهيد
... الوحي الإلهى: هو كلمة الله إلى عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور وهو أصل الدين، إذ يتعلق بكتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ والوحي فى الإسلام ثابت محفوظ بحفظ الله تعالى، والأمة مهيأة لخدمة نصوصه كما تقتضيه ظروف الحياة العلمية لها.
والوحي: أهم عنصر يميز شخصية النبى أو الرسول، وأكبر الدعائم التى ترتكز عليها حقيقة النبوة.
...
وقد دلت نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والسيرة العطرة على عصمة سيدنا محمد ﷺ ، فى تبليغ وحى الله تعالى إلى الأمة، وانعقد إجماع علماء الأمة على ذلك.
إلا أنه يوجد فى كل أمة، وفى كل زمان ومكان، من يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى الله تعالى؛ من أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين، ومن أذيالهم المتسترين بعباءة القرآن الكريم ممن يسمون أنفسهم (القرآنيون) .
...
أما المستشرقون: فشبهاتهم حول الوحي الإلهى قائمة على إنكار نبوة سيدنا رسول الله ﷺ ، إذ لم تكن لدى معظمهم القناعة العلمية ولا الإيمان الراسخ بهذه النبوة، وبخاصة أولئك الذين جمعوا بين الاستشراق والتبشير، وألبسوا أفكارهم أردية كنسية متطرفة، فقد نشأوا على أديان أخرى، ونفذوا بشئ من العداء لهذه الشخصية النبوية الكريمة، ودفعوا دفعاً مقصوداً للإيقاع بنبوته، وحملوا حملاً مغرضاً لتجريده من صفاتها، وعلى رأسها صفة العصمة.
فزعموا تارة، أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وعقله العبقرى.
...
стр. 377
وتارة ثانية، يزعمون أنه عبارة عن أمراض عقلية ونفسية، وهم بذلك يتناقضون مع أنفسهم؛ إذ كيف يجتمع الضدان، صفاء النفس، والعقل العبقرى، مع الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية؟! وتارة ثالثة، يزعمون أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ مقتبس من اليهودية والنصرانية، أو أنه وحى شيطانى بناءاً على فرية الغرانيق، وهذه الطعون فى الوحي الإلهى، هى رأى معظم المستشرقين الذين يدرسون ظاهرة الوحي والنبوة، ويخلطون عن عمد بين النبوة والعبقرية، ومعانى البطولة، ومعانى الرسالة، إذا استثنينا أولئك المستشرقين الذين ينحون بتفكيرهم نحو المادية والعلمانية، وينكرون الوحي كله جملة وتفصيلاً ويهاجمون النبوات كلها بما فيها نبوة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
أما أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ففاقت شبهاتهم حول الوحي الإلهى، شبهات أعداء الإسلام، إذ أعلنوا صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحي الإلهى وهو سنة رسول الله ﷺ ، وسيرته العطرة الواردة فى سنته الشريفة.
... وهم فيما يزعمون يتسترون بعباءة القرآن الكريم، وفاق تسترهم كل حد، إذ تجرأوا على كتاب ربهم ، ففسروه وأولوه بما يأتى فى النهاية صراحة بردهم على الله كلامه، وتطاولهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
... إذ رسموا من خيالهم المريض صورة لدور رسول الله ﷺ فى رسالته - وهو أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق - تساعدهم فيما يكفرون به من سنة رسول الله ﷺ ٠
стр. 378
.. فزعموا أن دور النبى ﷺ فى رسالته قاصراً على بلاغ كتاب الله فقط، وأنه ليست له سنة نبوية، وأن طاعته ﷺ الواردة فى القرآن الكريم، تعنى الطاعة لكتاب الله ، وتنحصر فيها، ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله ﷺ شرك وتأليه له ﷺ ، وأن من يقول بطاعته فقد كفر وأشرك بربه!.
... وقبل تفصيل تلك الشبهات والرد عليها، أرى لزاماً على تأصيل المسألة أولاً: وذلك بالتعريف بالوحي، وكيفياته، ثم تفصيل دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي الإلهى من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. فإلى تفصيل ذلك فى المبحثين التاليين:
المبحث الأول: التعريف بالوحي لغة، وشرعاً، وكيفياته
أولاً: التعريف بالوحي:
أ- من حيث اللغة:
... ذكر غير واحد من علماء هذا الشأن أن أصل الوحي فى الأسلوب العربى، معناه: الخفاء، والسرعة، والإشارة.
... فالواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم فى خفاء إلى غيرك، فكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه، فهو وحى كيف كان. وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، والرسالة والإلهام.
... وأوحى ووحى لغتان يقال: وحيث إليه الكلام، وأوحيت، ووحى، وحياً وأوحى. لكن أوحى بالهمزة أفصح من - وحى - بدونها. ولذلك جرى استعمال القرآن على ما هو الأفصح فى الفعلين أهـ بتصرف (١) .
стр. 379
.. وقد استعمل القرآن الكريم الوحي بمعناه اللغوى، وهو: الإعلام الخفى السريع، ويتناول الوحي بهذا المعنى عدة أنواع كما جاءت فى القرآن الكريم:
الإشارة السريعة على سبيل الرمز كما فى قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً﴾ (١) وكما فى قوله تعالى: ﴿قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ (٢) .
الإلهام الغريزى للإنسان (٣) ومنه ما يطلق عليه إلهام الخواطر، وهو ما يلقيه الله تعالى فى روع الإنسان
стр. 380
السليم الفطرة، الطاهر الروح، كما فى قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ (١) .
الإلهام الغريزى للحيوان أو ما يطلق عليه بعض العلماء الأمر الكونى كالوحي إلى النحل، وذلك كما فى قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون﴾ (٢) .
ومما يشير إلى هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها﴾ (٣) ويدخل تحت ذلك كل الأوامر الكونية للجمادات وغيرها.
وسوسة الشياطين كما فى قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ (٤) .
وهذه الأقسام كلها ليست هى المرادة من اصطلاح الوحي فى علوم القرآن والسنة إذ المراد: الوحي الشرعى الذى جاء إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ب- معناه الشرعى:
قال الحافظ ابن حجر: هو الإعلام بالشرع (٥) .
وعرفه الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله: هو عرفان يجده الشخص (٦) من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة (٧) .
стр. 381
وعرفه البعض بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه (١) .
وبالنظر فى هذه التعريفات تلاحظ أنها جاءت متنوعة تبعاً لتنوع الاعتبارات، فمن نظر إلى المعنى المصدرى عرفه بالتعريف الأول، ومن نظر إلى المعنى الحاصل بالمصدر، عرفه بالثانى، ومن نظر إلى الموحى به، عرفه بالثالث، وهو المختار عندى. والله أعلم.
ثانياً: كيفيات الوحي:
... هذه الكيفيات ذكرها غير واحد من العلماء (٢) وهى بتصرف واختصار، على النحو التالى:
стр. 382
إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ ، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح – الحديث (١) وواضح من قولها رضى الله عنها: "أول ما بدئ به ... من الوحي الرؤيا الصالحة" أن الرؤيا الصالحة، كيفية من كيفيات الوحي، وقد جاء ذلك مصرحاً به، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "رؤيا الأنبياء وحى" (٢) .
... ويبدوا هذا واضحاً فى رؤيا سيدنا إبراهيم ﵇ فى المنام ذبح ولده إسماعيل ﵇، قال تعالى: ﴿قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (٣) .
... وتجده أيضاً فى رؤيا سيدنا يوسف ﵇، والتى تحققت بعد سنوات، قال تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ (٤) وتحققها قصة القرآن الكريم فى قوله : ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقاً﴾ (٥) .
стр. 383
.. وفى حق سيدنا رسول الله ﷺ قص القرآن الكريم نماذج من الرؤى وقعت بعد النبوة منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: ﴿إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ (١) ففى غزوة بدر الكبرى واجه المسلمون المشركين فى أول واقعة حربية حاسمة، وكان المشركون ضعف عدد المسلمين، وقد وقعت رؤيا لرسول الله ﷺ شاهد فيها المشركين قلة قليلة فأخبر أصحابه يومئذ بذلك، فكان تثبيتاً لهم، وكانت تلك الرؤيا مناماً كما صرح بذلك القرآن، فلا حاجة إلى تأويل بعضهم أنه رآهم بعينه التى ينام بها (٢) .
وقال : ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (٣) .
فقد أخبر الرسول ﷺ صحابته فى العام السادس للهجرة برؤيا حق شاهد فيها المسلمين داخلين المسجد الحرام فى أمن تام مؤدين المناسك ولما سار المسلمون، ووصلوا إلى الحديبية (٤) لم يشك جماعة منهم أن الرؤيا النبوية تتحقق عامهم هذا... وحين وقع ما وقع من صلح الحديبية تساءل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به" (٥) .
стр. 384
وفعلاً ففى العام السابع، وفى ذى القعدة أدى الرسول والمسلمون عمرة القضاء، ودخلوا مكة معتمرين ملبين بعد سبع سنين طوال حرموا خلالها من رؤية الكعبة المشرفة.
ثانيها: الإلهام والقذف فى القلب من غير رؤية، بأن يلقى الله أو الملك الموكل بالوحي فى قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه أن ما ألقى إليه من قبل الله تعالى.
... وهذه الكيفية هى المرادة من قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ (١) إذ يقابلها إجمال بقية الكيفيات فى قوله سبحانه: ﴿أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ (٢) وبهذا قال أكثر المفسرين (٣) .
... ومن هذه الكيفية حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، ولا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل ﵇ ألقى فى روعى أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس، واجملوا فى الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية" (٤) .
ثالثها: تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب، ولذلك صورتان:
стр. 385
الأولى: إما فى اليقظة: وذلك مثل ما حدث لسيدنا موسى عليه الصلاة قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (١) ومثل ما حدث لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم: أن يكلمه الله كفاحاً – أى مواجهة، حيث فرض الله عليه هناك الصلاة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (٢) .
الثانية: وإما فى المنام: كما فى حديث معاذ رضى الله عنه (٣) أن النبى ﷺ تأخر عنهم ذات غداة فخرج عليهم وصلى وتجاوز فى صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم"، ثم أقبل إلينا فقال: إنى سأحدثكم ما حبسنى عنكم الغداة (٤) إنى قمت من الليل فصليت ما قدر لى، فنعست فى صلاتى حتى استيقظت فإذا أنا بربى فى أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدرى يا رب... الحديث" (٥) .
رابعها: إرسال الملك، ولذلك ثلاث حالات:
стр. 386
الحالة الأولى: أن يتمثل له الملك فى صورة رجل، والأصل فى ذلك نزول الملائكة على سيدنا إبراهيم ﵇ ضيفاً مكرمين، وقدم لهم عجلاً حنيذاً، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين أفصحوا له عن حقيقة أمرهم، قال تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾ (١) وأتى الملائكة لوطاً ﵇ فى صورة شباب بهى جميل المنظر قال سبحانه: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ (٢) .
... وبعث الله إلى مريم البتول جبريل ﵇ فى صورة بشر سوى يبشرها باصطفائها واصطفاء وليدها، قال : ﴿فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ (٣) .
... وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان جبريل ﵇ يتنزل على سيدنا محمد ﷺ ، ويتمثل لى فى صورة رجل، بحيث يراه النبى ﷺ وحده ويكلمه بما أراد فيعى عنه ما يقول، ويدل على ذلك قوله ﷺ ، لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول" (٤) .
стр. 387
.. وقد يظهر الملك المتشكل فى صورة رجل للعيان، فيراه الناس ويسمعون كلامه للنبى ﷺ ، كما فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، ففى نهايته قال ﷺ : يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) . وعن ابن عمر قال: "وكان جبريل ﵇ يأتى النبى ﷺ فى صورة دحية" (٢) .
الحالة الثانية: أن يأتى جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها، وهذه الصورة نادرة وقليلة، ولا يراها إلا النبى ﷺ وحده، لأن غيره لا يطيق ذلك بل ربما النبى ﷺ كان لا يطيق ذلك، ولاسيما فى أول مرة وقد رأى النبى ﷺ جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. مرتين:
стр. 388
المرة الأولى: كانت فى الأرض، يشير إلى ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: أى وهو يحدث عن فترة الوحي، بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت دثرونى، وصبوا على ماء بارد، وأنزل الله على ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ ... الآيات (١) . وأشار إلى هذه الصورة أيضاً قوله تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ (٢) .
المرة الثانية: كانت فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة المعراج. وإليها أشار قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (٣) .
стр. 389
.. وعن ابن مسعود رضى الله عنه فى تفسير قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: أى ابن مسعود، إنه أى رسول الله ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح" (١) وفى رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال فى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال ﷺ : رأيت جبريل ﵇ عند السدرة له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر" (٢) ، وكون النبى ﷺ رأى جبريل على صورته الملائكية مرتين، ذلك ما أشار إليه ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة مرفوعاً: "لم أره على صورته التى خلق عليها إلا مرتين" (٣) وفى رواية "مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد (٤) له ستمائة جناح قد سد الأفق" (٥) وهى رواية مبينة لما روى مختصراً فى الصحيحين.
стр. 390
والحالة الثالثة: من حالات إرسال الملك: أن يأتى جبريل على صورته الملائكية لكنه فى هذه الحال لا يرى، أى أنه يأتى خفية فيتلبس بالنبى ﷺ ويتغشاه. لكن يصحب مجيئه شدة يراها صحابة رسول الله ﷺ وذلك فى نحو مجئ الملك بصوت صلصلة الجرس، فيوحى إليه بما شاء الله وحيه، وقد دل على ذلك قوله ﷺ لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال" وفى رواية سئل ﷺ هل تحس بالوحي؟ فقال: "أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض".
... وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً" (١) .
... وبالجملة: الوجى بجميع هذه الكيفيات يصحبه علم يقينى ضرورى من رسول الله ﷺ ، بأن ما ألقى إليه حق من عند الله تعالى، وليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقينى لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما.
وحى الله إلى أنبياءه قرآن وسنة: