← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الحالة الأولى: أن يتمثل له الملك فى صورة رجل، والأصل فى ذلك نزول الملائكة على سيدنا إبراهيم ﵇ ضيفاً مكرمين، وقدم لهم عجلاً حنيذاً، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين أفصحوا له عن حقيقة أمرهم، قال تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾ (١) وأتى الملائكة لوطاً ﵇ فى صورة شباب بهى جميل المنظر قال سبحانه: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ (٢) . ... وبعث الله إلى مريم البتول جبريل ﵇ فى صورة بشر سوى يبشرها باصطفائها واصطفاء وليدها، قال : ﴿فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ (٣) . ... وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان جبريل ﵇ يتنزل على سيدنا محمد ﷺ ، ويتمثل لى فى صورة رجل، بحيث يراه النبى ﷺ وحده ويكلمه بما أراد فيعى عنه ما يقول، ويدل على ذلك قوله ﷺ ، لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول" (٤) .

стр. 387

.. وقد يظهر الملك المتشكل فى صورة رجل للعيان، فيراه الناس ويسمعون كلامه للنبى ﷺ ، كما فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، ففى نهايته قال ﷺ : يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) . وعن ابن عمر قال: "وكان جبريل ﵇ يأتى النبى ﷺ فى صورة دحية" (٢) . الحالة الثانية: أن يأتى جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها، وهذه الصورة نادرة وقليلة، ولا يراها إلا النبى ﷺ وحده، لأن غيره لا يطيق ذلك بل ربما النبى ﷺ كان لا يطيق ذلك، ولاسيما فى أول مرة وقد رأى النبى ﷺ جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. مرتين:

стр. 388

المرة الأولى: كانت فى الأرض، يشير إلى ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: أى وهو يحدث عن فترة الوحي، بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت دثرونى، وصبوا على ماء بارد، وأنزل الله على ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ ... الآيات (١) . وأشار إلى هذه الصورة أيضاً قوله تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ (٢) . المرة الثانية: كانت فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة المعراج. وإليها أشار قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (٣) .

стр. 389

.. وعن ابن مسعود رضى الله عنه فى تفسير قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: أى ابن مسعود، إنه أى رسول الله ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح" (١) وفى رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال فى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال ﷺ : رأيت جبريل ﵇ عند السدرة له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر" (٢) ، وكون النبى ﷺ رأى جبريل على صورته الملائكية مرتين، ذلك ما أشار إليه ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة مرفوعاً: "لم أره على صورته التى خلق عليها إلا مرتين" (٣) وفى رواية "مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد (٤) له ستمائة جناح قد سد الأفق" (٥) وهى رواية مبينة لما روى مختصراً فى الصحيحين.

стр. 390

والحالة الثالثة: من حالات إرسال الملك: أن يأتى جبريل على صورته الملائكية لكنه فى هذه الحال لا يرى، أى أنه يأتى خفية فيتلبس بالنبى ﷺ ويتغشاه. لكن يصحب مجيئه شدة يراها صحابة رسول الله ﷺ وذلك فى نحو مجئ الملك بصوت صلصلة الجرس، فيوحى إليه بما شاء الله وحيه، وقد دل على ذلك قوله ﷺ لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال" وفى رواية سئل ﷺ هل تحس بالوحي؟ فقال: "أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض". ... وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً" (١) . ... وبالجملة: الوجى بجميع هذه الكيفيات يصحبه علم يقينى ضرورى من رسول الله ﷺ ، بأن ما ألقى إليه حق من عند الله تعالى، وليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقينى لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما. وحى الله إلى أنبياءه قرآن وسنة:

стр. 391

.. الوحي المنزل على النبى الموحى إليه بناء على التعريف الثالث للوحى، بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه. نوعان: كتاب، وسنة. قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (١) ويقول رب العزة فى حق آل إبراهيم ﵈ ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾ (٢) ويقول فى حق عيسى ﵇: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلاً وإذا علمتك الكتاب والحكمة﴾ (٣) وقال تعالى فى حق سيدنا محمد ﷺ : ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم﴾ (٥) . ... وهذا يدل على أن الوحي إلى رسول الله ﷺ قسمان: القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته، وكيفية الوحي فى هذا القسم تكون يقظة بواسطة جبريل ﵇.

стр. 392

القسم الثانى: الحكمة (١) والمراد بها هنا السنة المطهرة قال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٢) فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان، أولهما: آيات الله فى كتابه، وثانيهما: الحكمة وهى: صنف آخر من الوحي المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة (٣) وكيفية الوحي فى هذا القسم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: توقيفى، أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله ﷺ وعبر عنه الرسول ﷺ بألفاظ من عنده، وهذا القسم هو الأعم الأغلب من السنة النبوية، ويدخل فى هذا القسم الحديث القدسى (٤) .

стр. 393

أما القسم الثانى: توفيقى، وهو ما قاله الرسول ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح. أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (١) كما فى حديث أبى قتاة رضى الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله؛ تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم، إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لى ذلك" (٢) . ... فتأمل استدراك الوحي من خلال جبريل، لم اجتهد فيه رسول الله ﷺ بزيادة الدين فى جوابه ﷺ . ... وهذا القسم الاجتهادى التوفيقى هو الأقل فى السنة الشريفة، ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله ﷺ على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله تعالى عليها، كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه، وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله له، يكون بمنزلة الوحي حجة على العباد ما لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى ﷺ (٣) .

стр. 394

.. "وذلك يدل على أن كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق مطابق لما عند الله إجماعاً، فيجب التمسك به، لأنه من وحى الله تعالى إليه، وسواء علينا انبنى على هذا الوحي فى التكليف حكم أم لا، لا يفرق فى ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله تعالى، وبين ما نفث فى روعة وألقى فى نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو اجتهد فى أمر أو نهى أو حكم وأقر عليه، فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه فى الاعتقادات والأعمال جميعاً، لأنه ﷺ ، مؤيد بالعصمة فيما نقل إلينا من وحى الله تعالى" (١) . وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على عصمته ﷺ فى نقل هذا الوحي وتبليغه إلى الناس، وهذا هو مضمون المبحث الثانى فإلى بيان ذلك.

стр. 395

المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة ... إن مهمة الرسل الأولى التى كلفهم الله بها إلى الأمم ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، هى التبليغ الذى أوجبه الله تعالى عليهم بمقتضى اصطفائهم للرسالة التى حملهم إياها، فيجب عليهم التبليغ، ويستحيل عليهم أى شئ يخل به ككتمان الرسالة، والكذب فى دعواها، وتصور الشيطان لهم فى صورة الملك وتلبيسه عليهم فى أول الرسالة وفيما بعدها، وسلطه على خواطرهم بالوساوس، لا على وجه العمد، ولا على وجه السهو، ولا فى حال الرضى أو السخط، والصحة أو المرض، ويجب على المسلمين اعتقاد ذلك فيهم. ... ولقد دلت نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة على عصمة نبينا محمد ﷺ فى هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك وقبل تفصيل ذلك، أرى لزاماً علىَّ بيان مجالات البلاغ الذى أمر الله به رسوله ﷺ ، وشهادة الله تعالى لنبيه ﷺ بأداء واجب البلاغ على أكمل وجه. مجالات البلاغ الذى أمر الله تعالى به رسوله ﷺ : ... والبلاغ الذى أمر الله به رسوله ﷺ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، سواء كان ذلك بوحى القرآن، أو وحى السنة، فشمل ذلك إبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة، إذ كل ذلك مما أنزله الله عليه من أمر الدين، كما أفاد ذلك عموم الاسم الموصول (ما) فى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) كما عمم من أراد تبليغهم حيث حذف المفعول الأول لبلغ، ليعم الخلق المرسل إليهم، والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك" (٢) .

стр. 396

.. وقد قام رسول الله ﷺ بذلك البلاغ كله على وجه الكمال والتمام من يوم أن أنزل الله تعالى الرسالة، وكلفه بالبلاغ، بصدر سورة المدثر، ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر﴾ (١) فإنه من حينئذ قام بإبلاغ القرآن، وإبلاغ السنة على حد سواء، لا يألو فى ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً، حتى أتم الله له الدين وقمع به المشركين والمبطلين. تبليغه القرآن الكريم: ... أما تبليغه ﷺ القرآن فقد قام بذلك استجابة لقوله تعالى: ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً﴾ (٢) أى: لتبلغه الناس وتتلوه على مهل لتكون ألفاظه ومعانيه أثبت فى نفوس السامعين (٣) . ... فقام بذلك حق القيام، فكانت له به عناية خاصة فى تعليمه وإذاعته ونشره، فهو يقرؤه لهم على مكث لو عده العاد لأحصاه، ترتيلاً كما أمر الله، ويسمعهم إياه فى الخطب، والصلاة، وفى الدروس والعظات والدعوة والإرشاد، وفى الفتوى والقضاء، ويدارسهم إياه فيسمع منهم ويسمعون منه، ومن لم يكن حاضراً لديه كأهل البلاد المختلفة، أرسل إليهم بعثات القراء ليعلموهم إياه ويفقهونهم به، كما هو معلوم من رسالته وسيرته وسننه (٤) .

стр. 397

.. وقبل ذلك كله كان لا يكاد ينفك عنه الوحي حتى يقرأه على الناس ويدعو كتبة الوحي فيكتبوه ثم يحفظ فى بيته ليكون وثيقة لحفظه، وحفظ أصحابه كما هو مبين فى مظانه من كتب السنة والسيرة المشرفتين (١) . تبليغه ﷺ للسنة الشريفة: ... وأما تبليغه ﷺ للسنة، فما كان أقل شأناً من إبلاغ القرآن، بل كان مسايراً له فى كل أطوار البلاغ على حد سواء، لأن السنة هى: من الوحي الذى أنزل على النبى ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) وقال : ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) . ... ولذلك كانت سنته ﷺ واجبة الطاعة والامتثال ككلام الله ﵎، كما ألزم الله تعالى بقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٤) إلى غير من الآيات الكثيرة التى توجب طاعته ﷺ كما توجب طاعة الله ﵎ (٥) .

стр. 398

.. فلهذا كان النبى ﷺ يعنى بإبلاغ السنة كما يعنى بإبلاغ القرآن، بل إن إبلاغه السنة كان أوسع دائرة من حيث إنه لا يمضى عليه حال من الأحوال، إلا وهو محتاج إلى أن يبين ما يستجد فيه من حكم أو موعظة أو قصة أو مثل، إذ القرآن يعنى بجوامع الأمور، وأصول التشريع، وقواعد الأحكام، ويتولى رسول الله ﷺ بيان دقائق الأخبار وتفاصيل الأحوال فى كل الأحيان والأحوال، بل غالبه مجمل أوكل الله بيانه إلى نبيه محمد ﷺ بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) وقد كان ﵊ يبين القرآن الكريم على الدوام، والدليل على هذا محسوس ملموس؛ إذ هذه سنته ﷺ التى بلغت مئات الآلاف من الأحاديث، والمدونة فى دواوين السنة، لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أمر الدين إلا وتناولتها بالتفصيل والبيان، حتى بلغ من بيانه ﷺ ، أن أخبر أصحابه بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. ... فعن عمرو بن أخطب الأنصارى رضى الله عنه (٢) قال: "صلى رسول الله ﷺ يوماً الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: فأعلمنا أحفظنا" (٣) .

стр. 399

.. ومن هذا الحديث تعلم مدى تبليغه ﷺ للسنة، حيث كان ذلك البيان كله فى مجلس واحد، فما بالك ببقية المجالس فى سائر الأيام؟!. ... ثم إنه ﷺ لم يكتف بذلك، بل كلف كل من يسمع عنه شيئاً أن يبلغه إلى من وراءه ليعم بلاغه الأمة فى كل زمان ومكان، ليعملوا بما بلغهم من سنته فى كل ما كلف به بنو الإنسان من أمور الدين والدنيا. ... فقال ﵊: "بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (١) ورغبهم ﵊ فى ذلك وشجعهم عليه بقوله: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (٢) . ... وهكذا أدى رسول الله ﷺ ، واجب التبليغ تارة بالعبارة، وتارة بالكتابة، وتارة بالحث على إبلاغ من لم يبلغه، لا يألو جهداً، ولا يدخر وسعاً فى إيصال رسالة الله التى حملها إلى كل من يستطيع إيصالها إليه، تنفيذاً لواجب البلاغ الذى تحمله بمقتضى رسالته، وتنفيذاً لأوامر الله تعالى فى ذلك، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٣) فبلغ البلاغ المبين منذ أن بعثه الله تعالى إلى أن أتاه اليقين، وقد شهد له بالعصمة فى هذا البلاغ القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وإليك تفصيل تلك الشهادات.

стр. 400

أولاً: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من القرآن الكريم والعقل: ... جاءت آيات فى القرآن الكريم تثبت عصمته ﷺ وصدقه فى كل ما يبلغ عن الله تعالى، وهذه الآيات تتضمن أيضاً أدلة عقلية على صدقه ﷺ . من هذه الآيات ما يلى: أ- قول الله تعالى: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ (١) وقوله سبحاه: ﴿والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (٢) والذى جاء بالصدق كما يدل عليه سياق هذه الآية هو نبينا محمد ﷺ ، وقد شهد لما جاء به من عنده سبحانه (قرآناً وسنة) سماه صدقاً، ويلزم من صدق ما أتى به، صدقه هو فى نفسه، إذ لا يأتى بالصدق إلا كامل الصدق، وذلك مما لا جدال فيه حيث كان صدقه معلوماً منذ حداثة سنه، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، فإن الأعداء من الكفرة والمشركين لم يكونوا يشكون يوماً فى صدقه، كما قال ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (٣) وكما كانوا يشهدون له بذلك فى مواقف مختلفة، تقدم ذكر بعضها (٤) .

стр. 401

.. وإذا كانت الآيات السابقة شهادات حسية على صدقه فى كل ما يبلغ عن ربه، فهناك شهادات معنوية على صدقه ﷺ تتمثل فى تأييد الله له ﷺ بالمعجزات المنزلة منزلة قوله : "صدق عبدى فيما يبلغ عنى" ومن هذه المعجزات: القرآن الكريم، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتكثير الطعام، والإخبار بمغيبات كثيرة (١) وتأييده له بالنصر على الأعداء، على قلة جنده وضعف عدته فى معركة إثر معركة، ولقاء بعد لقاء، وكل ذلك منزل منزلة قول مرسله ﵎: "صدق عبدى فيما يبلغ عنى". ... إذ أن تأييده بذلك كله، وهو يدعى أنه مرسل من عند ربه، وهو على مسمع من ربه سبحانه ومرأى، وهو جل شأنه لا يزال يؤيده بكل ذلك: دليل على كمال صدقه، وعصمته فى كل ما يبلغه من قرآن وسنة، إذ لو كان بخلاف ذلك لما أيده، ولفضح أمره للملأ، كما هى سنته سبحانه فيمن حاولوا الكذب عليه. ب- وقال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فهذه الآيات دليل صدقه وعصمته فى تبليغه الوحي (قرآناً وسنة) بدليل التمانع، فقد امتنع أخذه سبحانه لنبيه ﷺ بتلك الصفة، لامتناع تقوله عليه، وامتناع التقول عليه يعنى الصدق والعصمة فيما يقول ويبلغ عن ربه. ... قلت: وفى الآيات دلالة على أن القرآن الكريم، والسنة المطهرة من عند الله تعالى وهو استدلال بما هو مقرر فى الأذهان، من أن الله لا يقرر أحداً على أن يقول عنه كلاماً لم يقله.

стр. 402

.. أى: لو لم يكن القرآن والسنة منزلين من عندنا، ومحمد ادعى أنهما منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه ﷺ دال على أنه لم يقل على الله ما لم يقله عزوجل، لأن "لو" حرف امتناع، لامتناع، فامتنع ذلك من الله ، لامتناع سيدنا محمد ﷺ عن هذه الأشياء. قال الحافظ ابن كثير: بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى فى هذا بل هو صادق بار راشد، لأن الله مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات" (١) . ... وبالجملة: فالآيات من جملة مدحه، ودليل عصمته فى البلاغ لوحى الله تعالى، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه (٢) قال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين﴾ (٣) . جـ- وقال سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٤) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب، تشمل كل ما يخرج من الشفتين قول أو لفظ (٥) أى: ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله (٦) .

стр. 403

.. ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به وليس بغيره (١) وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ ، فى كل أمر بلغه عن ربه من كتاب وسنة، فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه، ولا يقول إلا ما أمر به فبلغه إلى الناس كاملاً من غير زيادة ولا نقصان، وهذه شهادة وتزكية من الله لنبيه ورسوله ﷺ فى كل ما بلغه للناس من شرعه تعالى. د- وقال : ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾ (٢) فهذه الآيات من جملة الآيات المادحة للمصطفى ﷺ ، والشهادة بعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه . وحكم "كاد" فى الآيات حكم سائر الأفعال، فمعناها: منفى إذا صحبها حرف نفى، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل كاد زيد يبكى، فمعناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكى، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة" (٣) والشرط فى الآيات على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، والمعنى: لولا ثبوت تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك.

стр. 404

.. فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليهم، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته. ... وبالجملة: فسياق الآيات بين واضح فى أن رسول الله ﷺ لم يركن إليهم أبداً، وإلا لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره فى هذه الآيات، وحيث إن رسول الله لم يقع له شئ من ذلك، فلم يعذبه ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، ولم يتخلى عنه طرفة عين، كما تشهد بذلك سيرته العطرة، دل ذلك على أنه ﷺ ، لم يتقول على ربه مالم يقله، ولم يفتر شيئاً من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته فى كل ما بلغه عن ربه من وحى الله تعالى قرآناً وسنة. قال القاضى عياض: "فى الآية دليل على أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموه من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية" (١) . هـ- وقال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (٢) .

стр. 405

.. قال الإمام القسطلانى (١) : "يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغاً إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله... وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول ﷺ معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضاً وجب أن يكون معصوماً فى جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى" (٣) .

стр. 406

و ليس أدل على عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى ربه، من تبليغه حتى ما يمس جنابه العظيم، من العتاب الذى كان يوجهه الله تعالى إليه، كما هو مقتضى تأديب الله تعالى له ﷺ الدال عليه ما روى عنه ﷺ من حديث ابن مسعود رضى الله يرفعه: "أدبنى ربى فأحسن تأديبى" (١) وذلك كما فى قوله جل شأنه: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) إلى غير ذلك من آيات العتاب التى سبق ذكرها والجواب عما يشكل من ظاهرها فى عدم عصمته ﷺ (٤) .

стр. 407

.. فآيات العتاب فى القرآن الكريم ما كان ليتفوه النبى ﷺ بها لولا كمال عصمته فى البلاغ وكمال أمانته فيه، لأن كتمان ذلك فى نظر العقول البشرية ستر على النفس الشريفة، واستيفاء لحرمة آرائه، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه، ولذلك قال أنس بن مالك رضى الله عنه: "لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٢) ولقد صدق أنس، وصدقت عائشة رضى الله عنهما، وبرا، فما أدق استنباطهما فى الدلالة على عصمة رسول الله ﷺ فى بلاغه وحى الله إلى الناس!.

стр. 408

ز- وقال تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (١) ففى هذه الآية الكريمة يزكى رب العزة نبيه، ويشهد له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فقوله "بضنين" قرأت بالظاء، أى: ما هو على ما يخبر به من الوحي إليه، وغيره من الغيوب، بمتهم، وقرأت بالضاد "بضنين" من الضن: وهو البخل، أى: لا يبخل بالتعليم والتبليغ (٢) بل يبذله لكل أحد، كما قال قتادة: كان القرآن غيباً، فأنزله الله تعالى على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، قال الحفاظ ابن كثير: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح (٣) . ح- وقال سبحانه: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ (٤) فهذه شهادة من رب العزة لنبيه ﷺ بالبلاغ المبين وعصمته فيه، حيث أباح لنبيه الإعراض عن المشركين، وأخبر أنه غير ملوم فى إعراضه عنهم، وما ذاك إلا لأنه أدى لهم الرسالة، وبذل معهم غاية الجهد، بحيث إنهم اعترفوا بذلك فى قولهم كما حكاه رب العزة عنهم: ﴿أهذا الذى بعث الله رسولا إن كان ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾ (٥) . ... قال الإمام الزمخشرى: "قولهم إن كاد ليضلنا دليل على فرض مجاهدة رسول الله ﷺ ، فى دعوتهم، وبذل قصارى الوسع والطاقة فى استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم" (٦) .

стр. 409

.. وبعد: فهذه شهادات من الله لرسوله ﷺ بعصمته فى أداء واجب البلاغ على أكمل وجه (وكفى بالله شهيداً) ولم يكتف لحبيبه محمد ﷺ بهذه الشهادات، بل لقد أضاف إليها شهادة أخرى بأسلوب آخر، حيث قال جل شأنه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (١) فإن كمال الدين لا يكون إلا بالتبليغ لجميع أحكامه، وما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، وعصمته فى هذا البلاغ.

стр. 410

.. ومع ما شهد الله له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فإنه ﵊ أحب أن تشهد له أمته بذلك فاستنطقها بذلك فى أعظم المحافل، وذلك فى يوم عرفه فى حجة الوداع، حيث قال لهم فى خطبته العظيمة ذلك اليوم: "وأنتم تسالون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات" (١) فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم (٢) وفى حديث سمرة بن جندب رضى الله عنه (٣) فى قصة الكسوف قال ﷺ : "يا أيها الناس، إنما أنا بشر، ورسول الله، فأذكركم الله إن كنتم تعلمون إنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى! قال: فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذى عليك" (٤) . ... فهكذا كانت سناء أخلاقه ﷺ العظيمة تحمله على أن يتحسس من أصحابه أن يخبروه إن وجدوا منه ﷺ تقصيراً فى واجب البلاغ، وذلك لكمال خشيته لله وأمانته فيما اؤتمن عليه، وإلا فإنه يعلم أنه المعصوم عن ذلك، فإن كان جانب البشرية منه يجوز له التقصير، فإن واجب العصمة تمنعه منه، ويدفعه إلى كمال البلاغ.

стр. 411

ثانياً: دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي من خلال السنة المطهرة والسيرة العطرة: ... الدلائل على صدق رسول الله ﷺ فى كل ما يخبر به عن الله تعالى من الوحي وعصمته فيه من خلال السنة والسيرة كثيرة منها: أ- حاله ﷺ قبل النبوة، فصدقه ﵊ مع الناس دليل على صدقه فيما يخبر به عن ربه؛ إذ لا يترك إنسان الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى. ... وهذا القياس العقلى قد استخدمه هرقل، وهو يسأل أبا سفيان بن حرب أثناء رحلة تجارية بالشام، عن أحوال النبى ﷺ وصفاته فكان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان، قلت: لا. (فاستخلص هرقل النتيجة المنطقية لهذا، وهى أن محمداً ﷺ صادق فى دعواه الرسالة، وفى كل ما يخبر به عن الله تعالى) قائلاً: إنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله (١) . وقد شهد له ﷺ بالصدق، الأعداء والأصدقاء على السواء. ... فمن شهادات الأعداء ما يلى: عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢) خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً!! وفى رواية: ما جربنا عليك كذباً!! قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد" (٣) .

стр. 412

هكذا يعترف له قومه أجمعون بالصدق، وعدم عثورهم على ما يناقض هذا الخلق منه، وهم وإن لم يكونوا قد ناصبوه العداء آنذاك، إلا أن هذه الشهادة وغيرها ظلت قائمة لا ينازعون فيها، ولم يسحبوها حينما جاهرهم بالدعوة وناصبوه العداء، وقد حرصوا بعد ذلك على صد الناس عن الإيمان كل الحرص، وبذلوا كل جهد، غير أنهم لم يقدروا أن ينالوا من صدقه وأمانته وعفافه.. حتى قال أبو طالب فى لاميته المشهورة التى قالها إبان المقاطعة التى ضربوها عليه وعلى قومه بنى هاشم، لعدم كفهم رسول الله ﷺ عن دعوته، أو تخليهم عنه، قال لهم مذكراً بحاله وأخلاقه: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... *** ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل (١) . ... فهم يعلمون هذه الحقيقة حقا، ولكن تعاموا عنها، وأعماهم الباطل والكبر والعناد، كما قال الله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقانتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً﴾ (٢) وكما قال : ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (٣) ومما روى فى ذلك تفسيراً للآية الأخيرة. أن الأخنس بن شريف سأل أبو جهل، وقد خلا كل منهما بالآخر يوم بدر، فقال: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذ ذهب بنو قصى باللواء، والحجابة، والسقاية، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله تعالى: ﴿فإنم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ : قال: "فآيات الله يا محمد: محمد ﷺ " (٤) .

стр. 413

وعن على بن أبى طالب قال: قال أبو جهل للنبى ﷺ ، قد نعلم يا محمد أنك تصل الرحم وتصدق الحديث، ولا نكذبك ولكن نكذب الذى جئت به، فأنزل الله : ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (١) . ومن شهادات الأعداء لرسول الله ﷺ بالصدق، شهادة أمية بن خلف عندما قال له سعد بن معاذ، إنى سمعت محمداً ﷺ يزعم أنه قاتلك قال: إياى؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، وقد تحقق ذلك يوم بدر حيث اشترك فى الغزوة، ورآه المسلمون فقتلوه شر قتلة (٢) .

стр. 414

ومن ذلك أيضاً شهادة النضر بن الحارث فى قوله: "يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله، ولقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم عقلاً، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه (١) الشيب، وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحراً! لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن! لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وحالهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر! لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه وقريضه، وقلتم: مجنون! لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، ثم قال لهم، يا معشر قريش، انظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم" (٢) فهذا كلام النضر بن الحارث الذى كان من شيطاناً من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ ، وينصب له العداوة. وكذا قال غيره كلاماً نحو ذلك من إثبات صدق النبى ﷺ ، وكماله الخلقى والخلقى، كالوليد بن المغيرة (٣) وعتبة بن ربيعة (٤) وغيرهما. ومن شهادات الصحابة رضى الله عنهم بصدقه ﷺ ما يلى: ١- قول خديجة رضى الله عنها فى قصة بدء الوحي، حيث قالت له ﷺ وهى الخبيرة به: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٥) .

стр. 415

.. فهذه شهادة من خبر أخلاقه وسبر أحواله ﷺ ، ولا ينبئك مثل خبير، ولذلك كانت مثل هذه الشهادات على صدقه ﷺ من أقرب الناس إليه تعد من أبلغ الدلائل على صدق دعواه ﷺ الرسالة، وعصمته فى بلاغ الوحي، وكانت تلك الشهادات محل ثقة أعدائه. ... قال الكتاب المستشرق الإنجليزى (هـ جى ويلز) : "إن من أرفع الأدلة على صدق محمد كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به، فقد كانوا مطلعين على أسراره، ولو شكوا فى صدقه لما آمنوا به" (١) . ٢- ومن أقوال الصحابة رضى الله عنهم عن صدقه ﷺ وعصمته فى بلاغ الوحي، ما كان يعبر عنه ابن مسعود رضى الله عنه بقوله: "حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... الحديث" (٢) . ٣- وكذا كان يقول أبو هريرة رضى الله عنه، كقوله: "سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ ، صاحب هذه الحجرة يقول: "لا تنزع الرحمة إلا من شقى" (٣) .

стр. 416

٤- وكذلك ما كان من أبى بكر رضى الله عنه من التصديق الكامل بكل ما يقوله النبى ﷺ منذ أول دعوته، حتى شهد له بذلك ﷺ بقوله: "إن الله بعثنى إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواسانى بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لى صاحبى؟ مرتين..." (١) . ... وبالجملة: فقد كانت هيئته ﷺ تدل على مبلغ مكانته من الصدق، ودليلاً كافياً على صدق دعواه الرسالة، وعصمته فى كل ما يبلغه من وحى الله ، يعرفه بذلك كل من صفت فكرته، وتجرد عن الأنانية كما كان من الحبر عبد الله بن سلام رضى الله عنه (٢) فإنه ما إن رآه عند مقدمة المدينة حتى استيقن صدقه كما قال: "لما قدم النبى ﷺ المدينة انجفل (٣) الناس إليه، وقيل قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، فجئت فى الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شئ تكلم

стр. 417

به أن قال: "أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" (١) . ... فلم يسعه بعد ذلك غير أن يعلن إسلامه، ويتبرأ من كيد يهود وعنادهم ففعل ذلك مقتنعاً مختاراً، ولقد أجاد عبد الله بن رواحة رضى الله عنه حيث قال: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... *** ... لكان منظره ينبيك بالخبر (٢) . ... فانظر إلى حكاية الصحابة رضى الله عنهم عن صدقه ﷺ حيث يسمونه بالصادق المصدوق، أى الصادق فى نفسه، المصدوق أى المعصوم فيما يجئ به عن ربه ، ويرون صدقه وعصمته ينبئ عنه مظهره وجواره، قبل أن تنبئ عنه أقواله. ب- من دلائل عصمته ﷺ فى نقل الوحي، ما ثبت من أخباره وآثاره، وسيره وشمائله، المعتنى بها، المستوفاة تفاصيلها، ولم يرد فى شئ منها تداركه ﷺ لخبر صدر عنه، رجوعاً عن كذبة كذبها أو اعترافاً بخلف فى خبر أخبر به، ولو وقع منه شئ من ذلك لنقل إلينا. وإن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على أنه لم يصدر عن النبى خبر بخلاف الواقع فى أى أمر من الأمور، ولم يتثبتوا عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهواً أم لا، ولم يتوقفوا حتى يتأكدوا إن كان ذلك جداً أو هزلاً، لأنه ﵊ صادق معصوم فى كل ذلك عندهم، كل الصدق، وكل العصمة.

стр. 418

.. قال القاضى عياض: "ودليل ذلك اتفاق السلف، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أقواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهو أم لا" (١) وقد استدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، مع ابن أبى الحقيق اليهودى، حين أجلاهم من خيبر، حيث احتج عليه عمر رضى الله عنه، بقوله ﷺ : "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟! " فقال اليهودى: كانت هذه هزيلة من أبى القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك" (٢) . ... قلت: فثبت عن يقين عصمته ﷺ فى بلاغ وحى الله من كتاب وسنة إلى الناس، ولا يجوز عليه خلف فيما أخبر به من الوحي، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا فى حال الجد والهزل، ولا فى حال الصحة والمرض أو أى حال كان. جـ- ومما يشهد بعصمته ﷺ فى بلاغ الوحي، وأنه لا يقول إلا حقاً سواء فى الرضى والغضب، والصحة والمرض "فترة الوحي فى قصة الإفك" لقد كانت تنزل برسول الله ﷺ نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه، لوجد له مقالاً ومجالاً، ولكنه كانت تمضى الليالى والأيام تتبعها الليالى والأيام، ولا يجد فى شأنها وحياً من قرآن أو سنة يقرؤه على الناس.

стр. 419

.. ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضى الله عنها، وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: "إنى لا أعلم عنها إلا خيراً" ثم إنه بعد أن بذل جهده فى التحرى والسؤال، واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله، والكل يقولون ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال آخر الأمر: "يا عائشة، أما إنه بلغنى كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله" (١) . ... هذا كلامه ﷺ بوحى ضميره، وهو كما ترى كلام البشر الذى لا يعلم الغيب إلا بوحى ربه، وكلام الصديق المتثبت الذى لا يتبع الظن، ولا يقول ما ليس له به علم. ... على أنه ﷺ ، لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها، ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها. فماذا كان يمنعه، لو أن أمر الوحي إليه، أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل، ليحمى بها عرضه، ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي الإلهى لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، قال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) .

стр. 420

د- هذا حاله ﷺ فى أفعاله يشهد بصدقه وعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه ، ومن أقواله ﷺ على عصمته فى بلاغ وحى الله من كتاب وسنة ما يلى: حديث طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه وجاء فيه قوله ﷺ : "إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله" (١) والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله تعالى. حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتنى قريش وقالوا: أتكتب كل شئ تسمعه؟ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم فى الغضب والرضى؟! قال: فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: "أكتب فواللذى نفسى بيده ما يخرج منه إلا الحق" (٢) . حديث أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنى لا أقول إلا حقاً" قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: "إنى لا أقول إلا حقاً" (٣) .

стр. 421

ثالثاً: من دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة: ... أجمع أهل الملل والشرائع كلها على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أى شئ يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليهم التحريف، ولا الكذب قليلة وكثيرة، سهوه وعمده، فكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع، ولما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء فى ذلك عقلاً، لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم؛ وإبطال المعجزة محال، فالكذب فى التبليغ وعدم العصمة فيه، محال أيضاً (١) . ... يقول القاضى عياض: "قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه ﷺ وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار بشئ منها بخلاف ما هو به (٢) والكلام هنا ليس خاصاً بالنبى ﷺ ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم فى واجب التبليغ.

стр. 422

.. واستدل القاضى على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق ذكره قريباً، ثم قال: فإذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقاً، ولا يبلغ عن الله تعالى إلا صدقاً، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت فيما تذكر عنى، وهو يقول: إنى رسول الله إليكم، لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم، فلا يصح أن يوجد منه فى هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أى وجه كان، قال: فلو جوزنا عليه الغلط والسهو فى بلاغ الوحي، لما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبى ﷺ ، عن ذلك كله واجب برهاناً وإجماعاً" (١) . ... وبعد: إذا تقرر لك هنا فى هذا الفصل، عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وإجماع الأمة، فقد حان الوقت لبيان شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى من أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة والرد عليها، فإلى بيان ذلك فى الفصل التالى.

стр. 423

الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: ... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها. ... المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها. ... المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها. ... المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ ، قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها. ... المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ، ليست له سنة نبوية والرد عليها. المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ ، إلا فى القرآن فقط والرد عليها. ... المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك والرد عليها. المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها تمهيد: ... إن من أهم الأمور، بل من أعظمها خطراً أمر الوحي والنبوة، الذى أطلق المستشرقون لعقولهم الأعنة بالخوض والطعن فيه مستهدفين بذلك الإسلام كله، لأنهم يعلمون أن القدح فى نبوته ﷺ ، والنيل منها يؤدى إلى انهيار صرح الإسلام، إذ الوحي هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فإذا فقد، فقد الدين. ... ومن هنا كثفوا حملاتهم، وزادوا هجماتهم، يحملهم الحقد، وتدفعهم البغضاء، والعداء السافر، يصدرون عن أحكام مغرضة، وأقوال جائرة، مجافين طرق البحث العلمى النزيه: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١) .

стр. 424

.. لقد كان عدم التصدى بنبوته ﷺ هو القاعدة التى انطلقوا منها فى بث كل شكوكهم ومطاعنهم فى بقية جوانب الإسلام. ولقد ركز المستشرقون جل جهودهم فى التشكيك فى الوحي إلى النبى ﷺ ، فى الوقت الذى يوقنون فيه بصدق وقوعه لغيره من الأنبياء السابقين، وهم بذلك لا يدرون أنهم يخربون بيوتهم، قبل أن يخربوا بيوت غيرهم، إذ الوحي إلى النبى محمد ﷺ ، لا يختلف فى شئ عن الوحي إلى غيره من الأنبياء السابقين من حيث الوقوع!. ... والمستشرقون فى بذلهم قصارى جهدهم لنفى الوحي عن رسول الله ﷺ ، يحاولون نفى العصمة وسلبها عن رسول الله ﷺ ، ويزعمون بأن ما جاء به نتاج بشرى، وليس من عند الله تعالى، ولذا حاولوا أن يفسروا الوحي وكيفياته، تفسيراً يؤدى بهم إلى هذا الزعم الجائر، والضلال المبين؛ ولكن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل، من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران، علماً بأن ما أثاروه من شبه لا يعدو فى حقيقته، كونه فتات موائد الجاهلية الأولى، فهم لم يستحدثوا هذه الشبه، وليس لهم فيها من عمل إلا إثارتها مجدداً، وصدق رب العزة: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ (١) وقال : ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٢) . ورغم أن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى، مردود عليها فى القديم والحديث، من علماء أجلاء - جزاهم الله خيراً إلا أنى لم أر بأساً بذكر عمدة هذه الشبهات، التى طعنوا بها فى عصمة رسول الله ﷺ فيما أنزل عليه من الوحي، وإظاهر الردود عليها. ... فإلى بيان ذلك فى المطالب التالية.

стр. 425

المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه ... زعم بعض المستشرقين أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ ، أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وخياله الواسع، وعقله المتوقد الذى أدرك به الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والخير من الشر. هذا فى الوقت الذى يصف فيه بعضهم على ما سيأتى فى الشبهة التالية الحالة التى كانت تعترى رسول الله ﷺ عند تلقى الوحي بحالة الصرع. فكيف يجتمع الصرع مع النفس الصافية، والخيال الواسع، والعقل المتوقد ذكاءً؟!.
следующие страницы →