← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثالثاً: من دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، إجماع الأمة: ... أجمع أهل الملل والشرائع كلها على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أى شئ يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليهم التحريف، ولا الكذب قليلة وكثيرة، سهوه وعمده، فكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع، ولما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء فى ذلك عقلاً، لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم؛ وإبطال المعجزة محال، فالكذب فى التبليغ وعدم العصمة فيه، محال أيضاً (١) . ... يقول القاضى عياض: "قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه ﷺ وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار بشئ منها بخلاف ما هو به (٢) والكلام هنا ليس خاصاً بالنبى ﷺ ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم فى واجب التبليغ.

стр. 422

.. واستدل القاضى على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق ذكره قريباً، ثم قال: فإذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقاً، ولا يبلغ عن الله تعالى إلا صدقاً، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت فيما تذكر عنى، وهو يقول: إنى رسول الله إليكم، لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم، فلا يصح أن يوجد منه فى هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أى وجه كان، قال: فلو جوزنا عليه الغلط والسهو فى بلاغ الوحي، لما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبى ﷺ ، عن ذلك كله واجب برهاناً وإجماعاً" (١) . ... وبعد: إذا تقرر لك هنا فى هذا الفصل، عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي، من خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وإجماع الأمة، فقد حان الوقت لبيان شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى من أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة والرد عليها، فإلى بيان ذلك فى الفصل التالى.

стр. 423

الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: ... المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليها. ... المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها. ... المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها. ... المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ ، قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها. ... المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ، ليست له سنة نبوية والرد عليها. المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ ، إلا فى القرآن فقط والرد عليها. ... المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك والرد عليها. المبحث الأول: شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى والرد عليها تمهيد: ... إن من أهم الأمور، بل من أعظمها خطراً أمر الوحي والنبوة، الذى أطلق المستشرقون لعقولهم الأعنة بالخوض والطعن فيه مستهدفين بذلك الإسلام كله، لأنهم يعلمون أن القدح فى نبوته ﷺ ، والنيل منها يؤدى إلى انهيار صرح الإسلام، إذ الوحي هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فإذا فقد، فقد الدين. ... ومن هنا كثفوا حملاتهم، وزادوا هجماتهم، يحملهم الحقد، وتدفعهم البغضاء، والعداء السافر، يصدرون عن أحكام مغرضة، وأقوال جائرة، مجافين طرق البحث العلمى النزيه: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١) .

стр. 424

.. لقد كان عدم التصدى بنبوته ﷺ هو القاعدة التى انطلقوا منها فى بث كل شكوكهم ومطاعنهم فى بقية جوانب الإسلام. ولقد ركز المستشرقون جل جهودهم فى التشكيك فى الوحي إلى النبى ﷺ ، فى الوقت الذى يوقنون فيه بصدق وقوعه لغيره من الأنبياء السابقين، وهم بذلك لا يدرون أنهم يخربون بيوتهم، قبل أن يخربوا بيوت غيرهم، إذ الوحي إلى النبى محمد ﷺ ، لا يختلف فى شئ عن الوحي إلى غيره من الأنبياء السابقين من حيث الوقوع!. ... والمستشرقون فى بذلهم قصارى جهدهم لنفى الوحي عن رسول الله ﷺ ، يحاولون نفى العصمة وسلبها عن رسول الله ﷺ ، ويزعمون بأن ما جاء به نتاج بشرى، وليس من عند الله تعالى، ولذا حاولوا أن يفسروا الوحي وكيفياته، تفسيراً يؤدى بهم إلى هذا الزعم الجائر، والضلال المبين؛ ولكن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل، من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران، علماً بأن ما أثاروه من شبه لا يعدو فى حقيقته، كونه فتات موائد الجاهلية الأولى، فهم لم يستحدثوا هذه الشبه، وليس لهم فيها من عمل إلا إثارتها مجدداً، وصدق رب العزة: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ (١) وقال : ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٢) . ورغم أن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى، مردود عليها فى القديم والحديث، من علماء أجلاء - جزاهم الله خيراً إلا أنى لم أر بأساً بذكر عمدة هذه الشبهات، التى طعنوا بها فى عصمة رسول الله ﷺ فيما أنزل عليه من الوحي، وإظاهر الردود عليها. ... فإلى بيان ذلك فى المطالب التالية.

стр. 425

المطلب الأول: شبهة الوحي النفسى والرد عليه ... زعم بعض المستشرقين أن الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ ، أمر ذاتى من داخل نفسه الصافية، وخياله الواسع، وعقله المتوقد الذى أدرك به الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والخير من الشر. هذا فى الوقت الذى يصف فيه بعضهم على ما سيأتى فى الشبهة التالية الحالة التى كانت تعترى رسول الله ﷺ عند تلقى الوحي بحالة الصرع. فكيف يجتمع الصرع مع النفس الصافية، والخيال الواسع، والعقل المتوقد ذكاءً؟!.

стр. 426

.. يقول المستشرق بروكلمان (١) مصوراً لنا الوحي النفسى الذى يزعمه هو ومن قال بقوله: "بينما كان بعض معاصرى النبى، كأمية بن أبى الصلت (٢) ، شاعر الطائف، وهى بلدة بحذاء مكة، يكتفون بوحدانية عامة، كان محمد يأخذ بأسباب التحنث (٣) والتنسك (٤) ويسترسل فى تأملاته حول خلاصة الروحى، ليالى بطولها فى غار حراء (٥) قرب مكة لقد تحقق عنده أن عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة فارغة، فكان يضج فى نفسه هذا السؤال، إلى متى يمدهم الله فى ضلالهم، مادام هو قد تجلى، آخر الأمر، للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟ وهكذا نضجت فى نفسه الفكرة أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة،

стр. 427

ولكن حياءه الفطرى حال بينه وبين إعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبد شكوكه إلا بعد أن خضع لإحدى الخبرات الخارقة فى غار حراء. ذلك بأن طائفاً تجلى له هنالك يوماً، هو الملك جبريل، على ما تمثله محمد فى ما بعد، فأوحى إليه أن الله قد اختاره لهداية الأمة، وآمنت زوجه فى الحال برسالته المقدسة، وتحرر هو نفسه من آخر شكوكه بعد أن تكررت الحالات التى ناداه فيها الصوت الإلهى وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضى حتى أعلن ما ظن أنه قد سمعه كوحى من عند الله" (١) . ... وبالتأمل فى هذه المزاعم، ترى أنها مع طعنها فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ تطعن فى عصمته فيما بلغه من الوحي عن ربه . ... ويجاب عن هذه المزاعم بما يلى: أولاً: هذا الذى يروجه الملحدون اليوم باسم – الوحي النفسى – زاعمين أنهم بهذه التسمية، قد جاءونا برأى علمى جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الرأى الجاهلى القديم، لا يختلف فى جملته ولا فى تفصيله، فقد صور أهل الجاهلية من قبل، النبى ﷺ ، رجلاً ذا خيال واسع وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيراً على حواسه، حتى يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصاً يكلمه؛ وما ذاك الذى يراه ويسمعه إلا صورة أخليته ووجد آناته، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام؛ فأى جديد ترى فى هذا كله؟ أليس كله حديثاً معاداً يضاهئون به قول جهال قريش؟! وهكذا كان الإحاد فى ثوبه الجديد صورة منسوخة بل ممسوخة منه فى قديمه (٢) .

стр. 428

ثانياً: إن صورة الوحي النفسى كما صوروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدخرة فى العقل الباطن، وأنها تظهر فى صورة رؤى ثم تقوى فيخيل لصاحبها أنها حقائق خارجية. ... وإنى أتساءل: هل كان الدين الذى جاء به خاتم الأنبياء ﵊ بعقائده وتشريعاته فى العبادات والمعاملات، والحدود، والجنايات، والاقتصاد، والسياسة، والأخلاق والآداب، وأحوال السلم والحرب، مركوزاً أو مدخراً فى نفسه ﷺ ؟!. ... هذا ما تنكره العقول بداهة، لأن ما جاء به ﷺ وما بلغه من وحى الله فى العقائد: يعتبر مناقضاً لكل ما كان سائداً فى العالم حينئذ، من عقائد، كالوثنية، والمجوسية، والتأليه، والتثليث، والصلب، وإنكار البعث، واليوم الآخر، وكذلك جاء النبى ﷺ بتشريعات ما عرفت فى الشرائع السابقة سماوية، وغير سماوية. ... واشتمل الوحي الإلهى الذى بلغه المصطفى ﷺ سواء قرآناً أو سنة، على أسرار فى الكون والأنفس والآفات، ما كانت تخطر على بال بشر قط ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم والمعارف فى العصر الأخير، فكيف تكون هذه الأسرار من داخل نفس النبى ﷺ ، وهى لم تخطر له على بال (١) . ثالثاً: ليس كل ما فى الوحي الإلهى (قرآناً وسنة) مما يستنبطه العقل والتفكير ومما يدركه الوجدان والشعور. ... ففى الوحي جانب كبير من المعانى النقلية البحتة التى لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقى والتعليم، أو المعاصرة. ... ومن هذه الجوانب. ما جاء فى الكتاب والسنة، من أنباء ما قد سبق، وما فصله من تلك الأنباء، على وجهه الصحيح كما وقع؟.

стр. 429

.. أيقولون إن التاريخ يمكن وضعه – أيضاً – بإعمال الفكر، ودقة الفراسة؟ أم يخرجون إلى المكابرة العظمى فيقولون: إن محمداً قد عاصر تلك الأمم الخالية، وتنقل فيها قرناً قرناً، فشهد هذه الوقائع مع أهلها شهادة عيان أو أنه ورث كتب الأولين، فعكف على دراستها حتى أصبح من الراسخين فى علم دقائقها؟. ... إنهم لا يسعهم أن يقولوا هذا ولا ذاك، لأنهم معترفون مع العالم كله بأنه ﵊ لم يكن من أولئك ولا هؤلاء. قال تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ (١) . وقال سبحانه: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ (٢) . ... فسيدنا محمد ﷺ ، كان رجلاً أمياً، نشأ بين قوم أميين أربعين سنة من عمره، لم تظهر عليه فيها أمارات من علوم ومعارف تقارب ما جاء به القرآن والسنة، ثم يطلع علينا بين عشية وضحها فيكلمنا بما لا عهد له به، ويبدى لنا من أخبار تلك القرون الأولى ما أخفاه أهل العلم فى كتبهم، وحجبوه عن الناس. أفى مثل هذا يقول الجاهلون إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟. رابعاً: لقد بين الله تعالى، أن الوحي أمر خارج عن نفس النبى ﷺ وليس نابعاً من داخلها، بل حمله جبريل ﵇ من عند الله إليه، كما قال سبحانه: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين﴾ (٣) .

стр. 430

.. فحامل الوحي ملك منفصل عن ذات محمد ﷺ ، ليس خيالاً فيها، وله من الصفات ما بينها الله فى قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم﴾ (١) . خامساً: إن النبى ﷺ لم يكن يستشرف النبوة، وما كان يرجوها، ولم يطمع فى حصولها له، بل لم يرد فى الأخبار الصحيحة أنه ﷺ ، يرجو أن يكون هو النبى المنتظر الذى يتحدث عنه علماء اليهود والنصارى قبل البعثة، ولو ثبت ذلك عنه لما ترك المحدثون تدوينه، وقد دونوا ذلك عن أمية بن أبى الصلت، لما كان يتوقع أن يكون نبياً. ... وقد جاء فى القرآن نفى ذلك عنه ﷺ ، فى قوله تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ (٢) فما كان ﷺ يظن أن الوحي قبل إنزاله عليه، ينزل عليه، وإنما أنزله الله رحمة به وبالعباد، فهو نعمة من الله وفضل (٣) . ... وأما اختلاؤه ﷺ وتعبده فى الغار عام الوحي، فلا شك فى أنه كان بقدر الله تعالى ومقويا مقوياً لذلك الاستعداد الوهبى، وعصمة ربه له بالعزلة وعدم مشاركة المشركين فى شئ من عباداتهم ولا عاداتهم، ولكنه لم يكن يقصد به الاستعداد للنبوة، لأنه لو كان لأجلها لاعتقد حين رأى الملك أو عقب رؤيته حصول مأموله، وتحقق رجائه، ولم يخف منه على نفسه!.

стр. 431

.. وإنما كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث، اشتداد الوحشة من سوء حال الناس فى عقائدهم وأخلاقهم، والهرب منها، إلى الإنس بالله تعالى والرجاء فى هدايته إلى المخرج منها (١) . سادساً: إن الوحي الذى حدث للنبى ﷺ هو حدث إلزامى فجائى طارئ لا يمكن إحضاره واجتلابه، وبالتالى لا يمكن دفعه ورده. ... ومن أوضح الأدلة على ذلك، ما يعتريه من أعراض جسدية لا سيطرة له عليها، كاحمرار وجهه، وتتابع أنفاسه، وسماع غطيط منه، وما يتقاطر منه من عرق فى اليوم الشديد البرد، وثقل جسمه، وما يسمعه الصحابة عند وجهه من صوت كدوى النحل، وقد سبق ذكر الأحاديث الدالة على ذلك (٢) . ... ومما يدل على ذلك أيضاً، ما انتابه ﷺ من أحوال نفسية تمثلت فى خوفه من ملك الوحي فى مبدأ أمره، كما جاء فى قوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسى" وقوله: "زملونى زملونى، حتى ذهب عنه الروع" (٣) وفى رواية قال: "فإذا الذى جاءنى بحراء جالساً على كرسى بين السماء والأرض، فجئثت منه رعباً" (٤) . ... وهذه الأعراض والشدائد كانت لا تعتريه ﷺ إلا فى فترات وجيزة وبرهات متقطعة، وذلك عند نزول الوحي عليه. ... والدليل على أنه ﷺ ، لا قدرة له على إحضار الوحي وجلبه، فتور الوحي، وانقطاعه عنه، فترة من الزمن حتى شق ذلك عليه وأحزنه، وأقض مضجعه، ثم جاءه جبريل بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٥) .

стр. 432

.. ومن ذلك ما روى عندما أبطأ جبريل ﵇، فى النزول على رسول الله ﷺ ، ثم نزل (١) فقال: رسول الله ﷺ ، يا جبريل! ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرنا؟ فنزلت: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا﴾ (٢) ومن ذلك أيضاً، فترة الوحي فى قصة الإفك، على ما سبق شرحه فى عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي (٣) . سابعاً: النبوة ليست أمراً كسبياً يناله المرء بسعيه وكسبه، ولا تخضع لجهد فكرى، أو ترقى روحى وأخلاقى، ولا تنال بالقيم الدنيوية، ولا الاعتبارات المادية، فليست باباً مفتوحاً يلج من خلاله من سمت نفسه، أو عظم إشراقه، بل هى اصطفاء إلهى يختص به من يشاء من عباده. قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ (٥) وقد حكى الله عن المشركين عندما قالوا: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٦) أجابهم رب العزة بقوله: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ (٧) .

стр. 433

.. وقد جعل الله تعالى النبوة فى محمد ﷺ ، كما جعلها فى الرسل قبله، واصطفاه لذلك؛ فأى غرابة وعجب فى ذلك؟. إن قدح بروكلمان ومن شايعه فى إثبات الوحي لمحمد ﷺ ، وعصمته فيما بلغ، هو قدح فى ديانته وفى رسوله الذى يؤمن به، فما قاله هنالك فى إثبات الوحي، يلزمه أن يقوله هنا، إذ لا فارق بين الوحيين (١) ولكن لعل بروكلمان يرى كما يرى غيره من أهل ملته، أن الوحي هو حلول روح الله فى روح الموحى إليه. ولأجل ذلك ألهوا رسولهم، وهذا تعريف خاطئ للوحى، وقول فاسد، بل هو كفر وإلحاد، فالله لا يحل فى غيره، ولا يحل فيه غيره (٢) . وهكذا ترى أن ما زعموه من فرية الوحي النفسى، إن هذا إلا اختلاق كان مبعثه الحقد على الإسلام والمسلمين وإرادة إبطال عصمته ﷺ فيما بلغ من الوحي ولكن ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (٣) أهـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 434

المطلب الثانى: شبهة أن الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها ... زعم بعض المستشرقين أن النبى ﷺ ، كان مصاباً ببعض الأمراض العقلية النفسية التى أثرت عليه تأثيراً بالغاً ونتج من ذلك ما ادعى أنه وحى من الله. ... قال جولد تسيهر (١) : "وفى خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجتريها فى قرارة نفسه، وهو منطو فى تأملاته أثناء عزلته، ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة، والتى يلمح فيها أثر حالته المرضية، نراه ينساق ضد العقلية الدينية والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين" (٢) ولكن ما حقيقة هذه الأمراض، وما نوعيتها؟ يجيب على ذلك عدد من المستشرقين مع تباين تشخيصاتهم.

стр. 435

.. زعم شبرنجر (١) وجوستاف فايل (٢) وغيرهم أنه كان مصاباً بحالات من الصرع يغيب فيها عن الناس وعما حوله، ويظل ملقى على أثرها بين الجبال لمدة طويلة، يسمع له على إثرها غطيط كغطيط النائم، ويتصبب عرقاً، ويثقل جسمه (٣) وتعتريه التشنجات، وتخرج منه الرغوة، فإذا أفاق ذكر أنه أوحى إليه، وتلا على أتباعه ما يزعم أنه وحى من الله (٤) . ... وبعضهم اعتبرها حالة هستيريا، وتهيجاً عصبياً، يظهر عليه أثرها فى مزاجه العصبى القلق، ونفسه كثيرة العواصف بشكل غامض، حتى كان يصل به الأمر أن لا يفرق بين تعاقب الليل والنهار، وقد هزل على إثرها جسمه، وشحب لونه، وخارت قواه (٥) .

стр. 436

.. ويذهب بعضهم إلى أنه نوع من الهوس (١) قائلاً: "ونرى محمداً الثاقب النظر من الناحية العلمية من ذوى الهوس، كما هو شأن أكثر مؤسسى الديانات" (٢) وبالتأمل فى هذه الافتراءات ترى أنها مع طعنها فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ ، تطعن فى عصمته فى عقله وبدنه. ... ويجاب عن هذه الافتراءات من عدة وجوه: أولها: أن المستشرقين هنا فيما يزعمون كالببغاوات يرددون شبهة إخوانهم أعداء الأنبياء والرسل الذين جعلوا ما يحصل لأنبياء الله مثل الذى يحصل للمجانين والسحرة، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٣) وهى عين الفرية التى رمت بها قريش رسول الله ﷺ ، فبرأه الله مما قالوا، بقوله سبحانه: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ (٤) أرأيت كيف يردد المستشرقون شبهة عفا عنها الدهر، وطوتها السنون، وبين الله فسادها قبل خمسة عشر قرناً من الزمن، ثم جاءوا يلو كونها ويدندنون بها تشويهاً للإسلام، وتشكيكاً فى عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه. ثانيها: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ ، وسائر الأنبياء قبله من سائر الأمراض المنفرة، فرسول الله ﷺ ، وكافة الرسل قبله، قد اشتهروا بالتعقل والنباهة والفطنة قبل النبوة وبعدها.

стр. 437

.. لقد كان ﷺ ، أكمل الرجال عقلاً، وأشدهم فطنة، وأصوبهم قولاً، وأحكمهم فعلاً. وقد تحدى الله المشركين الذين عرفوه وعايشوه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنوناً أو اختلال عقل، وذلك فى قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ (١) . ... ففى قوله ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ أى جنون. مستأنف منبه لهم على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف فى ترجيح صدقه؛ والتعبير عنه ﷺ بـ (صاحبهم) للإيماء أن حاله معروف مشهور بينهم، لأنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بقوة العقل، ورزانة الحلم، وسداد القول والفعل (٢) . ... فالآية الكريمة تقول لهم: "ها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه، وسننه، وآدابه، وأخلاقه، وشريعته، تحت أنظاركم فانظروا وتفكروا من غير هوى ولا عصبية فى جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه – ولن تستطيعوا – ما يقيم عوج دعاواكم، وأفك أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمداً ﷺ معصوم بعصمة الله ، الذى أرسله ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد. ... وبالجملة: فإن دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه، يشهد بها كتاب الله والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٣) . ثالثها: أن ثمة فرقاً واضحاً بين صور الوحي الذى كان يتلقاه النبى ﷺ وبين أعراض مرض الصرع الذى زعمه هؤلاء المستشرقون غير المنصفين فصور الوحي قد وقفت عليها من قبل عند الحديث عن كيفياته بما لم أر بك حاجة إلى إعادة الحديث عنها هنا.

стр. 438

.. وأما أعراض مرض الصرع، فهو كما جاء فى كتاب "الموسوعة العربية الميسرة" أن يرى المريض شبحاً، ويسمع صوتاً أو يشم رائحة ويعقب ذلك وقوع المريض صارخاً على الأرض، وفاقداً وعيه ثم تتملكه رعدة تشنجية تتصلب فيها العضلات، وقد يتوقف فيها التنفس مؤقتاً... ويعقب النوبة خور فى القوى، واستغراق فى النوم يصحو منه المريض خالى الذهن من تذكر ما حدث له... الخ (١) . ... فإذا كان هذا هو الثابت علمياً، فهو بخلاف أمر رسول الله ﷺ ، فلا يظهر عليه شئ مما ذكر من أعراض هذا المرض عند نزول الوحي عليه، بل يظل فى تمام وعيه، وكامل قوته العقلية، قبل وأثناء وبعد الوحي، كما قال ﷺ ، لما سأل: كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال" (٢) . ... وقد كان جبريل ﵇ يأتى إلى النبى ﷺ فى صورة الرجل فيحادثه أمام جمع من الحضور وهم يشاهدون ذلك كما ثبت فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان... (٣) . وكما جاء فى حديث ابن عمر من إتيان جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ ، فى صورة الصحابى الجليل دحية الكلبى (٤) . ... لقد عاش النبى ﷺ طيلة حياته فى صحة نفسية وعصبية وعقلية دائمة، لم يطرأ عليه أى خلل فى عقله أو أعصابه فى يوم من الآيام، بل كان ﵊ بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وديعاً صبوراً حليماً، بل كان عظيم الصبر، واسع الحلم، فيسح الصدر حتى أنه ﷺ ، وسع الناس جميعاً ببسطه وخلقه.

стр. 439

.. وكان شجاعاً مقداماً، سليم الجسم، صحيح البدن، حتى إنه صارع ركانة (١) المشهور بشجاعته فصرعه (٢) . ... وكان يثبت فى الميدان حتى يفر الشجعان، ويفزع الخلق، ويشتد الأمر ويقول كما حدث فى غزوة حنين، وقد انقشع عنه أصحابه: "أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (٣) ويقول "إلى أيها الناس، هلم إلى، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" (٤) ولا يزال كذلك حتى ينصره الله فى المعركة.

стр. 440

.. وبالجملة: كان كمال عقله وخلقه ﷺ ، مضرب الأمثال لعصمة الله له على ما سبق تفصيله (١) . ... ولكل منصق أن يتساءل: هل يتفق هذا المرض وما هو معروف عن النبى ﷺ من أنه كان أمة وحده، فى أخلاقه، وثباته، وحلمه، وسلامة جسمه وقوة بنائه؟. ... ثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذى أعيا الأطباء، وما انتدب له رسول الله ﷺ من تكوين شموس أبيه، وتربيتها على أسمى نواميس الهداية وقوانين الأخلاق، وقواعد النهضة والرقى، مع أنها أمة صحراوية النفوس، صخرية الطباع؟!. ... أضف إلى ذلك أنه نجح فى هذه المحاولة المعجزة، إلى درجة جعلت تلك الأمة، بعد قرن واحد من الزمان، هى أمة الأمم، وصاحبة العلم، وربة السيف والقلم. ... فهل المريض المتهوس الذى لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة، ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش؟. قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم (٢) .

стр. 441

.. يقول المستشرق ماكس مايرهوف (١) : "أراد بعضهم أن يرى فى محمد رجلاً مصاباً بمرض عصبى أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره، ليس فيه شئ يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع والإدارة يناقض هذا القول" (٢) . رابعها: لو كان النبى ﷺ مصاباً بمرض الصرع، لذكر ذلك أصحابه الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا نقلوها عنه، أو ذكره أعداؤه فى ذلك العصر، هؤلاء الذين كانوا يتربصون بالنبى ﷺ الدوائر، ويودون أن يظفروا منه ولو بشئ نذر يسير يعيرونه به. ... أليس هم القائلون: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٣) فأقصى ما عابوه فيه – كما ترى – أنه فقير ومثله فى نظرهم لا يحق أن يكون نبياً.

стр. 442

.. فلو كان ﷺ مريضاً بالصرع كما زعم هؤلاء الحاقدون، لوجد أعداؤه فى ذلك فرصة سانحة للطعن عليه، لكن ما حدث ممن خلصت ضمائرهم بعض الوقت، وكانوا مع أنفسهم صادقين قبل ما يطرأ عليهم من إرهاب فكرى من أمثال الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث الذى نفى فى إشارة بليغة عن رسول الله ﷺ وما جاء به، السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، حيث أنهم يعلمون علم اليقين حقيقة هذه الألفاظ، واعترف النضر بن الحارث بإقرار صناديد قريش، أن رسول الله ﷺ وما جاء به، بعيدان كل البعد عن حقيقة الألفاظ السابقة (١) . ... وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا لم يذكر لنا التاريخ أن النبى ﷺ أصيب بهذا النوع من الأمراض المنفرة؛ فليأتنا أعداء الإسلام بما يكذب ذلك؟ ولكن أنى لهم ذلك! اللهم إلا ما كان من هؤلاء المأفونين من المستشرقين الذين زعموا هذا الزعم بناءً على تصورهم للحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحي عليه، وهى حالة واحدة من حالات متعددة كان يأتيه عليها الوحي كما علمت، وبينها وبين ما تصوروه عنها بعد المشرقين. ... وأتساءل أيضاً: هل الذين آمنوا برسول الله ﷺ منذ خمسة عشر قرناً، واتبعوا الدين الذى جاء به من قادة الفكر على امتداد العصور؛ كلهم أغبياء مغرورون، لم يميزوا بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والصحة والمرض، والكمال والنقص؟!. خامسها: ثم ما رأى هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمى إلى بعض الأديان فى أنهم لا ينالون من نبوة وعصمة سيدنا محمد ﷺ وحده؛ وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف، أوحى بها من عند الله سبحانه.

стр. 443

.. فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم؟ فما رأيهم فيما جاء فى كتب العهد القديم والجديد، من إيحاءات ونبوءات؟. ... وهل يقولون فى وحى نبى الله موسى وعيسى ﵉ ما يقولون فى وحى نبينا محمد رسول الله ﷺ ؟. ... إن الرسول ﷺ ، ليس بدعاً من الرسل فى باب الوحي، إنه أوحى إليه كما أوحى إليهم، وصدق الحق ﵎ حيث يقول: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ (١) . ... اللهم إن هذا الطعن لا يقول به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرف، وإما رجل مخرب مدمر يريد هدم الأديان (٢) . ... قلت: فلا نبينا ﷺ ، ولا أحد من إخوانه من الأنبياء أصيب بمثل هذه الأمراض المنفرة، لعصمة ربهم لهم (٣) وإنما المرضى – حقيقة – هم أعداؤهم من كل أمة. أهـ. والله تعالى أعلى وأعلم

стр. 444

المطلب الثالث: شبهة أن الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها ... لقد زعم المستشرقون أن الوحي انبثق فى الدرجة الأولى عن اليهودية والنصرانية ولكن محمد كيفه تكيفاً بارعاً وفقاً لمتطلبات شعبه الدينية (١) ويرشح لنا جولد تسيهر كيف تم له ذلك، وكيف أصبحت تعاليم اليهودية والنصرانية، وحياً تبناه محمد ﷺ ، فيقول: "فتبشير النبى العباس ليس إلا مزيجاً منتخباً من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها، التى تأثر بها تأثراً عميقاً، لقد تأثر بهذه الأفكار تأثراً وصل إلى أعماق نفسه، وأدركها بإيحاء قوة التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحياً إلهياً، فأصبح بإخلاص على يقين بأنه أداة لهذا الوحي" (٢) . ... وقد وصل الأمر ببعضهم وهو ما حكاه فيليب حتى، أن زعموا أن الإسلام برمته بدعة نصرانية أكثر منه ديناً جديداً (٣) .

стр. 445

.. ولم يخف جولد تسيهر قوله فى أن النبى ﷺ قد تتلمذ على رهبان النصارى مثل ورقة بن نوفل، وبحيرا، ونسطورا، وصهيب الرومى، وسلمان الفارسى، المسيحى الأصل، وأحبار اليهود مثل عبد الله بن سلام، الذين كانوا أساتذة له (١) وكيف تم الاتصال بأولئك؟. ... يرى بروكلمان أن ذلك تم من خلال رحلاته، والذين عاشوا معه بعد إسلامهم (٢) . ... وقد حاول المستشرقون الرجوع فى كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية أو الاثنين معاً (٣) . ... قال بروكلمان: "وتأثرت اتجاهات النبى الدينية فى الأيام الأولى من مقامه فى المدينة، بالصلة التى كانت بينه وبين اليهود... فشرع صوم العاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، على غرار الصوم اليهودى فى يوم الكفار الذى يقع عندهم فى العاشر من شهر تشرى، وبينما كان المؤمنون فى مكة لا يصلون إلا مرتين فى اليوم، أدخل فى المدينة على غرار اليهودية أيضاً، صلاة ثالثة عند الظهر... كذلك جعل يوم الجمعة يوم صلاة عامة على غرار "السبت" اليهودى... (٤) . ... ويجاب عن هذه الافتراءات بما يلى:

стр. 446

أولاً: الناظر فى شبهتهم تلك يلاحظ أنها تقوم على أنقاض الشبهتين السابقتين، إذ لما لم يكن لقولهم بهما قدم يثبت عليها، أو لك أن تقول: ساقان تحملانه عندما اصطدم مع الحق الذى لا يسمع منصفاً مخالفته، حسبما مر بك عند نقض هاتين الشبهتين، وهنا لم يجدوا بداً من أن يقولوا هذا القول الوارد فى هذه الشبهة (أعنى فى هذا المطلب) ويلاحظ أيضاً، أن زعمهم هذا لا يعدو كونه عين ما ردده جهال قريش من قبل حين قالوا كما أخبر القرآن: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾ (١) . وبذلك يتضح لك أن الكفر ملة واحدة، مهما تباعدت أزمانه واختلفت أوطانه. ... إن ما زعمه هؤلاء الملحدون هنا، هو باطل من القول سودوا به صفحات التاريخ إذ الحق الذى لا مناص عنه، ثبوت العصمة لسيدنا محمد ﷺ فى دعواه النبوة، وفى كل ما يخبر به من الوحي عن ربه ، على ما مر سابقاً فى دلائل عصمته فى تبليغ الوحي من خلال القرآن والسنة (٢) كما أنه لم يكن لأحد عليه فضل فيما جاء به، غير الله تعالى؛ فأنى لأحد من البشر كائناً من كان أن يكون له قبل بما جاء به ﷺ فينصبونه معلماً له؟. ثانياً: أين هذه الرحلات التى يتكلم عنها جولدستيهر، وبروكلمان، ومن شايعهما، والتى التقى فيها النبى ﷺ بأحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأخذ عنهم؟ ومتى كانت؟ وأين تم هذا اللقاء؟ وكم مدة قضاها ليتلقى تلك الدروس حتى يهضمها ويستوعبها؟ ومن هم الذين أخذ عنهم؟ وماذا أخذ؟. ... أسئلة يعجز المستشرقون عن إجابتها، لأنها لا إجابة لها البتة، إذ الإجابة عنها من صنع الخيال، وترهات الأفكار.

стр. 447

.. إن ما زعموه بأنه من الممكن أن يكون رسول الله ﷺ تلقف هذا الذى جاء به من بحيرا (١) ونسطورا (٢) الراهبين، زعم باطل. وذلك لأن المعروف الثابت تاريخياً أن النبى ﷺ ، لم يلق "بحيراً" هذا إلا مرة واحدة، وهى المرة الأولى التى سافر فيها إلى الشام، وكان معه عمه أبى طالب، وكان عمره ﷺ ، إذ ذاك لا يتعدى اثنتى عشر عاماً (٣)

стр. 448

ولا يعقل أن يكون سيدنا محمد ﷺ قد أخذ عنه، وهو فى هذه السن شيئاً. ... وأنى "لبحيرا" وما حواه الوحي الإلهى قرآناً وسنة، من علوم وأخبار ماضية ومستقبلة؟ هذا لو فرضنا أنه يمكن أن يكون قد أخذ عنه شيئاً. ... إن الباحث المصنف لو استنطق التاريخ، ما زاد على أن يقول له: إن الراهب "بحيراً" لما رآه تظله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه، أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بأذى. ... وكذلك الحال عندما مر رسول الله ﷺ بالراهب نسطور، وهو فى طريقه إلى الشام، يعمل فى تجارة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وكانت هذه هى المرة الثانية والأخيرة فى رحلاته خارج مكة، وكان ﷺ إذ ذاك شاب فى الخامسة والعشرين من عمره، وفى صحبته غلام خديجة ميسرة (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عن رسول الله ﷺ كان مع مسيرة، ولما تحقق الراهب من صفات النبوة فى رسول الله ﷺ ، ما زاد على أن جاء إلى رسول الله ﷺ ، وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذى ذكره الله فى التوراة، ثم قال لميسرة بعد أن خلا به: يا ميسرة! هذا نبى هذه الأمة، والذى نفسى بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتاً فى كتبهم (٢) .

стр. 449

.. ولم تذكر الأخبار أنه كان حتى هناك مجرد حديث بين الغلام الصغير محمد وبين "بحيرا" و"نسطورا" وإنما الذى ذكرته الأخبار أن كل الحديث الذى تحدث به الراهب بحيرا عنه، كان مع عمه أبى طالب (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عنه كان مع غلام خديجة ميسرة! فماذا – يا ترى – سمع الشهود – عمه أبى طالب، وميسرة – من علوم هذا الأستاذ؟ هلا نبأنا التاريخ بنبأ ما جرى خلال هذا الحديث المزعوم الذى جمع فى تلك اللحظة القصيرة علوم القرآن والسنة كاملة؟!. ... إن تلك الروايات التاريخية التى تتحدث عن اللقاء العابر بين رسول الله ﷺ وبين بحيرا ونسطورا تحيل أن يقف كل من بحيرا ونسطورا موقف المعلم المرشد لسيدنا محمد ﷺ ، لأن كلا منهما بشر عمه وميسرة، بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التى يزفها، ثم ينصب نفسه أستاذاً لصاحبها الذى سيأخذ عن الله، ويتلقى عن جبريل، ويكون هو أستاذ الأستاذين، وهادى الهداة المرشدين! وإلا كان هذا الراهب متناقضاً مع نفسه!!. ... إن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة، لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا، لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله ﷺ ، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة (٢) .

стр. 450

ثالثاً: ما زعموه من أن محمداً ﷺ ، أخذ ما زعمه أنه وحى من الله تعالى، من ورقة ابن نوفل. هو – أيضاً – باطل كسابقه، وفى الرواية نفسها التى التقى فيها رسول الله ﷺ بورقة (١) ما يبين بطلان مزاعم المستشرقين، وتهافت أقوالهم، وفسادها. وذلك فى النقاط التالية: أ- تبين الرواية أن ورقة قد تنصر فى الجاهلية، ولكن المحدثين والمؤرخين استقصوا كل ما عرف عنه مم صح سنده، ومما لم يصح، فلم يعثروا على رواية تبين أنه كان داعية إلى النصرانية. ب- لم ينقل أن النبى ﷺ قد لقى ورقة قبل هذا اللقاء أو رآه. جـ- لقد تم هذا اللقاء بعد مجئ ملك الوحي فى الغار، ونزول صدر سورة "اقرأ" وقد حضرت هذا اللقاء خديجة رضى الله عنها، وشهدته، وقد آمنت بنبوة محمد ﷺ بعد ذلك، فلو كان هنالك تعلم وتلقى ما غاب ذلك عن بالها أبداً، ولكان صارفاً لها عن الإيمان به ﷺ . د- إن موقف ورقة على ما جاء فى هذا اللقاء، كان موقف المستطلع المستخبر لا موقف المعلم، فلما أخبره النبى ﷺ ، خبر ما رأى، كان موقفه موقف المبشر المصدق المؤمن، المتطوع لمناصرة الحق، المؤيد للنبى ﷺ فيما نزل عليه من الوحي "هذا الناموس الذى نزل على موسى، ليتنى فيها جذعاً، ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك...، وإن يدركنى يومك حياً، أنصرك نصراً مؤزرا".

стр. 451

هـ- لم تذكر الروايات أنه ألقى إلى النبى ﷺ درساً أو عظة فى أى جزء من جزئيات الإسلام، كما لم يثبت أنه كان ﷺ ، يتردد عليه لتلقى تلك الدروس، والذى يفهم من كلمته المختصرة السابقة، أنه كان يتمنى أن يبقى حتى يصبح ناصراً لدين الله، وجندياً مخلصاً، وتلميذاً ناجحاً للنبى ﷺ ، لا أستاذاً مربياً، ولا عالماً معلماً. و ثم إن ورقة لم يلبث بعد هذا اللقاء، إلا أن توفى وفتر الوحي عن رسول الله ﷺ ، فكيف تكون هذه المقابلة الخاطفة ينبوعاً لما جاء به ﵊ من الوحي؟ . ز- لو ثبت أنه ﷺ ، أخذ ذلك من ورقة لما سكت أعداؤه أبداً، ولروجوا ذلك، وساروا به فى الناس جميعاً، وهم الذين تشبثوا بما هو أوهى من ذلك (١) .

стр. 452

رابعاً: إنما زعموه من أنه ﷺ ، أخذ ما جاء به من صهيب الرومى (١) لهو من أبطل الباطل. إذ أن صهيباً هذا كان حداداً يصنع السيوف، أعجمى اللسان، لا يعدو كلامه أن يكون رطانة (٢) ولا يكاد يبين (٣) ولذا قال القرآن الكريم: ﴿لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين﴾ (٤) .

стр. 453

.. والمعنى: كيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، فى فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة الشاملة، التى هى أكمل من معانى كل كتاب نزل على نبى أرسل؛ كيف يتعلم من رجل أعجمى؟ ! لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل (١) وليت شعرى: لو كان لصهيب أن يكون مرجعاً علمياً كما أرادوا أن يصفوه، فما الذى منع كفار مكة أن يأخذوا عنه، كما أخذ صاحبهم؟ وبذلك كانوا يستريحون من عنائه، ويداوونه من جنس دائه، بل ما منع صهيب أن يبدى للعالم صفحته، فينال فى التاريخ شرف الأستاذية، أو يتولى بنفسه تلك القيادة العالمية؟ بل ما منعه أن يدعى النبوة، فينسب لنفسه هذا المجد والفخار؟ (٢) إن فى عدم ادعاء صهيب شئ مما سبق، وعدم ثبوته عنه، مع صحة إيمانه برسول الله ﷺ ، دليل على صدق رسول الله ﷺ ، فى دعواه النبوة، وفى عصمته ﷺ فى كل ما بلغ من وحى ربه. خامساً: ما زعموه من أنه ﷺ ، تلقى الوحي من علماء أهل الكتاب فى عصره محض افتراء يرده القرآن الكريم الذى حفل بجدالهم ومحاوراتهم فى العقائد والتواريخ والأحكام. ... فالناظر فى محاورات القرآن لهم يرى بأى لسان يتكلم عنهم القرآن الكريم. إنه يصور علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الضلالات، ومعارفهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها المنكرات.

стр. 454

.. نعم. لا يعقل أن يصفهم القرآن بذلك ثم يقفون من صاحب هذه النبوة موقف المرشد والناصح! اقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يأفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ إلى أن قال : ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ (٢) . ... وغير ذلك كثير مما هو منثور فى ثنايا سور القرآن الكريم، وهو سهل المنال لمن طلبه. مما يفيدك بأن قوماً أمثال هؤلاء لا يعقل – وحالهم هكذا – أن يتلقى عنهم رسول الله ﷺ ، بل إنك ترى فيه معلماً يصحح لهم أغلاطهم، وينعى عليهم سوء حالهم. ... فلو كانوا معلمين له ﷺ ، لمدحهم، وجاملهم، وتودد إليهم، وتقرب منهم، ولم يقف منهم هذا الموقف العدائى، حتى لا يفضحوا أمره، ويكشفوا حاله.

стр. 455

.. ثم إن كثيراً من هؤلاء الذين يزعمون أنهم كانوا مصدر الوحي، قد أسلموا، وإسلامهم حجة قائمة على صدق نبوة رسول الله ﷺ ، وعصمته فيما بلغ من الوحي الإلهى، ولو كان هؤلاء أعانوا النبى ﷺ على الوحي، وأنه ليس من عند الله، لكانوا أدرى الناس حينئذ بحقيقة الإسلام، وبالتالى كانوا سيكونون أبعد الناس عنه، لأنهم يعرفون أنه دين ليس صحيحاً، ولكن أما وقد أسلموا وأخلصوا لله تعالى، لاسيما وأنه كانت هناك منافسة كبيرة بين أصحاب الأديان المختلفة فى ذلك الوقت، فإن ذلك كان لاستئصال ألسنة الخراصين، حتى يصابوا بالخرس رحمة بالتاريخ الذى كم لوثوه بألسنتهم هذه. وصدق رب العزة: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيد بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (١) وقال : ﴿قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾ (٢) . سادساً: من أقوى ما يدل على أن الإسلام لم يكن مقتبساً من اليهودية أو النصرانية، وجود الخلاف فى كثير من العقائد والأحكام؛ بل جعل الشارع الحكيم جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً له، ومن متطلبات الشرع، وهناك كثير من الأحكام جعلت العلة فيها هى مخالفة اليهود أو النصارى من ذلك: قوله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (٣) .

стр. 456

وقوله ﷺ : "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم" (١) . عن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ ، النبى ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه" (٣) قال الإمام ابن تيميه (٤) : "فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أنه خالفهم فى عامة أمورهم، حتى قالوا: "ما يريد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه" (٥) .

стр. 457

فهذا إقرار من اليهود عليهم لعائن الله، بمخالفة النبى ﷺ لما كانوا عليه من شعائر حتى اشتهر ذلك بينهم، ألا يكفى ذلك برهاناً ساطعاً على بطلان قول المستشرقين: أنه كيف شعائر الإسلام لتتفق مع شعائر اليهود؟ (١) . أولم يكفهم أنه ﷺ ، أخرج اليهود أذلاء حقيرين من المدينة، وأجلاهم عنها لما نقضوا عهودهم معه، وأبى عليهم أن يساكنوه فى بلد واحد؟ (٢) وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ (٣) أما وقف المستشرقون على الآيات والأحاديث العديدة الذامة لليهود الهاتكة لستورهم؟ أفى ذلك أيضاً دلالة على أن النبى كان يتقرب منهم ويتزلف لهم لكسبهم وإرضائهم؟.

стр. 458

إن النبى ﷺ ، منذ أن بعث وحمل رسالة الإسلام، نسخ الأديان السابقة، وأبطل شرعيتها، فلا نجاة لأحد من الخلق يهودياً كان أو نصرانياً إلا بالتزام شرعه، والسير على نهجه، وهو القائل ﷺ : "والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (١) . والحديث هنا بياناً وتأكيداً لقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) . فلا بقاء لدين مع دينه ﷺ ، ولا شريعة مع شريعته، بل دينه هو الحاكم والمهيمن على كل الأديان. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ (٣) . سابعاً: ما زعموه من إرجاع كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، أو الاثنين معاً، زعم باطل لما يلى:

стр. 459

أ- لأن استدلالهم بصوم عاشوراء على موافقة اليهود فيه، بناء على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "قدم النبى ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه" (١) . فعلة الموافقة الواردة فى الحديث هى التى بنى عليها المستشرقون شبهتهم السابقة، ويجاب بالآتى: ١- لقد ثبت أن النبى ﷺ ، كان يصوم عاشوراء فى الجاهلية قبل قدومه المدينة، ويدل على ذلك قول عائشة رضى الله عنها: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ ، يصومه، فلما قدم المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" (٢) .

стр. 460

وفى رواية: "وكان يوم تستر فيه الكعبة" (١) فدل بهذا على أنه ﷺ ، لم يصمه موافقة لليهود واقتداء بهم، وإنما صامه وأمر بصيامه تقريراً لتعظيمه وتأكيداً، وأخبر ﷺ أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكراً لله، كنا أحق أن نقتدى به من اليهود، لاسيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا (٢) . ٢- إن النبى ﷺ ، بين نوع مخالفة لليهود فى صيام عاشوراء، عندما شرع صيام يوم قبله، أو بعده، فعن ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ ، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله. إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ : "فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع" قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفى رسول الله ﷺ " (٣) وعنه أيضاً مرفوعاً: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" (٤) فدل ذلك على مخالفته لهم فى صيامه.
следующие страницы →