.. وقالوا: يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله ﷺ (١) إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها.
... فمتابعته ﷺ فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس على الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت.
... فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ قال نافع (٢) : "لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله ﷺ لقلت هذا مجنون" (٣) .
стр. 632
.. قلت: و استحباب التأسى بأفعال رسول الله ﷺ الجبلية هو المختار والراجح عندى.
... ومستند هذا الاختيار علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا فى حكم أمر حرام أو مباح، فنقل الناقل فى موضع اختلافهم فعلاً عن المصطفى ﷺ ، فهموا منه أنه لا حرج على الأمة فى فعل مثله (١) وجاحد هذا جاهل بمسالك المنقل على المعنى واللفظ (٢) .
стр. 633
.. وجميع المذاهب المنقولة فى هذه المسألة من الوجوب (١) والإباحة (٢) ضعيفة، وأشدها ضعفاً من ذهب إلى الحظر (٣) والوقف (٤) . ويؤيد هذا الضعف النص والإجماع.
أما النص: فقد سبق ذكر الأدلة القرآنية التى حثت على التأسى برسول الله ﷺ ، واتباعه فى فعله على الوجه الذى كان عليه ﷺ ، من أجل الهداية والفلاح فى الدارين (٥) .
стр. 634
أما الإجماع: فهو ما علمناه من سيرة الصحابة رضى الله عنهم فى رجوعهم إلى أفعاله ﷺ وتقربهم وتأسيهم بها، والمحافظة عليها، وإن لم تلح فيها قربة، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها.
... فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية رضى الله عنه (١) قال: قال لنا رسول الله ﷺ نعم الرجل خريم الأسدى (٢) لولا طول جمته (٣) وإسبال إزاره (٤) فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه" (٥) .
... فتأمل كيف أسرع خريم فامتثل قول رسول الله ﷺ . ولم يقل: وماذا فى طول الشعر؟ ولم يقل: ماذا فى طول الإزار؟ لم يقل: سنة عادة أو سنة عبادة شأن الذين قى قلوبهم مرض، إنما عجل سريعاً فقصر شعره، ورفع إزاره (٦) .
стр. 635
.. فبطل بذلك قول الحظر والوقف، وثبت أنهم فهموا؛ أنهم شرع لهم مثل ذلك القول والفعل قربة، فبطل قول الإباحة، وترجح الندب. ويبطل قول الوجوب ما سبق فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه من خلع الصحابة رضى الله عنهم نعالهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه (١) فكان من كمال تأسيهم برسول الله أنهم فهموا من خلعه نعليه القربة فبادروا إلى متابعته، أو لم يفهموا قربه، واتبعوه على جارى عادتهم فى اتباعه والتأسى به، مع أنهم لم يعلموا أن ذلك صدر منه وجوباً أو ندباً أو إباحة، وهو عين مسألة النزاع مع من يشترط فى شرعية التأسى به ﷺ معرفة صفة فعله؛ فبطل قول الوقف.
... وأيضاً: لو كان الاقتداء به ﷺ فى فعله واجباً ما سألهم "ما حملكم إلقائكم نعالكم؟ " لعلمه بأنه يجب عليهم متابعة فعله، فبطل قول الوجوب.
... ثم إنه ﷺ لما سألهم لم فعلوا ذلك، ذكروا أن مستند فعلهم متابعته فى فعله، ولم ينكر عليهم الاستدلال به، فدل ذلك كله على ما سبق من ترجيح استحباب متابعته ﷺ فى فعله.
стр. 636
.. وإنه لدرس لأهل زماننا، ولمن بعدنا أن نتبع هديه ﷺ كما اتبعوا، وأن نسير على نهجه، كما أمرنا ربنا فقال: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (١) وصور اتباع السلف هديه ﷺ ، وحرصهم على الاقتداء به كثيرة وكثيرة (٢) ودلالاتها متعددة؛ فهم يؤمنون بعصمته فى أحواله كلها، وهم يحبون هديه، ويحرصون على الاقتداء به كل الحرص، لا يفرقون بين الواجب والمندوب، ولا بين الفعل الشرعى والفعل الجبلى، وإنما يفعلون ما فعل، ويتركون ما ترك، يمتثلون أمره، وإن دلت القرائن على أقل من الواجب، ويجتنبون ما نهى عنه، وإن دلت القرائن على أنه دون الحرام.
... إنهم يرون المعصوم ﷺ رسم خطاً، جاء به من عند الله، فالتزموه حباً وطاعة، ولم يؤولوا، ولم يسوفوا، ولم يهونوا، وإنما امتثلوا على خير وجه، فإنه الدين الذى أمرنا الله به، ورتب السعادة عليه، وأمرنا بالاستقامة التى لا تتفق مع أدنى ميل عنه فقال سبحانه: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعمون بصير﴾ (٣) .
... وبعد: هذا المعصوم نبيكم ﷺ ، وخيار أمتكم رضى الله عنهم، فكيف أنتم؟ (٤) .
стр. 637
وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعاً، اجتهاده ﷺ ، وقوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" فلنحرر القول فى المراد من قوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" بعد أن سبق تحرير القول فى اجتهاده ﷺ وعصمته فيه. فإلى نقض دليلهم فى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى.
نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى:
... الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بأن السنة النبوية ليست كلها وحى؛ وبالتالى يقسمونها إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية، هو حديث رسول الله ﷺ الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته ومنها قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ففى رأى أنصار تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه "لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته ﷺ ليست كلها شرعاً لازماً، وقانوناً دائماً لكفى. ففى نص عبارة الحديث - بمختلف رواياته - تبين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله ﷺ إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحي فحسب" (١) .
... وبالتأمل فى قول بعضهم السابق ترى التصريح بأنهم يعتبرون أن اجتهاده ﷺ ليس من الوحي!.
... ولقد صرح بعضهم على ما سبق أن أفعاله الجبلية، وما سبيله الحاجة البشرية من الأكل والشرب والنوم والمشى... الخ وما صدر عنه فى المعاملات وشئون الاقتصاد والسياسة، والقضاء والإدارة والحرب... الخ من شئون الدنيا التى لا حى فيها (٢) .
стр. 638
.. فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟! أقول: الحديث لا يسندهم فى دعواهم ولا حجة لهم فيه؛ لأن قوله ﷺ : لما مر على قوم يلقحون النخل "ما أظن يغنى ذلك شيئاً" واضح منه أنه كان اجتهاداً منه ﷺ ، ولم يرد بذلك صرفهم عما هم فيه؛ بدليل أنهم لما تركوا التأبير، ووصل الخبر إليه ﷺ بين لهم أنه ظن – أى اجتهد – وأنه ما يصح أن يصرفهم الظن – أى الاجتهاد – عن أمر يرونه صواباً. وتأمل قوله: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن" فهم غلطوا فى ظنهم أنه نهاهم بوحى، كما غلط من غلط فى ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود (١) .
... ثم بين لهم رسول الله ﷺ ، أنه إذا حدثهم بوحى عن الله تعالى فإنه لن يخطأ فى هذا الوحي.
стр. 639
.. وتأمل قوله: "إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله تعالى" فالكذب هنا بمعنى "الخطأ" (١) أى: فلن أخطأ فيما أبلغ من وحى الله تعالى؛ ولا يصح أن يكون المراد حقيقة الكذب، لأنه ﷺ معصوم منه، حتى ولو حدث عن غير الله تعالى! إذن فمراده ﷺ ، أنه اجتهد، وفى اجتهاده أخطأ؛ بدليل ما جاء فى رواية رافع بن خديج من قوله ﵊: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر".
... ولكن: هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى ؟.
стр. 640
أقول: نعم بدليل قوله بعد ذلك: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" حيث صار هذا القول منه اجتهاد بعد اجتهاد (١) وأقره الوحي على اجتهاده الثانى (٢) حيث لم يرد تنبيه أو تصويب ولا حتى عتاب، على هذا الاجتهاد فى القرآن الكريم ولا فى السنة المطهرة، وهو ما يعنى أن رب العزة أقره فى اجتهاده الثانى. أعنى: قوله ﷺ : "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وبهذا الإقرار صار اجتهاده هنا فى هذه المسألة وحى من الله تعالى، ولا يجوز مخالفته؛ وهو ما يقر به هنا الخصم حيث استدل بهذا الاجتهاد الثانى على ما يزعم، مع اختلافنا معه فى دلالة الحديث على ما يستدل به.
... فالخصم يستدل بقوله ﷺ "أنتم أعلم بأمر دنياكم" على أن ما جاءت به السنة من شئون الدنيا يجوز مخالفته، حيث كل أمة فى زمانها أعلم بهذه الشئون من السنة؟.
... كما استدلوا بقوله السابق، على أن ما يصدر عنه ﷺ بوصفه قاضياً، أو إماماً ورئيساً للدولة، سنة غير تشريعية ليست من الوحي؟ فهل هذه المعانى واردة ومرادة فيما استدلوا به؟.
... بالقطع لا. فهذه المعانى ونحوها مستبعدة ولا تصح؛ لأن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية منه الواجب والمحرم والمكروه والمندوب والمباح شرعاً على ما سبق تفصيله (٣) .
стр. 641
.. كما أن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية وضع له الإسلام قرآنا وسنة، أرقى أنواع التشريع، لأن ما يصدر عن القاضى والحاكم ونحو ذلك مما يطلقون عليه سنة غير تشريعية، له علاقة بالأفراد والجماعات وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وضوابط لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض؛ فهل يعقل أن الله يترك المعاملات من بيع وشراء، وتفصيل الربا، والرهن، والشركة، وغيرها من المعاملات دون تشريع؟.
... وهل يعقل أن يترك القاضى ورئيس الدولة ونحوهم دون تشريع ينظم علاقة كل منهما بمن تحت سلطانهم وحكمهم؟!.
وبالجملة: هل يعقل أن يترك البشرية هملاً فى شئون دنياهم يأكل بعضهم مال بعض، ويظلم بعضهم بعضاً تحت عنوان: "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؟.
... هل يعقل أن يترك الله تعالى رسالة الإسلام (قرآناً وسنة) بما فيها من عقيدة وشريعة، ودين ودنيا، لرسول الله ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أكثر من خمسة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، أو يزعم أنه أعلم بمصالحها، ويخالف حكم رسول الله ﷺ فيما جاء به من تشريعات فى شئون الدنيا؟ أظن أن العقل المسلم السليم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.
... ومن هنا فلا يصح أن يكون المعنى فى قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" أن كل فرد أو أمة أعلم من غيرها بشئون ومصالح نفسها فى الأمور الدنيوية؛ لأن هذا المعنى وإن صح فى المباحات، فلا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها مصلحة بناء على سبق علمه الذى خلق.
стр. 642
.. ثم إن هذا المعنى لا يتناسب مع القصة؛ فكما قلت: رسول الله ﷺ اجتهد فى عدم تأبير النخل، وخالف اجتهاده الصواب، فجاء التصحيح لما اجتهد فيه بقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" والمراد: أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى. وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها.
... ويصح أن يكون المعنى أيضاً: أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشاورتى الاجتهادية، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً.
... وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات (١) أو غيرها من شئون الدنيا التى أطلقوا عليها سنة غير تشريعية. لأن الحديث – كما رأيت – تطرق إليه أكثر من احتمال فى معناه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
... بقى سؤال يطرح نفسه، وربما يثور فى نفوس البعض وهو: لماذا ألهم الله رسوله ﷺ ، أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟.
... ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعرفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟.
стр. 643
.. ولماذا لم يتدارك الله هذا الاجتهاد بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم، ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ﷺ ؟.
... الجواب: عن ذلك فى محاولة تلمس حكمة لهذه القصة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلا فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور:
أولاً: صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقو شوكتهم بعد: ألم يكن هذا من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول رسول الله ﷺ فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال.
ثانياً: تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة.
ثالثاً: اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه القصة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضى الله عنهم فى هذا الاختبار القاسى، وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره ﷺ ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين (١) ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه القصة. والله أعلم بحكمته أهـ.
وصلى الله وسلم وبارك على المعصوم
الهادى الأمين، ورزقنى الله حبه، ونصرته
стр. 644
واتباعه، وشفاعته
стр. 645
الباب الرابع: عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات
... ويشتمل على تمهيد وسبعة فصول:
تمهيد:
الفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها.
الفصل الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار" والرد عليها.
الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى"نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام" والرد عليها.
الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة" والرد عليها.
الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله ﷺ نسائه فى المحيض" والرد عليها.
الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته ﷺ لعائشة رضى الله عنه استماع الغناء والضرب بالدف" والرد عليها.
الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة" والرد عليها.
تمهيد:
... إن رسول الله ﷺ لا تقتصر مهمته على مجرد بلاغ الوحي قرآناً وسنة، وإنما فوق ذلك نموذج حى ومتحرك، يطبق عليه الشرع الذى جاء به بأوفى ما يكون من التطبيق، حتى يظهر هذا الشرع أمام أمته وقومه فى أجلى صورة عملية.
... وكان رسول الله ﷺ فى هذا التطبيق معصوماً فى أحواله كلها، وشهد له بتلك العصمة القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله فى أكثر من موضع فى البحث (١) .
стр. 646
.. كما دل على عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه؛ اتفاق السلف وإجماعهم، وذلك أن نعلم من دين الصحابة رضى الله عنهم وعادتهم، مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره ﷺ فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهواً أو عمداً، أو رضا أو سخطاً، أو جداً أو مزحاً، أو صحة أو مرضاً أو ... الخ.
... وقد سبق ذكر الأمثلة على مسارعة السلف الصالح رضى الله عنهم إلى التأسى به ﷺ ، والتبرك بآثاره فى جميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة (١) .
... إلا أن أعداء السنة المطهرة، يحرصون فى عصرنا على تناول الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة؛ وخاصة صحيحى البخارى ومسلم بالنقد والتجريح، المزور الباطل، وذلك كى يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة والسيرة العطرة الواردة فيها، وصرف المسلمين عنها؛ بزعمهم أن كتب السنة ورواتها شوهوا سيرة المعصوم ﷺ .
... إن هؤلاء النابتة من أعداء ديننا وأمتنا، اتخذوا من تحكيم عقولهم الزائغة القاصرة، المقياس الأول والأخير فى نقدهم للأحاديث والحكم عليها، ويتخذون من ذلك ذريعة إلى إنكار الأحاديث التى تتناول سيرة المصطفى ﷺ ، وتخطئة علماء السنة، وتخطئة الجمهرة من المسلمين الذين اهتدوا بهديهم وعلمهم، وساروا على دربهم، يدفعهم إلى ذلك عمى البصيرة، وحقد دفين على سنة رسول الله ﷺ كما يهدفون إلى أن يبتعد الناس عن نور النبوة المباركة وهديها المستقيم، وهم يطوون حقدهم وأهدافهم وراء تناول بعض الأحاديث التى تحتاج إلى فهم خاص، يتلاءم مع مبادئ الإسلام، والفهم الصحيح لتعاليمه وقيمه.
стр. 647
.. وسوف أذكر نماذج من تلك الأحاديث الصحيحة التى تتناول سيرة رسول الله ﷺ ؛ والتى طعنوا فيها بحجة أنها تطعن فى عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه.
... ولكن قبل ذكر تلك النماذج والجواب عنها؛ أرى الرد على زعمهم أن سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة والتاريخ تختلف عنها فى القرآن الكريم، لما فى ذلك من صلة بالأحاديث التى تعمدوا الطعن فيها، وطبيعة نقدهم لها.
فإلى بيان ذلك فى الفصل التالى
الفصل الأول: شبهة اختلاف سيرة رسول الله ﷺ فى كتب السنة
والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها
... حرص أعداء السنة المطهرة، وهم يطعنون فى صحيح الإمام البخارى، بل وفى سائر كتب السنة المطهرة، إيهام الناس أجمعين بأن سيرة النبى ﷺ ، وشخصيته كما رسمها القرآن الكريم، تختلف عن شخصيته وسيرته كما رسمها الإمام البخارى، وغيره من أصحاب كتب السنة المطهرة.
... والنتيجة كما يزعمون الإساءة المتعمدة، وتشويه سيرة النبى ﷺ وشخصيته العطرة من الإمام البخارى، وسائر أئمة السنة (وعصمهم الله من ذلك) وهم قد لبسوا لهذه النتيجة لباس العلماء، لإيهام من يقرأ لهم أنهم على صواب، فساروا إلى أحاديث السيرة الشريفة فى الصحيحين، وعمدوا إلى بترها تارة، وإلى إعادة صيغتها بأسلوبهم، وتحميل ألفاظها مالا تحتمل من المعانى تارة ثانية، وعمدوا إلى الأمرين معاً تارة ثالثة، ووضعوا صياغتهم الخبيثة عناوين لأحاديث السيرة الصحيحة التى طعنوا فيها.
стр. 648
فتجد أحمد صبحى منصور فى كتابه "لماذا القرآن" (١) يخصص الفصل الثالث منه للطعن فى السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، ويبدو ذلك واضحاً فى العناوين التى وضعها؛ والتى منها ما يلى: "سيرة النبى ﵇ بين حقائق القرآن وروايات البخارى"، "البخارى ينسب للنبى الأكاذيب والمتناقضات"، "القرآن يحرص على حرمة بيت النبى التى هتكتها كتب الأحاديث"، "هل كان النبى يباشر نساءه فى المحيض"، "هل كان لدى النبى متسع ليكون كما وصفته تلك الأحاديث" (٢) .
وفى كتابه "قراءة فى صحيح البخارى" يعنون للفصل الثانى منه بعنوان: "النبى والنساء من خلال أحاديث البخارى" وذكر تحته عناوين منها: "فى البخارى النبى يدور على نساء الآخرين ويخلو بهن"، "فى البخارى هوس النبى بالجماع".
ويعنون للفصل الثالث: "البخارى يهدم شخصية النبى رسولاً وحاكما"، ويعنون للفصل الرابع: "منهج البخارى فى تصويره شخصية النبى" (٣) .
ويبين أحمد صبحى هدفه من كل ما سبق فى كتابيه: "لماذا القرآن" و"قراءة فى صحيح البخارى" قائلاً: "ومن واقع نظرتنا للبخارى كأحد علماء التراث؛ فإننا لا نقصد مطلقاً أن نعقد مقارنة بينه وبين القرآن الكريم – نعوذ بالله من ذلك – وإنما نقصد من هذا المبحث رصد تلك الفجوة الهائلة بين سيرة النبى فى القرآن، وبين سيرته المتناثرة بين سطور البخارى" (٤) .
стр. 649
وتجد نيازى عز الدين يعقد فى كتابه "دين السلطان" فصولاً يطعن فيها هو الآخر فى السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، ويعنون لبعض فصوله هكذا.
الفصل السادس: أسلوب الإساءة المتعمدة لشخص الرسول ﷺ .
الفصل السابع: الأحاديث التى تناقض أخلاق الرسول ﷺ .
الفصل الثامن: لماذا شوهوا صورة الرسول الكريم من خلال الأحاديث.. الخ.
... ويبين هدفه مما سبق من عناوين فصوله، وما ذكره تحتها من أحاديث طعن فيها قائلاً: "ما هى الصورة التى صورها جنود السلطان عن الرسول ﷺ وزوجاته؛ ليس فى كل الحديث، ولكن فقط فى صحيح البخارى ومسلم؟.
... فما هى الصورة من خلال ما اختاره الشيخان للرسول الكريم ﷺ حتى تكون بالتالى صورة لدى كل المسلمين عن رسولهم وآله أجمعين؟ لقد استغل الرواة والمحدثين وأغلبهم من الحاقدين والموتورين، استخدام الأحاديث بشكل يكون ظاهرها تعليمياً، وباطنها الدس والإساءة للرسول ﷺ ونسائه أمهات المؤمنين أجمعين" (١) .
وتجد صالح الوردانى، يخصص أحد مؤلفاته ليدافع بها عن رسول الله ﷺ ضد من ظلموه فى نظره من الفقهاء والمحدثين؛ ويزعم أن الروايات التى تتحدث عن سيرته "تمثل أكبر إهانة لشخص الرسول، وأن موقف أهل السنة منها لهو إهانة أكبر وهو إن دل على شئ، فإنما يدل على أن القوم ألغوا عقولهم، وطمسوا بصيرتهم حتى أنهم لم يعوا مدلول قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢) وأن هذا الخلق العظيم الذى وصفه به سبحانه ليتنافى مع ما هو أقل مما يلصقونه به عن طريق هذه الروايات" (٣) .
стр. 650
وتجد هشام آل قطيط (١) يقول فى كتابه: "حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين" تحت عنوان "النبوة فى الصحيحين البخارى ومسلم" "أقول إنه من المؤسف حقاً أن نجد نفس الخرافات، والافتراءات النابية التى عجت بها التوراة والإنجيل بحق الأنبياء فى الصحيحين والأنكى من ذلك والأدهى والأمر، أن الصحيحين لم يكتفيا بلطخات العار السوداء هذه بحق الأنبياء، حتى ارتكبا ما هو أفظع وأمر، بالافتراء على النبى ﷺ ، تلك الافتراءات المشينة، والتى نربأ نحن بأنفسنا عن ذكرها، فكيف بفعله؟ وتشويه صورته المقدسة بما لا ينسجم مع أى حال، وما رسمه القرآن الكريم لها" (٢) .
ولم يكتف أعداء الإسلام من خصوم السنة والسيرة بما سبق، بل زعموا: "أن الربط بين كتاب الله ، والسنة النبوية، فى تحديد شخصية وسيرة النبى ﷺ ، صورة من صور تأليه الرسول، ومن يعتقد بها فقد وقع فى عبادة الرجال" (٣) .
يقول أحمد صبحى منصور: "والمؤكد أن الذى سيصمم على الانتصار للبخارى والتعصب له بعد قراءة هذا الكتاب، إنما هو فى الحقيقة عابد له لا يشرك فى عبادته أحد" (٤) .
стр. 651
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولاً: إذا كان أعداء الإسلام من خصوم السنة المطهرة، يتظاهرون هنا كذباً بأنهم يدافعون عن سيرة النبى ﷺ الواردة فى السنة النبوية فقد سبق أن وجدت بعضهم يطعن صراحة فى سيرته ﷺ مستشهداً بالقرآن الكريم، وزاعماً كذباً أنه ﷺ غير معصوم، ويجوز عليه الشرك الأكبر، وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل الرسالة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم التى سبق الجواب عنها فى موضعها.
ثانياً: من المقرر عند علماء المسلمين كافة أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، ولا أن يحدد شخصيته ودوره، وسيرته فى أمته، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم ﷺ ، أو غيره من الأنبياء.
... فالأنبياء جميعاً – عليهم الصلاة والسلام – قد اصطنعهم الله لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، كما قال فى حق سيدنا موسى ﵇ ﴿وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿واصطنعتك لنفسى﴾ (٢) .
... وإثبات اصطناع الله لواحد من الأنبياء، هو إثبات لاصطناع سائر الأنبياء، لأن حقوقهم واحدة من هذه الناحية لا تختلف أبداً، فما يجب فى حق واحد منهم يجب كذلك فى حق الجميع، وما يستحيل فى حق واحد منهم يستحيل كذلك فى حق الجميع.
... وعليه فالله وحده الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة لمن اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ويحدد لنا شخصيته ودوره، وسيرته.. الخ هذا كله لله وحده، وليس لأحد أن يتدخل فى شئ منه.
стр. 652
ثالثاً: بناء على ما سبق فقد اعتبر العلماء أن سيرة النبى ﷺ وشخصيته العطرة حددها رب العزة فى كتابه العزيز. واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام مسلم وغيره من طريق سعد بن هشام بن عامر (١) أنه سأل عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ بقوله: "يا أم المؤمنين أنبئينى عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شئ حتى أموت" (٢) .
стр. 653
.. وفى رواية عنها قالت: "كان خلق رسول الله ﷺ القرآن. ثم قالت أتقرءون سورة "المؤمنون"؟ قال: قلنا نعم، فقالت: اقرأ، قال: فقرأت: ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون﴾ (١) فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ (٢) وفى رواية ثالثة قالت: "كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه" (٣) .
... وهذا الجواب الوجيز الجامع من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: "فإن خلق نبى الله القرآن" أجمع وصف يعرف به شخصيته ﷺ وسيرته العطرة.
... فقد أفادت عائشة رضى الله عنها السائل أنه ﷺ كان يتمثل القرآن فى أقواله وأفعاله، وأوامره، ونواهيه "وأن كلامه كان مطابقاً للقرآن تفصيلاً وتبياناً، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعماله: ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه: لما منع منه القرآن، ورغبته: فيما رغب فيه القرآن، وزهده: فيما زهد فيه، وكراهيته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه فى تنفيذ أوامره.
... فترجمت أم المؤمنين رضى الله عنها لكمال معرفتها بالقرآن، وبالرسول ﷺ ، عن هذا كله بقولها: كان خلقه القرآن، وقد حسن تعبيرها وجمع من المعانى مالا يجمعه كثير الكلام.
стр. 654
.. وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى" (١) فهم أن يقوم ولا يسألها عن شئ كما جاء فى الحديث، وتأهب لأن يرجع إلى القرآن فيبحث عن مكنونات جواهره الأخلاقية، ويستدل بها على أخلاق النبى ﷺ ، لأنه كان أوفى من يطبق آياته.
... ولا ريب أنه إن فعل ذلك فإنه سيجد بغيته كاملة؛ لأن رسول الله ﷺ قد كان متمسكاً بآداب القرآن وأوامره، ونواهيه، وجميع ما قصه الله تعالى! فى كتابه من مكارم الأخلاق عن نبى أو ولى، أو حث عليه أو ندب إليه، كان ﷺ متخلقاً به.
... وكل ما نهى عنه ونزه عباده عنه، كان ﷺ لا يحوم حوله، لأنه كان يبين القرآن بأقواله وأفعاله وأحواله، وتلك هى مهمته التى كلفه الله تعالى بها بمثل قوله : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢) .
... ولأن الإحاطة بكل أخلاقه ﷺ ، والتعرض لحصر جزئياتها تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، وأمر يطول، أرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تقرب للسائل إدراك ما لابد من إدراكه من تلك الجزئيات الأخلاقية فأوقفته على مثال واحد، وهو ما تضمنته مقدمة سورة المؤمنون" ليذهب فيستضئ بذلك المثال، لاستنباط أخلاقه ﷺ من القرآن على ذلك الغرار.
стр. 655
أو دلته على منهج يتبعه فى الوقوف على جزئيات أخلاقه ﷺ من خلال القرآن، كما فى رواية: "كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه" (١) فدلته على المواطن التى فيها رضا لله تعالى من صنوف الطاعات والقربات، فيعلم أن النبى ﷺ قد كان متخلقاً بها، ويرضيه انتهاجها من نفسه، ومن أمته، وعلى المواطن التى فيها إغضاب لله تعالى من صنوف الإشراك والمعاصى، فيعلم أن النبى ﷺ كان فى غاية البعد عنها، وأنه يغضب لاقترافها، والعمل بها من أحد من البشر، وإذا غضب لله فلا يقوم لغضبه أحد كما لا يخفى.
... إذن كلمة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: "فإن خلق نبى الله كان القرآن" تعنى: أنه ﷺ هو والقرآن كيان واحد، يتمثل فى شخصه الكريم، كل ما فى القرآن الكريم من أخلاق، وآداب، وفضائل، ومكارم، يترجمه ﷺ فى كل كلامه وأفعاله بما فيها حركاته وسكناته، حتى استحق من ربه الثناء العظيم فى قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (٢) .
... وأستطيع أن أقول بدون تردد: إن القرآن الكريم هو شريعة الإسلام قولاً، ورسول الله ﷺ هو شريعة الإسلام عملاً فحياته ﷺ كلها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال وتقديرات حتى الحركات والسكنات، هى تفصيل وبيان وترجمة حية لما اشتمل عليه القرآن الكريم من عقائد، أو عبادات، أو معاملات أو أخلاق، أو حدود، أو أحوال شخصية... الخ.
стр. 656
.. وإذن فلم تكن هذه المفتريات التى زعمها أعداء الإسلام من خصوم السنة على سيرة النبى ﷺ الواردة فى صحيح السنة النبوية، لم يكن مقصوداً بها الرسول لذاته، وإنما كانت غايتها تدمير الشريعة وصاحب الشريعة جميعاً، ثم يتأتى من وراء ذلك تدمير المجتمع الإسلامى كله!.
... والنتيجة من كل ما سبق: أن القرآن الكريم خير مصدر لمعرفة شخصية رسول الله ﷺ ، وسيرته الشريفة، معرفة واضحة دقيقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
... فالقرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية رسول الله ﷺ وسيرته منذ البعثة وما بعدها، وهو أيضاً المسيطر على دفع أو كبح أو تعديل حركة السيرة، والإشراف المتحكم بمفاهيم وقائعها (١) .
رابعاً: إذا كان القرآن الكريم هو الباعث لتشخيص شخصية السيرة النبوية، وكانت تلك السيرة العطرة هى الترجمة الحية لذلك الكتاب العزيز عرفت هنا فقط: أن كتاب السيرة النبوية وعلماءها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة، إلا تثبيت ما هو ثابت منها، بمقياس علمى، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.
... فإن انتهت بهم هذه القواعد العلمية الدقيقة إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعتهم النفسية، أو مألوفاتهم البيئية إلى شئ من تلك الوقائع بأى تلاعب أو تحوير.
... لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التى يتم الوصول إلى معرفتها، بالقواعد العلمية التى تتسم بمنتهى الدقة، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هى.
стр. 657
.. كما كانوا يرون أن من الخيانة العلمية والدينية التى لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية؛ والرغبات النفسية، التى هى فى الغالب من انعكاسات البيئة، ومن ثمار العصبية، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء، ويحور فيها كما يريد.
... ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ، وصلت إلينا سيرة المعصوم ﷺ بدءاً من نسبه، وولادته، إلى طفولته، فصبوته اليافعة، إلى الإرهاصات الخارقة التى صاحبت مراحل طفولته، وشبابه، إلى بعثته، وظاهرة الوحي التى تجلت فى حياته، إلى أخلاقه، وصدقه، وأمانته، إلى الخوارق والمعجزات التى أجراها الله تعالى على يده، إلى مراحل الدعوة التى سار فيها لتلبية أمر ربه، من سلم، فدفاع، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى الله تعالى أى تهديد، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التى أوحى بها إليه، قرآناً معجزاً يتلى، وأحاديث نبوية تشرح وتبين.
... لقد كان العمل التاريخى إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته ﷺ ينحصر فى نقلها إلينا محفوظة مكلوءة، ضمن تلك الوقاية العلمية التى من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله، ومن حيث الرجال وتراجمهم، ومن حيث المتن أو الحادثة، وما قد يطوف بها من شذوذ، وعلة.
... أما عملية استنباط النتائج والأحكام، والمبادئ، والمعانى، من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمى آخر يميز بعلم الحديث رواية، وهو عمل علمى متميز، ومستقل بذاته، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى، من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والأحكام من تلك الأحداث، ضمن قالب علمى يقصيها عن سلطان الوهم، وشهوة الإرادة النفسية، والتى عبر عنها أعداء الإسلام من خصوم السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة بصياغاتهم الخبيثة التى سبق ذكر بعضها فى أول هذا الفصل.
стр. 658
.. وهذا بخلاف أئمة الإسلام من الفقهاء والمحدثين فقد استنبطوا من أحداث السيرة النبوية طبقاً لقواعد علم الحديث رواية، أحكاماً كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك (١) .
... إذن ليس للإمام البخارى، وغيره من أئمة السنة الشريفة، من أصحاب المصنفات الحديثية، والتاريخية، أن يرسموا شخصية النبى ﷺ ، ولا سيرته العطرة، لأن دورهم كما سبق، هو تسجيل تلك التراجم الحية التى اشتمل عليها القرآن الكريم، من عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، وحدود، وغزوات، وأحوال شخصية... الخ.
خامساً: التأكد من صحة نقل السيرة النبوية الواردة فى السنة المطهرة، سهل ميسور من خلال دراسة السند والمتن، وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم، إلى صحة أصول السيرة النبوية التى اشتملت عليها صحاح كتب السنة، وعلى رأسها الصحيحين للبخارى ومسلم، وهذان المصدران (القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة) أهم مصادر السيرة وأوثقها، وإليهما نرجع للاستيثاق مما يوجد فى المصادر الأخرى من كتب السيرة والتاريخ، والتى تتنوع بحسب موضوعاتها إلى كتب الشمائل، وكتب دلائل النبوة، وكتب المغازى، وكتب السيرة بوجه عام (٢) .
سادساً: إذا كان القرآن الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل فى التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخى.
... وإذا كانت السنة الشريفة نقلت لنا سيرة رسول الله ﷺ بالسند الصحيح المتصل مما يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها.
... فإنك تجد نفسك فى النهاية أمام أصح سيرة وأقواها ثبوتاً متواتراً هى سيرة المعصوم سيدنا محمد ﷺ .
стр. 659
.. واتباع تلك السيرة المطهرة، والاهتداء بها، واعتمادها فى معرفة شخصية النبى ﷺ . ليس فى ذلك عبادة للرجال الذين دونوها، كما يزعم أعداء الإسلام من خصوم السنة لأن الرجال الذين دونوها من الأئمة الأعلام، دورهم كما سبق هو تسجيل ذلك البيان النبوى للقرآن الكريم قولاً وعملاً، وتلك حقيقة علمية تاريخية لا ينكرها إلا جاحد!.
... فأين عبادة الرجال التى يزعمها عبدة أهواءهم وشياطينهم؟! قال تعالى: ﴿افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ (٢) .
سابعاً: ليس فى الربط بين القرآن الكريم، والسنة النبوية فى تحديد شخصية وسيرة النبى ﷺ ، شرك وتأليه لرسول الله ﷺ كما يزعم أعداء السنة المطهرة (٣) ، لأن الربط هنا ربط إلهى، وطاعة لله .
стр. 660
.. فرب العزة هو الآمر لعباده بوجوب الإيمان به ﷺ ، وتصديقه فى كل ما يخبر به من الوحي الإلهى (متلو من القرآن، أو غير متلو من السنة) قال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) فالإيمان بسيدنا رسول الله ﷺ واجب متعين لا يتم إيمان إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه لقوله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً﴾ (٣) .
... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الإيمان برسول الله ﷺ ، والربط بين الإيمان به، والإيمان بالله شرك؟! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
وإذا وجب الإيمان به ﷺ ، وجب تصديقه وطاعته فيما جاء به من الكتاب والسنة، لأن ذلك مما أمرنا به المولى فى آيات عدة منها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ (٥) .
... فتأمل كيف جعل رب العزة طاعة رسوله ﷺ طاعته، وقرن طاعته بطاعته ﷺ ، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره، واجتناب نهيه.
...
стр. 661
قال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول فى التزام سنته، والتسليم لما جاء به، وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فمن زعم بعد ذلك أن الربط بين طاعته ، وطاعة رسوله ﷺ ؛ شرك وتأليه لرسول الله ﷺ ، فقد رد على ربه كلامه! وقد سبق تفصيل ذلك فليراجع (٢) .
...
وجملة القول: أن منكرى السنة الذين يزعمون كذباً أن السيرة النبوية لرسول الله ﷺ ، والتى نقلها أهل الحديث فى كتبهم مخالفة لسيرته فى القرآن الكريم، وأن المصادر الحديثية شوهت سيرته العطرة، كذبوا فى زعمهم وتظاهرهم هذا، فقد طعنوا أيضاً فى سيرته ﷺ الواردة فى القرآن الكريم بزعمهم عدم عصمته وأنه كان فى ضلال وغفلة قبل البعثة... الخ كما سبق الإشارة إلى ذلك فى أول الجواب.
... وفى الحقيقة: فإن منكرى السنة، لا يريدون السنة، ولا يريدون أسانيد ولا يريدون نقله يصلون بهم إلى رسول الله ﷺ ! وكيف يصلون إلى رسول الله ﷺ ، وهم يكرهون من يوصل إليه، ويحملونهم إلى عصره، وييسرون لهم سماعه ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وصفاته... الخ.
... إنهم يكرهون الصحابة، ويكرهون التابعين، واتباع التابعين، وتبع الأتباع، واتباع التبع... إنهم يكرهون الدواوين التى جمعت كل هذه الطرق، وحفظت هذا الاتصال، ويكرهون من جمع هذه الدواوين.
... يكرهون القواعد التى وضعها العلماء لاستخلاص السنة والسيرة، من وضع الوضاعين، وخطأ المخطئين، ووهم الواهمين.. يكرهون مدرسة الحديث بكل ما فيها، ومن فيها.
стр. 662
.. وهذه الكراهية فى الحقيقة كراهية لرسول الله ﷺ ، وحقد على بقاء رسالته، متمثلة فى سنته، وسيرته العطرة، ومحاولة للقضاء على ما ورثته الأمة عنه ﷺ ، من العلم الذى هو الميراث عن النبيين، وهو فى نفس الوقت حقد على هذه الأمة التى اختصها الله بحفظ سنة وسيرة نبيها ﷺ على أكمل ما يكون الحفظ والتوثيق.
... وإذا تقرر سابقاً أن سول الله ﷺ ، هو والقرآن الكريم كيان واحد، وأن سيرته الشريفة هى الترجمة الحية، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من تعاليم وأحكام؛ فسوف يتأكد ذلك بالأمثلة عند الجواب على الأحاديث التى طعنوا فيها، وزعموا أنها تشويه لسيرته العطرة، وأنها مخالفة للقرآن الكريم، وتطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه.
فإلى بيان ذلك فى الفصول التالية
الفصل الثاني: شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار" والرد عليها
... روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس رضى الله عنه قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، ومعها صبى لها، فكلمها رسول الله ﷺ ، فقال: "والذى نفسى بيده، إنكم أحب الناس إلى مرتين" (١) .
стр. 663
.. بهذه الرواية طعن أعداء السيرة العطرة فى صحيح الإمام البخارى، وأوهموا القارئ بأن الحديث يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم، حيث جاء فى الرواية أنه ﷺ ، خلا بامرأة، ثم قال: "إنكم أحب الناس إلى".
... يقول أحمد صبحى منصور: "والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك، وذلك ما يريده البخارى بالطبع" (١) .
والجواب:
أولاً: أقول لهؤلاء النابتة الضالة التى تريد الطعن والتشكيك فى صحيح الإمام البخارى، لتسقط مكانته كأصح كتاب بعد كتاب الله ، ولتسقط بسقوطه كل كتب السنة التى تليه، إذ هو بمثابة الرأس، لكتب السنة، وبسقوط الرأس يسقط كل الجسد.
... أقول لهم: إن كنتم صادقين فى دعواكم تنزيه الرسول ﷺ ، مما يشكك فى سيرته العطرة، وأخلاقه العظيمة، وعصمته فى سلوكه، وتزعمون أن البخارى بإخراجه لهذه الرواية فى صحيحه قد افترى كذباً على الرسول ﷺ ، وشكك فى أخلاقه وعصمته ﷺ وعصم الله عزوجل - البخارى وغيره من أئمة السنة من ذلك.
... وإن كنتم حقاً أهل علم، وبحث عن الحقيقة فلماذا تعمدتم عدم ذكر اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟ وهو باب "ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس".
... ولماذا تجاهلتم ما قاله شراح الحديث فى بيانهم للمراد من الخلوة، وكيف كانت تلك الخلوة، ولماذا اختلى بها النبى ﷺ ؟.
стр. 664
نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيساً منكم وتضليلاً للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى فى تراجم أبوابه، التى أعيا فحول العلماء حل ما أبداه فى هذه العناوين من أسرار! إنكم تعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف سريعاً كذبكم وتضليلكم! كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله "وعصمهم الله من ذلك" تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى "خلوة الرجل بالمرأة عند الناس" وكيف كانت تلك الخلوة؟.
... والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقل القارئ لكم.
ثانياً: تعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه؛ ولنترك له الحكم بعد ذلك؛ فيمن الصادق البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن والمشكك فى عصمة النبى ﷺ البخارى أم أنتم؟ ومن المحترم لعقل القارئ البخارى أم أنتم؟.
... يقول الحافظ ابن حجر – ﵀ – شارحاً المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس. قال: قوله: "باب ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس" أى: لا يخلوا بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان مما يخافت به؛ كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله فى الترجمة: "عند الناس" من قوله فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو فى بعض السكك" وهى: الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالباً.
... وقوله: "فخلا بها رسول الله ﷺ " أى: فى بعض الطرق، ولم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أنصار من كان معه، وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما، من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما، لأنه لم يسمعه.
стр. 665
.. وفى رواية مسلم عن أنس: "أن امرأة كان فى عقلها شئ، فقالت: يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها" (١) .
... قال الإمام النووى – ﵀ – قوله: "خلا معها فى بعض الطرق" أى: وقف معها فى طريق مسلوك، ليقضى حاجتها، ويفتيها فى الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس، ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره" (٢) .
ومن هنا استفاد الأئمة من هذه الرواية: "أن مفاوضة الأجنبية سراً لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة رضى الله عنها، "وأيكم يملك أربه كما كان ﷺ يملك أربه" (٣) قلت: وإيانا أيضاً معصوم كعصمته ﷺ !.
ثالثاً: ليس فى قوله: "إنكم أحب الناس إلى – مرتين – وفى رواية: ثلاث مرات" ما يطعن فى عصمته ﷺ فى سلوكه وهديه، لأن هذه الكلمة قالها النبى ﷺ جهاراً على ملأ من الناس لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس.
стр. 666
.. يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أبصر النبى ﷺ ، نساءاً وصبياناً مقبلين من عرس فقام ممتناً فقال: "أنتم من أحب الناس إلى" (١) وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم.
... فالكلمة إذن لم يقلها رسول الله ﷺ مغازلاً للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم، ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ﷺ ، خطاباً لمجموع الأنصار. وتأمل قوله: "إنكم" ولم يقل "إنك".
... وليس أدل على ما سبق أن الراوى للحديث أنس بن مالك، سمع هذه الجملة "إنكم أحب الناس إلى" وسمع كم مرة كررها رسول الله ﷺ فإذا كانت الكلمة مقصوداً بها المغازلة؛ فلم جهر بها ﷺ حتى سمعها أنس؟!.
... ولم لم يسر بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصوداً بها ما يزعمه أعداء عصمته ﷺ ؟.
стр. 667
.. إن هذه الجملة: "إنكم أحب الناس إلى" قالها المعصوم ﷺ : منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق، فقال ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (١) وفى رواية: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٢) .
... قال الحافظ ابن حجر: وخصموا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبى ﷺ ، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم، جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب فى حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركاً لهم فى الفضل المذكور، كل بقسطه" (٣) .
стр. 668
.. وبعد: فقد ظهر واضحاً جلياً لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث محمول على الخلوة المحرمة؛ مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك" وهى الطرق التى لا يخلو منها المارة من الناس.
... كما اتضح جلياً أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ﷺ ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﷺ ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﷺ لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالباً حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم من حديث أنس، راوى الحديث الذى طعنوا فيها من رواية البخارى! ليقطع لسان كل فاجر، ويدفع افتراء كل آثم يطعن فى عصمته ﷺ .
... وما ختم به النبى ﷺ ، حديثه مع المرأة من قوله: "والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى" هذا منه ﷺ ، تأكيداً لما قاله مراراً من جعله علامات الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها رسول الله ﷺ جهاراً على ملأ من الناس، لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس، كما سبق من حديث أنس عند البخارى.
... فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم؟! وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى ﷺ ، المدافعين عنه، فى الوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين بقول سلفهم الصالح رضى الله عنهم، ويستخفون بعقل من يقرئ لهم!.
стр. 669
.. وبالجملة: أيخشى عاقل، فضلاً عن مؤمن من رسول الله ﷺ ، على زوجه، أو ابنته، أو أمه، وهو الذى لم يستطيع كافر أو جاحد، أن يلمس هذا الجانب فى حقه؟.
... وقد قال الله تعالى فى حقه: ﴿النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (١) إن رسول الله ﷺ ، مؤتمن على الوحي، وحامل الرسالة، والأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، ولا يثير مؤمن فضلاً عن عاقل مثل ما أثاره أعداء السنة المطهرة فى حديثنا هذا، للإيمان بعصمته ﷺ من الشيطان. وإن ما طنطن به أعداء عصمته ﷺ ، يشبه ما طنطنوا به فى قصة أخرى، وكذبوا البخارى فيها، لأنه رواها، وهى قصة أم سليم وأم حرام رضى الله عنهما.
فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها فى الفصل التالى
стр. 670
الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام " والرد عليها
أولاً: حديث أم سليم - رضى الله عنها:
... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "إن أم سليم (١) كان تبسط للنبى ﷺ ، نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع، قال: فإذا نام النبى ﷺ ، أخذت من عرقه وشعره فجمعته فى قارورة، ثم جمعته فى سك (٢) وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل فى حنوطه من ذلك السك، قال فجعل فى حنوطه" (٣) .
ثانياً: حديث أم حرام - رضى الله عنها: