.. يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أبصر النبى ﷺ ، نساءاً وصبياناً مقبلين من عرس فقام ممتناً فقال: "أنتم من أحب الناس إلى" (١) وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم.
... فالكلمة إذن لم يقلها رسول الله ﷺ مغازلاً للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم، ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ﷺ ، خطاباً لمجموع الأنصار. وتأمل قوله: "إنكم" ولم يقل "إنك".
... وليس أدل على ما سبق أن الراوى للحديث أنس بن مالك، سمع هذه الجملة "إنكم أحب الناس إلى" وسمع كم مرة كررها رسول الله ﷺ فإذا كانت الكلمة مقصوداً بها المغازلة؛ فلم جهر بها ﷺ حتى سمعها أنس؟!.
... ولم لم يسر بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصوداً بها ما يزعمه أعداء عصمته ﷺ ؟.
стр. 667
.. إن هذه الجملة: "إنكم أحب الناس إلى" قالها المعصوم ﷺ : منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق، فقال ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (١) وفى رواية: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٢) .
... قال الحافظ ابن حجر: وخصموا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبى ﷺ ، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم، جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب فى حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركاً لهم فى الفضل المذكور، كل بقسطه" (٣) .
стр. 668
.. وبعد: فقد ظهر واضحاً جلياً لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث محمول على الخلوة المحرمة؛ مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك" وهى الطرق التى لا يخلو منها المارة من الناس.
... كما اتضح جلياً أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ﷺ ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﷺ ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﷺ لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالباً حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم من حديث أنس، راوى الحديث الذى طعنوا فيها من رواية البخارى! ليقطع لسان كل فاجر، ويدفع افتراء كل آثم يطعن فى عصمته ﷺ .
... وما ختم به النبى ﷺ ، حديثه مع المرأة من قوله: "والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى" هذا منه ﷺ ، تأكيداً لما قاله مراراً من جعله علامات الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها رسول الله ﷺ جهاراً على ملأ من الناس، لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس، كما سبق من حديث أنس عند البخارى.
... فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على عصمة سيدنا رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم؟! وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى ﷺ ، المدافعين عنه، فى الوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين بقول سلفهم الصالح رضى الله عنهم، ويستخفون بعقل من يقرئ لهم!.
стр. 669
.. وبالجملة: أيخشى عاقل، فضلاً عن مؤمن من رسول الله ﷺ ، على زوجه، أو ابنته، أو أمه، وهو الذى لم يستطيع كافر أو جاحد، أن يلمس هذا الجانب فى حقه؟.
... وقد قال الله تعالى فى حقه: ﴿النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (١) إن رسول الله ﷺ ، مؤتمن على الوحي، وحامل الرسالة، والأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، ولا يثير مؤمن فضلاً عن عاقل مثل ما أثاره أعداء السنة المطهرة فى حديثنا هذا، للإيمان بعصمته ﷺ من الشيطان. وإن ما طنطن به أعداء عصمته ﷺ ، يشبه ما طنطنوا به فى قصة أخرى، وكذبوا البخارى فيها، لأنه رواها، وهى قصة أم سليم وأم حرام رضى الله عنهما.
فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها فى الفصل التالى
стр. 670
الفصل الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام " والرد عليها
أولاً: حديث أم سليم - رضى الله عنها:
... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "إن أم سليم (١) كان تبسط للنبى ﷺ ، نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع، قال: فإذا نام النبى ﷺ ، أخذت من عرقه وشعره فجمعته فى قارورة، ثم جمعته فى سك (٢) وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل فى حنوطه من ذلك السك، قال فجعل فى حنوطه" (٣) .
ثانياً: حديث أم حرام - رضى الله عنها:
стр. 671
.. روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ ، إذا ذهب إلى قباء، يدخل على أم حرام بنت ملحان (١) ، فتطعمه، وكانت أم حرام – تحت عبادة بن الصامت – فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فأطعمته، وجعلت تفلى رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله، يركبون ثبج (٢) هذا البحر، ملوكاً على الأسرة، أو قال: مثل الملوك على الأسرة، يشك – إسحاق – قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك. فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة فى سبيل الله – كما قال فى الأول – قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: أنت من الأولين. فركبت البحر فى زمن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت" (٣)
стр. 672
.. بالحديثان السابقان طعن أعداء السنة، فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، وزعموا أن الروايات السابقة يلزم منها؛ الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، وفى خلقه العظيم.
... يقول أحمد صبحى منصور: "يريدنا البخارى أن نصدق أن بيوت النبى التى كانت مقصداً للضيوف، كانت لا تكفيه، وأنه كان يترك نسائه بعد الطواف عليهن، ليذهب للقيلولة عند امرأة أخرى، وأثناء نومه كانت تقوم تلك المرأة بجمع عرقه وشعره، وكيف كان يحدث ذلك... يريدنا البخارى أن نتخيل الإجابة.. ونعوذ بالله من هذا الإفك... ثم يؤكد البخارى على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام ... الذى تضمن كثيراً من الإيحاءات والإشارات المقصودة، لتجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى؛ فيفترى الراوى: كيف كانت تلك المرأة تطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها، ثم يستيقظ ضاحكاً ويتحادثان نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله... ويتركنا البخارى بعد هذه الإيحاءات المكشوفة، نتخيل من معنى أن يخلو رجل بامرأة متزوجة فى بيتها، وفى غيبة زوجها، وأنها تطعمه، وتفلى له رأسه، أى أن الكلفة قد زالت بينهما تماماً، وأنها تعامله، كما تعامل زوجها.. ثم يقول: "وجعلت تفلى له رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ" ولابد أن القارئ سيسأل ببراءة ... وأين نام النبى وكيف نام، وتلك المرأة تفلى له رأسه، وآلاف الأسئلة تدور حول هدف واحد هو ما قصده البخارى بالضبط" (١) .
... ويجاب عن ما سبق بما يلى:
стр. 673
أولاً: لنا أن نتساءل: لماذا كل هذا الحقد على الإمام البخارى؟ ولماذا الحمل على البخارى – ﵀ – فى هذه الرواية، والتشنيع عليه، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذا الحديث؟ إنه لم يخترع، ولم يؤلف، ولم يشطح به الخيال!.
... لقد نقل ما سمعه من شيوخه الثقات، مما سمعوه من شيوخهم، إلى أن وصل النقل إلى الرسول ﷺ ، أو إلى الصحابى الذى روى عن الرسول ﷺ .
... والناقل لا يطلب منه إلا التأكد من صحة ما نقل، واستيفاء شروط النقل ولا يكون مسئولاً عن ذات الشئ المنقول، لأن ناقل الكفر ليس بكافر بمجرد نقله لذلك.
... لقد أعماهم الحقد على كل ما يتصل بالسنة، ورواتها، فصبوه صباً عليهم، واختص البخارى بأشد أنواع الحقد؛ لأنه جمع أصح الروايات، وبذل أقصى الجهود.
... وذنب البخارى عندهم، أنه أخلص. وبذل حياته وماله فى جمع السنة، ونقد الحديث، واستخلص صحيحه من صفوة الصفوة من الحديث، ورسم المناهج، وقعد القواعد، وأصل الأصول.
... من أجل ذلك عابوه وشتموه، وحاولوا تشويه صورته، ونطحوه بقرون حقدهم، يريدون القضاء على جهوده، وإبادة عمله، ولو استطاعوا لأخرجوا رفاته، فصبوا عليه ويلاتهم. ولكن هيهات فهم كما قال القائل:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... *** ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ثانياً: وماذا فى قصة أم حرام:
... إن البخارى – ﵀ – ذكرها فى صحيحه فى كتاب الاستئذان، باب "من زار قوماً فقال عندهم".
... والقوم يطلق فى الغالب على الجماعة، وكأن البخارى يرى أن ما يرويه من الحديث، فى زيارة واحد وهو الرسول ﷺ ، لجماعة وهم أهل البيت الذى فيه أم حرام.
... وهذا من فقهه فى تراجمه الذى رفع مكانته بين العلماء، وأثار إعجاب كل متابع له فى فهم معانى الحديث.
стр. 674
.. ثم روى البخارى الحديث عن أنس بن مالك، وأم سليم هى أم أنس، وأم حرام هى أخت أم سليم، وهنا يظهر جلياً أن البيت الذى كان يقيل فيه رسول الله ﷺ ، هو بيت فيه أم سليم، وأختها أم حرام، وأنس بن أم سليم.
... وقد ورد فى المسند عن أنس "أن رسول الله ﷺ صلى فى بيت أم سليم، وأم سليم، وأم حرام خلفنا، ولا أعلمه إلا قال: أقامنى عن يمينه" (١) فأى ضير فى أن يكرم الرسول ﷺ ، أنساً خادمه، فيدخل بيته يقيل فيه، ويأكل، وفى هذا البيت أمه، وخالته، وقد يكون فيه غيرهما زوج أم سليم، أو زوج أم حرام، أو زوجهما.
... وسبب آخر لإكرام الرسول ﷺ ، أهل هذا البيت بالزيارة، مع أن غيرهم كثير ممن يود أن يتشرف بالرسول ﷺ فى مثل هذه الزيارة. لقد استشهد أخوهما فى سبيل الله، فكان رسول الله ﷺ يواسيهما معاً بهذه الزيارة، حيث أنهما كانتا فى دار واحدة، كل واحدة منهما فى غرفة من تلك الدار (٢) .
... فعن أنس بن مالك رضى الله عنه "أن النبى ﷺ ، لم يكن يدخل بيتاً بالمدينة، غير بيت أم سليم، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: إنى أرحمها؛ قتل أخوها معى" (٣) يعنى حرام بن ملحان (٤) وكان قد قتل يوم بئر معونة.
стр. 675
.. وفى تعليله ﷺ "إنى أرحمهما" فيه أنه خلف حرام بن ملحان فى أهله بخير بعد وفاته، ولذا ذكر البخارى الحديث السابق فى كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير، وهذا من فقهه ودقته – ﵀.
... فكانت زيارته ﷺ لأم سليم وأختها أم حرام، عملاً بما قاله ﷺ : "من جهز غازياً فى سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً فى سبيل الله بخير فقد غزا" (١) .
... وفضلاً عن ما سبق، فقد غنم المسلمون من هذه الزيارة علماً من أعلام النبوة، فى أخبار الرسول ﷺ ، عما سيكون قبل وقوعه، حيث أراه الله له، وإخباره أم حرام بأنها من الأولين ركاب السفن الغازية. وتحقق ما أخبر به من ركوبها وغزوها ثم استشهادها الذى حال بينها وبين أن تكون من أهل السنن الغازية التى تلت ذلك، ورآها الرسول ﷺ .
ثالثاً: من أين جزم أحمد صبحى، ومن قال بقوله؛ بانفراد رسول الله ﷺ مع أم حرام أو أم سليم؟ وكيف قطع بأن أحداً لم يكن معهما؟، وما الذى يمنع أنساً وهو خادمه من الدخول إلى بيت أمه، وهو نفسه بيت خالته؟ وأين أخوه اليتيم، ومن كان من الأزواج حاضراً؟ بل وأين من كان من الأقارب، وكل من حول قباء من الأنصار الذين لا يتركون الرسول ﷺ ، وهو يزور قباء، وهم من أخواله الذين نزل بينهم أول قدومه المدينة؟!.
... لقد كان الصحابة يحرصون على مرافقة الرسول ﷺ ، وكانوا يسعدون بصحبته كلما خرج من بيته، وكانوا يلتمسون رؤيته وسماعه، ورؤية ما يصدر منه.
стр. 676
.. فكيف يزور أم حرام إذا ذهب إلى قباء فلا يجد أحداً يقابله، أو يصلى معه، أو يقابله فى الطريق فيسير معه حتى يسمح له بالانصراف؟! وكيف يدخل بيتاً، فلا يدخل إليه فيه من أراد، ممن له حاجة، أو مسألة، أو به رغبة للاستفادة من تجدد رؤيته له، وسعادته بمجالسته ﷺ ؟!.
... أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين، بأن النبى ﷺ ، حين زار قباء ودخل على أم حرام فى بيتها، كان معهم غيرهما، ولاسيما وجود أنس بن مالك على ما ورد فى روايات الحديث (١) .
... وهذه الشواهد هى التى جعلت الإمام البخارى يعنون لباب القصة بقوله: "باب من زار قوماً فقال عندهم" وتأمل جيداً "قوماً".
رابعاً: المتأمل فى الحديث يجد قول الراوى: فأطعمته: أى قدمت له طعاماً، و"جعلت تفلى رأسى".
... فهل يناسب هذا القول: "وجعلت تفلى رأسه" حال الرسول ﷺ وهو يأكل؟ أو حال أنس، وهو جالس إلى خالته حال قيام رسول الله ﷺ بتناول الطعام؟ وألا يمكن أن يقال: إن الرسول ﷺ ، بادر إلى النوم قبل تناول الطعام، فأطعمت أم حرام أنساً، وجعلت تفلى رأسه، حتى استيقظ النبى ﷺ يضحك، ويحكى ما رآه من الصحابة فى السفن كالملوك على الأسرة غزاة فى سبيل الله؟ يجوز.
... إلا أن الذين فى قلوبهم مرض، لا يفطنون لذلك، ولا يسمعون كلام الحافظ الدمياطى وهو يقول: ليس فى الحديث ما يدل على الخلوة مع أم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد، أو خادم، أو زوج، أو تابع.
стр. 677
.. ولا يهمهم قول ابن الجوزى: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب، أم رسول الله ﷺ من الرضاعة، ولا يعبئون بقول ابن وهب: أم حرام إحدى خالات الرسول ﷺ من الرضاعة (١) .
... لا يهمهم كل ذلك، ولا يرد على خاطرهم قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها "لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام" (٢) .
... أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى ﷺ ، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام؛ وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول: "كان النبى ﷺ ، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها، وليست فيه" (٣) .
... ورواية تقول: "نام النبى ﷺ ، فاستيقظ، وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسى، قال لا" (٤) .
... ومن هنا: فلا إشكال فى تفلية أم حرام لرأس رسول الله ﷺ على فرض الأخذ بظاهر الحديث، لجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها. وهذا كله مجمع عليه (٥) .
стр. 678
.. وقد يقول قائل: قريبات النبى ﷺ معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام (١) والجواب: أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى هذا المجتمع، وأهملهن الرواة (٢) .
وإلا هل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى ﷺ ، وفى نبوته؟!.
خامساً: ليس فى روايات القصة، ما يدل على ما زعمه أحمد صبحى، ومن قال بقوله: من دخول رسول الله ﷺ على أم حرام فى غيبة زوجها لأن أم حرام؛ كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت، وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت بغير زوج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تتزوج بعبادة بن الصامت ويبقى معها بعد انتقال النبى ﷺ ، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه، وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن. ففى بعض روايات الحديث قال: ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت رضى الله عنه.
... أما هذه الجملة التى وقع عليها – الذين فى قلوبهم مرض – والواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى: "كانت عبادة بن الصامت" فقد أجمع العلماء أن هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها.
стр. 679
فالمراد بقوله هنا: "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً للقاضى عياض، ورجحه ابن حجر (١) .
... قلت: وحتى لو كان عبادة حينئذ تحتها، فلا شك أنه كان يسره، أكل النبى ﷺ ، مما قدمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاص منه.
... كما أن دخوله ﷺ ، على زوجته حينئذ فى غير وجوده، لا إشكال فيه، لقرابة أم حرام لرسول الله ﷺ ولأنه لم يكن وحده ﷺ ، على ما تقرر سابقاً، على فرض عدم القرابة.
... ولعصمته ﷺ ، مع كل ما سبق أولاً وأخيراً (٢) .
سادساً: ما زعمه أعداء عصمته ﷺ ، وحاولوا إيهام القارئ لهم، بأن روايات الحديث فيها أن النبى ﷺ ، كان يبادل أم حرام كلمات غير مقبولة، عصمه الله من ذلك.
стр. 680
.. فهذا منهم من أفرى الفرى على رسول الله ﷺ ، وروايات القصة ترد عليهم، فكل ما فيها أنه ﷺ ، زار أم حرام، ونام عندها، واستيقظ يضحك، وسألته أم حرام عن الأمر الذى يضحك منه، فأخبرها أن ناساً من أمته سيركبون البحر، ظهره، ووسطه، ويكونون فيه، وهو أمر فيه أمثال الملوك على الأسرة، وهذا أمر يسعد النبى ﷺ ، ويرضيه، لما فيه من المخاطر ما فيه، إن فيه خطر ركوب البحر، وفيه الجهاد، وما فى الجهاد من أهوال، وفيه احتمال الموت والشهادة، وأم حرام تعرف ذلك وتدركه، ثم تطمع فيه وتبتغيه، وتسأل النبى ﷺ الذى لا ترد دعوته، وتقول له: سل الله أن يجعلنى منهم، والنبى سأل ربه، واستجاب له ربه ، فسألته أم حرام بعد أن نام المرة الثانية فى الوقت نفسه، وقام يضحك، مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: كما قال فى الأولى: "إن ناساً من أمتى سيركبون البحر مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله! أأنا منهم، قال، لا، أنت من الأولين".
... ومرت الأيام، وركبت أم حرام مع زوجها، وعلى ساحل البحر، ركبت دابة، فسقطت من على دابتها فماتت، وقبرها على رأى البعض ما يزال ظاهراً، يعرفه الناس فى قبرص باسم قبر المرأة الصالحة.
... أى حديث هذا الذى جرى بين النبى ﷺ ، وبين أم حرام رضى الله عنها؟ إنه حديث عن المخاطر والأهوال، وهو حديث عن الموت والشهادة، وهو حديث عن استكمال الذات إلى ساعة الممات، وهو حديث فرح النبى ﷺ بأمته حين ينتشرون بالدين ويحملون لواء الجهاد.
... إن مثل هذا الحديث: لهو حديث الرجولة والكمال، وهو حديث الطمع فى رحمة الله ورضوانه.
... فما علاقة مثل هذا الحديث الشاق بأحاديث الرضا، ومتابعة هوى النفس؟!.
стр. 681
وأين ما يزعمه أعداء الإسلام، إن فى القصة إيحاءات وإشارات مقصودة تجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى ﷺ وعصمته فى سلوكه؟!.
وأين كانت أختها أم سليم، وابنها وابن أختها أنس راوى الحديث، من هذه الإيحاءات؟.
... ولم لم ينقلها الرواة، وهم الذين يحرصون على نقل كل صغيرة وكبيرة حتى الحركات والسكنات عن المعصوم ﷺ ؟!.
... إن المرء ليس ليسمع الحديث الصحيح، فيدركه على وجهه، إن كان سليم النفس، حسن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجاً.
... وهل ينضح البئر إلا بما فيه؟
وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟.
أو نغترف من النار ماء؟
وقديماً قالوا: إن كل إناء بما فيه ينضح.
... أشهد أن الله ، عصم نبيه ﷺ ، من الشيطان الرجيم، وعصمه فى سلوكه وهديه، وصدق فيه قول ربه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 682
الفصل الرابع: شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة " والرد عليها
... روى البخارى وغيره عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ يدور على نسائه، فى الساعة الوحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة (١) قال قتادة: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين" (٢) .
стр. 683
.. وفى رواية عن ابن عمر مرفوعاً: "أعطيت قوة أربعين فى البطش والجماع" (١) وله شاهد صحيح عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ "فضلت على الناس بأربع: بالسخاء، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش" (٢) .
... هذا الحديث الذى يبين ما اختص به رسول الله ﷺ ، دون غيره من الناس، ويبين عدله ﷺ بين أهل بيته، يطعن فيه أعداء السنة النبوية، بزعم أنه يسهم فى تشويه صورة الرسول ﷺ ، ويطعن فى عصمته فى سلوكه، حيث يجعل الحديث بزعمهم من رسول الله ﷺ مهووساً بالجماع؛ كما زعموا أن الحديث يتعارض مع القرآن الذى يبين أن النبى كان يقضى ليله فى قيام الليل، وقراءة القرآن والعبادة، ويقضى نهاره فى الجهاد ونشر الدعوة.
... يقول أحمد صبحى منصور: "البخارى يجعل من النبى مهووساً بالجماع إلى درجة لا يعرفها أشد الرجال فحوله، ولا أعرف من أين لهم ذلك القياس الذى جعلوا به مقدرة النبى – المزعومة – تبلغ قوة ثلاثين رجلاً؟.
... ولكن هل كان النبى فعلاً يقضى الليل والنهار فى جماع مستمر؟ وهل كان أصحابه خلفه يهتفون بقدرته الفذة فى النكاح؟ أو هل كانت سنة النبى هى فى الجماع؟.
стр. 684
.. إن النبى كان يقضى ليله فى قيام الليل، وقراءة القرآن والعبادة، ويقضى نهاره فى الجهاد، والسعى فى توطيد أركان دولته الجديدة، ولم يكن لديه متسع من الوقت ليقطعه فى جماع متصل لجميع النساء، وفى وقت واحد... ولم يكن أصحابه لديهم الفراغ ليشجعوه ويهتفوا لفحولته الخارقة.
... أمامنا نوعان من السنة، أى: طريقة الحياة اليومية للنبى... السنة التى ذكرها الرحمن فى القرآن: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين آمنوا معك﴾ (١) والسنة التى ذكرها البخارى فى صحيحه، ولا يمكن أن نؤمن بالاثنين معاً" (٢) .
... وبنحو قوله قال صالح الوردانى، وزاد: "إن الذين اختلقوا هذه الروايات إنما كانوا يهدفون من ورائها إلى تشويه شخصية الرسول ﷺ " (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولاً: ليس فى رواية رواة السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى أئمة المحدثين كالبخارى ومسلم وغيرهما؛ ليس فى روايتهم الحياة الخاصة لرسول الله ﷺ ، ما يشوه سيرته العطرة.
стр. 685
لأن رسول الله ﷺ معصوم فى سلوكه وهديه، وما ينقل عنه من حياته الخاصة دين، وللأمة فيه القدوة والأسوة الحسنة، وليس أدل على ذلك، ما سبق ذكره من اختلافهم فى جواز القبلة للصائم، وفى طلوع الصبح على الجنب وهو صائم، فسألوا أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبى ﷺ ، فرجعوا إلى ذلك، وعلموا أنه لا حرج على فاعله (١) .
وهذا النقل لما يخصه ﷺ فى حياته الخاصة، حث عليه، وكان بإذنه بدليل ما روى أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال ﷺ : "إنى لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل" (٢) .
كما دل على أن هذا النقل من الدين قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ (٣) فهذا نص قرآنى صريح يأمر بحسن صحبة الزوجة بكل ما تعنيه كلمة "المعروف" (٤) .
ومعلوم أن مراد الله فى كتابه، من مهامه ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٥) .
ومن هنا: كان نقل هذا البيان فى الحياة الخاصة لرسول الله ﷺ قولاً وعملاً، دين واجب ذكره، لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ولذا ذكر العلماء من حكم كثرة أزواجه ﷺ :
نقل الأحكام الشرعية التى لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفى مثله.
стр. 686
الاطلاع على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ ، الباطنة، فقد تزوج ﷺ أم حبيبة بنت أبى سفيان (١) وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بنت حى بن أخطب، بعد قتل أبيها وعمها وزوجها.
فلو لم يكن ﷺ ، اكمل الخلق فى خلقه لنفرن منه! بل الذى وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن (٢) .
قلت: وفيما سبق من حكم كثرة أزواجه وغيرها، تأكيد لعصمته ﷺ فى سلوكه وهديه مع أزواجه الأطهار. لأنه إذا كان ما يقع مع الزوجة، مما شأنه أن يختفى مثله عن الناس، لما فيه من نقص فى قول أو عمل، فهذا بخلاف سيدنا رسول الله ﷺ لعصمة الله له، فقوله وعمله مع أهل بيته كله كمال، ومما تقتضى به الأمة. وإليك بيان ذلك فى حديثنا.
ثانياً: لا وجه على ما سبق لإنكار أعداء السنة، لما ينقل من أحوال رسول الله ﷺ ، مع أهل بيته، وزعمهم أن فى ذلك تشويه لشخصيته وسيرته العطرة، لأن فى ذلك المنقول، بيان لعصمته، وعظمة شخصيته، ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته، وهذا ما دل عليه حديثنا، حيث فيه البيان العملى منه ﷺ ، لما حث عليه قولاً.
стр. 687
.. فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ :"إن من أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنهم خلقاً؛ وألطفهم بأهله" (١) وعنها أيضاً عن رسول الله ﷺ قال:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى" (٢) وهذه الأقوال منه ﷺ تأكيداً وبياناً لقول رب العزة: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وهى كلمة جامعة تعنى: التحلى بمكارم الأخلاق فى معاملة الزوجات، من صبر على ما قد يبدر منهن، أو تقصير فى أداء واجباتهن، ومن حلم عن إيذائهن فى القول أو الفعل، وعفو وصفح عن ذلك، ومن كرم فى القول والبذل، ولين فى الجانب، ورحمة فى المعاملة، إلى غير ذلك مما تعنيه المكارم الأخلاقية التعاملية الأسرية.
стр. 688
.. وذلك هو ما دل عليه حديثنا "عدله ﷺ بين نسائه فى القسم" كما قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها: "كان رسول الله ﷺ ، لا يفضل بعضنا على بعض فى القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم يأتى إلا وهو يطوف علينا جميعاً فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التى هو يومها فيبيت عندها" (١) .
... وهذا الحديث نص صريح يبين لنا حقيقة طوافه ﷺ على نسائه جميعاً فى الساعة الوحدة من الليل والنهار.
... إنه طواف حب، ومداعبة، بدون جماع، حتى يبلغ إلى التى هو يومها فيبيت عندها، كما هو ظاهر كلام عائشة رضى الله عنها.
... ولا يتعارض مع ظاهر حديث أنس رضى الله عنه، فى أن حقيقة طوافه ﷺ على نسائه جميعاً بجماع.
... إذ الجمع بينهما حينئذ يكون، بحمل المطلق فى كلام أنس على المقيد فى كلام عائشة ووجه آخر: بحمل كلام عائشة على الغالب، وكلام أنس على القليل النادر، فلا مانع من أنه ﷺ إذا طاف على نسائه جميعاً فى بعض الأحيان يكون بجماعهن جميعاً، وتكون له ﷺ القدرة على ذلك، لم اختصه الله به من القوة وكثرة الجماع، وهو صريح قوله ﷺ : "فضلت على الناس بأربع: كثرة الجماع، وشدة البطش... الحديث (٢) .
стр. 689
.. وقوله ﷺ : "أعطيت قوة أربعين (١) فى البطش والجماع" (٢) وفى ذلك تصريح بأن الصحابة رضى الله عنهم، كانوا يتحدثون عن قوة رسول الله ﷺ ، فى الجماع من خلال نحو هذه الأحاديث المرفوعة، ولا يتحدثون بالقياس والظن و... كما يزعم أعداء خصائصه وعصمته ﷺ .
ثالثاً: ليس للناقل لخصائص رسول الله ﷺ ، من رواة السنة والسيرة، أى دخل فيها سوى النقل، وأداء الأمانة، أمانة الدين، كما قال ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه" (٣) وقوله ﷺ : "بلغوا عنى ولو آية... الحديث (٤) فإذا أدوا هذه الأمانة، كان لهم خير الجزاء من ربهم، والشكر الجميل منا، لم أدوا إلينا من الدين!.
... أما الافتراء عليهم والزعم بأنهم يتدخلون فيما ينقلون، ويجعلون من النبى ﷺ قوة فى الجماع لا يعرفها أشد الرجال فحولة ... الخ (٥) فهذا محض كذب عليهم، لا دليل عليه، ونكران لجميلهم وفضلهم، واستخفاف بعقل القارئ!.
رابعاً: إنكار أعداء العصمة، لم اختص به سيدنا رسول الله ﷺ فى حديثنا هذا من قوة البدن، وكثرة الجماع، إنكار لكتاب الله ، ورد على رب العزة كلامه، القائل: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ (٦) .
стр. 690
.. ومع أن كثرة أزواجه ﷺ ، يشترك فيها مع من سبقه من الأنبياء كما قال : ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ (١) .
... وكذلك طوافه ﷺ على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار يشترك فيها مع من سبقه من الأنبياء، كما دل على ذلك قوله ﷺ : "كان لسليمان ستون امرأة (٢) فقال: لأطوفن عليهن الليلة. فتحمل كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل فى سبيل الله، فلم تحمل منهن إلا واحدة فولدت نصف إنسان. فقال رسول الله: "لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلاماً، فارساً، يقاتل فى سبيل الله" (٣) .
стр. 691
.. إلا أنه ﷺ ، اختص فى طوافه بخرق العادة له فى كثرة الجماع، مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرة تكسر شهوته (١) فانخرقت هذه العادة فى حقه ﷺ (٢) .
خامساً: ليس فى الحديث كما يزعم أعداء السنة، ما يتعارض مع كتاب الله ، ويشغله ﷺ عن قيام الليل متهجداً لربه : قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين آمنوا معك﴾ (٤) .
... لأن الحديث واضح وصريح فى طوافه ﷺ على نسائه فى ساعة واحدة من النهار أو الليل، والساعة هى قدر يسير من الزمان، لا ما اصطلح عليه أصحاب الهيئة (٥) .
стр. 692
.. والساعة هنا: هى حق له، ولأهل بيته (١) ولا تشغله عن حق ربه ، ولا عن حق رسالته، ونشر دعوته فهو القائل ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما، لم أخبر عنه، أنه يصوم النهار أبداً، ويقوم الليل، ويقرأ القرآن كله ليلة، خاطبه رسول الله ﷺ بقوله: "فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً" (٢) .
... وهكذا كان رسول الله ﷺ ، فى سيرته يعطى كل ذى حق حقه، يدل على ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها سألت، ما كان النبى ﷺ ، يصنع فى أهله؟ قالت: كان فى مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة، قام إلى الصلاة" (٣) وفى رواية قالت: "كان بشراً من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه" (٤) .
стр. 693
.. وتلك هى سنته ﷺ ، العدل، وإعطاء كل ذى حق حقه، فمن كان عليها فقد اهتدى، ومن كان عمله على خلافها فقد ضل، وذلك ما صرح به المعصوم ﷺ ، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "كانت مولاة للنبى ﷺ تصوم النهار، وتقوم الليل، فقيل له، إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، فقال رسول الله ﷺ : "إن لكل عمل شرة (١) والشرة إلى فترة (٢) فمن كان فترته إلى سنتى فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل" (٣) وما حث عليه ﷺ فى أن يكون نشاط المسلم واستقراره على سنته المطهرة، وسيرته العطرة، لا يكون إلا بالعدل، وإعطاء كل ذى حق حقه، لربه، ولجسده، ولأهله... الخ ولأنه ﷺ ، لا يخالف قوله عمله، كان طوافه على نسائه جميعاً، سواء بمسيس أو بدونه، من العدل بإعطاء كل ذى حق حقه، بدون أن يشغله ذلك عن حق ربه وإليك نماذج من قيامه الليل بما لا يتعارض مع طوافه على نسائه!.
стр. 694
فعن عائشة رضى الله عنها، قالت: "ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل على، إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات (١) ثم يأوى إلى فراشه فهذا تأكيد من زوجته عائشة، بأنه ﷺ ، ما ترك قيام الليل، منذ دخل عليها.
وتحكى عائشة رضى الله عنها، أنها: "افتقدت رسول الله ﷺ ، ذات ليلة تقول: فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست، ثم رجعت، فإذا هو راكع، أو ساجد، يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت، تقول: فقلت: بأبى وأمى، إنك لفى شأن، وإنى لفى آخر" (٢) تعنى: أنها غارت حيث افتقدته، وظنت أنه ذهب إلى بعض نسائه، ولكن إذ بها تجده قائماً بين يدى ربه يناجيه.
وتوضح عائشة رضى الله عنها، كيف كان رسول الله ﷺ ، يجمع بين حق الله تعالى فى قيام الليل، وبين حق أهل بيته وحقه، فتقول: "كان رسول الله ﷺ ، ينام أول الليل، ويحى آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب (٣) ولا والله: ما قالت قام، فأفاض عليه الماء، ولا والله: ما قالت: اغتسل. وأنا أعلم ما تريد، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة. ثم صلى الركعتين" (٤) .
стр. 695
فتأمل: كيف جعل رسول الله ﷺ ، الجماع تابعاً لقيام ليله، وبعد فراغه منه، ثم ينام، حتى إذا دخل وقت الفجر قام بسرعة، وبكل نشاط استعداداً لصلاة الفجر، بإفضاء الماء على جسده تطهيراً من الجنابة – إن كان جنباً – وتأمل دقة التعبير قالت: "وثب" يقول الأسود بن يزيد راوى الحديث "لا والله: ما قالت قام... إلخ وإن لم يكن جنباً، توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين أى سنة الصبح.
وبنفس شهادة عائشة رضى الله عنها، شهد ابن عباس رضى الله عنهما، عندما بات عند خالته أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها.
ففى الصحيحين عنه: أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين رضى الله عنها – وهى خالته – قال: فاضطجعت على عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله فى طولها، فنام رسول الله ﷺ ، حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شن (١) معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلى. قال ابن عباس رضى الله عنهما: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ ، يده اليمنى على رأسى، وأخذ بأذنى اليمنى يفتلها بيده، فصلى ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح" (٢) .
стр. 696
وحتى عندما زار أم سليم، وأم حرام، وبات عندهما، لم يمنعه ذلك من قيام الليل على ما جاء فى رواية أنس بن مالك رضى الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ فى بيت أم سليم، وأم سليم، وأم حرام خلفنا، ولا أعلمه إلا قال: أقامنى عن يمينه" (١) .
وبعد: فهل قصر رسول الله ﷺ ، مع طوافه على نسائه جميعاً فى ساعة واحدة من الليل أو النهار فى قيام الليل؟.
أو هل تعارض حديث طوافه مع كتاب الله ، كما يزعم أعداء السيرة العطرة؟.
إن حديث طوافه ﷺ ، على نسائه جميعاً، يبين بياناً عملياً على ما سبق؛ القرآن الكريم ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ويبين البيان العملى لخيرية وكمال أخلاقه وعصمته مع أهل بيته، كما قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى" إنه يبين كمال رأفته، وحبه، وعدله مع أهل بيته، كما صرحت بذلك عائشة رضى الله عنها "لا يفضل بعضنا على بعض فى القسم، من مكثه عندنا، وكان قل يوم يأتى إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التى هو يومها، فيبيت عندها".
كما أن الحديث يبين ما اختص به رسول الله ﷺ ، وفضل به على سائر الناس من "قوة أربعين رجلاً فى البطش والجماع" والأمر هنا: ليس من عند نفسه، ولا من عند رواة السنة – ﵏ – وإنما من عند ربه ، وهو ما يفيده مجئ لفظ "أعطيت" بالبناء للمجهول. فتأمل.
كما أنه ليس فى كثرة جماعه دليل على (هوسه بالجماع) على حد زعم أعداءه وأعداء عصمته ﷺ ؟.
стр. 697
لأن الأمر فى ذلك راجع إلى قيامه بواجب العدل بين أهل بيته، كما أنه يرجع إلى طبيعته البشرية، وما اختصه به ربه ، ولم يكن فى ذلك كله ما يشغله عن حق ربه ، فهو مع ما طبعت عليه بشريته من كثرة الجماع، فهو بالإجماع أعبد الناس، ولم يخل بعبادته شيئاً، لأنه ﷺ ، لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية العصمة والكمال فى البشرية.
وتأمل مع ما سبق من أحاديث قيامه الليل، حديث عائشة رضى الله عنها: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى، قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت: يا رسول الله: أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً" (١) .
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وسلم ورزقنى قدوة به فى تعدده
وفى عدله مع أهل بيته
стр. 698
الفصل الخامس: شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله ﷺ نسائه فى المحيض " والرد عليها
... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن عائشة رضى الله عنها، قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ ، أن يباشرها، أمرها أن تتزر (١) فى فور حيضتها (٢) ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه (٣) كما كان رسول الله ﷺ ، يملك إربه" (٤) .
... هذا الحديث وما فى معناه، الذى يبين حدود علاقة الرجل بزوجته وهى حائض، والأحكام المتعلقة بحيضتها، طعن فيه أعداء السنة بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، ويخالف بزعمهم القرآن الكريم.
стр. 699
.. يقول أحمد صبحى منصور: "فالبخارى هنا يسند تلك الروايات لأمهات المؤمنين ليجعلهن شهود على أن النبى كان يباشرهن وهن حائضات، ويجعل عائشة فى إحدى الروايات تشير إلى خصوصية النبى الجنسية – فى زعمه – بقولها: "وأيكم يملك إربه كما كان النبى يملك إربه".
... وفى روايات أخرى يجعل البخارى من النبى ملازماً لنسائه لا يفترق عنهن حتى فى المحيض. فيروى أن أم سلمة قالت: "بينما أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة فى خميصة (١) إذ حضت، فانسللت (٢) فأخذت ثياب حيضتى، قال: أنفست؟ (٣) قلت: نعم. فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة" (٤) .
стр. 700
.. يقول أحمد صبحى: وهكذا لا عمل أمام النبى ولا مسؤوليات ملقاة على عاتقه إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره، بل هناك أكثر من ذلك. يفترى البخارى أن عائشة قالت: "كان النبى ﷺ ، يتكئ فى حجرى وأنا حائض ثم يقرأ القرآن" (١) هكذا ضاقت كل الأماكن واشتد الزحام بحيث يلجأ النبى إلى ذلك تلك هى سنة الرسول التى كتبها البخارى، فما هى سنته فى القرآن؟ يقول تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) لم يقل رب العزة "فاعتزلهن" فقط، وإنما أيضاً: "ولا تقربوهن".
... ونحن نؤمن بأن النبى طبق هذه السنة التى فرضها الله عليه، أما البخارى فيؤكد من خلال أحاديثه أن النبى لم يطبق شرع الله. ولكل إنسان أن يختار. هل ينتصر لله ورسوله، أم ينصر البخارى فى كذبه على الله ورسوله" (٣) وبنفس كلامه قال غيره من أعداء السيرة العطرة (٤) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
стр. 701
أولاً: الإمام البخارى – ﵀ – لم يخترع، ولم يؤلف، الأحاديث السابقة وغيرها الواردة فى بيان حدود علاقة الرجل بزوجته أثناء حيضتها، والمبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بفترة حيض المرأة.
... لقد نقل البخارى – كما نقل غيره من رواة السنة – ما سمعه من شيوخه الثقات مما سمعوه من شيوخهم إلى أن وصل النقل إلى رسول الله ﷺ أو إلى الصحابى الذى روى عن رسول الله ﷺ .
... ولنا أن نتساءل. لماذا كل هذا الحقد، والتشنيع على الإمام البخارى، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذه الأحاديث المتعلقة بأحكام الحيض؛ والتى أوردتها جميع كتب الجوامع والسنن تحت اسم كتاب "الحيض"؟.
... إن كل هذا الحقد الذى يظهروه فى حق الإمام البخارى، هو جزء يسير مما تخفيه صدورهم نحو عدائهم لسنة المصطفى ﷺ ، ولرواتها من الأئمة الأعلام قديماً وحديثاً.
ثانياً: ما نقله رواة السنة المطهرة، وعلى رأسهم الإمام البخارى، من الأحاديث المبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة أثناء حيضتها، دين واجب ذكره لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (١) .
... وفى البيان المنقول إلينا ما يبين عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته على ما سيأتى بعد قليل.
ثالثاً: ليس فى حديث مباشرة رسول الله ﷺ ، نسائه فى المحيض ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بل فى هذا الحديث وغيره البيان العملى للآية الكريمة.
стр. 702
.. وهذا البيان كما هو معلوم؛ من مهامه ﷺ فى رسالته، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) فهل فى بيانه ﷺ ، للآية الكريمة، ونقل هذا البيان بالسند الصحيح، ما يشوه سيرته العطرة؟ أو يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه كما يزعم أعداء السنة؟.
... إن الآية الكريمة تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها، حتى تطهر من حيضتها. فهل الاعتزال وعدم الاقتراب هنا، كما هو مفهوم عند اليهود؟ من إهمال الزوجة الحائض، واعتبارها نجسة، فلا يأكل ولا يشرب معها، ولا يسكن معها فى بيت واحد؟.
... إن هذا السؤال ورد على لسان أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو وارد على لسان كل مسلم إلى يوم الدين، كيف يتعامل مع زوجته الحائض؟ فجاءت الإجابة، وجاء البيان القولى والعملى مع رسول الله ﷺ بإباحة كل شئ من الزوجة الحائض إلا الجماع.
стр. 703
.. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لو يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ ، النبى ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ...الآية (١) فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢) فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ ، فأرسل فى آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما" (٣) .
فتأمل أمر رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" إنها كلمة جامعة جاءت جواباً عن موقف اليهود من المرأة الحائض، وجاءت تفسيراً وبياناً لقول رب العزة: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ فقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تفسير لقوله: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ والمراد: اعتزالهن، وعدم قربانهن بالجماع مادام الحيض موجوداً (٤) .
... وهذا يعنى أن المراد بالاعتزال وعدم القران، إنما المراد به الفرج فقط، وما عدا ذلك من مؤاكلة، ومشاربة، واجتماع معهن فى البيوت، ومباشرتهن، ونحو ذلك، فهو حلال كما قال المعصوم ﷺ ، "اصنعوا كل شئ إلا النكاح".
стр. 704
.. وتأمل: كيف تغير وجه رسول الله ﷺ من كلمة عباد بن بشر، وأسيد بن حضير، لما طلبا الرخصة فى الوطء أيضاً تتميماً لمخالفة الأعداء "إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ " فتغير وجه رسول الله ﷺ ، لأن تلك الرخصة مخالفة لكتاب الله باعتزال النساء فى المحيض، وعدم قربانهن بالجماع!.
... وعندما ظنا رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ ، قد غضب عليهما بعث فى آثارهما رسولاً ليحضرا عنده، فسقاهما من لبن جاء إليه هدية، فعرفا حينئذ أنه ﷺ ، لم يغضب عليهما.
... وفى هذا الحديث النبوى القولى: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" والذى جاء تفسيراً وبياناً للآية الكريمة، طبقه رسول الله ﷺ ، عملياً، فجاء بيانه للآية الكريمة ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بياناً قولياً وعملياً.
... وإليك نماذج من هذا البيان العملى:
بيانه ﷺ عملياً طهارة جسد المرأة الحائض، وجواز النوم معها فى ثيابها، والاضطجاع معها فى لحاف واحد، وذلك ما دل عليه حديث أم سلمة السابق، عندما حاضت، وذهبت فى خفية لتأخذ ثياب حيضتها، وظننت عدم جواز نومها وهى حائض مع رسول الله ﷺ فإذ به ﵊، يقول لها: أنفست؟ فتقول: نعم. فيدعوها رسول الله ﷺ ، للنوم معه فى لحاف واحد كما قالت: "فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة" (١) .
стр. 705
فهذا الفعل وقع منه ﷺ ، للبيان التشريعى للآية الكريمة، ورداً على ما فهمته أم سلمة، من عدم طهارتها جسدياً عندما حاضت، وظنت عدم جواز نومها مع زوجها رسول الله ﷺ ، فى لحاف واحد. وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به ﷺ ، ولا مسئولية ملقاة على عاتقه، إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره!.
وقد دل على ذلك البيان التشريعى أيضاً قول ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ ، يضطجع معى وأنا حائض، وبينى وبينه ثوب" (١) ودل عليه أيضاً قول عائشة رضى الله عنها "كنت أنا ورسول الله ﷺ ، نبيت فى الشعار (٢) الواحد، وأنا طامث (٣) أو حائض فإن أصابه منى شئ غسل مكانه ولم يعده (٤) وصلى فيه، ثم يعود، فإن أصابه منى شئ فعل ذلك، ولم يعده، وصلى فيه" (٥) .