← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أولاً: الإمام البخارى – ﵀ – لم يخترع، ولم يؤلف، الأحاديث السابقة وغيرها الواردة فى بيان حدود علاقة الرجل بزوجته أثناء حيضتها، والمبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بفترة حيض المرأة. ... لقد نقل البخارى – كما نقل غيره من رواة السنة – ما سمعه من شيوخه الثقات مما سمعوه من شيوخهم إلى أن وصل النقل إلى رسول الله ﷺ أو إلى الصحابى الذى روى عن رسول الله ﷺ . ... ولنا أن نتساءل. لماذا كل هذا الحقد، والتشنيع على الإمام البخارى، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذه الأحاديث المتعلقة بأحكام الحيض؛ والتى أوردتها جميع كتب الجوامع والسنن تحت اسم كتاب "الحيض"؟. ... إن كل هذا الحقد الذى يظهروه فى حق الإمام البخارى، هو جزء يسير مما تخفيه صدورهم نحو عدائهم لسنة المصطفى ﷺ ، ولرواتها من الأئمة الأعلام قديماً وحديثاً. ثانياً: ما نقله رواة السنة المطهرة، وعلى رأسهم الإمام البخارى، من الأحاديث المبينة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة أثناء حيضتها، دين واجب ذكره لتتعلم الأمة المراد بخطاب ربها: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (١) . ... وفى البيان المنقول إلينا ما يبين عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه وهديه ومحاسن أخلاقه الباطنة مع أهل بيته على ما سيأتى بعد قليل. ثالثاً: ليس فى حديث مباشرة رسول الله ﷺ ، نسائه فى المحيض ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بل فى هذا الحديث وغيره البيان العملى للآية الكريمة.

стр. 702

.. وهذا البيان كما هو معلوم؛ من مهامه ﷺ فى رسالته، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (١) فهل فى بيانه ﷺ ، للآية الكريمة، ونقل هذا البيان بالسند الصحيح، ما يشوه سيرته العطرة؟ أو يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه كما يزعم أعداء السنة؟. ... إن الآية الكريمة تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها، حتى تطهر من حيضتها. فهل الاعتزال وعدم الاقتراب هنا، كما هو مفهوم عند اليهود؟ من إهمال الزوجة الحائض، واعتبارها نجسة، فلا يأكل ولا يشرب معها، ولا يسكن معها فى بيت واحد؟. ... إن هذا السؤال ورد على لسان أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو وارد على لسان كل مسلم إلى يوم الدين، كيف يتعامل مع زوجته الحائض؟ فجاءت الإجابة، وجاء البيان القولى والعملى مع رسول الله ﷺ بإباحة كل شئ من الزوجة الحائض إلا الجماع.

стр. 703

.. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لو يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ ، النبى ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ...الآية (١) فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢) فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ ، فأرسل فى آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما" (٣) . فتأمل أمر رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" إنها كلمة جامعة جاءت جواباً عن موقف اليهود من المرأة الحائض، وجاءت تفسيراً وبياناً لقول رب العزة: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ فقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تفسير لقوله: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ والمراد: اعتزالهن، وعدم قربانهن بالجماع مادام الحيض موجوداً (٤) . ... وهذا يعنى أن المراد بالاعتزال وعدم القران، إنما المراد به الفرج فقط، وما عدا ذلك من مؤاكلة، ومشاربة، واجتماع معهن فى البيوت، ومباشرتهن، ونحو ذلك، فهو حلال كما قال المعصوم ﷺ ، "اصنعوا كل شئ إلا النكاح".

стр. 704

.. وتأمل: كيف تغير وجه رسول الله ﷺ من كلمة عباد بن بشر، وأسيد بن حضير، لما طلبا الرخصة فى الوطء أيضاً تتميماً لمخالفة الأعداء "إن اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهن؟ " فتغير وجه رسول الله ﷺ ، لأن تلك الرخصة مخالفة لكتاب الله باعتزال النساء فى المحيض، وعدم قربانهن بالجماع!. ... وعندما ظنا رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ ، قد غضب عليهما بعث فى آثارهما رسولاً ليحضرا عنده، فسقاهما من لبن جاء إليه هدية، فعرفا حينئذ أنه ﷺ ، لم يغضب عليهما. ... وفى هذا الحديث النبوى القولى: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" والذى جاء تفسيراً وبياناً للآية الكريمة، طبقه رسول الله ﷺ ، عملياً، فجاء بيانه للآية الكريمة ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ بياناً قولياً وعملياً. ... وإليك نماذج من هذا البيان العملى: بيانه ﷺ عملياً طهارة جسد المرأة الحائض، وجواز النوم معها فى ثيابها، والاضطجاع معها فى لحاف واحد، وذلك ما دل عليه حديث أم سلمة السابق، عندما حاضت، وذهبت فى خفية لتأخذ ثياب حيضتها، وظننت عدم جواز نومها وهى حائض مع رسول الله ﷺ فإذ به ﵊، يقول لها: أنفست؟ فتقول: نعم. فيدعوها رسول الله ﷺ ، للنوم معه فى لحاف واحد كما قالت: "فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة" (١) .

стр. 705

فهذا الفعل وقع منه ﷺ ، للبيان التشريعى للآية الكريمة، ورداً على ما فهمته أم سلمة، من عدم طهارتها جسدياً عندما حاضت، وظنت عدم جواز نومها مع زوجها رسول الله ﷺ ، فى لحاف واحد. وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به ﷺ ، ولا مسئولية ملقاة على عاتقه، إلا أن يجلس فى الخميلة مع إحدى زوجاته، ولا يمنعه من ذلك حيض أو غيره!. وقد دل على ذلك البيان التشريعى أيضاً قول ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ ، يضطجع معى وأنا حائض، وبينى وبينه ثوب" (١) ودل عليه أيضاً قول عائشة رضى الله عنها "كنت أنا ورسول الله ﷺ ، نبيت فى الشعار (٢) الواحد، وأنا طامث (٣) أو حائض فإن أصابه منى شئ غسل مكانه ولم يعده (٤) وصلى فيه، ثم يعود، فإن أصابه منى شئ فعل ذلك، ولم يعده، وصلى فيه" (٥) .

стр. 706

وفى هذا الحديث الأخير: زيادة على حديث أم سلمة وميمونة رضى الله عنهما، وتلك الزيادة هى بيان الحكم للرجل إذا أصاب ثوبه شئ من حيض زوجته وهى نائمة معه فى لحاف واحد، فما عليه إلا بغسل مكان ما أصابه من دم الحيض فقط ولا يتجاوزه، وإذا صلى مع ذلك صحت صلاته. ويبين رسول الله ﷺ ، عملياً صحة الصلاة فى المكان الذى توجد فيه المرأة الحائض، بل وصحة الصلاة فى ثوبها. فعن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ ، يصلى بالليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلى مرط (١) لى، وعليه بعضه" (٢) . وعن ميمونة زوج النبى ﷺ ، قالت: صلى رسول الله ﷺ ، وعليه مرط بعضه عليه، وعليها بعضه، وهى حائض" (٣) .

стр. 707

ويبين رسول الله ﷺ ، عملياً جواز مؤاكلة الحائض، والشرب من فضلها فتقول عائشة رضى الله عنها: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ ، فيضع فاه على موضع فى. فيشرب وأتعرق العرق (١) وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ ، فيضع فاه على موضع فىَّ" (٢) . ويبين رسول الله ﷺ ، عملياً جواز تسريح وغسل الحائض رأس زوجها. فتقول عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يدنى إلىَّ رأسه، وأنا فى حجرتى. فأرجله (٣) وأغسله وأنا حائض" (٤) . ويبين رسول الله ﷺ ، عملياً طهارة ذات المرأة الحائض، وطهارة ثيابها ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة، وذلك كله دل عليه عندما كان ﷺ ، معتكفاً فى المسجد، وطلب من زوجته عائشة رضى الله عنها أن تناوله ثوب من حجرته. فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ فى المسجد. فقال: يا عائشة! ناولينى الثوب" فقالت: إنى حائض. فقال: "إن حيضتك ليست فى يدك" فناولته" (٥) . ففى قوله: "إن حيضتك ليست فى يدك" معناه: أن النجاسة التى يصان المسجد عنها – وهى دم الحيض – ليست فى يدها، فدل ذلك على أن ذات الحائض طاهرة.

стр. 708

وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض. فيقرأ القرآن" (١) . ففى هذا الحديث دلالة واضحة على جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة، ما لم يلحق شيئاً منها نجاسة، كما فى الحديث دلالة واضحة على جواز قراءة القرآن بقرب محل النجاسة (٢) وكل هذا منه ﷺ ، للبيان التشريعى الذى هو من مهامه فى رسالته، وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن الأماكن ضاقت به حتى لجأ إلى حجر عائشة يقرأ فيه القرآن!. ويبين رسول الله ﷺ ، عملياً ما للرجل من امرأة إذا كانت حائضاً فتأتى رواية عائشة السابقة، لتبين بأنه ﷺ كان يباشر نسائه فوق الإزار (٣) وتأتى رواية أنس السابقة "اصنعوا كل شئ إلا الجماع" (٤) لتبين جواز المباشرة تحت الإزار دون الفرج، ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد قوى (٥) . عن عكرمة عن بعض أزواج النبى ﷺ ، أن النبى ﷺ ، كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً" (٦) ولا تعارض فى ذلك فرواية عائشة محمولة على الاستحباب، لمن لا يضبط نفسه عند المباشرة من الفرج، أما من وثق من نفسه، جاز له المباشرة تحت الإزار دون الفرج (٧) . ولا شك أنه ﷺ ، كان أملك الناس لإربه، فهذا من خصائصه، كما صرحت عائشة رضى الله عنها، رغم أنف المنكرين لذلك (٨) .

стр. 709

وبعد: ... فهذا بيان رسول الله ﷺ ، قولاً وعملاً لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن﴾ (١) وهو بيان يهم كل مسلم ومسلمة، وعنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ قديماً ورجعوا إليه (٢) وعنه يسأل كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين. ... فليختر كل إنسان لنفسه؛ إذا حاضت أخته، أو زوجته، أو أمه، أو خالته، أو... الخ هل يعتزلهن فلا يؤاكلهن ولا يشاربهن ولا يساكنهن فى بيت واحد – كما هو حال اليهود؟ أم يكون له قدوة وأسوة بسنة وسيرة المعصوم ﷺ ؟!. ... إن سنة وسيرة رسول الله ﷺ ، فى معاملة المرأة الحائض تمثل قمة التكريم للمرأة، كما تمثل عظمة أخلاقه، وعصمته ﷺ فى سلوكه مع أهل بيته، إذا أصابهن ما كتبه رب العزة على بنات آدم. ... فالمرأة فى فترة حيضتها، تكون شبه مريضة أو مريضة يصبها توعك وآلام تجعلها تشعر فى تلك الفترة بالهبوط والضيق.

стр. 710

.. كما أن أغلبية الرجال يشعرون بالاشمئزاز والنفور من الرائحة الشهرية المرافقة للطمث. وقليل منهم الذين يشعرون ببهجة وانجذاب. وشم هذه الرائحة الشهرية لا يقتصر على منطقة الأعضاء الجنسية، بل تمتد فى معظم النساء إلى إفرازات الجلد والنفس (١) وكل هذا ولا شك مما قد يفسد العلاقة بين الرجل وأهله فى تلك الفترة التى تعترى المرأة شهرياً. ... فهل تعتزل أخى المسلم: زوجتك الحائض فى تلك الفترة، فلا تؤاكلها، ولا تشاربها، ولا تساكنها، فى بيت واحد، مما قد يزيد الجفاء بينك وبين زوجتك؟. ... أم تمتثل لسنة وسيرة المعصوم ﷺ ، مع أهل بيته فى تلك الفترة التى تحيض فيها المرأة؛ فيكون لذلك أطيب الأثر فى العلاقة بينك وبين أهل بيتك، ويكون لك الأجر والهداية، والفلاح، جزاء امتثالك وطاعتك لله ولرسوله ﷺ ؟ اختر لنفسك ما شئت. اللهم ارزقنى القدوة بنبيك مع أهل بيتى

стр. 711

الفصل السادس: شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته ﷺ لعائشة استماع الغناء والضرب بالدف " والرد عليها ... روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: "دخل على رسول الله ﷺ وعندى جاريتان تغنيان (١) بغناء بعاث (٢) فاضطجع على الفراش (٣) وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمارة الشيطان (٤) عند النبى ﷺ ! فأقبل عليه (٥) فقال: دعهما. فلما غفل غمرتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب فيه السودان (٦) بالدرق (٧) والحراب، فإما سألت (٨)

стр. 712

النبى ﷺ ، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامنى وراءه، خدى على خده، وهو يقول: دونكم يا بنى أرفدة (١) حتى إذا مللت قال: حسبك؟ (٢) قلت: نعم. قال: فاذهبى" (٣) . ... هذا الحديث الذى يبين محاسن ومكارم أخلاقه ﷺ مع أهل بيته. طعن فيه بعض أدعياء العلم بحجة أنه يطعن فى عصمة رسول الله ﷺ فى سلوكه، حيث أن الحديث فى نظرهم ينسب إليه ﷺ ، استماعه وفى عقر داره إلى الغوانى يتغنين، كما ينسب إليه فى نظرهم دعوته زوجته الشابة إلى مشاهدة حفلة راقصة فى المسجد... الخ. ... يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: "إن رسول الله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث، وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالاً إلى اللهو فى المسجد بمحضر منه، وإن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية، لا يتسع للهو منها شئ، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٤) .

стр. 713

.. ويقول هشام آل قطيط: "كيف يتسنى لأم المؤمنين، بعد وقوفها وراء النبى أن تضع خدها على خده؟ هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه كما يتشبث الأطفال بعنق الكبار فى لعبة الـ (......) ؟. ... ولأن أم المؤمنين لم تتطرق لذلك، ولم نحضر المشهد، فالأفضل أن نقول: لا ندرى! وكيف للخليفة أبى بكر أن يمنع المغنيات فى بيت النبى وبحضوره والنبى ساكت لا يتكلم. ... هل أن أبا بكر أفضل من النبى؟ وأى نبى هذا الذى يسكت وأحد أصحابه يمنع المغنيات؟ وأى نبى هذا الذى يدعوا زوجته الشابة إلى مشاهدة هذه الحفلة الراقصة فى المسجد والنظر إلى الأجانب، وتضع خدها على خده، ثم يقوم حتى تملى هى من المشاهدة؟ بالله عليكم ألا ينطبق على هذه الأحاديث قول الشاعر: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً ... *** ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص؟ (١) . ... ويجاب عن ما سبق بما يلى: أولاً: الحديث صحيح سنداً ومتناً ولا يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ ، فى سلوكه وهديه، بل فيه البيان العملى مع أهل بيته، لما هو مباح للأمة فى أيام العيد. ... وهذا البيان فهمه أئمة السنة قديماً وحديثاً بما لا يتعارض مع عصمته ﷺ ، وتأمل مواضع إخراج هذا الحديث فى كتب السنة تجد صدق ما أقول؛ فالإمام البخارى أخرج الحديث فى عدة مواضع من صحيحه أولها كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، ثم كرره فى باب سنة العيدين لأهل الإسلام.

стр. 714

.. وهو كما ترى صريح فى بيان أن حديث عائشة، يستفاد منه السنة والشرع لأهل الإسلام فى العيدين، من جواز اللعب واللهو والرقص والغناء، بما لا معصية فيه؛ وهذا ما تضمنه عنوان الباب الذى ذكر تحته الحديث من صحيح الإمام مسلم، فى كتاب العيدين. ... ومن هنا صرح العلماء؛ بأن إظهار السرور فى الأعياد من شعار الدين (١) وقولهم هذا مستفاد صراحة من هذا الحديث، على ما جاء فى رواية مسلم من قوله ﷺ : "دعهما يا أبا بكر فإنهما أيام عيد" (٢) ففى ذلك تعليل الأمر بتركهما، بأنه يوم عيد، أى: هو وقت سرور. وهناك من العلماء من قاس على يوم العيد فى إظهار السرور، ما فى معناه كيوم العرس (٣) والوليمة والعقيقة والختان، ويوم القدوم من السفر (٤)

стр. 715

وسائر أسباب الفرح، وهو كل ما يجوز به الفرح شرعاً (١) . ... فمن أين نعرف مثل هذه الأحكام إلا من هذا الحديث وما فى معناه!. ثانياً: ليس فى إنكار الصديق رضى الله عنه على عائشة رضى الله عنها، وما معها من الجوارى وبحضوره ﷺ ، إفتئات على رسول الله، بل هو أدب من أبى بكر ورعاية منه لحرمة رسول الله ﷺ ، وإجلال لمنصبه، لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فى بيته ﷺ ، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبى ﷺ ، مستنداً بذلك إلى ما ظهر له، كما يحتمل أن يكون أبو بكر ظن ان رسول الله ﷺ نام فخشى أن يستيقظ فيغضب على ابنته، فبادر إلى سد هذه الذريعة، فأوضح له النبى ﷺ الحال، وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أى يوم سرور شرعى، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر فى الأعراس ونحوها مما يجوز به الفرح شرعاً على ما سبق.

стр. 716

.. وبهذا يرتفع الإشكال أيضاً عن إنكار عمر بحضرته ﷺ فى نفس القصة، على ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: "رأيت النبى ﷺ يسترنى وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون فى المسجد، فزجرهم عمر (١) فقال النبى ﷺ ، دعهم. أمنا بنى أرفدة" يعنى من الأمن (٢) يشير إلى أن المعنى: اتركهم من جهة إنا آمناهم أمناً. ... فإنكار عمر هنا مبنى على أن الأصل تنزيه المساجد عن اللعب فيها بالحراب، فبين له رسول الله ﷺ وجه الجواز. ... كما يحتمل أن يكون عمر لم يرى رسول الله ﷺ ، ولم يعلم أنه رآهم، كما يحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته فى الدين ينكر خلاف الأولى، والجد فى الجملة أولى من اللعب المباح. وأما النبى ﷺ ، فكان بصدد بيان الجواز (٣) . ثالثاً: ليس فى الحديث ما يزعمه دعاة الفتنة من استماع رسول الله ﷺ ، للباطل من الغناء على لسان المغنيات بدلالة ما يلى:

стр. 717

ما ورد فى الحديث من أنه ﷺ ، تسجى بثوبه، أى: التف به حتى غطى وجهه وأذنه، ففى ذلك إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضى أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذى أقره إذ لا يقر على باطل!. كما أن فى إعراضه بتغطية وجهه وأذنه؛ بيان لكمال رأفته ﷺ ، وحلمه، وحسن خلقه، مع زوجته عائشة وصواحباتها، لئلا يستحيين فيقطعن ما هو مباح لهن (١) . وحتى على فرض استماعه ﷺ ، لغناء الجوارى، فالغناء هنا من نوع المباح وجاء على لسان ممن لم يتخذا الغناء عادة لهما. يدل على ذلك. ما ورد فى الحديث من قول عائشة رضى الله عنها: "وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين" (٢) ففى قولها: "وليستا بمغنيتين" معناه: ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به، وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجوارى على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أى ليستا ممن يتغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى، والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال، وما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء الذى فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسباً، والعرب تسمى الإنشاد غناء وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذى هو مجرد الإنشاد والترنم، وفعلوه بحضرة النبى ﷺ ، وفى هذا كله إباحة (٣) .

стр. 718

فتأمل ما ورد فى الحديث: من أنه ﷺ ، تسجى بثوبه، واضطجع على الفراش وحول وجهه الشريف، وقول عائشة: "ليستا بمغنيتين" حيث نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، تحرزاً عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به. تأمل ذلك جيداً يظهر لك بطلان ما زعمه أدعياء العلم، ودعاة الفتنة، فى حق أئمة السنة، وفى حق صاحبها ﷺ ، كما يظهر لك سوء فهمهم لحديثنا؟ وإلا فليأتوا لنا بما يخالف ما ورد فى الحديث؛ من أنه ﷺ ، لم يتسجى بثوبه، ولم يحول وجهه، واستمع إلى مغنيات معروفات بالغناء، وتغنين بعادة المغنيات، مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، لا مجرد جوارى لا يعرفن بالغناء، ولا هو عادة لهما، وكل ما فعلنه أن رفعن أصواتهن بإنشاد ما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور والغلبة يوم بعاث؟!.

стр. 719

رابعاً: إن حديثنا يبين عصمة سيدنا رسول الله ﷺ ، فى سلوكه وهديه، ويبين ما كان عليه من الرأفة، والرحمة، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف مع أهل بيته امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (١) وخصوصاً إذا كان أهل بيته صغار السن كعائشة القائلة على ما جاء فى رواية مسلم فى ختام حديثنا "فاقدروا قدر الجارية، الحديثة السن، حريصة على اللهو" (٢) . ... ولذا لما رأت بعض الحبشة يرقصن فى المسجد، والصبيان حولهم يشاهدون، التمست من رسول الله ﷺ ، النظر إليهم، فأذن لهى، على ما جاء فى رواية مسلم فى حديثنا: "قالت: للعابين، وددت أنى أراهم قالت: فقام رسول الله ﷺ ، وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقه. وهم يلعبون فى المسجد".

стр. 720

.. وتبين رواية النسائى فى سننه الكبرى، كيف تسنى لها بعد وقوفها وراء النبى ﷺ ، أن تضع خدها على خده، مع قصر قامتها إذ تقول: "لعبت الحبشة، فجئت من ورائه ﷺ ، فجعل يطأطئ ظهره، حتى أنظر" (١) . ... وفى تلك الرواية رد على تساؤل هشام آل قطيط: هل كانت أطول قامة من النبى؟ أم أنها تشبثت بعنقه... الخ (٢) كما جاء فى رواية للنسائى فى سننه الكبرى أيضاً أنها قالت: "دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لى: "يا حميراء! أتحبين أن تنظرى إليهم؟ " فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئته، فوضعت ذقنى على عاتقه، فأسندت وجهى إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيباً، فقال ﷺ : "حسبك" فقلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لى، ثم قال: "حسبك" فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالى حب النظر إليهم، ولكى أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى، ومكانى منه" (٣) .

стр. 721

.. ففى تلك الرواية تصريح بأنه ﷺ ، ابتدأها بالنظر إلى لعب الحبشة فى المسجد، ولا تعارض بينها، وبين رواية مسلم السابقة، فالجمع بينهما على ما سبق أنها التمست من رسول الله ﷺ النظر إليهم، فأذن لها. خامساً: إقرار سيدنا رسول الله ﷺ ، للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، ليس لمجرد اللعب، بل لم فيه من تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو. ... واللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب؛ وإن كان لا يناسب بيوت الله فى زماننا – إلا أنه يستفاد من إقراره ﷺ للحبشة اللعب فى المسجد بالحراب، أن لعب الصبيان فى المسجد يوم العيد ليس فيه انتهاك لحرمة بيوت الله، ولا يعارضه حديث: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم؛ ورفع اصواتكم وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها فى الجمع" (١) لضعفه (٢) . ... كما أن العلماء استفادوا من إقراره ﷺ ، جواز أى عمل فى المسجد يجمع بين منفعة الدين وأهله، لأن المسجد إنما وضع لأمر جماعة المسلمين (٣) .

стр. 722

سادساً: إقرار رسول الله ﷺ ، لزوجته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، النظر إلى لعب الحبشة، فيه بيان لحسن خلقه مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة، وعظيم محلها عنده ﷺ ، وليس فى نظرها إلى لعب الحبشة، ما يتعارض مع احتجابها من النظر إلى الأجانب، لأنه ليس فى الحديث أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته فى الحال. ... ومن هنا استفاد العلماء من ذلك، إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب واللهو المباح، إذ المكروه فى حق النساء النظر إلى محاسن الرجال، والاستلذاذ بذلك (١) . وبعد: ... فإن رسول الله ﷺ ، عصمه ربه فى سلوكه وهديه، وجعله قدوة لأمته، ومبيناً لما أنزل عليه من آيات الله البينات وقد قام رسول الله ﷺ ، بهذا البيان قولاً وعملاً على أكمل وجه. ... فكان حديثنا بياناً عملياً لقول رب العزة: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٢) وبياناً عملياً لقوله ﷺ : "إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله" (٣) وقوله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى" (٤) .

стр. 723

.. حيث بين حديثنا للأمة أن حسن الخلق فى تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب، أحسن من خشونة الزهد، والتقشف فى الامتناع والمنع منه؛ وخاصة فى أيام العيد، ويقاس على أيام العيد سائر أسباب الفرح، مما يجوز به الفرح شرعاً، شريطة أن يكون هذا اللعب واللهو مما لا معصية فيه، ففى الحديث: "كل شئ ليس فيه ذكر الله، فهو لهو ولعب، إلا أربع، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين (١) وتعليم الرجل السباحة" (٢) . ... كما أن حديثنا بياناً عملياً لقوله تعالى: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (٣) حيث أفاد إقراره ﷺ ، للحبشة اللعب فى المسجد، أن كل ما فيه منفعة للدين وأهله، إذا وقع فى بيت الله عز جل، فلا يعارض الآية الكريمة، كما لا يعد انتهاك لحرمة المسجد. ... فهنيئاً لمن اقتدى به ﷺ ، وامتثل لهديه مع أهل بيته، فكان من أكمل المؤمنين إيماناً بحسن خلقه، ولطفه بأهل بيته أهـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 724

الفصل السابع: شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة " والرد عليها ... روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ ، "اللهم! إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة" (١) . ... هذا الحديث الذى يبين كمال شفقة رسول الله ﷺ ، على أمته، طعن فيه أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، وزعموا أنه موضوع، وفيه تشويه لصورة الرسول، وطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه، إذ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا لعاناً ولا سباباً.

стр. 725

.. يقول نيازى عز الدين بعد أن ذكر روايات الحديث السابق قال: "إن وراء هذه الأحاديث منافقين غايتهم تشويه صورة الرسول خدمة لسلطانهم (١) حتى إذا سب وشتم ولعن وجلد أحداً حتى لو كان بريئاً، استشهد جنوده عليه بأحاديث الرسول هذه، على أن السلطان قد تفضل عليه بذلك الجلد، وتلك الإهانة خيراً كثيراً" (٢) . ... ويقول جعفر مرتضى العاملى: "نعم، ربما يلعن رسول الله ﷺ ، بعض المنافقين، وفراعنة الأمة... لكن أتباعهم وضعوا الحديث الذى صيروا فيه اللعنة زكاة، ليعموا على الناس أمرهم، ويجعلوا لعن النبى ﷺ لغواً، ودعاءه على معاوية بأن لا يشبع الله بطنه باطلاً، فجزاهم الله تعالى عن نبيهم ما يحق بشأنهم" (٣) .

стр. 726

.. ويقول عبد الحسين شرف الدين: "قد علم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، أن إيذاء من لا يستحق من المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح، وفسق صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيد النبيين، وخاتم المرسلين؟ وقد قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (١) وعن أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: إنى لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة" (٢) هذه حاله مع المشركين، فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين؟ " (٣) . ... ويجاب عن ما سبق بما يلى: أولاً: الحديث صحيح سنداً ومتناً وثابت بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله فقد رواه الشيخان فى صحيحيهما، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى ومسلم وروايتهما، اعتماداً على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد.

стр. 727

ثانياً: لم ينفرد أبى هريرة رضى الله عنه برواية الحديث، وإنما شاركه فى روايته جماعة من الصحابة: عائشة (١) وجابر بن عبد الله (٢) وأبى سعيد الخدرى (٣) وأنس بن مالك (٤) وأبى السوار عن خاله (٥) . ثالثاً: ليس فى حديثنا ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ ، وعصمته فى أخلاقه، لأنه لا خلاف فى أن رسول الله ﷺ مأمور بالغلظة على الكفار والمنافقين عملاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ (٦) .

стр. 728

.. ولقد تكررت هذه الآية فى القرآن مرتين، فيهما "واغلظ عليهم" ولا مانع من أن يكون، من هذا الإغلاظ سبهم ولعنهم، بدليل ما ورد فى السنة المطهرة، من أنه ﷺ ، كان يدعو على رجال من المشركين، يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شئ أو يتوب الله عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ (١) وليس فى الآية الكريمة نهى عن اللعن، وإنما النهى حسب سبب النزول، عن تعيين أسماء من يلعنهم، لعل الله أن يتوب عليهم (٢) أو يعذبهم فى الدنيا بقتلهم، وفى الآخرة بالعذاب الأليم، فإنهم ظالمون. ... وتأمل ختام الآية: ﴿فإنهم ظالمون﴾ والظالمون لعنهم رب العزة بصفتهم دون أسمائهم فى أكثر من آية منها: قوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ (٣) . وقوله : ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (٤) .

стр. 729

هذا فضلاً عن الآيات التى تلعن اليهود، وتلعن الكاذبين والكافرين، وتلعن بعض عصاة المؤمنين كالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات وغيرهم. كقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (٢) وقوله : ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا والآخرة﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ (٥) .

стр. 730

وجاءت السنة المطهرة، وعلى لسان صاحبها المعصوم ﷺ ، تلعن من لعنهم الله فى كتابه، ومنهم عصاة المؤمنين بصفتهم دون تعيين أشخاصهم، حيث جاء لعن الله ولعن رسول الله للسارق (١) والواصلة والواشمة (٢) ولعن من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثاً، ومن غير منار الأرض (٣) والشارب الخمر (٤)

стр. 731

والراشى والمرتشى (١) ومن حلق أو سلق أو خرق (٢) ومن مثل بالحيوان (٣) وغيرهم ممن هو مشهور فى الأحاديث الصحيحة (٤) . فهذه الآيات والأحاديث تبين فى صراحة ووضوح جواز لعن من لعنهم الله فى كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ فى سنته المطهرة بصفتهم دون تحديد أشخاصهم، وهذا الجواز فى حق الأنبياء وأممهم على السواء، فهو من اللعن المباح (٥) .

стр. 732

وتأمل الآية السابقة: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ (١) فداود وعيسى ﵉، لعنوا الذين كفروا من بنى إسرائيل، فإذا لعن رسول الله ﷺ الذين كفروا من قومه لم يكن بدعاً من الرسل: وإذا لعن العصاة من هذه الأمة كما ورد فى القرآن الكريم، وكما أوحى إليه ربه بوحى غير متلو. كنحو الذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم بينة إلا أنفسهم، وكالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وكنحو الواصلة والواشمة، والسارق، ومن لعن والديه...الخ. إذا لعن رسول الله ﷺ كل هؤلاء بصفتهم دون أشخاصهم كما أوحى إليه ربه – بوحى متلو أو غير متلو – لم يكن فى ذلك ما يشوه سيرته العطرة، ولا ما يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه وخلقه. لأن المنهى عنه من اللعن تحديد أسماء من يلعن، دون صفة فعلهم، وقد جاء التوجيه الربانى لنبيه ﷺ بذلك، لعل الله أن يتوب عليهم، وهو ما حدث مع بعضهم على ما سبق فى حديث ابن عمر من رواية الترمذى. رابعاً: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد فى أحاديث أخرى نحو حديث أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين قال: "إنى لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة" وحديث: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" لأن هذه الأحاديث مطلقة، وجاء ما يقيدها، وحمل المطلق على المقيد حينئذ واجب، جمعاً بين ما ظاهره التعارض.

стр. 733

.. أما حديث أبى هريرة: فقيده ما أخرجه الطبرانى فى الكبير من حديث كريز بن أسامة (١) قال: قيل للنبى ﷺ ، العن بنى عامر، قال: إنى لم أبعث لعاناً" (٢) نعم! لم يبعث لعاناً لأناس بأشخاصهم، وإنما بعث رحمة، ولذا لما قالوا له ﷺ : ادع على دوس، فقال: "اللهم اهد دوساً". ... فعن أبى هريرة قال: قدم الطفيل وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله! إن دوساً قد كفرت وأبت. فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس فقال: "اللهم اهد دوساً، وائت بهم" (٣) . ... أما حديث: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" فمقيد بما روى عن أبى ذر رضى الله عنه أنه سمع النبى ﷺ يقول: لا يرمى رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه (٤) إن لم يكن صاحبه كذلك" (٥) . ... ففى قوله: "إن لم يكن صاحبه كذلك" تقييد لابد منه، وهو يقرر ما سبق من جواز لعن العصاة بصفة فعلهم دون أشخاصهم، مع التحذير من هذا اللعن، خشية أن يكون صاحبه لا يستحقه بصفة فعله، فيعود اللعن إلى من نطق به.

стр. 734

.. والمعنى: من قال لآخر أنت فاسق، أو قال له أنت كافر، فإن كان ليس كما قال. كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال، لم يرجع عليه شئ لكونه صدق فيما قال. ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً، أن يكون آثماً فى صورة قوله له: أنت فاسق أو أنت كافر. بل فى هذه الصورة تفصيل: إن قصد نصحه أو نصح غيره، ببيان حاله جاز. وإن قصد تعييره وشهرته بذلك، ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه، وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأنه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره فى ذلك الفعل، كما فى طبع كثير من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الآمر دون المأمور فى المنزلة (١) . وكذلك من لعن آخر، فإن كان أهلاً لها، وإلا رجعت إلى قائلها يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها؛ ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً، رجعت إلى الذى لعن، فإذا كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها" (٢) .

стр. 735

خامساً: ليس فى حديثنا ما يعارض ما ورد عنه ﷺ ، أنه لم يكن فاحشاً، ولا لعاناً ولا سباباً" (١) لأن هذا الحديث مقيد أيضاً بما سبق من الآيات والأحاديث التى تبين مشروعية وجواز أن يعلن رسول الله ﷺ ، من أوحى إليه، لعنهم بصفتهم دون ذكر أسماءهم، سواء بوحى متلو أو غير متلو، على ما سبق، وقد جاء حديثنا مؤكداً لما سبق من الآيات والأحاديث، حيث جاء أيضاً مقيداً، بما رواه مسلم فى صحيحه من حديث أنس مرفوعاً: "فأيما أحد دعوت عليه من أمتى، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهوراً، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" (٢) . ... فقوله ﷺ : "بدعوة ليس لها بأهل" تقييد يبين المراد بباقى الروايات المطلقة لحديثنا، وأنه إنما يكون دعاؤه رحمة، وكفارة، وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن المدعو عليه، أهلاً للدعاء عليه، وكان مسلماً، وإلا فقد دعا على الكافرين والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمة (٣) . ... وبالجملة: فكل ما سبق من الآيات والأحاديث – ومن بينها حديثنا – والتى تدل على مشروعية وجواز لعن عصاة الأمة. فيها رد على المخصيصين لعنه وسبه ﷺ على الكافرين والمنافقين فقط (٤) .

стр. 736

سادساً: فإن قيل: كيف يدعو رسول الله ﷺ على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه أو يجلده؟ فالجواب ما أجاب به العلماء من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفى باطن الأمر، ولكنه فى الظاهر مستوجب له، فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون فى باطن الأمر ليس أهلاً لذلك، وهو ﷺ ، مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والأحاديث فى الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: بعث على بن أبى طالب رضى الله عنه، إلى رسول الله ﷺ ، من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فقال ﷺ : "إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" (١) . ... ففى قوله: "إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" دلالة على ما أجمع عليه العلماء فى حقه ﷺ ، من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر (٢) .

стр. 737

والوجه الثانى: أنه أراد أن دعوته عليه، أو سبه، أو جلده، كان مما خير بين فعله له عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى، بعثه على لعنه وسبه، ولا يكون ذلك خارجاً عن شرعه. ويشهد لصحة هذا الوجه، ما رواه مسلم فى صحيحه بسنده عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ ، رجلان فكلماه بشئ، لا أدرى ما هو، فأغضباه، فلعناهما وسبهما، فلما خرجا. قلت: يا رسول الله، ما أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان قال: وما ذاك؟ قالت: قلت لعنتهما وسببتهما. قال: أو ما علمت ما شرطت عليه ربى؟ قلت: اللهم! إنما أنا بشر. فأى المسلمين لعنته أو سببته، فاجعله له زكاة وأجراً" (١) . ... وفى المسند عن أنس أن رسول الله ﷺ ، دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلاً، فقال لها احتفظى به، قال: ففعلت حفصة، ومضى الرجل، فدخل رسول الله ﷺ ، وقال: يا حفصة ما فعل الرجل؟ قالت: غفلت عنه يا رسول الله فخرج، فقال رسول الله ﷺ : قطع الله يدك، فرفعت يديها هكذا، فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: ما شأنك يا حفصة؟ فقالت: يا رسول الله! قلت قبل لى كذا وكذا، فقال لها: ضعى يديك. فإنى سألت الله ، أيما إنسان من أمتى دعوت الله عليه أن يجعلها له مغفرة" (٢) . ... فتأمل: كيف أن غضبه ﷺ فى الحديثين السابقين، كان غضبة لله ، فكان دعاؤه فى تلك الغضبة، مما خير بين فعله عقوبة للجانى، أو تركه والزجر له بما سوى ذلك. ... وليس فى ذلك الغضب خروج عن شرعه، وعصمته فى سلوكه وخلقه، بل فى ذلك كمال خلقه، ودلالة على بشريته، كما صرح بذلك فى رواية مسلم عن أنس قال: "إنما أنا بشر. أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر".

стр. 738

.. ولا يفهم من قوله: "وأغضب كما يغضب البشر" أن الغضب حمله على مالا يجب، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه، وأنه مما كان يحتمل، ويجوز عفوه عنه، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه (١) . ... ومع ذلك، فمن كمال شفقته، وخلقه على أمته، سأل ربه ، أن يجعل دعاءه مغفرة ورحمة لمن دعا عليه من أمته. والوجه الثالث: أن يكون اللعن والسب والجلد، وقع منه ﷺ ، من غير قصد إليه، فلا يكون فى ذلك، كاللعنة، والسبة، والجلدة، الواقعة بقصد ونية، ورغبة إلى الله، وطلباً للاستجابة، بل كل ذلك يجرى على عادة العرب فى وصل كلامها عند الحرج، والتأكيد للعتب، لا على نية وقوع ذلك نحو قولهم: عقرى حلقى، وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها القدر، فعاهد ربه، ورغب إليه، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة (٢) وأشار القاضى عياض إلى ترجيح هذا الوجه (٣) وحسنه الحافظ ابن حجر؛ إلا أنه أخذ عليه أن قوله "جلدته" لا يتمشى فيه، إذ لا يقع الجلد عن غيره قصد... إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه (٤) . ... قلت: هى محمولة على الجلدة الواحدة، وسيأتى من حديث أبى السوار عن خاله، وعن ابن عباس، أن الجلدة تقع منه ﷺ ، عن غير قصد، وهو ما يرجح عندى هذا الوجه الثالث مع الوجه الثانى ويشهد لرجحان الوجه الثالث ما يلى: ما روى عن أنس قال: "لم يكن رسول الله ﷺ ، فاحشاً، ولا لعاناً، ولا سباباً، كان يقول عن المعتبة: ماله ترب جبينه" (٥) .

стр. 739

وعن المغيرة بن شعبة قال: "ضفت (١) مع رسول الله ﷺ ، ذات ليلة، فأتى بجنب (٢) مشوى، ثم أخذ السفرة (٣) فجعل يحز، فحز لى بها منه. قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال: ماله؟ تربت يداه؟ قال: وكان شاربه قد وفى (٤) فقال له: أقصه لك على سواك أو قصة على سواك" (٥) "فترب جبينه" و"تربت يداه" فى الحديثين، أصلها من ترب الرجل، إذا افتقر، أى: لصق بالتراب، وهى كلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، كما يقولون قاتله الله (٦) . وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله. آنؤاخذ بما نقول: قال: "ثكلتك أمك يا بن جبل، وهل يكب الناس فى النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"؟! (٧) فقوله: "ثكلتك أمك" أى فقدتك. والثكل فقد الولد، هذا أصل الكلمة فهو دعاء عليه بالموت على ظاهره، ولا يراد وقوعه، بل تأديب وتنبيه من الغفلة، لسوء قوله (٨) .

стр. 740

ومن ذلك حديث عائشة رضى الله عنها، لما قيل له ﷺ ، إن صفية زوجه – حائض – قال: عقرى حلقى" (١) فقوله: "عقرى" أى عقرها الله، وأصابها بجرح فى جسدها، وقيل جعلها عاقراً لا تلد، وقيل عقر قومها. ومعنى "حلقى" أى حلق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وقوع فى حلقها، أو حلق قومها بشؤمها، أى أهلكهم (٢) . فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب فى قولهما، بغير إرادة حقيقتهما، ففى ذلك كله دلالة، على استعمال رسول الله ﷺ لما جرت به العادة فى الخطاب، ولا يراد به حقيقته، فكثيراً ما ترد للعرب ألفاظ، ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، ونحو ذلك. فاشفق ﷺ ، على من دعا عليه، بمثل ما سبق، أن يوافق القدر، فسأل ربه ، أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة، وهذا من جميل خلقه العظيم.
следующие страницы →