Полный текст (203 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
كما سمي الطرماح: الفحل (الكراض).
وكما سمى ذو الرمة: الناقة (أدمانة) ولم يسمع من عربي: حمرانة ولا صفرانة ولا خضرانة.
وقال ابن قادم: جاء الأخطل بكلمة لم يتكلم بها عربي؛ سمى الذئب (تينانا). ولم يسمع إلا في شعره فقال:
يَعْتَفْنهَ عِنْدَ تِينانٍ يُدَمَّنهُ ... بادي العُوَاءِ ضئيلِ الشّخْص مُكْتَئِب
وجاء الكميت بقصيدته العصبية بقوله:
فللناس القفا ولنا الجبينا
فتكلف بعض التحويين الاعتذار عنه فقال، أراد/ الجبينان/ فحذف النون كما حذفها امرؤ القيس بقوله:
لهامتنتانِ خظاتا كما ... أكَبَّ على ساعِدَيْهِ النَّمِرْ
стр. 107
وكما حذف الأخطل في قوله:
أبني كليبٍ إنِ عَمّيَّ اللذا ... قتلا الملوكَ وفكّكا الأغلالا
وجاء دعبل في قصيدته العصيبة التي ناقص فيها الكميت بحرف في قافيتها لا يعرف في كلام العرب، وإنما ولده لما ضاقت به قوافي قصيدته فقال:
قتلنا الحارث المدني قسراَ ... أبا ليلى وكان فًتى أثينا
فالأثين لا بدرى ما هو.
كما حذف جرير في قوله:
درس المنا بمتالعٍ فأبان
وأراد درس المنازل، وكما حذفت العرب من قولهم "هم بين حاذ وقاذ"
أي بين حاذف وقاذف.
وقال المبرد في قول الفرزدق:
لَبِسْنَ الفرندَ الخسر واني فوقه ... مشاعرَ من خزَّ العراق مفوّفُ
стр. 108
إن كان/ المفوف/ من صفة المشاعر وجب أن يكون/المفلوفة/ وإن كان المخز وجب أن يكون مجرورا لأجل القافية، والقصيدة هي مرفوعة، فالمعني الذي استخرجه له النحويون: لبس الفرند الخسرواني أي شمارا فوقه المفوف من خز العراق وهو رديء.
وقال في قول الأعشى: زال زوالها.
دعاء على الليل حين لم يأته طيفها أن يزول كما زالت. وحكى عن أبي حاتم انه قال: أراد زالت المرأة زوال الليل، فقيل له: إنما قال زال الليل زوالها، فقال: هذا من المقلوب كما قال لآخر:
كان الزناء فريضةَ الرجم
واعترض بعض الشعوبية على نحوي في إعراب هذا البيت فقال: لم ينصب/ زوالها/، وكان الصواب أن يقول (زوالها) بالرفع فقال، لأنه أراد "أزال الله زوالها" فقال: فينبغي أن تقول على هذا القياس: مات زيدا بمعنى أمات الله زيدا، ثم قال لقد كذب شاعركم حيث يقول:
إنما النحو قياس يتّبع
واعترض أيضا على القائل:
فرميتُ غَفْلة عيِنه عن شاته ... فِأصبت حبةَ قلبها وطحاَلها
стр. 109
فقال: أترى أن الأعشى توهم أن مسكن الحب في الطحال، لا والله ما توهم ذلك، ولكن ضرورة الشعر قد أوقعته في هذه الشبكة، والحقت به هذه الفضحية لا در در الشعر.
وجاء ابن الرومي بعد ثلاثماثة سنة من أيام الأعشى فخالفه في بناء اسم قد كان الأعشى جاء به في قافية من قوافي قصيدة قد بنى قوافيها على فعل بكسر العين من الأسماء والأفعال وهي:
أتهجر غانيةً أم تَلُمْ ... أم الحبلُ واهٍ بها مُنْجَذِم
فقال فيها:
ولم يُودِ من كان يَسْعَى له ... كما قيل في الحرب أودى دَرِم
стр. 110
فجاء ابن الرومي بهذا الاسم مفتوح العين منه مكسور الفاء في قصيدة! أولها:
أفيضا دماً إنَّ الرزايا لها قيم ... فليس كثيراً أن تجودا لَها بِدَم
وقال منها:
سما نحوها خطبٌ من الدهر فاتكٌ ... فطاحتْ جباراً مثل صاحِبها دِرَم
وقالوا: من الإقدام على إطلاق القول فيما الانقباض فيه أولى ما قاله الفراء في تأويل قوله ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾ قال: معناه (على تنقص، قال، وتقول العرب: تخوفت الشيء إذا تنقصته)
قال: ومثل ذلك في موضع آخر ﴿إن لك في النهار سبحا طويلا﴾ أو قرئ (سبخا) بالخاء المعجة لجاز لأن السبخ السعة. قال وسمعت بعض العرب يقول: سبخي صوفك، قال: والسبح نحو ذلك وهو صواب كل ذلك ومعنى السبخ والتسبيخ واحد.
стр. 111
وأغفل ما رواه حميد الطويل عن أنس: أن عمر تلا على المنبر ﴿وفاكهة وأبا﴾
فقال هذه الفاكهة، فما الأب، ثم رجع على نفسه وقال لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف.
ومما حُكي فيه لفظة الكلمة وفسر بمقلوبها قول المبرد: يقال قحز الشيء إذا ارتفع ومن ذلك يقال: قحز الكلب ببوله إذا طمح به ورفعه، ومثله قزح الكلب ببوله رشه وأنا أحسب أن قوس قزح مأخوذ من مثل هذا، وأنا أكره أن أفسرها لأننا نهينا أن نتكلم فيها.
قال: وكل ما حكيناه عن الشعراء من عسفهم اللغة قليل في جنب ما انتزعه بعض العلماء من القول في مجاز الاشتقاق في جميع الكلام لأن القياس وإن كان أطاعهم في بعضه فقد عصاهم في جلته حتى تخبطوا فيه ولن يصلح أن يحكى منه في هذا الموضع إلا النبذ اليسير.
زعموا أن (السفر) إنما سمي سفرًا لأنه يسفر عن الأخلاق نحو تسميتهم المكنسة (مسفرة) لأنها تسفر التراب عن وجه الأرض، كما تسفر المرأة عن وجهها النقاب.
стр. 112
و (الصديق) إنما سمي صديقا لصدقه لك، كما أن (العدو) إنما سمي عدوا لعدوه عليك وسمي (القليب) قليبا لأن ترابه يقلب، وكل ما يحفر من نهر وسرب يقلب ترابه أيضا فما الفرق! وسمي (البز) بزا لخفته، وكذلك سمي (المهد) مهدا لكثرة حركتهن وسميت (الصلاة) صلاة لأن المصلي يثنى صلويه وهما جانبا أردافه والقاعد يلوي صلويه فلم لم يسم مصليا، وسميت (الحبشة) حبشة لأنهم تحبشوا أي تجمعوا، وكل أمة حوالى جزيرة العرب مجتمعون في أرضهم كالسند والفرس والنبط والجرامقة والقبط، فلم لم يقع على أسمائهم الاشتقاق؟
وزسميت (التوراة) توراة لأنها مشتقة من (ورى الزند يري وريا)، وإنما التوراة والإنجيل والزبور، أسماء عربت من السريانية، فكيف يطرد فيها قياس الأسماء العربية، أما سمعتهم يقولون بالسريانية (تورى انكيلون زفرتا).
وسميت (العراق) غراقا تشبيها بعراق القربة وهو الخرز المخروز في أسفلها، بل بالمكان الذي يثنى منها ويخرز طويلا، وفي القول الأول
стр. 113
سموا (العراق) عراقا لأنها سفلت عن نجد كما سفل ذلك الخرز عن القربة إلى أسفلها. وفي القول الثاني لأنها ذاهبة عن الاستواء كما ثني من القربة ما ثني منها وخرز طولا، فالمه در هؤلاء لقد جاءوا بسحر عظيم.
وقال أبو عمرو: العراق اسم لساحل البحر، فلما كانت العراق بالقرب من الساحل سموها باسم الساحل، فقول أبي عمرو يوجب أن يسمى بها اليمن لأنها ساحل البحر لأجل الساحل، والساحل اسمها بالفارسية إيراه.
وكذلك شبهوا سيف كورة أردشير خره، من أرض فارس (ايراهستان) وسكانها الايراهية، فعربت العرب لفظ ايراه بالحاق القاف بآخرها، وقالوا: سمي العراق عراقا لكثرة عروق الشجر بها؛ فالعراق في قول أبي عبيدة جمع عرق، وقال الأصمعي: كانت أرض العراق تسمي (دل ايران شهر) أي قلب مملكة الفرس فعربت العرب منها اللفظة الوسطى فقالوا (العراق)، وقالوا في قول عدي بن زيد العبادي:
стр. 114
إِجلَ أنَّ اللهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ ... فَوْقَ مَنْ أحْكى صَلِيباً بإِزار
إن الصليب: الحسب، والإزار: العفة.
واحتجوا بأنهم انتزعوا ذلك من قول بعض المتعاطين للتفسير في معنى قوله تعالي ﴿وثيابك فطهر﴾ أي خلقك فطهره، قالوا: فقد سقط اللوم إلا عمن كان (لا) يعجز (هـ) علم الاشتقاق. فقال: إن/ المسلم/ إنما سمي مسلما لأنه أما فألم، والمؤمن/ إنما سمي مؤمنا لأنه آمن فأمن، ومسمي/ آدم/ آدم لأنه حوي من أديم الأرض، ويقال بل لأنه كان على لون أدمة الأرض، وسمي/ نوح/ نوحا لأنه ناح على قومه! ! . فليت شعري ما كان يسمى قبل أن ينوح عليهم؟ وسمي/ المسيح/ لمساحته الأرض بالانتقال فيها من بلد إلى بلد، والمسيح إنما عرب من السريانية لأنهم يسمونه بهذه اللغة/ مشيحا/.
كما أن هذه الأفعال تزيل اللوم عن عبد الأعلى القاضي في كلمات تكلف اشتقاقها منها: / الكافر/ فقال إنه سمي كافرا لأنه اكتفى وفر،
стр. 115
فقيل له، بماذا اكتفى، ومن أي شيء فر؟ فقال: اكتفى بالشيطان، وفر من الرحمن.
وسمي/ الزنديق/ زنديقا لأنه وزن فدقيق.
وسمي/ البلغم/ بلغما لأنه بلاء وغم.
وسمي/ الدرهم/ درهما لأنه در وهم.
وسمي/ الدينار/ دينارا لأنه دين ونار.
وسمي/ العصفور/ عصفورا لأنه عصى وفر.
وسمي/ الطفيشل/ طفيشلا لأنه طفى وشال
ولما ورد أبو نواس مصر فدخل جامعها طاف فيه على أهل الحلقات فاتهى إلى رجل يتكلم في الاشتقاق، فقال له: لم سميت السماء سماء؟ فقال: لأنها سمت فعلت، فقال: فلم سميت الأرض أرضا؟ فقال: أرضت أرضا فصارت أرضا. قال: فالكامخ؟ قال: لا أعرف له اشتقاقا، قال: لكني أعرف له اشتقاقا، قال: قله، قال: لأنه كمخ يكمخ كمخا فصار كامخا، فخجل الرجل وترك له المجلس.
قالوا: ولو اطرد القياس من كل شيء لجاز أن يشتق العصفور من العصفر، والحرباء من الحرب، والغارة من الغيرة، والعار من العير، والفال من الفيل، والخاطر من الخطر، والجمال من الجمل، والجراب من الجرب، والسرة من السرور، أو من السرير، والبر من البر، إلى غير ذلك ما يطول بذكره الكتاب.
قالوا: وقد تعرض أيضا لتفسير اللغة قوم من المؤلفين باللعب فلم تساعدهم الإصابة فحكينا من جميعها أحرفا يسيرة وهي:
стр. 116
الإبل، والحلية، والإثم، والبغي، والمتك، والتين، والزيتون، والخلد ... فأما الإبل فزعموا أنه اسم من أسماء السحاب، وأتوا بالحجة عليها قوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾.
وأما الحلية فزعموا انها اسم للرحم واحتجوا عليها بهذا البيت:
إنَّ في الَخْيلِ لَلَهواً حَاِضراَ ... ثّم في الحِلْيَةِ لَذّاتُ الفَتَى
وأما الإثم والبغي والمتك فإن الإثم عندهم من أسماء الخمرن والبغي اسم للمسكر، والمتك اسم للاترج وجعلوا الحجة فيه هذا البيت:
نَشْرَبُ الاٍثمَ بالصُّواعِ جِهارا ... وتَرىَ المُستْك بَيْنَنا مُسْتَعارا
стр. 117
وقول امرئ القيس:
فاليَومَ أشربْ غيرَ مُستحقبٍ ... إِثْماَ منَ الله ولا واغل
وزعم ابن قتية ان (المتكأ) الطعام، واحتج عليه بييت منسوب إلى جميل بن معمر:
فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاُتّكَأْنَا ... وَشَرِبْنَا اُلَحلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ
قال فمعنى/ اتكأنا/ طعمنا، والحلال عنده اسم للنبيذ.
وأما التين والزيتون: فقالوا فيهما أقوالا ليس أحد منها يطابق الاسم فيه مسماه.
زأما الخلد، فزعم قوم انه اسم للسوار، وزعم آخرون: أنه اسم للقرط واحتجوا عليه بهذا البيت:
ومُخَلّداتٍ باللّجَين كأنّا ... أعجازُهُن نقىً على كثبان
стр. 118
وقوله تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ فقوم قالوا: مسؤرون، وآخرون قالوا: مقرطون، وادعى قوم من أهل اللغة أن/ القوم/ اسم يقع على الرجال دون النساء، قالوا وذلك أن الرجال قوامون بالأمر دون النساء واحتجوا برواية بيت لزهير تنقضها رواية أخرى وهو:
وما أَدري وسوف إخال أَدري ... أَقومُ آلُ حُصنٍ أَم نساء
وكتاب الله يرد عليهم قولهم لأن قوم كل نبي كانوا رجالا ونساء والأصمعي يرويه موافقة للتنزيل وهي:
وما أدري وسوفَ إِخال أدْري ... رجالٌ آلُ حصن أَمْ نساءُ
وذكروا أن جماعة من العلماء العرب نسبوا إلى اختلاق الأخبار كابن دأب
стр. 119
وابن الكلبي والهيثم بن عدي وأضرابهم.
ورموا حماد الراوية، وخلفا الأحمر بانهما كانا يصنعان الشعر على
стр. 120
شعر العرب، وتناولوا الخليل فتعذر عليهم بالقدح فيما كان ينتحله من علم اللغة فعدلوا إلى عيب عضهه به المتكلمون وأهل الجدل فقالوا: روى عنه واحد من كبار علماء بلده أنه كان مصروفا عن إدراك الحكمة إلا عن النحو والعروض، وما كل إنسان يفطن لنقصه، وأنه كان محصور الطبع عن تفهم فنون من العلم رام تعلمها فبقي فيها كالا حيرا، فمن تلك الفنون علم الغناء والإيقاع، وعلم الكلام والجدل، وعلم الشطرنج والرد. فأما علم الغناء والإيقاع فإنه وضع فيه كتابا وسماه/ تراكيب الأصوات/ وهو لم يعالج وترا قط، ولا مس بيده قضيبا، ولا كثرت مشاهدته للمغنين.
وأما علم الكلام والجدل فله فيه كتاب لو جهد كل بليغ في الأرض أن يتعمد مثل ذلك الخطا وذاك التعقيد لتعذر عليهم الوصول إليه، ولو أن مجنونا استفرغ مجهوده وأفنى مدته في الهذيان لما تهيأ مثل ذلك منه، ولن يأتي مثل ذلك أحد إلا بخذلان الله تعالى لا يبقى منه شيء.
стр. 121
وأما علم الشطرنج والترد فانه زاد في دواب الشطرنج جملا فلعب به قوم امتحانا له ثم رموا به.
قال وحدثني إبراهيم بن سيار قال: كان كتابه في التوحيد عند أيوب بن جعفر بن سليمان قد جعله عدة لا نقطاع الخواطر المرضية والأحاديث المونقة فاذا اعترتنا سكتة دعا بالكتاب فصار سببا إلى لهو، وطريقا إلى نشاط النفس، وكتاب هذا مقداره عند المتكلمين القرح، والعلماء الخلتص، ما ظنك به. قال وسمعه أبو شمر يوما يقول: لن يصل أحد إلى معرفة ما يحتاج إليه من النحو حتى يتعلم منه ما لا يحتاج إليه،
стр. 122
فقال أبو شمر له: فقد صار إذا ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه! ! وسمعه يوما آخر يقول: لولا كراهة البدعة لصنفت للناس كتابا لا يختلفون بعده في شيء من الدين، فقال أبو شمر له: أو تعد ما ألف القلوب بين المختلفين بدعة؟ . وسمعة يوما آخر يملي كتابه في التوحيد وكان قال: أيها السائل عن فهم القديم، إن قلت أين هو؟ فقد أينته، وإن قلت: كيف هو؟ فقد كيفته، هو شي شيءن ولا شي لا شيء (لا شيء) وشيء لا شيء ولا شيء شيء، فقال أبو شمر له: هذا هو الكتاب الذي لا يجمع ولا يفرق، هذا هو البدعة التي يرفع الله بها من الأرض البدعة! ! !
قالوا: وقد تجافينا عن إعادة ذكر لابن الكلبي، والهيثم بن عدي، وحماد الراوية، والخليل.
هذا ابن عون قد حدث عن قتادة قال: حضرت
стр. 123
الحسن وقد سئل عن قوله تعالى ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾ فقال إنه كان لسريا، وإنه كان لكريما، فقال: هو المسيح. فقال له: حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا إنما السري الجدول فتمعر لونه وقال: يا حميد غلبتنا الأمراء.
انتهت الحكايات عن الآزاد مردية منتهاها.
стр. 124
بسم الله
وقال من أخذته الحمية لأولئك العلماء فتصدى لهؤلاء العياب بمر الجواب: أما الخليل فليس ما يحكى عنه بعيب راجع عليه فانه كان منتحلا لعلم اللغة لا علم الجدل، بذلك عرف طول دهره، وبعد فان دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها (أصل) عند علماء العرب أفضل من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه وإنما اخترعه في ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طت ليس فيها بيان ولا حجة يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفيدان غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومة بعيدة لشك فيها بعض الأمم لصنعه ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمنا ذكره ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة كل أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه الكتاب الذي هو زينة لدولة الإسلام، وفلسفة تفتخر بها العرب على كل أمة. وقد أبان عن حاله جعفر بن يحيى بن خالد فانه قال يوما: حضرت البارحة مجلس أمير المؤمنين الرشيد فتذاكرنا علماء الملة من كل فن فاختلفنا ثم اتفقنا على أنه لم ير فيهم من برع براعة الخليل
стр. 125
وابن المقفع وأبي حنيفة والفزاري.
قالوا: فالإقبال ساق إلى دولة العرب مثل الخليل ومثل هشام بن الكلبي الذي عني لهم بضبط الأنساب فصنف فيها خمسة كتب وهي "المنزل" "والجمهرة" "والموجز" "والفريد" "والملوكي"؛
فأما (المنزل) فأكبر كتاب له في النسب ينزل العرب فيه منازلهم وربما تخطاهم إذا وجدوا كطباطبا في عدد أو نباهة، مثل: مراهة، وهاربة،
стр. 126
وطي السهل، وعامر بن صعصمة، ودهمان قيس، وطفاوة دخان، وحرثان، حمان، وعامر بكر، وحلمة أسد، وهرمة هذيل، وأخزم هنانة، وثعلبة عفار، وحر العشيرة، وكرادة مراد، وقائمة الأهبوب، والهن، ومنعة، وحي بن موت، وحور بن جديلة، في أشاء لهذا.
وأما (الجمهرة) فهو أوسط كتاب له فيه بعض الأخبار وتعداد أمهات الأشراف والقبائل إلى حيث يفترقون عن قبيلتهم ويتجاوزون إلى بطونهم وذكر فرسانهم وشعرائهم وذوي نباهتهم.
وأما/ الموجز/ ففيه ما لا يحسن بمتتبع الأدب والناظر في النسب جهله، فذكر فيه من ينسب إلى بطن وقبيل وشريف كل قوم وشاعرهم ومن احتل السلطة فيهم واستوى على الرئاسة منهم.
وأما/ الفريد/ فهو كتاب القبائل، أفرد فيه لكل بطن نسبه، مفردا أيامه وشعره، فذكر كل ذلك بالأسانيد والرواة، وهو الذي أتحف به المأمون.
وأما/ الملوكي/ ففيه أخبار غريرة معروفة، ومعرفة كثيرة لا تقع في غيره من كتبه، وفيه ما يقع في/ الفريد/ وإن لم يبلغ مداه، وهو الذي أتحف به جعفر بن يحيى البرمكي.
стр. 127
ومثل عيسى بن يزيد بن دأب الكناني، وهو الذي ارتفع في جلالة القدر أنه كان يتكئ في مجلس الخليفة الهادي، ولا يعرف أحد قبله ولا بعده، فال هذه الخطوة، قالوا: وابن دأب يعد من علماء مضر، وهو تاسع تسعة من علمائهم الذين هم: ابن دأب الكناني، وأبو بكر الهذلي، وزيد بن عياض بن جعدبة، وأبو عمرو بن العلاء المازني، والنضر بن شميل المازني أحد تلاميذ أبي عمرو، وأبو عبيدة معمر بن
стр. 128
المثنى مولى ثيم قريش، وعبد الملك بن قريب الباهلي وهو الأصمعي ومحمد بن اسحق بن يسار مولى قريش، وأبو اليقظان مولى بني القحيف من ربيعة مالك.
كما أن ابن الكلبي هو سابع سبعة من علماء اليمن الذين هم: محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام أبو المنذر، والهيثم بن عدي، والشرقي بن القطامي وعوانة بن الحكم الكلبي، ومحمد بن عمر بن واقد
стр. 129
الأسلمي، وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري؛ فهؤلاء على جلالة أخطارهم ونفاسة علمهم، لو جمعوا كلهم في صعيد واحد لم يعشروا الخليل، ولا نالوا في العلم أدنى درجاته، وما ظنكم برجل تولاه كل جبيل، ومال إليه كل فرقة حتى حل في صدورهم فمنحوه الذكر الجميل بألسنتهم، فهذا أحمد بن الطيب وهو فيلسوف ذلك العصر كان يعد الخليل في فلاسفة الإسلام مع أستاذه أبي يوسف الكندي فكان يقول: انتهت علوم جانب المغرب إلى خمس فرق: وهم أصحاب الرواق كانوا بالاسكندرية، وأصحاب اصطوان وكانو يعلبك، وزأصحاب المظال وكانوا بانطاكية، وأصحاب البرابي وكانوا بمصر، والمشاءون وكانوا بمقدونية، ولو جمعوا بأجمعهم إلى الفيلسوف أبي يوسف لكان يرجع بهم، ولم يتفق له مثل اختراع الخليل لعلم العروض، فهذا هو آخر الباب الذي قد انتهينا إليه.
стр. 130
الباب الثالث: في ذكر أبيات رويت مصحفة تصحيفًا في اللغة
ثم خرج لها العلماء تفاسير مختلفة
الحرث بن حائرة:
زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا ونحن الولاء قالوا: فمعنى قوله/ كل من ضرب العير/ أي كل من ضرب بجفن على عير، فهذا قول الخليل في كتاب العين، وحكى أبو حاتم عن الأصمعي
стр. 131
وأبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: ذهب من يحسن تفسير هذا البيت.
وقال قوم: العير السيد، وعنى به ههنا كليب بن وائل، سماه عيرا، فلما كان كليب أشرف قومه، سماه عيرا على التشبيهن لأن العير قيم الأتن وقريعها، وقال قوم آخرون ممن/ ليس العير/ عندهم/ السيد/ معنى قوله: زعموا أن كل من ضرب العير موال لنسا ونحن الولاء
ان العرب ضربت/ العير/ في أمثالها من وجوه كثيرة فقالوا:
"قبل عير وما جرى" "والعير يضرط والمكواة في النار" "وكذب العير وإن كان نزح"، فيقول هذا الشاعر: إن العرب كلها قد ضربت العير
стр. 132
مثلاً فكل من جنى عليكم ألزمتمونا ديته. وقال بعضهم: إن هذا الشاعر عنى بالعير الوتد، وسماه عيرا لنتوئه مثل عير نصل السهم، وهو الثانى وسطه، وذلك أن العرب كلها تضرب بيوتها أوتادا فيقول: كل من ضرب لبيته وتدا ألزمتمونا ديته! وقال بعضهم: عير: جبل، ومعني قوله ضرب العير، أي ضرب في عير وتد الخيمة، فيقول: كل من سكن ناحية عير ألزمتمونا تجنيه عليكم، وجاء في الحديث أن رسول الله ﷺ حرم ما بين عير إلى ثور، وثور أيضا جبل. وهذان الجبلان بالمدينة، وقال قوم: العير الحمار نفسه أي أثهم أضافوا إلينا ذنب كل من ساق حمارا، وعنى بقوله/ كل من ضرب العير/ إيادا، أي أثهم أصحاب حمير.
وقال آخرون: بل عنى به المنذر بن ماء الماء لأن شمرا قتله يوم عين أباغ، وشمر حنفي من ربيعة فهو منهم.
стр. 133
وقال آخرون: المعنى أن العرب تضرب الأخبية لنفسها والمضارب لموكها.
وقال أبو حاتم: قد أكثر الناس في هذا وليس شيء منه بمقنع، وإنما أصل/ العير/ العير العائر، فأحوجه الشعر فاضطره إلى أن قال/ العير/ قال: والعير والعائر، كلها ما ظهر على الحوض من قذى، فإذا أرادوا أن ينفوا عنه ما عارضه من القذى نضحوه بالماء فانتفت الأقذاء عنه إلى جدران الحوض، وصفا الماء لشاربه، فالعرب أصحاب حياض، وهذا فعلهم، فيقول هذا الشاعر:
إن إخواننا من بكر بن وائل زعموا أن كل من قرى في الحياض ونفى الأقذاء عن مائها موال لنا ولنا الولاء عليهم.
الأعشى:
رَحَلَتْ سُميَّةُ غُدْوَةُ أحْمَاَلهاَ ... غَضْىَ عَلَيْكَ فَمَا تَقُولُ بَداَلَهَا
هذَا النَّهارَ بَدَا لَها مِنْ همَّها ... مَا بَالهَا باللّيْلِ زالَ زَوَالَها
ويروى/ غضبى علي/ ويروى/ هذا النهال/ ويروى/ زال زوالها/.
قوله/ هذا النهار بدأ/ قال الأخفش: إنما نصب/ النهار/ لأنه ظرف أي في هذا النهار بدالها من همها.
стр. 134
وقال غيره: (النهار) صفة (لهذا) أو بدل منه، لأن (هذا) في موضع نصب على الطرف، والمعنى في هذا النهار بدالها من همها؛
وقالوا: المختار أن يكون (النهار) نصيب على الوقت.
وقوله/ من همها ما بالها بالليل/ قال بعضهم: هذا الارتحال الذي يرى بدالها من همها في النهار فما بالها بالليل إذا نمنا لم ينا خيالها.
وقال آخر: يقول هذا الهم بدا لها نهارا، والهم ما شمت به من صرمه ومفارقته.
وقال آخر: هي بالنهار تخاف العيون وتراقب الوشاة فما بالها بالليل أيضا على مثل ذلك الحال لا تزور وقد زال عنها ما تحاذره.
وقال آخر: إنما رده على آخر البيت الأول؛ فما تقول بدا لها؟ ثم قال مفسرا لذلك: بدا لها أن همت بصرمى نهارا فما بالها بالليل أي ما لنا ولها بالليل، ليست تدعنا ننامه شوقا إليها وذكرا لها.
وقوله/ زال روالها/ قال الأصمعي: دعاء على المرأة أي هذه المرأة لا أكاد أراها بالنهار فاذا جاء الليل أزارني خيالها فما بالها! دعا عليها فقال: زال زوالها، ومعناها لا زال هما يزول زوالها أي يزول معها، أراد أنه لا يفارقها.
وقال بعضهم: هو دعاء على الهم، ومعناه زال الهم معها حيث زالت.
стр. 135
وقال أبو عمرو: هي كلة يدعى بها فتركها على حالتها، حكى ذلك أبو عبيدة عنه.
وقال بعضهم: هو دعاء على الخيال ومعناه أذهب الله خيالها عني كما ذهبت هي فأستريح.
وقال الأخفش: هو دعاء على الليل ومعناه أزال الله الليل الذي نقلي فيه مه ما تقاسيه مع صرمها لنا نهارا، كما زالت سمية، وهذا كما تقول: هلك فلان أي هلكه الله.
وقال الأخفش: قال بعضهم: زال معناه ههنا أزال، وهي لغة قوم من العرب يقولون؛ زلت الرجل عن مقامه بمعنى أزلته ومن هذا قول ذي الرمة.
زيلَ مِنْهَا زَوِيلُهَا
فكأنه قال: ما بال هذا الليل أزالها، ويحكى هذا القول بعينه عن أبي عبيدة.
وقال الأصمعي في بعض الحكايات عنه: هذا مقلوب كان يجب أن يقول
стр. 136
زواله إلى زوال النهار، ثم قلب الكلام فقال زال زوالها، فجعل التأنيث الذي يجب أن يكون في زال الزوال، كما قال الشاعر:
كانَ الزًناء فَرِ يضَةَ الرّجْم
وقال بعضهم: هو خبر وليس بدعاء ومعناه؛ ما بال حظنا من سمية بالليل قد زال كما زالت، وإنما يريد تأخير الخيال الذي كان يقوم مقامها فنستريح إليه، وعلة تأخر الخيال عنه انه سهر لفراقها فلم ينم فيبصره.
وقال: وقد يجوز أن يكون دعاء على الليل إذ فاته حظه منها فيه.
وقال أبو عمرو: أنا أرويه/ زال زوالهيها/ بالرفع، وإن كان إقواء، وعلى هذا يكو دعاء على المرأة بالهلاك وأن تذهب من الدنيا ونزول عن أعين الناظرين، والأعشى أفحل شعرا من أن يقوي.
وقال بعضهم: هو دعاء منه لسميئة لا لاعليها؛ زال ما تهم به من صرمنا في النهار والليل كما زالت هي أي زال عنها همها بذلك.
وقال بعضهم: هو إخبار عن الليل وفيه تقدير، فكان زال زوالها، أي كان الليل الذي كان لنا منها وقد زال زوالها. وهذا كما تقول مالي مع فلان ليل ولا نهار، وإنما تعني: مالي مع فلان حظ من الليل ولا من النهار، ولست تعني أن هناك نهارا ولا ليلا، وهذا مثل: يلوينني ديني.
стр. 137
امرؤ القيس:
نَطْعَنُهُمْ سُلْكَى ومخلوجةً ... كَرَّك لَأْمَيْن على نابل
قال عيسى بن عمر: ذهب من كان يحسن هذا.
وقال بعضهم: النابل الذي معه النبل، واللأمان: سهان، وكرهما ردهما عليه كما رمى بها كى يستأنف بهما رميا آخر، والسلكى: الطعنة المستقيمة، والمخلوجة: المنحرفة إلى اليمين واليسار.
وقال بعضهم: النابل الذي يريش النبل، وكر السهمين عليه أن يسرع مناولته إياهما من يدفعهما إليه كي لا يقع في ذلك فتور ولا إبطاء فيجف الغدا قبل أن يصل الهم إليه من يد المتناول، وهذا أيضا في وصف السرعة في الطعن.
وقال بعضهم: أراد أنه يرد السهمين على صاحب سهام دفعهما إليه لينظر إليها فإذا ألقاهما إليه لم يقعا جميعا مستويين على جهة واحدة، ولكن أحدهما
стр. 138
يموج والآخر يستوى، فشبه جهتي الطعن بجهتي هذين السهمين، فذهب من هذا التفسير إلى أن يخبر عن الشكل الطعنتين المستوية منها والمنحرفة دو موالاة في الطعن.
وحكى عن زيد بن كثوة أنه كان يقول: إن الناس يغلطون في لفظ هذا البيت وإنما هو: كر كلامين، أي نطعن طعنتين متواليتين لا يفصل بينهما، كما تقول للرامى: ارم ارم، فاتان كلتان لا فصل بينهما فشبه بها الطعنتين في موالاته بينهما
وقال بعضهم: أراد بالنابل الذي يرمي في الحرب فيكون بجنبه من يناوله السام، فاذا رمى بواحد منها ناوله الآخر الذي بجنبه على أثره من غير أن يكون بينهما فرجة فشبه موالاه الطعن بذلك.
امرؤ القيس:
كَذَبْتِ لَقَد أُصْبي عَنِ الَمرْء عِرْسَهُ ... واَمْنَعُ عِرْسي إِنْ يزِنً بِها الخالي
стр. 139
فقال الأصمعي: الخالي من الرجال الذي لا زوجة له، ويزن: يتهم.
وقال أبو عبيدة: الخالي المختال، وأراد: لقد أصبي على المرء المختال عرسه، وأمنع عرسي أن يزن هو بها.
زهير:
تَدَاركْتُما عَبْساَ وذُبْيَانَ بَعْدَما ... تَفَاَنوْا وَدَقّواَ بْيَنُهُم عِطْرَ مَنْشِم
فإن منشم قد سار بها المثل في الشؤم فقيل/ أشأم من منشم/، وقيل أيضا أشأم من عطر منشم واختلف الرواة في لفظ هذا الاسم ومعناه واشتقاقه وفي سبب ضرب المثل به؛
فأما اختلاف لفظه فانه يقال: مَنشم، ومنشم، ومشأم؛
وأما اختلاف معناه فإن أبا عمرو بن العلاء زعم أن المنشم: الشر بعينه
وزعم آخرون: أن المنشم ثمرة سوداء منتنة.
وزعم آخرون: أنه شيء يكون في سنبل العطر يسميه العطارون السنبل وهو سم ساعة، قالوا: وهو/ البيش/.
وزعم آخرون: أن منشم اسم امرأة.
وأما اختلاف اشتقاقه، فقالوا إن منشم اسم موضوع كسائر الأسماء الأعلام.
وقال آخرون: منشم اسم وفعل جعلا اسما واحدا، وكان الأصل (من شم)، فحذفوا الميم الثانية من (شم) وجعلوا الأولى حرف إعراب.
стр. 140
وقال آخرون: منشم الأصل فيه (من نشم) ومعنى نشم بدأ، يقال قد نشموا في كذا أي بدءوا أو أخذوا فيه، ويقال ذلك في الشر دون الخير، وفي الحديث (لما نشم الناس على عثمان) أي ابتدءوا في الطعن عليه، يقال نشم اللحم أي ابتدأ في الإرواح.
وأما من رواه/ مشأم/ فإنه جعله اسما مشتقاً من الشؤم، وأما اختلاف سبب المثل به فإنما هو في قول من زعم أن/ منشم/ اسم امرأة وهو أن الأصمعي قال: كانت منشم عطارة تبيع الطيب، فكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا فكانوا إذا دخلوا الحرث بطيب تلك المرأة يقول الناس: (قد دقوا بينهم عطر منشم) فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا فتمثل به من الشعراء عدة منهم الأعشى، وزهير، فزهير قد مر بيته، والأعشى يقول:
فَدَعْ ذَا ولَكِنْ مَانَرَى رَأَيُ كَاشِح ... يَرَى بَيْنَنَا مَن جَهْلِهِ دَق مَنْشم
стр. 141
وقال ابن السكيت: العرب تكني عن الحرب بثلاثة أشياء، أحدها عطر منشم، والثاني ثوب محارب، والثالث برد فاخر.
ثم حكى في تفسير (عطر منشم) قول الأصمعي، وزعم في (برد فاخر) و (ثوب محارب) أن فاخرا كان رجلا من تميم وكان أول من لبس البرد الموثى فهم، وأن محاربا كان رجلا من قيس عيلان يتخذ الدروع، والدرع ثوب الحرب، فكان كل من أراد من العرب أن يحارب اشترى ثوب فاخر ودرع محارب، وأنشدوا لقيس بن الخطيم الأوسي:
وَلّما رَأَينَا الحْربَ حَرْ باَ تَجرَّدَتْ ... لَبسْنَاَمَعَ البُردين ثَوْبَ الُحَارِب
وقال أبو عمرو الشيباني: كانت منشم امرة من خزاعة تبيع الحنوط، وإذا حاربوا اشتروا منها حنوطا لقتلاهم، وإنما سموا الحنوط عطرا في قولهم (قد دقوا بينهم عطر منشم) لأنهم أرادوا طيب الموتى.
وقال هشام بن الكلي: سمعت محمد بن السائب يقول: من قال منشم بفتح الميم وكسر الشين فهي منشم بنت الوجيه، من حمير، وكانت عطارة تأني محال العرب والمواسم فكانت العرب إذا تمطرت بمطرها اشتد قتالهم فتشاءموا بها. ومن فتح الميم والشين معا فهي امراة من العرب لم تنسب، كانت أشجع العرب يشترون من عطرها، فأغار عليها قوم من العرب فأخذوا عطرها فبلغ ذلك قومها وأقبلوا إلى الذين فعلوا ذلك بها فأرادوا استئصالهم، ثم قالوا لا تقتلوا إلا من شم منه ريح عطرها.
стр. 142
قال ابن الكلبي: وسمعت عبد الواحد يخبر عن يونس بن نحدة الفنوي أنها امرأة من جرهم كانت إذا خرجت فتيان جرهم لقتال خزاعة في الحروب التي كانت بينهم جاءت بقارورة فيها طيب فتطيبهم وهم في صفهم، ثم تضرب القارورة بالأرض فتدقها فلا يتطيب من طيبها أحد إلا قائل حتى يقتل أو يجرح. وقال بعضهم: منشم امرأة أحدثت عطرا فكانت تتطيب به وتطيب زوجها، ثم صادفت رجلا فطيبته فخرج من عندها وتلقاه زوجها فشم منه ريح طيبها فقتله، فاقتل من أجله حياهما حتى تفانوا، وزعم الذين قالوا إن استقاق هذا الاسم أنما هو عطر من شم، أنها كانت امرأة يقال لها خفرة تبيع الطيب فورد بعضهم أحياء العرب عليها فأخذوا طيبها وفضحوها، فلحقها قومها ووضعوا السيف في أولئك، وقالوا اقتنلوا كل من شم، أي من شم منه طيبها.
وزعم آخرون انه سار هذا المثل يوم حليمة، أعنى قولهم/ قد دقوا بينهم عطر منشم/، قالو: ويوم حليمة هو اليوم الذي سار به المثال فقيل: / ما يوم حليمة بسر/ لأن فيه كانت الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام، وبين المنذر بن المنذر بن امرى القيس ملك العراق، وإنما أضيف هذا اليوم إلى حليمة لأنها أخرجت إلى المعركة مراكن من
стр. 143
الطيب فكانت تطيب بها الداخلين في الحرب فقاتلوا من أجل ذلك حتى تفانوا.
وزعم آخرون: أن منشم امرأة كانت دخل بها زوجها فنافرته فدق أنفها فخرجت إلى أهلها مدماة، فقيل بئس العطر عطرك زوجك فذهبت مثلا.
وقال آخرون: كل ما دق من الطيب فهو منشم.
وقال بعضهم: هي صاحبة يسار الكواعب حين أتته بمجمرة لتطيبه،
فقطعت مذاكيره، قال: وهي من أعدائه، هذا قول اسحق بن زكريا اليربوعي.
وقال الحرث بن كريم: هي امرأة رياح بن الأشل الغنوى وعطرها هو الذي أصابوه مع شأس بن زهير حين قتله رياح بن الأشل.
وخالف أبو عبيدة هؤلاء كلهم فقال: منشم اسم وقع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة وإنما هو ذلك كقولهم: / جاوا على بكرة أبيهم/ إذا جاءوا جميعا وليس ثم بكرة.
стр. 144
لبيد:
يَطرُدُ الزُجْ يُبَادي ظِلّهُ ... بِأسِيلٍ كالسَّنَانِ الُمنْتَخَلْ
قال بعضهم: إن هذا الفرس مع رأس هذا الزج يباريه بخده الأسيل، والزج ههنا السنان.
وقال بعضهم: بل الزج ههنا النعام، والواحد أزج، وهو بعيد الخطو.
ابو نواس
أما ترى الشَّمْسَ حَلّتِ الَحَملا ... وقامَ وزنُ الزَّمانِ واعتدلا
وغنًتِ الطيرُ بعد عُجْمَتها ... واستوفْتِ الخَمْرُ حَوْلَهَا كَمَلا
قال بعضهم: الحلول: حول الخمر من لدن لواح الكرم عند دخول الشمس الحمل من المام الثاني فتكون الخمر قد استوفت عند ذلك حولا كاملا وصارت بنت سنة.
وقال بعضهم: الحول خول الشمس لأن ذكرها قد تقدم في البيت الأول والمراد من ذلك أن الخمر قد استوفت حول الشمس.
وقال بعضهم: الحول: القوة لان الخمر حينئذ أقوى ما تكون
стр. 145
وكان الأصمعي ينشد بين الأشعر الجعفي.
يارُبً عَرْجَلَةٍ أَصَاُبوا خَلّةً ... دانُوا وَحَارَد لَيْلُهُمْ حتى بكَى
ويقول: كذا قراناه على أبي عمرو: وحارد ليلهم حتى بكى.
وينشد:
وحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد
قال وسمعت من يرويه: وحار دليلهم من الحيرة.
النابغة الذبباني:
مَجلْتُهُم ذاتُ الإِلهِ ودِينُهُمْ ... قويم فٌماَ يرْجُون غْيرَ العَواقِب
следующие страницы →