Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وهو نكرة في سياق النفي فتعم.
وحمل الآيتين والحديث على مدة الاستحقاق تخصيص بغير مخصص.
وقول المصنف: لا بد من تغيير الغذاء لينقطع الإنبات باللبن، وذلك بزيادة مدة يتعود الصبي فيها غيره لا يقوي؛ لأن الطفل يألف الطعام قبل العامين؛ فإن عامه الأطفال يطعمون مع الرضاع فما تنقضي السنتان إلا وقد ألف الطفل الطعام، وخلاف هذا نادر.
قوله: (وهل يباح الإ ﴿ضاع بعد المدة، قد قيل لا يباح لأن إباحته ضرورية لكونه جزء الآدمي).
تقدم حديث سالم مولي أبي حذيفة وهو في صحيح مسلم، وفيه: "فبذلك كانت عائشة ﵂ تأمر بنات أخواتها، وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها- وإن كان كبيرًا- خمس
стр. 1017
رضعات، ثم يدخل عليها"، وفي رواية: "إن امرأة أبي حذيفة لما قال لها النبي -صلي الله عليه وسلم-: أرضعية، قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وقال: قد علمت أنه رجل كبير وكان قد شهد بدرًا".
والخلاف في أن إرضاع الكبير هل يتعلق به تحريم أم لا؟ معروف، والكلام في ذلك قديمًا وحديثًا، والقائلون بأنه يتعلق به تحريم أم المؤمنين عائشة ﵂، ومن وافقها، وممن وافقها علي، وعروة بن الزبير، وعطاء ابن أبي رباح، والليث بن سعد، وأبو محمد بن حزم.
стр. 1018
وقد سلك من خالفهم في حديث سالم ثلاثة مسالك، أحدها: دعوي النسخ، الثاني: دعوي التخصيص بسالم، الثالث: أنه عام لكنه رخصة لحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجاب المرأة عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، ثمل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعة، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير.
وهذا المسلك من أحسن المسالك لمن تأمله، ولولا خوف التطويل لبسطت الكلام في ذلك، والغرض هنا التنبيه على إباحة الإرضاع للكبير، لأن خلاف السلف إنما هو في تعليق التحريم برضاعة أم لا، لا في جواز رضاعة، وحديث سالم نص في جواز الرضاعة للكبير، وفي التعليل بكونه/ جزء الآدمي نظر، فإن تعليل في مقابلة النص فكان باطلاً، وليس اللبن نظير غيره من أجزاء الحيوان، بل هو بمنزلة الريق [وقد] طيبت عائشة ﵂ السواك لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- فاستاك به فاجتمع ريقها مع ريق رسول الله ﷺ في
стр. 1019
فيه، وقد ورد أنه كان يمص لسانها ﵂.
قوله: (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ للحديث الذي روينا إلا أم أخيه من الرضاع ولا يجوز ذلك أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب لأنها تكون أمه، أو موطوءة أبيه بخلاف الراضع، ويجوز تزوج أخت ابنه من الرضاع، ولا يجوز ذلك من النسب؛ لأنها لما وطيء أمها حرمت عليه ولم يوجد هذا المعني في الرضاع).
قال السروجي: وهو تخصيص للحديث بدليل عقلي قال: وفي "المحيط" أيضًا استثني امرأتين كما في الكتاب.
قال: وفي الإسبيجابي كل من يحرم من جهة النسب يحرم من جهة
стр. 1020
الرضاع ولم يستثن، والصواب الاستثناء، وجمع بعض الفقاء المسائل التي تفارق حكم الرضاع حكم النسب في النكاح فقال مرتجزًا:
يفارق الإرضاع حكم النسب ..... في خمسة مسطورة في الكتب
أم أخ وأم أخت سيدي .... وأم أم الابن فاحفظ سندي
وهكذا وفقت أخت الولد .... فاقتبس العلم لكيما تهتدي
وأم عم ثم أم عمة .... فافهم مقالي لا لقيت غمة
وأم خال ثم أم خالة .... والحق لا يخفي من الجهالة
نكاحهن في الرضاع واقع .... وما عداه فالدليل مانع
انتهي كلام السروجي، ثم إني كنت تتبعت هذه المسألة فوجدت صورتين أخريين قد استثنيت فنظمت بيتين تجمع الصور المستثناة كلها وهما:
يفارق النسب الرضاع في صور .... كأم نافلة وحدة الولد.
وأم عم وأخت ابن وأم أخ .... وأم خال وعمة ابن اعتمد
ثم إني تأملت فوجدت الاستثناء المذكور غير صحيح، ووجدت
стр. 1021
فخر الدين الزيلعي في شرح الكنز قد نبه على أن الاستثناء غير صحيح، ونبه غيره على ذلك أيضًا والنص على عموم [ـه] بحمد الله تعالي والاستثناء تلبيس دخل علي من لم يتأمل المعني من المتأخرين: فنظمت بعد البيتين المذكورين ثالثًا فقلت:
والحق أن أن [ال] حديث ما تناول هذه المسائل
فافهم فهم منتقد
وذلك أن الله تعالي لم يقل: "حرمت عليكم أمهاتكم وإخوانكم" وإنما قال: ﴿حلمت عليكم أمهاتكم﴾، وقال تعالي: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ فحرم على الرجل أمه، ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه،
стр. 1022
فأما أمه من الرضاع فتحرم عليه إجماعًا.
وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عن الأئمة أنها تحرم ولكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر لا بالنسب والولادة، وليس الكلام هنا في تحريمها فإنه إذا قيل تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث، وأما أم الأخ التي ليست أمًا، ولا منكوحة أب فهذه لا توجد في النسب حتى يقال: إنها تحرم من النسب، ولا تحرم نظيرها من الرضاع.
وكذلك أخت الابن التي ليست بنتًا، ولا بنت مدخول بها فإنها لم تحرم من النسب لكونها أخت الابن، وإنما حرمت على رجل لكونها بنته أو بنت امرأته التي دخل بها، ألا تري أنه لما تصور لها نظير من النسب، كما إذا كانت أمة لرجلين فوطائها فأتت بولد فادعياه، أو ألحقته القافة، بهما عند من يقول ذلك، وكان لكل من الرجلين بنت من غير تلك الأمة، فإنه يحل
стр. 1023
لكل منهما أن يتزوج بنت الآخر وإن كانت أخت ابنه، وكذلك الصور الباقية فتأمله.
قوله: (وامرأة أبيه وامرأة ابنه من الرضاع لا يجوز أن يتزوجها كما لا يجوز ذلك من النسب لما روينا، وذكر الأصلاب في النص لإسقاط اعتبار التبني على ما بيناه).
تقدم في فصل المحرمات التنبيه على أن هذه المسألة/ من مسائل الخلاف وأن في شمول قوله ﵊: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وفي رواية: "من الولادة"، لزوجة الابن، وزوجة الأب، نظرًا لأن المذكورتين ليست حرمتهما من جهة النسب، وإنما حرمتهما من جهة الصهرية، وقد قال تعالي: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا﴾.
стр. 1024
والرسول ﷺ إنما قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم منا لنسب"، ولم يقل من النسب والصهر، وقوله من قال من الفقهاء أن ذكر الأصلاب في النص لإسقاط اعتبار التبني لا لإحلال حليلة الابن من الرضاع يحتاج إلى دليل فإنه مجرد دعوي.
قوله: (وفي أحد قولي الشافعي ﵀: لبن الفحل لا يحرم).
في نقله هذا عن الشافعي نظر؛ فإن المنقول عنه في كتب الشافعية أنه يتعلق به التحريم كقول الجمهور، وإنا قال بذلك سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، والقاسم، وأبو قلابة والظاهرية، وحديث أفلح حجة عليهم، وعموم قوله ﵊: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
стр. 1025
قوله: "وإذا تزوج الرجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمتا على الزوج).
هذا قول أكثر أهل العلم، وتقدم التنبيه على أن هذا من باب الصهر لا من باب النسب، وفي دخوله في عموم قوله ﵊: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" نظر.
قوله: (وقال مالك ﵀: يثبت).
يعني الرضاع بشهادة امرأة واحدة إذا كانت موصوفة بالعدالة، قال السروجي: وإنما ذلك قول ابن حنبل، وحكي قبل ذلك أن مذهب مالك أن الرضاع يثبت بشهادة شاهدين، فإن شهدت امرأتان وفشا ذلك من قولهما كان كالأول.
стр. 1026
قوله: (ولنا أن ثبوت الحرمة لا يقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة رجلين بخلاف اللحم لأن حرمة التناول تنفك عن زوال الملك فاعتبر أمرًا دينيًا).
عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج بنتًا لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقال: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بالمدينة قال: فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:"كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة، ونكحت زوجًا غيره" رواه البخاري.
стр. 1027
وفي رواية: "فجاءت امرأة سوداء فقال: قد أرضعتكما، فأتيت النبي -صلي الله عليه وسلم- فذكرت له ذلك فقال: وكيف وقد زعمت [أنها قد أرضعتكما؟ دعها عنك"] قال في "المغني": وجملة ذلك أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية، وبهذا قال طاوس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، انتهي.
والتعليل بأن ثبوت الحرمة بالرضاع لا يقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح بخلاف اللحم فيه نظر، فإن من اشتري لحمًا فأخبره إنسان أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي أو أنه ميتة حرم وزال ملكه عنه؛ لأن ذبيحة المجوسي ميتة، وهي غير مال فلا يقبل الملك، وقد اعتذروا لذلك وقالوا: إن المراد أن حرمة التناول تنفك عن زوال الملك في الجملة كما في جلد الميتة والخمر.
وهذا وإن كان مذهب أبي حنيفة وأصحابه ولكن حديث أنس ﵁: "أن النبي -صلي الله عليه وسلم- سئل عن الخمر تتخذ خلاً، قال: لا" رواه مسلم وأحمد
стр. 1028
وأبو داود والترمذي وصححه حججه لمن خالفهم.
وقد يكون إخبار المرأة بالرضاعة قبل عقد النكاح فلا يلزم منه زوال الملك بل المنع منه، وقد يكون في الأمة فينفك عن زوال الملك فيحرم على المولي وطء الأمة ولا يزول ملكه عنها، مع أن ملك الزوج في الزوجة إنما هو حل الاستمتاع، وذلك من باب الديانات/ فيقبل فيه قول العدل، كيف وإن الرضاعة مما لا يطلع عليه الرجال غالبًا، وما روي أنه أعرض عن سؤال عقبه أولاً في بعض طرق الحديث يحتمل أنه كان لعدم ظهور عدالة المخبر.
стр. 1029
[كتاب الطلاق]
[باب طلاق السنة]
قوله: (وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو ثلاثًا في طهر، وإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيًا).
قال السروجي ﵀: ووقوع الثلاث جملة قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم، وكان طاوس وعطاء وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، وأبو الشعثاء يقولون: من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة ذكره في "المغني".
وقال السروجي أيضًا في فصل الطلاق قبل الدخول: وفي "مصنف أبي بكر بن أبي شيبة" عن جابر بن زيد، وطاوس، وعطاء، أن الرجل إذا طلق امرأته [ثلاثًا] قبل أن يدخل بها فهي واحدة، ثم قال السروجي هنا: وقال
стр. 1030
ابن رشد في القواعد، والصفاقسي في "شرح البخاري": ذهب أهل الظاهر وجماعة منهم الشيعة إلى أن حكمها حكم الواحدة ولا تأثير للفظ الثلاث.
قال القاضي أبو يوسف: كان الحجاج بن أرطأة يقول: الطلاق الثلاث ليس بشيء، وقال محمد بن إسحاق: واحدة كقول الشيعة.
وحجة هؤلاء قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى قوله في الثالثة: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ والمطلق بالثلاث مطلق واحدة لعدم مشروعية الزائد عليها.
واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم عن ابن عباس قال: "كان الطلاق الثلاث
стр. 1031
على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين في خلافة عمر واحدة فأمضاها عليهم عمر"، وفي رواية مسلم وغيره: "كان طلاق الثلاث واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر [فلما] تتايع الناس في الطلاق أجازه عمر عليهم] وتتابع بالياء والباء.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق ركانة بن عبد يزيد زوجته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله -صلي الله عليه وسلم- كيف طلقها؟ قال: طلقها ثلاثًا في مجلس واحد، قال: إنما ذلك طلقة واحدة فارتجعها".
ثم قال السروجي: قلت: حجتهم في ذلك قوية لصحة الحديث المتقدم،
стр. 1032
وشغب من قال بإباحة إرسال الثلاث جملة بأحاديث منها: حديث عويمر العجلاني وفيه: "فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره النبي -صلي الله عليه وسلم- " متفق عليه، ولم ينقل إنكاره.
ومنها: [حديث] عائشة أن امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله: إن
стр. 1033
رفاعة طلقني وبت طلاقي، متفق عليه، ولم ينكره.
ومنها: حديث فاطمة بنت قيس " أن زوجها أرسل إليها ثلاث تطليقات"، ولأنه تصرف مشروع حتى يستفاد به وقوع الثلاث جملة، والمشروعية تنافي الحظر، بخلاف الطلاق في الحيض فإن المحرم تطويل العدة عليها لا الطلاق، إذ هو بعيد عند البعض، وللجمهور في التحريم ما رواه ابن عباس عن محمود بن لبيد - قال البخاري: له صحبه - قال: "أخبر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام
стр. 1034
غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" ذكره القرطبي في شرح الموطأ، ورواه النسائي وهو نص أو دال على التحريم، هذا كله كلام السروجي، ثم ذكر بعد ذلك حديث "ابن عباس في إمضائه الثلاث على الذي سأله أنه طلق زوجته ثلاثًا".
وحديث الذي سأله "أنه طلق امرأته مائة طلقة" وحديث الذي "طلق
стр. 1035
امرأته ثمان طلقات" وغير ذلك: ثم بحث ثم قال: والجواب عن حديث ابن عباس الذي رواه مسلم من وجهين:
أحدهما: الإنكار على من تحرج على نفسه الطلاق بإيقاع الثلاث، والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السنة في الزمان المتأخر عن العصرين كأنه قال: الطلاق الموقع الآن ثلاثًا كان في ذينك العصرين واحدة/ كما يقال: كان الشجاع الآن جبانًا في عصر الصحابة فيفيد تغير الحال بالناس. انتهي.
وهذا الجواب يرده قوله: (فلما تتابع الناس في الطلاق أجازه عمر عليهم) والتتابع في الشيء، الإكثار منه.
قال ابن الأثير: التتايع: الوقوع في الشر والتهافت من غير تماسك ولا توقف.
стр. 1036
وأيضًا فإن في بعض طرق الحديث أن أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: "أما علمت [أنا الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة علي عهد رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلي"، وفي لفظ آخر: "أن أبا بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم"، وهذا نص في جعل الثلاث واحدة.
стр. 1037
ثم قال: الوجه الثاني أن قول الزوج: أنت طالق، طلقة واحدة عندهم محمولاً على التأكيد والخبر، وصار الناس بعدهم يحملونه على التجديد والإنشاء فألزمهم عمر ذلك لما ظهر قصدهم إليه، يدل عليه قول عمر: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" وهذا الجواب يرده ما تقدم.
وأيضًا فمن أن هذا كان مرادهم؟ وليس له اطلاع على إرادتهم، ولا يدل عليها قول عمر كما أدعي! وإنما يدل قوله على أن الله تعالي شرع الطلاق مرة بعد أخرى للحاجة، فالذي يطلق ثلاثًا يقصد استعجال إيقاعها، وكان لهم عن ذلك غنية؛ فإن الغرض يحصل بالواحدة فزيادة الثانية والثالثة زيادة على المشروع من غير حاجة؛ ولهذا يحصل لهم الندم غالبًا فرأي عمر ﵁ إلزامهم بتعجيل ما قصدوا تعجيله من إيقاع الثانية والثالثة ليرتدعوا عن الطلاق بمنزلة التعزيز لمن يفعل ذلك؛ فإن التعزيز إلى رأي الإمام، وعمر ﵁ رأي أن التعزيز بإلزامهم بحكمها رادع لهم عن إيقاعها، لا أنه غير حكم الطلاق عما كان عليه فإن هذا لا يظن لمن هو دون عمر ﵁.
ثم قال: وأما حديث عكرمة عن ابن عباس، وطاوس عنه أن
стр. 1038
ركانة بن عبد يزيد طلق زوجته سهيمة ثلاثًا وهم، وقال الحافظ أبو جعفر: منكر، وقد خالفهما من هو أولى منهم وعد من خالفهما.
وجوابه: أن حديث ركانة روي من طرق ضعف بعضها وصحح بعضها، ولا ريب أن ابن عباس عنه روايتان صحيحتان إحداهما توافق هذا الحديث، والأخرى تخالفه، فإن أسقطنا رواية برواية سلم الحديث، وليس هذا بأول حديث خالفه راوية، فمن قال: الأخذ بروايته فقد كفي مؤنة الجواب.
ومن قال: الأخذ برأيه فقد تقدم التنبية على ما في كلامه من النظر في فصل الأسار، مع أن السنة مقررة لما دل عليه الكتاب، فإن قوله تعالي: ﴿مرتان﴾ لا يفهم منه إلا مرة بعد أخرى، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، هذا مرة، كمن رمي الجمرة بحصاتين أو أكثر رمية واحدة كانت له مرة، حتى لو رماها بالسبع جملة كانت له رمية، وبقي عليه رمي ست حصيات ست مرات، ولو قال عقيب الصلاة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، هكذا من غير
стр. 1039
تكرير، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، وكذلك، والله أكبر أربعًا وثلاثين كذلك، لم يكن هذا كما لو كرر التسبيح، والتحميد، والتكبير، بهذا العدد، وكذا الإقرار الزنا، لو قال المقر بعد إقراره: أقر أربع مرات، أو قال في اللعان: أشهد بالله إني لمن الصادقين أربعًا، هكذا من غير تكرير لا يكفي حتى يكرر القول أربع مرات.
وكذلك قوله ﵊: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي" لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة.
وقد صنف في هذه المسألة الشيخ تقي الدين ابن تيمية مصنفات، لكنه منفرد عن الجماع'ن والمسألة مهيبة لأن الأئمة الأربعة على وقوع الثلاث.
стр. 1040
قوله: (ويجوز أن يطلقها ولا يفصل بين وطئها وبين طلاقها بزمان) - يعني الآيسة والصغير - (وقال زفر ﵀: يفصل بينهما بشهر).
وفي "الذخيرة" قيل: إذا كانت/ صغيرة يرجي منها الحيض أو الحبل، فالأفضل أن يفصل بينهما بشهر انتهي، وهذا الذي ينبغي أن يكون لأن بالجماع تفتر الرغبة، واحتمال الحبل فيها موجود واشتباه وجه العدة أيضًا فيخاف لحوق الندم.
قوله: (ولنا أنه محتمل لفظه لأنه سني وقوعًا من حيث إن وقوعه عرف بالسنة لا إيقاعًا).
يعني غير مسنون، ووقوعه سني، وقد تقدم الكلام في وقوع الثلاث جملة.
стр. 1041
[فصل]
قوله: (ولا يقع طلاق الصبي، والمجنون، والنائم، لقوله ﵊: "كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون").
الأولى أن يستدل لذلك بقوله -صلي الله عليه وسلم-: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" أخرجه أحمد والنسائي من حديث عائشة، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حيث علي، وأخرجه أبو حاتم من حديث ابن عباس، والألفاظ مختلفة؛ فإن الحديث الذي ذكره المصنف لا ذكر له في كتب
стр. 1042
الحديث، وإنما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله"، وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ضعيف ذاهب الحديث، ولوثبت فهو حجة عليه في النائم؛ لأنه ذكر أن طلاق النائم لا يقع، ثم قال: لقوله ﵇:" كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون"، فكان ما استدل به لو صح دليلاً عليه لا له.
قوله: (ولنا أنه قصد إيقاع الطلاق في منكوحته في حال أهليته فلا يعري عن قضيته دفعًا لحاجته اعتبارًا بالطائع، وهذا لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما، وهذا آية القصد والاختيار إلا أنه غير راض بحكمه، وذلك غير مخل به كالهازل).
стр. 1043
المخالف في طلاق المكره الأئمة الثلاثة، ويروي عن ابن عباس، وابن عمر وابن الزبير، واختلف الرواية فيه عن عمر،
стр. 1044
وعلي، ﵄، وفي قول المصنف: (أنه قصد إيقاع الطلاق في منكوحته) نظر؛ فإن المكره وإن قصد التكلم بالطلاق عن اضطرار فإنه لا يقصد إيقاعه، وكذلك في قوله: اعتبارًا بالطائع لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما، وهذا آية القصد) نظر أيضًا؛ فإن المكره ملجأ إلى الاختيار فكان في اختياره التكلم بالطلاق قصور يفارق الطائع به، فلا يصح قياسه عليه، وقياسه على المكره على الكفر على الكفر أقوي وأظهر من قياسه على الطائع، وما فرق به بينه وبين المكره على الكفر من أن الإيمان محله القلب دون اللسان ممنوع؛ ولهذا ليس له التلفظ بكلمة الكفر من غير إكراه، ولا حكاية إجماعًا مع أن قصد الطلاق قد اعتبر في مسائل.
منها: ما ذكره في "القنية": كتبت له: أنت طالق، وقالت: أقرأه، لا
стр. 1045
يقع ما لم يقصد خطابها به.
ومنها أيضًا قالت: اقرأ هذا الدعاء: أنت طالق بائن، فقرأه؛ لا يقع إن كان معروفًا بالجهل.
ومنها فيه أيضًا قالت: لقنته الطلاق بالعربية فطلقها وهي لا تعلم، وقد حكي عن أبي القاسم الصفار، وأبي الليث وقوع الطلاق بذلك قضاء لا ديانة، وكذلك الإعتاق.
ومنها: لو أخذ زوجته الطلق، وقال لغيره إخبارًا عنها بذلك أنها طالق لم تطلق، ولم أر هذا الفرع في كتب الأصحاب بل رأيته في كتب غيرهم وما ينبغي أن يكون فيه خلاف.
ومنها: لو أراد يتكلم بكلام، فسبق لسانه بالطلاق أو بالعتاق على أحد الأقوال فيهما أنه لا يقع فيما بينه وبين الله تعالي، وإن كان يقع فيهما في القضاء اتفاقًا لأن الظاهر يكذبه، ذكر معناه في "الذخيرة".
ومنها: ما ذكره في البدائع، لو قال: يا مطلقة يقع عليها الطلاق، ولو كانت مطلقة من غيره أو منه، وقال: عنيت ذلك الطلاق صدق في.
стр. 1046
القضاء.
ومنها: أنه لو نوي الطلاق من وثاق يصدق فيما بينه وبين الله تعالي، وإن كان لا يصدق في القضاء/ لأنه خلاف الظاهر وكذلك في قوله: (إلا أنه غير راض بحكمه، وذلك غير مخل به كالهازل) نظر أيضًا؛ فإن الهازل متكلم بالطلاق عن قصد واختيار كامل للمتكلم به، وبذلك يقع طلاقه ويلزمه حكمه، ولا يلتفت إلى عدم رضاه بحكمه كالهازل بالتكلم بكلمة الكفر.
فالحاصل أن المكره على الطلاق كالمكره على الكفر كلاهما من باب الأقوال، وكما يؤثر الإكراه في إباحة إجراء كلمة الكفر كذلك ينبغي أن يؤثر في أمر الطلاق، يرفع حكمه، فإن باب الأقوال يفارق باب الأفعال؛ لأن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها، بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال؛ فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والصبي والمجنون، ولهذا لو أتلف أحدهم شيئًا ضمنه، وإن كان قوله ساقط الاعتبار، وسيأتي في كلام صاحب الهداية في كتاب الحجر أن المعاني الثلاثة، يعني الصغر والرق والجنون توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال، لأنه لا مرد لها لوجودها حسًا ومشاهدة بخلاف الأقوال لأن اعتبارها موجودة بالشرع.
قوله: (وطلاق السكران واقع، واختيار الكرخي والطحاوي أنه لا يقع، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، لأن صحة القصد بالعقل، وهو زائل العقل فصار كزواله بالبنج والدواء، ولنا أنه زال بسبب هو معصية فجعل باقيًا حكمًا
стр. 1047
زاجرًا له حتى لو شرب فصدع وزال عقله بالصداع نقول إنه لا يقع طلاقه).
في إيقاع طلاق السطران نظر؛ خصوصًا إذا علل بأن ذلك على وجه العقوبة له؛ فإنه زائل العقل عادم الاختيار ويكفيه الحد عقوبة، وقد حصل رضاء الله من هذه العقوبة بالحد.
قوله: (لقوله ﵊: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء").
قال ابن الجوزي: إنما هذا من كلام ابن عباس، وهكذا ذكره ابن أبي شيبة في مصنفة من قوله ابن عباس.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان") رواه الترمذي، وقال: حديث غريب لا نعرفه [مرفوعًا] إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث، انتهي.
وقال ابو عاصم النبيل: مظاهر بن أسلم ضعيف، وقال يحيي بن معين: ليس بشيء مع أنه لا يعرف، وقال أبو حاتم الرازي: منكر
стр. 1048
الحديث، ورواه أبو داود وقال: هو حديث مجهول ورواه الدارقطني وقال: فيه "طلاق العبد اثنتان، وقرء الأمة حيضتان".
وقال ابن تيمية في "المنتقي": الصحيح عن ابن عمر قوله: "عدة الحرة ثلاث حيض، وعدة الأمة حيضتان" انتهي، ولذلك؛ قال الأئمة الثلاثة: يطلق الحر الأمة ثلاثًا وتعتد بحيضتين، ويطلق العبد الحرة ثنتين، وتعتد بثلاثة قروء، كذا نقله السروجي ﵀، وعزاه إلى الرافعي، وصاحب الأنوار، وابن حزم، واعتبار عدد الطلاق بالمالك له أظهر، والله أعلم.
стр. 1049
[باب إيقاع الطلاق]
قوله: (ولو قال: أنت طالق الطلاق وقال: أردت بقولي طالق واحدة، وبقولي الطلاق أخرى يصدق؛ لأن كل واحد منهما صالح للإيقاع، فكأنه قال: أنت طالق وطالق فتقع رجعيتان إذا كانت مدخولاً بها).
هذا مشكل لأن الطلاق في قوله: أنت طالق الطلاق منصوب على أنه مفعول مطلق، ولا يصح أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي أنت الطلاق مع كونه منصوبًا أصلاً، وليس هذا التركيب من كلام العرب، ولا يصح التعليل بقوله: لأن كل واحد منهما صالح للإيقاع والحالة هذه؛ لأنه لا يصلح للإيقاع إلا إذا تركب في صيغة أخرى، وأما هذا التركيب فهو جملة واحدة لا تصلح أن تعرب جملتان أصلاً، وقوله: كأنه قال: أنت طالق وطالق ممنوع أيضًا من جهة أخرى، وهو أن تقدير حرف العطف غير صحيح/ وإن كان قد قال به بعضهم، والكلام على ذلك معروف في موضعه.
стр. 1050
قوله: (وقال ﵊: "لعن الله الفروج على السروج") ليس لهذا الحديث أصل.
قوله: (ويقال فلان رأس القوم، ويا وجه العرب، وهلك روحه بمعني نفسه).
يعني أن هذا يدل على أن الرأس والوجه والروح يعبر بكل منها عن جميع البدن، وفي ذلك نظر؛ فإن قولهم فلان رأس القوم إنا معناه أن القوم الذين فلان منهم كالجسد الواحد، وفلان رأسه، لا أن فلانًا يعبر به عن القوم كلهم، وكذلك قوهم: يا وجه العرب إنما معناه أنك في العرب بمنزله الوجه في الجسد؛ فإن الوجه جامع بجملة المحاسن، وأنت بمنزلته ي جمعك للمحاسن، لا أن يكون معناه أنه عبر عن جملة العرب بالوجه وناداهم به فكأنه قال: يا أيها العرب! فإن هذا غير مراد، ولا يتم استدلال على أن الوجه يعبر به عن الجملة إلا إذا كان المراد من قولهم: يا وجه العرب: يا أيها العرب، وهذا فاسد.
وأما قوله: هلك روحه فالمعروف في مثله أن يقال: خرجت روحه، ولو صح قوله: هلك روحه فالمراد مفارقتها للجسد، وفي إطلاق الروح على
стр. 1051
الكل نظر، وإنما يعرف ذلك في النفس، والعين، يقال: جاءني زيد نفسه، وعينه، ولم يذكر المصنف العين.
وقد حكي السغناقي في شرحه عن كتاب الأسرار للدبوسي: أن هذا باب بني على حسب عرف السان بكل بلد، فمتي جاء بلفظ كني به عن البدن كله في عر بلدهم كان طلاقًا صحيحًا، وإن امتنع ذلك في بلد آخر لا يكون طلاقًا في ذلك البلد كالنبطي يطلق امرأته بالفارسية فتطلق، والعربي إذا تكلم به وهو لا يدري ما هو لم تطلق، فهذا باب لا مناقشة فيه وإنما الخلاف في أن ما يملك تبعًا هل يصلح محلاً لإضافة الطلاق إليه على حقيقته دون صيرورته عبارة عن جملة البدن، فأما على مجازه وصيرورته عبارة عن البدن فلا إشكال أن يقع بذلك يدًا كان أو رجلاً بعدما يستقيم ذلك في اللغة، أو كانت لغة القوم يعرف لسانهم.
قال شمس الأئمة الحلواني: إذا قال لها رأسك طالق وعني اقتصار الطلا على الرأس لا يبعد أن يقال بأنها لا تطلق، كذا في "المحيط" انتهي كلام السغناقي، ولو استدل لإطلاق الرأس على الجملة بقولهم: اشتريت رأسًا من الغنم، أو الرقيق، أو نحو ذلك، أو رأسين، أو ثلاثة رؤوس، أو
стр. 1052
أكثر من ذلك لكان أظهر والله أعلم.
قوله: (ولو قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين فهي طالق ثلاثًا؛ لأن نصف التطليقتين تطليقه؛ فإذا جمع بين ثلاثة أنصاف تكون ثلاث تطليقات ضرورة).
في جعل ذلك ثلاثًا نظر، وهو أن ثلاثة أنصاف تطليقتين يحتمل ما ذكر، ويحتمل أن تكون طلقة ونصفًا فيكمل النصف فيصير تطليقتين، ففي إيقاع الثالثة شك لا يقع، وكذلك في المسألة التي بعدها وهي ما لو قال: ثلاثة أنصاف تطليقه في إيقاع الثالثة شك فينبغي أن لا يع قولاً واحدًا.
стр. 1053
[فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان]
قوله: (ولو قال: أنت [طالق] إذا لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك لم تطلق حتى يموت عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: تطلق حين سكت؛ لأن كلمة إذا للوقت، قال الله تعالي: ﴿إذا الشمس كورت﴾، وقال قائلهم:
وإذا تكون كريهة ادعي لها .... وإذا يحاس الحيس يدعي جندب
فصار بمنزلة متى ومتى، ولهذا لو قال لامرأته: أنت طالق إذا شئت لا يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس كما في قوله: متى شئت، ولأبي حنيفة أنه يستعمل للشرط أيضًا، قال قائلهم:
واستغن ما إنك ربك بالغني .... وإذا تصبك خصاصة فتجمل
فإن أراد به الشرط لم تطلق في الحال، وإن أراد به الوقت تطلق، فلا تطلق بالشك والاحتمال) إلى آخر المسألة.
стр. 1054
في كلامه نظر من وجوه: أحدها: استشهاده على أن كلمة إذا للوقت بقوله تعالي: ﴿إذا الشمس كورت﴾ وبالبيت المذكور/، ولا يصح استشهاده لمراده بهما، فإن كلا منهما فيه معني الشرط، وجواب الأول: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ وجواب "إذا الأول في البيت "ادعي لها" وجواب الثانية "يدعي جندب"، وشواهد التي للوقت المحض كثيرة منها قوله تعالي: ﴿والليل إذا يغشي * والنهار إذا تجلى﴾.
والثاني: قوله: صار بمنزلة متى، ومتى ما؛ فإن في تنظيره بهما نظرًا، لأن "متى"، و"متى ما" لا يكونان للوقت المحض أبدًا، ولكن إذا لم يكونا للشرط يكونان للاستفهام ولا يتخلصان للوقت كـ "إذا".
والثالث: استدلاله لأبي حنيفة "إذا" تستعمل للشرط، واستشهاده لذلك للبيت المذكور؛ فإن كون "إذا" للشرط لا ينافي معني الوقت فيها كـ "متى"؛ فإنها للشرط ويجزم بها مع كونها من ظروف الزمان، وتفارق "إن" المتمخضة للشرط، فالجزم به "إذا" لا يوجب إخراجها عن مشابهتها بـ "متى"
стр. 1055
وإلحاقها بـ "إن"؛ فإن "متى" يجزم بها كما يجزم بـ "إن" ولم يوجب ذلك إخراجها عن دلالاتها على الزمان، ومفارقة "إذا" لـ "متى" في أنها تتمخض للوقت ي بعض أحوالها ويجزم بها، ولا يجزم بها في بعض أحوالها لا يوجب إلحاقها بـ "إن"؛ فإن "متى" يجزم بها في غالب أحوالها، وقد جاء أيضًا ترك الجزم بها شاهد، وشاهد الجزم بها قول بعضهم: "ولكن متى تسترفد القوم أرفد"، وشاهد ترك الجزم بها "إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس" ذكره ابن مالك.
следующие страницы →