← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الكل نظر، وإنما يعرف ذلك في النفس، والعين، يقال: جاءني زيد نفسه، وعينه، ولم يذكر المصنف العين. وقد حكي السغناقي في شرحه عن كتاب الأسرار للدبوسي: أن هذا باب بني على حسب عرف السان بكل بلد، فمتي جاء بلفظ كني به عن البدن كله في عر بلدهم كان طلاقًا صحيحًا، وإن امتنع ذلك في بلد آخر لا يكون طلاقًا في ذلك البلد كالنبطي يطلق امرأته بالفارسية فتطلق، والعربي إذا تكلم به وهو لا يدري ما هو لم تطلق، فهذا باب لا مناقشة فيه وإنما الخلاف في أن ما يملك تبعًا هل يصلح محلاً لإضافة الطلاق إليه على حقيقته دون صيرورته عبارة عن جملة البدن، فأما على مجازه وصيرورته عبارة عن البدن فلا إشكال أن يقع بذلك يدًا كان أو رجلاً بعدما يستقيم ذلك في اللغة، أو كانت لغة القوم يعرف لسانهم. قال شمس الأئمة الحلواني: إذا قال لها رأسك طالق وعني اقتصار الطلا على الرأس لا يبعد أن يقال بأنها لا تطلق، كذا في "المحيط" انتهي كلام السغناقي، ولو استدل لإطلاق الرأس على الجملة بقولهم: اشتريت رأسًا من الغنم، أو الرقيق، أو نحو ذلك، أو رأسين، أو ثلاثة رؤوس، أو

стр. 1052

أكثر من ذلك لكان أظهر والله أعلم. قوله: (ولو قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين فهي طالق ثلاثًا؛ لأن نصف التطليقتين تطليقه؛ فإذا جمع بين ثلاثة أنصاف تكون ثلاث تطليقات ضرورة). في جعل ذلك ثلاثًا نظر، وهو أن ثلاثة أنصاف تطليقتين يحتمل ما ذكر، ويحتمل أن تكون طلقة ونصفًا فيكمل النصف فيصير تطليقتين، ففي إيقاع الثالثة شك لا يقع، وكذلك في المسألة التي بعدها وهي ما لو قال: ثلاثة أنصاف تطليقه في إيقاع الثالثة شك فينبغي أن لا يع قولاً واحدًا.

стр. 1053

[فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان] قوله: (ولو قال: أنت [طالق] إذا لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك، أو إذا لم أطلقك لم تطلق حتى يموت عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: تطلق حين سكت؛ لأن كلمة إذا للوقت، قال الله تعالي: ﴿إذا الشمس كورت﴾، وقال قائلهم: وإذا تكون كريهة ادعي لها .... وإذا يحاس الحيس يدعي جندب فصار بمنزلة متى ومتى، ولهذا لو قال لامرأته: أنت طالق إذا شئت لا يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس كما في قوله: متى شئت، ولأبي حنيفة أنه يستعمل للشرط أيضًا، قال قائلهم: واستغن ما إنك ربك بالغني .... وإذا تصبك خصاصة فتجمل فإن أراد به الشرط لم تطلق في الحال، وإن أراد به الوقت تطلق، فلا تطلق بالشك والاحتمال) إلى آخر المسألة.

стр. 1054

في كلامه نظر من وجوه: أحدها: استشهاده على أن كلمة إذا للوقت بقوله تعالي: ﴿إذا الشمس كورت﴾ وبالبيت المذكور/، ولا يصح استشهاده لمراده بهما، فإن كلا منهما فيه معني الشرط، وجواب الأول: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ وجواب "إذا الأول في البيت "ادعي لها" وجواب الثانية "يدعي جندب"، وشواهد التي للوقت المحض كثيرة منها قوله تعالي: ﴿والليل إذا يغشي * والنهار إذا تجلى﴾. والثاني: قوله: صار بمنزلة متى، ومتى ما؛ فإن في تنظيره بهما نظرًا، لأن "متى"، و"متى ما" لا يكونان للوقت المحض أبدًا، ولكن إذا لم يكونا للشرط يكونان للاستفهام ولا يتخلصان للوقت كـ "إذا". والثالث: استدلاله لأبي حنيفة "إذا" تستعمل للشرط، واستشهاده لذلك للبيت المذكور؛ فإن كون "إذا" للشرط لا ينافي معني الوقت فيها كـ "متى"؛ فإنها للشرط ويجزم بها مع كونها من ظروف الزمان، وتفارق "إن" المتمخضة للشرط، فالجزم به "إذا" لا يوجب إخراجها عن مشابهتها بـ "متى"

стр. 1055

وإلحاقها بـ "إن"؛ فإن "متى" يجزم بها كما يجزم بـ "إن" ولم يوجب ذلك إخراجها عن دلالاتها على الزمان، ومفارقة "إذا" لـ "متى" في أنها تتمخض للوقت ي بعض أحوالها ويجزم بها، ولا يجزم بها في بعض أحوالها لا يوجب إلحاقها بـ "إن"؛ فإن "متى" يجزم بها في غالب أحوالها، وقد جاء أيضًا ترك الجزم بها شاهد، وشاهد الجزم بها قول بعضهم: "ولكن متى تسترفد القوم أرفد"، وشاهد ترك الجزم بها "إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس" ذكره ابن مالك.

стр. 1056

ولكنه قليل جدًا، وإنما كان ترك الجزم بـ "إذا" هو الأصل لأن "إذا" الشرطية مختصة بالتعليق على الشرط المقطوع بوقوعه حقيقة أو حكمًا، أو كقولك: آتيك إذا أحمر البسر، وإذا قدم الحاج، ولو قلت: إن أحمر البسر كان قبيحًا، وإنما جاء الجزم في النظم قليلاً دون النثر عكس "متى". والرابع: قوله: (إن أراد به الشرط لم تطل في الحال، وإن أراد به الوقت تطلق)، يرد عليه أن "متى" لا تخرج بإرادة الشرط بها عن الظرفية فـ "إذا" أولى، وإنما يسلم له مدعاة أن لو كان معني الشرط ينافي معنى الظرف، وليس الأمر كذلك، فإن "متى" و "أيان" يجزم بهما الشرط والجزاء ولا تخرجان بذلك عن كونهما من ظروف الزمان، و"أين" و "حيثما" يجزم بهما كذلك ولا تخرجان بذلك عن كونهما من ظروف المكان، وإنما صحت نيته الشرط المحض، وأن لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته إذا نوي ذلك؛ لأنه نوي محتمل كلامه، ولكن الأول هو الأصل والحقيقة، وإذا عرف ذلك ظهرت قوة قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد ﵏.

стр. 1057

قوله: (ومن قال لامرأة: يوم أتزوجك فأنت طالق، فتزوجها ليلاً طلقت). سيأتي الكلام على تعليق الطلاق بالنكاح في بابه إن شاء الله تعالى.

стр. 1058

[فصل] قوله: (والعتق يقارن الإعتاق؛ لأنه علته أصله الاستطاعة مع الفعل). الصحيح في الاستطاعة التفصيل كما ذكره الشيخ أبو جعفر الطحاوي ﵀ في عقيدته فقال: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يُوصف المخلوق به مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوُسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ انتهى. [والله أعلم].

стр. 1059

[فصل في تشبيه الطلاق ووصفه] قوله: (إذا وصف الطلاق بضرب من الشدة والزيادة كان بائنًا مثل أن يقول: أنت طالق بائنًا أو ألبتة، وقال [الشافعي] يقع رجعيًا إذا كان بعد الدخول) ثم علل له، ثم قال: "ولنا أنه وصفه بما يحتمله، ألا ترى أن البينونة قبل الدخول وبعد العدة تحصل به، فيكون هذا الوصف لتعيين أحد الحكمين)، ثم قال بعد ذلك: (ولو عُنِي بقوله: أنت طالق واحدة، وبقوله: بائن، أو ألبتة أخرى تقع تطليقتان؛ لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع). وقع في بعض النسخ مثل أن يقول: أنت طالق بائنًا أو ألبتة بنصبهما وفي بعض بائنٌ أو ألبتة برفعهما، وفي كلٍّ منهما نظر، أما على تقدير نصبهما

стр. 1060

انتصاب المصدر فلا يصح قوله بعد ذلك: (ولو عُني بقوله/ أنت طالق واحدة، وبقوله: بائن أو ألبتة أخرى تقع ثنتان)؛ لأنه إذا انتصب على المصدرية امتنع جعله خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت طالق أنت بائن؛ لأن الخبر يكون مرفوعًا وهذا منصوب، ولأن الخبر يكون خبرًا عنها، وهذا صفة للطلاق فامتنع لذلك أن تقع اثتنان إذا نواهما بهذا اللفظ وأما على تقدير رفعهما فلا يصح أن يكون صفة للطلاق؛ ففسد قوله: (وإذا وصف الطلاق بضرب من الشدة والزيادة كان بائنًا مثل أن يقول: أنت طالق بائن)؛ لأن قوله: "بائن" والحالة هذه يكون إما صفة لطالق أو خبرًا بعد خبر، وذلك ينافي كونه صفة للطلاق. وقوله: (ولنا أنه وصفه بما يحتمله): للشافعي ﵀ أن يمنع صحة احتماله للبينونة، ويمنع تنظيره بثبوت البيونة قبل الدخول وبعد العدة؛ لأن الرجعة شرعت في الطلاق بعد الدخول قبل انقضاء العدة فإثبات البينونة بعد الدخول قبل انقضاء العدة تغيير للمشروع فلغو، فإن قيل: نوي ما فيه تغليظ عليه فيصدق، فجوابه: أنه لا بد أن ينوي ما هو مشروع، وإلا فنيته لا تعمل في تغيير المشروع، ولو وصف الطلاق بأي شيء وصفه، والتفريع إلى آخر وسيأتي تكميل هذا البحث في الكنايات إن شاء الله. قوله: (فلأنها تحتمل أن تكون نعتًا لمصدر محذوف معناه تطليقة واحدة).

стр. 1061

يعني قوله: أنت واحدة، ولا تحتاج إلى أن يكون قوله: واحدة نعتًا لمصدر محذوف، فإن فيه تكلفًا لا حاجة إليه، وإنما هو خبر عنها فيحتمل أن يريد أنها واحدة، أو منفردة لا زوج لها، لأن أن يكون المراد أنها تطليقه واحدة تجوزًا فتأمله! قوله: (وبقية الكنايات إذا نوي بها الطلاق كانت واحدة بائنة). أصل الخلاف في أن ما دون الثلاث من الطلاق هل يكون بائنًا أم لا؟ مترتب على أن الرجعة هل ي حق الله تعالي، أو حق الزوج، أو حق الزوجين؟ فيه ثلاث مذاهب:

стр. 1062

الأول: مذهب الشافعي وإحدى الروايات عن أحمد، فلو قال: أنت طالق بائنة وقعت رجعية، ولا يملك إسقاطه الرجعة. الثاني: مذهب أبي حنيفة رحمة الله والرواية الثانية أحمد فيملك

стр. 1063

إسقاط الرجعة بأن تطلق الزوجة واحدة بائنة. الثالث: مذهب مالك، والرواية الثالثة عن أحمد، فلو تراضي الزوجان بالخلع بلا عوض وقع طلاقًا بائنًا، ولا رجعة فيه؛ لأنه يمتنع أن يخير الرجل بين أن يجعل الشيء حلالاً وأن يجعله حرامًا، ولكن إنما يخير بين أمرين مباحين له، وله أن يباشر أسباب التحليل وأسباب التحريم، وليس له إنشاء نفس التحليل والتحريم، والله سبحانه وتعالي إنما شرع له الطلاق واحدة بعد واحدة يملك ارتجاع زوجته في مرتين، ولا يملكه في المرة الثالثة بقوله: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ إلى أن قال: ﴿فإن

стр. 1064

طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ الآية. والله تعالي جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد المرأة رحمة منه وإحسانًا ومراعاة لمصلحة الزوجين، نعم له أن يملكها أمرها باختياره فيخيرها بين المقام معه والفراق، وأما أن يخرج الأمر من يده بالكلية إليها ولا بد من عقد جديد فمن أين؟ قالوا: وكما أنه لا يكون إطلاق بيدها لا تكون الرجعة بيدها، قالوا: وقد ملكه الطلاق على وجه معين، وهو أن يطلق واحدة، ويكون أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها، ثم إن شاء طلق الثانية كذلك ويبقي له واحدة، وأخبر أنه إن أوقعها حرمت عليه، ولا تعود إليه إلا أن تتزوج غيره ويصيبها ويفارقها، ولم يشرع الله الطلاق غير معقب للرجعة إلا طلاق غير المدخول بها، والطلقة الثالثة، فهذا هو الذي ملكه الله تعالي إياه، فمن قال: إن الله شرع/ له غير [ذلك] فليبين لنا أين شرع ذلك؟ قوله: (كقوله اعتدي، واختاري، أمرك بيدك، فإنه لا يصدق فيها؛ لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق).

стр. 1065

سوى المصنف بين هذه الألفاظ الثلاثة، وليست مستوية مطلقًا بل لا بد في "اختاري" و"أمرك بيدك" من جواب حتى لو قال: اختاري ينوي الطلاق، لم يقع ما لم تقل اخترت نفسي أو نحو، وكذلك الأمر باليد، والقول بأنه طلاق منجز، قول الحسن البصري، ورواية عن أحمد، وهو مروي عن علي وزيد بن ثابت ﵄، وقد ردته عائشة ﵂ حيث قالت: "خيرنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فاخترناه فلم يعدها [علينا] شيئًا". وفي

стр. 1066

لفظ: "خيرنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أفكان طلاقًا"، متفق عليها، وقد ذكر المصنف ذلك في فصل المشيئة أيضًا. قوله: (ولنا أن تصرف الإبانة صدر من أهله مضافًا إلى محله عن ولاية شرعية، ولا خفاء في الأهلية والمحلية، والدلالة على الولاية أن الحاجة ماسة إلى إثباتها كيلا ينسد عليه باب التدراك، ولا يقع في عهدتها بالمراجعة من غير قصد). في استدلاله على أن الشارع أثبت له ولاية الإبانة بما ذكره من المعنى

стр. 1067

نظر، وتصوير ما ذكره من المعني: أن الزوج قد يحتاج إلى الإبانة لئلا يقع في الرجعة بغير قصد منه، بأن تأتي المرأة إليه فتقبله بشهوة فيصير بذلك مراجعًا وهو لا يريد الرجعة فيحتاج إلى طلاق ثان وثالث، فيسند عليه باب التدارك بالنكاح بعد ذلك، فهو لأجل ذلك يحتاج إلى أن يشرع له إثبات البينونة عند الطلاق لئلا ينسد عليه باب تدارك هذه المصلحة، ولقد ضعفت مسألة هذا دليلها، فإن هذه المصلحة التي يريدها يمكن تحصيلها من غير ارتكاب هذا المحذور الذي يلزم منه إذا ندم بعد ذلك يجد باب التدارك مسدودًا عليه بل هذا أغلب وأكثر وقوعًا؛ إن الرجل إنما يطلق زوجته لما يقوم في نفسه منها من النفرة، والإنسان محل التغير فربما يندم بعد ذلك وتتغير تلك النفرة برغبة ولا يتمكن من العود إليها إلا برضاها، وقد لا ترضي فيقع في حرج عظيم، فأين هذه المصلحة من تلك المصلحة التي يمكن تداركها بالتحرز عنها؟ وباب التحرز عنها واسع، فلا يعمر قصرًا ويهدم مصرًا. وكيف يقال فيما فيه مصلحة من وجه ومفسدته أعظم من مصلحته أنه يكون مشروعًا، فهذه الخمر وإن كان فيها منافع للناس، ولكن مضارها تربو على منافعها فكان من كمال هذه الشريعة تحريمها، وهذه سنة الله فيما شرعه، وفيما قدره، فما كانت مصلحة حصوله أعظم من مفسدة فواته شرعة وقدره، والعكس بالعكس، مع أن ثبوت الرجعة من جانب المرأة وإن كان اختلاسًا منها بغير اختيار من الزوج بأن قبلته بشهوة، أو لمسته بشهوة، أو نظرت إلى

стр. 1068

فرجه بشهوة، قد خالف فيه أبو يوسف ﵀، وقوله أقوي دليلاً، فإن الله تعالي إنما شرع الرجعة لرجل لا للمرأة فقال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرداوا إصلاحًا﴾ ولم يجعل الله الرجعة إلى المرأة، ولا رسوله، فإثبات الرجعة بفعل المرأة لا يقوي، فكيف يغير له حكم الطلاق عن وصفه المشروع؟!

стр. 1069

[فصل] (وإن لم ينو بالباقي شيئًا، فهي ثلاث؛ لأنه لما نوي بالأولى طلاقًا صار الحال حال مذاكرة الطلاق، فتعين الباقيان للطلاق بهذه الدلالة فلا يصدق في نفي النية). يعني فيما إذا قال: اعتدي اعتدي، اعتدي وينبغي أن تقع واحدة فقط عد فقد النية، كما هو قول زفر رحمة الله؛ لأن الكلام متى أمكن حملة على الحقيقة لا يحمل على المجاز، وقد أجاب السغناقي في شرحه عن هذا فقال: الطلاق قد صار مرادًا بقوله: "اعتدي" فكان خاطرًا بالبال فيحمل الثاني والثالث عليه، وهذا لأن اللفظ إنما يحمل على الحقيقة لخطر أنها بالبال، وما كان أشد خطرًا بالبال كان أولى بالحمل عليه، أنتهي. وجوابه: أن الطلاق وإن صار خاطرًا بالبال لكن العدة تعقبه، فكان أمرها بالاعتداد بعد الطلاق أشد خطرًا بالبال من تطليق آخر لم يرده، ولم ينطق به، ولئن/ تساوي الاحتمالان فعدم وقوع الطلاق أولى للشك.

стр. 1070

[باب تفويض الطلاق] فصل في الاختيار قوله: (لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة ﵃، ولأنه تمليك الفعل منها، والتمليكات تقتضي جوابًا في المجلس كما في البيع). في دعوي إجماع الصحابة ودعوي أنه تمليك نظر، أما الأول فعن عائشة ﵂ قالت: "لما أمر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ الآية، ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾، قالت: فقلت: في هذا أستأمر

стр. 1071

أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله -صلي الله عليه وسلم- مثل ما فعلت" رواه الجماعة إلا أبا داود، قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يخير زوجته، فقالت طائفة: أمرها بيدها فإن قامت من المجلس فلا خيار لها، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن مسعود، وفي أسانيدها مقال، وبه قال جابر بن عبد الله، وعطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومالك، وسفيان

стр. 1072

الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وفيه قول ثان وهو: أن أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره حتى تنقضي منها، هذا قول الزهري، وقتادة، وبه قال أبو عبيد وابن نصر، وكلك نقول، ويدل على صحته قول النبي -صلي الله عليه وسلم- لعائشة: فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، انتهي وحكي "صاحب المغني" هذا القول عن علي ﵁، فكيف يثبت إجماع الصحابة والأمر كما تسمع؟! فأنظر إلى قول ابن المنذر روينا هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود وفي إسنادها

стр. 1073

مقال، وقوله ﷺ لعائشة: "فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" دليل على بقاء الأمر بيدها بعد المجلس. وأما الثاني: وهو أن التخيير تمليك الفعل منها، والتمليكات تقتضي جوابًا في المجلس كما في البيع. وفي "الذخيرة": إلا أن هذا التمليك بخلاف سائر التمليكات من حيث إنه يبقي إلى ما وراء المجلس إذا كانت غائبة ولا يتوقف على القبول لكن يرتد بالرد؛ لأن فيه معني الشرط، ولهذا لا يصح رجوعه عنه عندنا، وتقدم ما حكاه ابن المنذر عمن ذكرهم، اختاره هو أيضًا، وهو محكي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم، وسيأتي بقية الكلام في ذلك في "فصل الأمر باليد" إن شاء الله. قوله: (ثم الواقع بها بائن لأن اختيارها نفسها بثبوت اختصاصها بها، وذلك في البائن). اختلف الصحابة ﵃، ومن بعدهم فيما يلزم من اختيارها

стр. 1074

نفسها، فذهب علي وعبد الله ﵄ إلى أن الواقع به واحدة بائنة، كما قال أبو حنيفة، وعن زيد بن ثبات ﵁ أنه ثلاث، وهو قول الليث، وقال مالك ﵀: إن كانت مدخولاً بها فثلاث، وإن كانت غير مدخول بها قبل منه دعوي الواحدة، وقال أحمد والشافعي: واحدة رجعية، وهو قول عمر، وابن مسعود أيضًا، وعبد الله بن

стр. 1075

عباس واختاره أبو عبيد، وإسحاق، والثوري، وابن أبي ليلي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، وقد تقدم أن الذل دل عليه الكتاب أن الطلاق يعقب الرجعة إلا أن يكون قبل الدخول، أو تكن الطلقة ثالثة، واختيارها نفسها إذا قيل إنه طلاق ينقص به العدد، فحكم ثبوت الرجعة يترتب عليه ما لم يكن مكملاً للثلاث، وما ذكر من المعني لا يصلح أن يثبت به حكم شرعي، ويؤيد هذا ما ذكره المصنف في آخر الفصل أنه لو قال لها: (أمرك بيدك في تطليقه أو اختاري تطليقه؛ فاختارت نفسها فهي واحدة يملك الرجعة) وما ذكر من الفرق، وهو: أنه جعل لها الاختيار بتطليقه، وهو معقبة للرجعة، بخلاف ما إذا لم يذكرها لا يقوي؛ لأنه إذا لم يذكرها فقد نواها وأرادها فتكون معقبة للرجعة/ كما إذا ذكرها، والفرق بين ذكر الطلاق وعدمه يبطل

стр. 1076

تعليله الذي ذكره للبينونة. قوله: (وله أن هذا الوصف لغو؛ لأن المجتمع في الملك لا ترتيب فيه كالمجتمع في المكان، والكلام للترتيب، والإفراد من ضروراته، فإذا لغا في حق الأصل لغا في حق البناء). يعني فيما إذا قال لامرأته: اختاري، اختاري، اختاري فقالت: اخترت الأولى، أو الوسطي، أو الأخيرة فإنها تطلق ثلاثًا عند أبي حنيفة، وواحدة عند صاحبيه، وهذا التعليل له، وفيه نظر؛ فإن الترتيب ثابت في اللفظ وإن لم يكن ثابتًا في المعني، صدق وصفها بالأولى والوسطي والأخيرة باعتبار أن قوله: اختاري، اختاري، اختاري جملة بعد جملة بعد جملة بعد جملة مشتملة كل جملة على فعل وفاعل مضمر، ومفعول محذوف، سواء كان التكرار للتأسيس أو للتأكيد؛ ففي إيقاع طلقتين زائدتين عليها، والحالة هذه لا يقوي، واختار الطحاوي أيضًا قولهما.

стр. 1077

قوله: (ولو قالت: قد طلقت نفسي، أو اخترت نفسي بتطليقه، فهي واحدة يملك الرجعة؛ لأن هذا اللفظ يوجب الانطلاق بعد انقضاء العدة، فكأنما اختارت نفسها بعد العدة). قال السروجي: في كلامه مسامحات، وقد ذكر المسألة في الجامع، والزيادات، وجوامع الفقه، وقال: "يقع واحدة بائنة، وفي بعض نسخ الجامع الصغير، قال: يملك الرجعة كما ذكره هنا وهو غلط من الكاتب، انتهي. وكذلك السغناقي أيضًا نسب الغلط إلى الكاتب، وهذه مشكل؛ لأنهما نفيًا الغلط عن المصنف ونسباه إلى الكاتب إلا أن يكون المراد الكاتب الأول وهو المصنف. وقول السروجي: إن في كلام المصنف مسامحات ولم ينبه عليها مما لا ينبغي فعله أيضًا، بل التنبيه عليها أولاً تكميلاً لفائدة الشرح، وتلك المسامحات في مواضع، أحدها: ما تقدم التنبيه عليه من غلطه في النقل، لثاني: غلطة في التعليل لما ظنه أنه الحكم، ومن هنا يظهر أن الغلط منه لا من

стр. 1078

الكاتب؛ لأنه لو غلط الكاتب وترك "لا" من قوله "يملك الرجعة" وكان حقه أن يقول:"لا يملك الرجعة" فالتعليل يدل على أن الغلط من المعلل. الثالث: في قوله: (لأن هذا اللفظ يوجب الانطلاق)، فإن الانطلاق لا يستعمل في الطلا، إنما يستعمل في الانطلاق الحسي، الرابع: في قوله: (فكأنها اختارت نفسها بعد العدة)، بل اختيارها نفسها والحالة هذه سبب للعدة؛ فإن اختيارها نفسها بعد التفويض إليها بلفظ "اختاري" من غير ذكر الطلاق بمنزلة قوله: "اختاري تطليقه" فإذا اختارت نفسها وقع الطلاق الذي فوضه إليها الزوج، والطلاق يعقب الرجعة بالنص. وما ذكر من الفرق وهو أن الواقع هنا بلفظ الطلاق وهو صريح، وهناك بلفظ الاختيار وهو من الكنايات فرق مرتب على المذهب، والمذهب يستدل له لا يستدل به، ولو اختارت نفسها بعد أن قال لها: "اختاري تطليقه" لا يقال: كأنها اختارت نفسها بعد العدة فكذا هنا.

стр. 1079

فصل في الأمر باليد قوله: (وإذا قال لها أمرك بيدك ينوي ثلاثًا فقالت: قد اخترت نفسي بواحدة فهي ثلاث) ينبغي أن يقع به طلقة واحدة؛ لأن قولها بواحدة يحتمل أن يكون صفة لطلقة، لا لاختياره فإنه لما جعل أمرها بيدها في التطليق؛ فقولها بعد ذلك: اخترت نفسي بواحدة، يحتمل أن يكون مرادها اخترت نفسي بطلقة واحدة، أو اخترت نفسي باختياره واحدة، فإذا نوت أنها صفة طلقة، أو لم يكن لها نية يقع واحدة. قوله: (وإذا جعل أمرها بيدها أو خيرها فمكثت يومًا لم تقم، فالأمر في يدها ما لم تأخذ في عمل آخر؛ لأن هذا تمليك التطليق منها لأن المالك من يتصرف برأي نفسه، وهي بهذه الصفة، والتمليك يقتصر على المجلس وقد بيناه). قال ابن قدامه في "المغني": وإذا قال لها: أمرك بيدك فهو بيدها، وإن تطاول، ما لم يفسخ أو يطأها، ثم قال: روي ذلك عن علي ﵁، وبه قال الحكم وأبو ثور وابن المنذر. وقال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: هو مقصور على المجلس،

стр. 1080

ولا طلاق لها بعد مفارقته انتهي./ والخلاف في الاقتصار على المجلس وعدمه مرتب علي أن جعل أمرها بيدها هل هو تمليك أو توكيل؟ فمن قال: إنه تمليك قال بالاقتصار على المجلس، ومن قال: إنه توكيل قال: لا يقتصر على المجلس، واحتج من قال إنه تمليك بأن الوكيل هو الذي يتصرف لغيره، والمرأة تتصرف لنفسها، واحتج المخالف بأن الطلاق لا يصح تمليكه ولا ينتقل عن الزوج، وإنما ينوب فيه غيره عنه؛ فإذا استناب غيره فيه كان توكيلاً لا غير، قالوا: ولو كان تمليكًا لكان متضاة انتقال الملك إليها، وحينئذ يحب أن لا يبقي الزوج مالكًا له لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكًا لمالكين في زمن واحد .. والزوج مالك للطلاق بعد التخيير، وجعل أمرها بيدها وقوله لها طلقي نفسك؛ فوجب أن لا تكون هي مالكة له، بخلاف ما إذا قلنا هو توكيل، واستنابة، كان الزوج مالكًا، وهي نائبة ووكيله عنه. قالوا: وأيضًا فقولكم: إنه تمليك إما أن تريدوا به أنه ملكها نفسها، أو أنه ملكها أن تطلق نفسها، فإن أردتم الأول لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها "قبلت"؛ لأنه أتي بما يقتضي خروج بعض عن ملكه، واتصل به القبول، وإن

стр. 1081

أردتم الثاني فهو معني التوكيل، وإن غيرت العبارة، والعبرة للمعاني. فالحاصل أن المرأة تقوم مقام الزوج في تطليق نفسها بتفويض الزوج ذلك إليها، كما تقوم مقامه في تطليق ضرتها، وكما تقوم مقام غير زوجها في تطليق امرأته بتوكيله إياها في ذلك، والتفريق بكونها عاملة لنفسها في تفويض أمرها إليها، ولغيرها في تفويض أمر ضرتها تفريق صوري، يرد عليه توكيل المدين بإبراء نفسه؛ فإنه يصح عندنا، وهو عامل لنفسه، ذكره السروجي.

стр. 1082

[فصل في المشيئة] فروع الفصل مرتبة على إمكان جمع الطلقات الثلاث، وعلى أن تفويض الطلاق يكون تمليكًا يقتصر على المجلس، وعلى أن لفظ البائن يوجب البينونة في الحال، وفي كل ذلك خلاف تقدم التنبيه عليه. قوله: (ولأبي حنيفة رحمة الله أن كمله "من" حقيقة للتبعيض). يعني في قوله: طلقي نفسك من ثلاث ما شئت، وفيه نظر، وقولهما أظهر، وإنما تكون "من" للتعبيض إذا صلح في موضعها بعض، كما في قوله تعالي: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ فإنه يصح في

стр. 1083

موضعها بعض، وقد قرئ شاذًا: ﴿حتى تنفقوا بعض ما تحبون﴾، ونظائرهم كثيرة، وأما التي لبيان الجنس فكقوله تعالي: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ووله تعالي: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾، وقوله تعالي: ﴿ومن يل منهم إني إله من دونه﴾ الآية، وقوله تعالي: ﴿ومن يزغ منهم﴾، ونحوه. و"من" في مسألة الكتاب ونظائرهم بيانيه لعدم صحة تقدير بعض مكانها فلا يقوي دعوي أن كلمة "من" حقيقة للتبعيض مطلقًا، أو في مثل هذا التركيب، بل هي كما تكون للتبعيض، تكون للتبيين، وتكون أيضًا لابتداء الغاية كما في قوله تعالي: ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا﴾ ونظائره، وتكون للتعليل كما في قوله تعالي: ﴿يجعلون أصابعهم آذانهم من الصواعق﴾ ونظائره، ولها معان آخر معروفة في موضعها، ولا يدور معها معني التبعيض في جميع مواردها، ولا في حال كونها للتبيين، فكيف

стр. 1084

يدعى أنها حقيقة فيه؟ بل قد أنكر المبرد والأخفش الصغير وغيرهما أن يكون "من" للتبعيض، وقالوا: وقالوا: إن المواضع التي قيل فيها إنها للتبعيض: إنها فيها لابتداء الغاية؛ لصلاحية معني ابتداء الغاية فيها وكأنهم فروا من الاشتراك، وإنما يكون للتبعيض في قوله: "طلقي نفسك من ثلاث"، أما إذا قال: "طلقي نفسك من ثلاث ما شئت" فلا، وكذلك نظائرها؛ لأن الجملة قد صارت شرطية، وما ذكر من الفرق من دليل إظهار السماحة في قوله: "كل من طعامي ما شئت" لا يقوي، بل لو قال: "كل من طعامي" ليس له أن يأكله كله إلا إذا زاد "ما شئت"؛ لأنه يكون المعني: ما شئت أن تأكله من طعامي فكله، أما اللفظ الأول فمعناه: كل بعض طعامي، وما ذكر من الفرق بأن العموم في قوله: "من شاء" لعموم الصفة لا يقوي؛ لأن "من" في قوله

стр. 1085

"من شاء" شرطية لا موصولة لأنها لو/ كانت موصولة لما عتق من وجدت منه المشيئة بعد قوله "من شاء" بل قبله؛ إذا الموصولة لا تغير الفعل الماضي عن معناه من المضي، وإنما نقلت الماضي مستقبلاً "من" الشرطية كما في بقية أدوات الشرط، والله أعلم.

стр. 1086

باب الأيمان في الطلاق قوله: (ولنا أن هذا تصرف يمين لوجود الشرط والجزاء فلا يشترط لصحته قيام الملك في الحال؛ لأن الواقع عند الشرط، والملك متين به عنده، وقبل ذلك اثره المنع، وهو قائم بالتصرف)، إلى آخر المسألة. هذه مسالة تعليق الطلا بالنكاح وقد اعترف جماعة من الأصحاب بضع دليلها، والنكاح لم يشرع للطلاق، فإذا علق الطلاق بالنكاح فقد رتب عليه ضد مقتضاه فإن الله تعالي إنما شرع النكاح للاتصال الذي يتحصل معه مقاصد النكاح، وإنما شرع الله الطلاق عند الحاجة إلى مفارقة الزوجة بخلاف الإعتاق فإن شراء العبد لصد إعتاقة مشروع مندوب إليه، والفرق بينهما أيضًا أن العتق له قوة وسراية، ولا يعتمد نفوذ الملك التام فإنه ينفذ في ملك الغير كما هو مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في العبد المشترك

стр. 1087

إذا أعتقه أحد الشركات، ويصح أن يكون الملك لزواله بالعتق عقدًا وشرعًا، كما يزول ملكه بالعتق عن ذي الرحم المحرم بشرائه، وكما لو اشتري عبدًا ليعتقه عن كفارة، أو نذر، أو اشتراه بشرط العتق، وكل هذا يشرع فيه جعل الملك سببًا للعتق فإنه قربة محبوبة لله، فشر الله التوسل إليها بكل وسيلة مفضية إلى محبوبة، وليس كذلك الطلاق؛ فإنه بغيض إلى الله، وهو أبغض الحلال إليه، ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببًا لإزالته البتة، وفرق ثان وهو أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا، فإذا وجد الشرط لزمه ما علقه به من الطاعات المقصودة، ولا كذلك تعلي الطلاق بالنكاح. وقد استدل من قال بعدم وقوع الطلاق المعلق بالملك بأحاديث في السنن منها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك" قال الترمذي: هذا حديث حسن.

стр. 1088

وسئل رسول الله ﷺ [عن رجل] قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثًا، فقال: "تزوجها فلا طلاق إلا بعد النكاح"، وسئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: "طلق ما لا يملك"، رواهما الدارقطني. ولكن ضعف الإمام أحمد الأحاديث الواردة في هذا الباب، وضعفها لا يمنع العمل بها لعدم المعارض، واحتمال الصحة وموافقتها للمعني الصحيح. وذكر عبد الرازق عن ابن جريج قال: بلغ ابن عباس أن [ابن مسعود] يقول: "إن طلق ما لم ينكح فهو جائز"، قال ابن عباس: "أخطأ في هذا، إن الله يقول: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن". وثبت عن علي ﵁ أنه قال: "لا طلاق [إلا] من بعد نكاح

стр. 1089

وإن سماها" وهو قول عائشة ﵂، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم، وداود، وأصحابه، وجمهور أهل الحديث، وليس في مقابلة الأحاديث الوارة في نفي الطلاق بل النكاح ما يعارضها حتى نترك العمل بها لأجل المعارض، بل المعني يساعدها أو يتقوي بها، وقد وردت من طرق فقويت بذلك، قالوا: ولم يرد في الكتاب، ولا

стр. 1090

في السنة ما يدل على وقوع الطلاق به ولا له نظير مساو يقاس به فلا يقع، وجميع ما ذكر من الأدلة على وقوعه محتملة فلا يقع بالاحتمال؛ فإن مقتضي القول بأنه تصرف يمين أن يشرع فيها الكفارة لعموم قوله تعالي: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان﴾ الآية، ولهذا قال أبو حنيفة رحمة الله بالكفارة في قولة: إن فعل كذا فهو كافر، أو فلله عليه صوم كذا، ونحو ذلك. قوله: (بخلاف ما إذا قال: إذا صمت، لأنه لم يقدره بمعيار وقد وجد الصوم بركنه وشرطه) فيه نظر فإنه إذا صام ساعة ثم أطفر لم/ يوجد الصوم الشرعي فإنه لا يتجزأ، فإذا أبطلة بطل من أصله، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →