← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وفي ذلك نظر؛ فإن البض الحاصل ي العبد بسبب الإعتاق ينبغي أن لا يمنع بمنزله ما لو أضجع شاه للذبح فانكسر رجلها بسبب الإضجاع؛ فإنه يجوز التضحية بها فكذا هذا؛ ولأنه بأداء الضمان ملك حصة شريكة مستندًا إلى وقت وجود السبب، فصار نصيب الساكت ملكًا للمعتق زمان الإعتاق، فكان النقصان في ملكه حكمًا، وما أجيب به عن الاعتبار بالأضحية من تعمد النقصان في العت دون الإضجاع للتضحية، يمكن أن يقال فيه: النقص بالإعتاق حكمي؛ فلا فرق بين إعتاق بكلام واحد، أو بكلامي، فيستوي عمده وخطؤه، وفي الأضحية حقي فيعذر في الخطأ دون العمد، وما أجيب به عن اعتبار استناد الضمان من أن الملك في الضمان يثبت بصفة الاستناد في ح الضامن، والمضمون له لاحق في غيرهما، والكفارة غيرهما، يمكن أن يقال فيه: لما كان البعض بالإعتاق حكميًا فسواء وجد في ملكه بين إعتاق نصفه وإعتاق باقية، أو في ملك غيره بين الإعتاقين؛ لأنه لو كان ينافي كمال الرقبة لمنع مطلقًا. قوله: (وإن أعتق المولي، أو أطعم عنه، لم يجزه: لأنه ليس من أهل الملك فلا يصير مالكًا بتمليكه). قال في "المغني": وعن أحمد رواية أخرى: إن أذن له سيده في التكفير بالمال جاز، وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور، وحكى ابن المنذر في

стр. 1122

"الإشراف" عن مكحول أنه يعتق بإذن مولاه وحكي ابن المنذر أيضًا أن العبد يملك التسري بإذن مولاه عند ابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو القديم من قولي الشافعي انتهي، وال ابن عبد البر في "التمهيد" بعد أن حكي الخلاف في أن العبد يملك بالتمليك: وحجتهم قول رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "من باع عبدًا وله مال" فأضاف المال إليه، قال الله في الإماء: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾ فأضاف أجورهن إليهن إضافة تمليك، وهذا كله قول داود أيضًا وأصابه، إلا أن داود يجعله مالكًا ملكًا صحيحًا ويوجب عليه

стр. 1123

زكاة الفطر، والزكاة من ماله، ومن الحجة لمالك أيضًا أن عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري يما بأيديهم ولا مخالف له من الصحابة، ومحال أن يتسري فيما لا يملك لأن الله تعالي لم يبح الوطء إلا في نكاح، أو ملك يمين، ثم قال بعد ذلك: وقال مالك: وابن شهاب، وأكثر أهل المدينة: إذا أعتق العبد تبعه ماله، وفي البيع لا يتبعه ماله وهو لبائعه انتهي، وقال الله تعالي: ﴿وانكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ فأخبر تعالي أن العبيد والإماء يكونون فقراء، ويكونون أغنياء، وذلك دليل على ملكهم، وقد أجيب عن استدلال من استدل على أن العبد لا يملك، وليس له شهادة بقوله تعالي: ﴿ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لأ يقدر على شيء﴾ بأن العبد في الآية نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، مع أنه لم يقل أحد بعموم هذا السلب فإنه يقدر على أنواع من التصرفات بإذن السيد، وأنواع بغير إذنه بالنص والإجماع. والمراد التنبيه على أن العبد لا مانع من أن يملك إذا ملك، وإضافة المال إليه فوق إضافة السرج إلى الدابة، فجعله داود، وأصحابه بمنزله الحر في الملك، وجعله أبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد، ومن وافقها بمنزلة

стр. 1124

الدابة لا تقبل التمليك/ وتوسط غيرهم وجعل لهم حالة أخرى في الملك فوق حال الدابة، ودون حال الحر، ولم يرد ما يمنع من ذلك وهو ظاهر، فإن تسوية العبد بالحر لا يصح لقصور قدرته، وتسويته بالبهيمة لا يصح لأن العبد يثبت له اختصاص يفيده تصرفًا شرعيًا بالنص والإجماع لا يكون مثله البهيمة، وقد اتقوا على أن العبد إذا أحرم بإذن المولي وأحصر فأراق المولي عنه الدم، أو أراق هو بإذن المولي يجو له التحلل بذلك. ولكن من قال إنه لا يملك بالتمليك، أجاب بأن هنا العبد مضطر إلي تملك؛ لعدم مشروعية الصوم في حالة الإحصار بخلاف الظهار، ويمكن أن يال: إن الصوم بدل عن الإعتاق لا يصار إليه إلا إذا لم يجد رقبة، وهذا واجد للرقبة بتمليك المولي وإذنه له في إعتاقها، وقد وافقتمونا على أنه أهل لأن يملك في الاحصار فوافقونا في الظهار، وقد أخبرناكم عن ابن عمر وابن عباس ﵃ بما سمعتم فأخبرونا من خالفهما من الصحابة وقد قال

стр. 1125

صاحب "الكافي شرح الوافي" لقوله [عليه] الصلاة والسلام: "لا يملك العبد ولا يملكه مولاه" وكأنه من كلام بعض الفقهاء، وإلا فلا يعرف في شيء من كتب الحديث. قوله: (لقوله ﵊ في حديث أوس بن الصامت، وسهل بن صخر "كل مسكين نصف صاع من بر"). الصواب سلمه بن صخر قال: "فأطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا" قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين، وما أملك لنا طعامًا،

стр. 1126

قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بن زريق، فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها"، والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وفي حديث أوس بن الصامت عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله- ﷺ يجادلني فيه ويقول: "اتقي الله فإنه ابن عمك»: فما برح حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى الفرض، فقال: "يعتق رقبة" فقالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين" قالت: يا رسول

стр. 1127

الله: إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: "فليطعم ستين مسكينًا"، قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به، قال: "فإني سأعينه بعرق من تمر"، قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر، قال: "قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك، والعرق ستون صاعًا" رواه أبو داود، ولأحمد معناه لم يذكر قدر العرق وقال فيه: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر" ولأبي داود في رواية أخرى: "والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعًا. وقال: هذا أصح انتهى. وقد روي بروايات مختلفة وأكثرها مراسيل وليس في شيء منها ذكر البر.

стр. 1128

باب اللعان قوله: لقوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ والاستثناء إنما يكون من الجنس)، الاستثناء يكون من الجنس ويسمى متصلاً، ومن غير الجنس ويسمى منقطعًا، ولو قال: والأولى أن يجعل الاستثناء هنا من الجنس لأنه الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلا بدليل أو نحو هذا من العبارة لكان صوابًا مستقيمًا، وفي آخر حديث ابن عباس ﵄ عن امرأة هلال بن أمية فقال رسولا لله -صلي الله عليه وسلم-: "لولا الإيمان لكان لي لها شأن" أخرجه أحمد وأبو داود ولم يقل: "لولا الشهادات".

стр. 1129

قوله: (والأصل في ذلك قوله ﵊: "أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم، اليهودية، والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك"). معني هذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وأبو عمر بن عبد البر، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن/ جده وضعفوا سنده. قال أبو عمر بن عبد البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به، وإذا كان الحديث المذكور ضعيفًا، وترجيح جانب الشهادة محتملاً، وحاجة الزوج الذي لا تصح منه الشهادة في اللعان ونفي الولد، كحاجة من تصح منه الشهادة سواءً، والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان كالذي ينزل بالآخر، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجًا ومخرجًا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الإصرار والأغلال لا فرج له مما نزل به ولا مخرج، بل يستغيث لا يغاث، ويستجير فلا يجار، إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن

стр. 1130

سكت سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وفي ذلك ما فيه!، وكيف ينتفي عنه ولد الحرة المسلمة باللعان، ولا ينتفي عنه ولد الأمة الكتابية باللعان؟!. قوله: (وصفة اللعان أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات، يقول في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا)، كذلك زاد فيما تقوله المرأة في كل مرة: فيما رماني به من الزنا، ثم قال: (والأصل فيه ما تلونا من النص). وليس في النص: (فيما رميتها به من الزنا، ولا فيما رماني به من الزنا)، ولهذا حصل الخلاف هل يقول الرجل فيما رميتها أو فيما رميتك؟ وكذلك زاد في اللعان بنفي الولد أن يقول الرجل: فيما رميتها به من نفي الولد، في كل مرة. وقال: ولو قذفها بالزنا ونفي الولد ذكر في اللعان الأمرين، وليست

стр. 1131

هذه الزيادة ولا شيء منها في آية اللعان، ولا فيما حكي من صفة لعان المتلاعنين بين يدي النبي -صلي الله عليه وسلم-. وقد ذكروا في توجيه ذلك، انه ربما نوى: إني لمن الصادقين في شهادة التوحيد، أو غيره من الخبر الصادق، ونوت: إنه لمن الكاذبين في شأن آخر، فإذا ذكرا ما رميت به من الزنا انتفي هذا التأويل. وقال الآخرون: هب أنهما نويا ذلك فإنهما لا ينتفعان بينتهما فإن الظالم لا ينفع تأويله، ويمينه على نية خصمه، ويمينه بما أمر الله به إذا كان مجاهرًا فيها بالباطل والكذب، عليه اللعنة والغضب نوي ما ذكرتم أو لم ينوه، فإنه لا يموه على من يعلم السر وأخفي بمثل هذا. قوله: (دل عليه قول ذلك الأعرابي عند النبي -صلي الله عليه وسلم-: "كذبت عليها إن مسكتها، فهي طالق ثلاثًا"). هكذا وقع في بعض نسخ الهداية أعني فهي طالق بالفاء وهو غلط، وفي بعضها هي طالق بغير فاء، ولفظ الحديث: "كذبت عليها يا رسول الله إن

стр. 1132

أمسكتها فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمر النبي -صلي الله عليه وسلم-". قوله: (وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما، وقال أبو يوسف هو تحريم مؤبد لقوله ﵊: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" نص على التأبيد). قول أبي يوسف هو قول الأئمة الثلاثة، والثوري وأبي عبيد، والحسن البصري، وعطاء، والزهري، والنخعي، والحكم، والأوزاعي، وإسحاق وأبي ثور، وهو مروي عن عمر، وعلي ﵄، حكي ذلك ابن المنذر وغيره. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله: مالي؟ قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، ون كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها"متفق عليه.

стр. 1133

وقد سهل: حضرت هذا عند النبي -صلي الله عليه وسلم-:"فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا" رواه أبو داود، وعن سهل بن سعد أيضًا في قصة المتلاعنين قال: ففرق رسول الله-صلي الله عليه وسلم- بينهما، وقال: "لا يجتمعان أبدًا". وعن ابن عباس أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:"المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا"، وعن علي قال: "مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدًا". وعن علي وابن مسعود قالا: "مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان"، رواهن الدارقطني. وفي مسند أبي حنيفة ﵀ [عن ابن عمر ﵄] قال:

стр. 1134

قال رسول الله صلى [الله] عليه وسلم: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا". فاقتضت هذه الآثار- وإن كان في سند بعضها ضعف - أن الحرمة مؤبدة، وهو الذي يقتضيه حكمه اللعان، فإن لعنة الله أو غضبه قد حل بأحدهما لا محالة؛ ولهذا قال النبي -صلي الله عليه وسلم- عند الخامسة: "إنها هي الموجبة" أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم من حلت به يقينًا، فيرق بينهما خشية أن يكون هذا المعلون الذي وجبت عليه لعنه الله وباء بها فيعلق امرأة غير ملعونة، أو يمسك امرأة مغضوبًا عليها. فأما إذا تزوجت بغيره أو تزوج بغيرها لم تتحقق هذه المفسدة، وأيضًا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل منهما إلى صاحبه لا تزول أبدًا، فإن الرجل إن

стр. 1135

كان صادقًا عليها، فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وقطع نسب ولدها إن كان ثم ولد، وإن كان كاذبًا فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه القرية العظيمة، وأحرق قلبها. والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله، وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشة، وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة فحصل لكل من صاحبه من النفرة والوحشة ما لا يكاد يلتئم معه شملهما أبدًا، ولو زال حكم ذنب المذنب منهما بالتوبة فإن الضغينة التي تبقي في النفس تمنع حسن الصحبة، وأيضًا فإن الشهود ولو رجعوا عن شهادتهم بعد الحكم بها لم ينقض الحكم، وسيأتي ذلك في كتاب الرجوع عن الشهادات. وقد عللوا له بأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا ينقض الحكم بالمتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الألو، وقد ترجع الأول لاتصال القضاء به، وليس مع المخالفين إلا مجرد الرأي المعارض بمثله وبالنصوص، وإذا ثبت أن الحرمة مؤبدة، فهي فسخ وليس بطلاق وهو ظاهر، ولو لم تكن مؤبدة لكان في جعل الفرقة باللعان طلاقًا نظر. قوله: (وكذلك إن قذف غيرها فحد به لما بينا، وكذا إذا زنت فحدث لانتفاء أهلية اللعان من جانبها).

стр. 1136

يعني أنه يحل له أن يتزوجها في هذين الفصلين، وتبطل الحرمة الثابتة باللعان بذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وفيه شكال مع قطع النظر عن ثبوت الحرمة المؤبدة، فإن زوال الحرمة إذا أكذب نفسه، يمكن أن يقال فيه إنه بإكذاب نفسه يتبين أن اللعان كان غير صحيح لبنائه على قذف تبين أنه كذب بإقرار القاذف. أما زوال أهلية الشهادة عن الرجل بعد اللعان، وزوال أهلية المرأة عن أن يحد قاذفها كيف يرفع ما ثبت قبله؟ فإن في ثبوت كون ذلك شرطًا في جريان اللعان بينهما نظر، فكيف في ثبوت كونه شرطًا في بقاء الحرمة المترتبة علي اللعان الصحيح؟ ولا يقال: إن زوال الأهلية عن أحدهما يستند إلى ما قبل اللعان؛ فإن من كان عدلاً ثم فسق لا يبطل ما ترتب على شهادته التي حم بها قبل فسقة. وحكم الحرمة الثابتة باللعان الصحيح كحكم ما ثبت بشهادته في حال عدالته وحكم به الحاكم، مع أنه لو كانت غير صحيحة بأن اعترف أنه شهد بالزور لما تغير الحكم الذي ترتب عليها، خصوصًا عند أبي حنيفة فإن من أصله أن الحكم بشهادة الزور في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرًا وباطنًا. وله: (ولنا أن الأحكام لا يترتب عليها إلا بعد الولادة لتمكن

стр. 1137

الاحتمال قبله والحديث محمول على أنه عرف قيام الحبل بطريق الوحي). لا يلزم من كون المل لا يترتب عليه حكم الإرث، والوصية، ونحو ذلك إلا بعد الولادة، أن لا يترتب عليه حكم اللعان، ولا فرق بين قوله: ليس حملك مني وبين قوله: زنيت، وهذا الحمل من الزنا إذ ليس في آية اللعان ولا في الأحاديث الواردة فيه ذكر الزنا بصريحة، وإنما في الآية: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾. وفي الحديث: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء. وفي آخره قال: يا رسول الله: "أرأيت/ لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف ينصع؟ " الحديث ويه: "فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: "إن الذي سألتك عنه ابتليت به".

стр. 1138

وقد ذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه يلاعن قبل الولادة، وهذا هو الظاهر لما روي الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- لا عن على الحمل". وعن ابن عمر ﵄: "أن رجلاً لا عن امرأته وانتفي من ولدها ففرق رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بينهما وألحق الولد بالمرأة" رواه الجماعة. ودلالة حديث هلال على ذلك في غاية الظهور، وأي ضرورة دعت

стр. 1139

إلى حمل الحديث على أنه عرف قيام الحبل بطريق الوحي؟ وقد بني على ظهور الحبل كثير من الأحكام وأثبت للحامل أحكام تخالف فيها الحائف ولم يجعل بطريق الاحتمال مانعًا منها، قال ابن قدامة في "المغني": اختلف أصحابنا فيما إذا لاعن امرأته وهي حامل ونفي حملها في لعانه، فقال الخرقي وجماعة: لا ينتفي الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع وينفي الولد فيه. وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة، ثم علل لذلك، ثم قال: وال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل

стр. 1140

وينتفي عنه، وذكر دليل ذلك ثم قال: وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنًا ما كان، فرحمه الله ما أحسن هذه الطريقة التي سلكها، وهي موافقة من وافق الحديث كائنًا من كان، بل لو لم يرد نص يدل عليه لكان المعني يقتضيه فإن الزوج محتاج إلى نفيه كما بعد الولادة؛ لاحتمال أن يموت قبل الولادة فيلحق به وليس منه، يمكن من نفيه باللعان ليدفع عنه ولد الغير، ولا يدخل في النسبة إليه من ليس منه. قوله: (وإذا نفي الرجل ولد امرأته عقيب الولادة أو في الحالة التي تقبل فيها التهنئة وتبتاع آلة الولادة صح نفيه ولا عن به). ذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنه إن سكت عن نفيه وهو يقدر عليه، ثم أنكره بعد ذلك لزمه النسب ويلاعنها. وهذا القول أظهر لأن النبي -صلي الله عليه وسلم- حكم بالولد للفراش، فإن نفي الزوج الولد أول ما يمكنه أن ينفيه فبالإجماع نفي عنه مع السنة الثابتة، وكل مختلف فيه من هذه المسائل فمردود إلى قول النبي -صلي الله عليه وسلم-: "الولد للفراش". والقول بأنه لا بد من مدة للتأمل والنظر لئلا يكون نفيه بغير حق لا يقوى؛

стр. 1141

لأنه ليس مما يحتاج إلى تأمل ولا نظر مع أنه يبطل بالأخذ بالشفعة؛ لأنه من الأمور الماضية ليس من الأمور المستقبلة التي تحتاج إلى النظر فيما تقتضيه المصلحة فيه.

стр. 1142

باب العنين وغيره قوله: (وقال الشافعي- ﵀ هو فسخ لكن النكاح لا يقبل الفسخ عندنا). يشكل على قوله: (لكن النكاح لا يقبل الفسخ عندنا)، الفسخ بخيار العتق المتفق عليه، والفسخ بخيار البلوغ عند من يقول به، والفسخ بعدم الكفاءة، وقولهم في خيار التق إنه امتناع من التزام زيادة الملك تقدم ذكر

стр. 1143

ما فيه من الإشكال من جهة اعتبار عدد الطلاق بالنساء، ومن جهة تعليل خيار العتق؛ فإن حديث:"طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان" ضعيف. وقد نص الشارع على علة خيار العتق بقوله: "ملكت بُضعك فاختاري". وقولهم في خيار البلوغ: إنه فسخ قبل التمام لخلل في ولاية المحل فيكون في معنى الامتناع من تمامه، لا يقوى فإنه يحل فيه الدخول، ويجري في التوارث، فكيف يكون الفسخ بعد الدخول امتناع من العقد قبل التمام؟! وقد تقدم التنبيه على ما في خيار البلوغ من الإشكال. وقولهم في الفسخ بعدم الكفاءة، وإن كان مترتبًا على ما أصَّلُوه من أن الكفاءة شرط الجواز، لكن الشأن في ثبوت ذلك الأصل، وقد تقدم التنبيه على ذلك في فصل الكفاءة، وجعل الطلاق لغير الزوج من غير إنابة منه

стр. 1144

مشكل، وقد جعل الله الطلاق معقبًا للرجعة في مرتين وفي الثالثة لا، ولم يرد عن الرسول ﷺ خلاف ذلك، وقد تنازعت الأمّة في فرقة العنين، وفرقة اللعان، وفرقة الخُلع بالمال والطلاق به، وفرقة/ الردة، وفرقة الإباء عن الإسلام، والواجب رد المتنازع فيه إلى الله والرسول لا الأخذ بقول

стр. 1145

فلان دون فلان. قوله: (فإن كان بالزوجة عيب فلا خيار للزوج، وقال الشافعي: ترد بالعيوب الخمسة) إلى آخر الباب. اختلف العلماء في الزوجين يجد أحدهما بصاحبه عيبًا، فقال داود وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب ألبتة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يعتبر من العيوب في الزوج إلا الجَبّ والعنة والخصي، ويفرق الحاكم في ذلك بعد التأجيل سنة في حق العنين والخصي، وفي حق المجنون من غير تأجيل، ويكون التفريق طلقة بائنة وزاد عليهما محمد: الجنون والجذام، والبرص، ولا ترد الزوجة بعيب البتة، وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والجذام، والبرص، والقرن، والجب، والعنة، وفي بعضها تفصيل

стр. 1146

عندهما، وزاد أحمد عليهما أن تكون المرأة فتقاء، وهي التي تسميها الحنفية مفاضة، وهي المنخرقة ما بين السبيلين، ولأصحابه وجهان في نتن الفم، والفرج، وعيوب المخرجين، حسبما هو مفصل عندهم. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع، وهذا إذا أطلق الزوج، وأما إذا شرط السلامة، أو شرط الجمال، فبانت شوهاء، أو شرط الشبابة فبانت عجوزًا، أو بيضاء، أو بكرًا، فوجدها سوداء، أو ثيبًا فله الفسخ في ذلك كله في إحدى الروايتين عن أحمد فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وإن كان بعده فلها المهر، وهو غرم على وليها إن كان غره، وإن كانت هي الغارة سقط مهرها أو رجع عليها به إن كانت قبضته، هذا إذا كان الزوج هو المشترط.

стр. 1147

وقال أصحابه: إذا شرطت فيه صفة فبانت بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرية إذا بان عبدًا، وفي شرط النسب إذا بان بخلافه وجهان. قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: والذي يقتضيه مذهبه وقواعده أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها، بل إثبات الخيار إذا فات ما اشترطته أولى، لأنها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق، فإذا جاز له الفسخ مع التمكن من الفراق بغيره، فلأن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى. ولا شك أن الشروط المشترطة في النكاح أولى من شروط البيع، ومن تأمل هذا الول لم يخف عليه رجحانه، وقربه من قواعد الشرع. قوله: (ولنا أن فوت الاستيفاء أصلاً بالموت، لا يوجب الفسخ، فاختلاله بهذه العيوب أولى، وهذا لأن الاستيفاء من الثمرات، والمستحق هو التمكن وهو حاصل). فيه نظر من وجهين: أحدهما: في قوله: (إن فوت الاستيفاء بالموت لا يوجب الفسخ)؛ لأن الفسخ إنما يكون في النكاح القائم، وبالموت لا يبقي النكاح بل ينتهي به؛ لأن عقد النكاح مؤقت بالحياة.

стр. 1148

الثاني: في قوله: (والمستحق التمكن وهو حاصل)؛ فإنه غير مسلم له أن التمكن من الوطء حاصل مع القرن والرتق فإن المانع موجود حسًا، ولئن كان الاستيفاء من الثمرات فهو أعلاها بل هو المقصود الأصلي، فكيف لا يكون فوته مجوز للفسخ؟! ولو علل بأن الزوج متمكن من الفراق بالطلاق ولا كذلك المرأة لكان أظهر.

стр. 1149

باب العدة قوله: (والفرقة إذا كانت بغير طلاق فهي في معني الطلا؛ لأن العدة وجبت للتعرف عن براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح، وهذا يتحقق فيها). فيه إشكال، وهو أن عدة الطلا شرعت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة، فيها حق للزوج، وحق لله، وحق للولد لئلا يضيع نسبه، وحق المرأة لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث، وحق الناكح الثاني لئلا يختلط ماؤه بماء غيره، ويشتبه نسب ولده، وإنما/ كانت العدة بعد الثالثة بثلاث حيض، وإن لم يكن ثم رجعة طردًا لباب عدة الطلاق، وذكر في حكمته أيضًا أن تطويل العدة لما جعل فيما دون الثلاث لأجل رجعة رفقًا به وحريمًا للنكاح، جعل فيما بعد الثلاثة حريمًا للنكاح وعقوبة للزوج بتطويل مدة تحريمها عليه. وقد قال تعالي: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاث قروء﴾ وإلحاق غير المطلقات بهن إما أن يكون بنص آخر أو بدخولهن في معني هذا النص، ولم يوجد نص آخر، وحيث جعلت ثلاث حيض فلا بد من معني زائد على التعرف عن براءة الرحم.

стр. 1150

وقد اختلف العلماء في عدة المختلعة، قال ابن المنذر في "الإشراف": واختلف أهل العلم في عدة المختلعة، فقال عثمان بن عفان وابن عمر: عدتها حيضة، وبه قال أبان بن عثمان، وإسحاق بن راهويه، وفيه قول ثان وهو أن عدتها عدة المطلقة، روينا هذا القول عن علي وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وسالم بن عبد الله، وأبو سلمه بن عبد الرحمن، وعروة ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، والحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وخلاس بن عمرو، وأبو عياض، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحا، وأبو عبيد. قال أبو بكر ابن المنذر: وبالقول الأول أقول لحديث رويناه عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي -صلي الله عليه وسلم- عدتها حيضة"، ولقول عثمان، وابن عمر ولا يثبت حديث علي، انتهى.

стр. 1151

وقد حكاه ابن قدامة في "المغني" عن ابن عباس ﵄، ورواية عن أحمد، قال شمس الدين ابن القيم: هي اصح الروايتين عنه دليلاً، وحكي أيضًا عن أبي جعفر النحاس أنه قال في "ناسخة ومنسوخة": إجماع الصحابة على ذلك. ثم قال بعد ذلك: ومن جعل عدة المختلعة بحيضة فبطريق الأول تكون عدة الفسوخ كلها عنده حيضة؛ لأن الخلع الذي هو شي الطلا وأشبه به لا يجب فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروء؛ فالفسخ أولى وأحرى من وجه: أحدها: أن كثيرًا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقًا ينص به العدد، بخلاف الفسخ لرضاع ونحوه. الثاني: أن أبا ثور ومن وافقه يقولون: إن الزوج إذا رد العوض ورضيت

стр. 1152

المرأة برده، وراجعها فله ذلك بخلاف الفسخ. الثالث: أن الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدتها بعقد جديد الفسخ لرضاع، أو تجدد مرحمية حيث لا يمكن عودها إليه، فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراء بحيضة، ويكون المقصود مجرد العلم ببراءة رحمها كالمسبية، والمهاجرة، والمختلعة، والزانية على أصح القولين فيهما دليلاً، وهما روايتان عن أحمد، انتهي. قوله: (ون كانت آيسة فاعتدت بالشهور ثم رأت الدم انتقض ما مضي من عدتها، وعليها أن تستأنف العدة بالحيض) إلى أن قال: (هو الصحيح). في تصحيحه نظر، وقول من قال من المشايخ أنه لا ينتقض ما مضي من عدتها أقوى؛ لأن اليأس يشبه غالب الظن دون اليقين لقوله تعالى:

стр. 1153

﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا﴾، وقوله تعالي في قصة إخوة يوسف: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًا﴾، ثم قال لهم أبوهم: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾، وقوله تعالي: ﴿قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾، وهم ما يتبعون إلا الظن، وأيضًا فقد قال تعالي: ﴿وهو الذي ينزل الغيث نم بعد ما قنطوا﴾، والقنوط شبه اليأس. ويقال في العرف: يئست من المريض، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، وكذا يئست من غائبي، وقد يبرأ المريض، ويقدم الغائب، خصوصًا إن كان قد مضي لها من العمر ستون سنة، مع أن تقدير مدة الإياس لا يقوم عليه دليل، فإذا غلب على الظن أن حيضها قد انقطع فاعتدت بثلاثة أشهر، فهذه قد انقضت عدتا بنص القرآن فلا تعود بعد ذلك، بل أبلغ من هذا من ارتفع حيضها، ولا تدري ما رفعه، فقد صح عن عمر ﵁ أنها تتربص

стр. 1154

تسعة أشهر/، فإن استبان بها حمل، وإلا اعتدت بثلاثة أشهر، وقد وافقه الأكثرون على ذلك، مالك، والشافعي في القديم، وأحمد في المنصوص عنه، ولا يعرف لعمر مخالف من الصحابة في ذلك. وفي قوله من قال: إنها تمكث في العدة حتى تدخل في سن الإياس ضرر عظيم بالمرأة لا تأتي الشريعة بمثله، إذا تمنع من النكاح وت حاجتها إليه، ويؤذن لها فيه حين لا تحتاج إليه، مع أن ظاهر الآية يشهد لقول عمر ﵁ على أحد القولين في تفسيرها، وهو أنها لما كانت لا تدري

стр. 1155

ما الذي رفع حيضها كان موضع الارتياب، وقد قال تعالي: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾. وارتفاع الحيض ثلاثة أنواع؛ فإن ارتفع لعارض كالمرض والرضاع فإنها تنتظر زوال العارض بلا ريب، وإن ارتفع لإياس فإنها تعتد بثلاثة أشهر بنص القرآن، وإن ارتفع ولا تدري ما رفعه فهذه التي قضي فيها عمر بما تقدم ووافقه جمهور العلماء، ولا يعرف له في زمانه مخالف، ومسألة الكتاب أظهر منها والله أعلم. قوله: (وإذا مات مولي أم الولد عنها أو اعتقها فعدها ثلاث حيض، وقال الشافعي ﵀: حيضة واحدة؛ لأنها تجب بزوال ملك اليمين فشابهت الاستبراء، ولنا أنها وجبت بزوال الفراش فأشبه عدة النكاح، ثم إمامنا فيه عمر ﵁، فإنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض). قال ابن قدامة المقدسي: ليس لقول من قال: تعتد بثلاث حيض وجه، وإنما ذلك للمطلقة، قال السروجي: هذا إقدام عظيم من ابن قدامة على

стр. 1156

تزييف قول عمر وعلي وابن مسعود وترك الأدب معهم، وقول باطل، ولا يختص ذلك بالمطلقة؛ فإن في النكاح الفاسد والوطء بشبهة تعتد بثلاث حيض بعد التفريق ولا طلاق. ثم وليس لقوله وجه لولا قول ابن عمر، وعائشة؛ لأن الحرة لا تستبرئ فكيف بحيضه؟ انتهي. وتوجيه المسائل لا يكون بالتهويل والتشنيع، وقد قال ابن قدامة: إن هذا القول لا وجه له، فبين أنت له وجهًا، ولو كانت المسألة مما اتفقت عليه الصحابة، لم يحتج إلى بيان الوجه فيها، ولما كانت مسألة نزاع احتجنا إلى

стр. 1157

طلب الوجه لأحد القولين؛ إذ لا بد من المصير إلى أحدهما. وقوله: لا يختص ذلك بالمطلقة؛ فإن في النكاح الفاسد، والوطء مسألة تعتد بثلاث حيض قياس مختلف فيه على مختلف فيه، ولو كانت مسألة النكاح الفاسد والوطء بشبهة مما اتفق عليه العلماء لأمكن الفرش بينهما وبين مسألة أم الولد، خصوصًا على ول من يفرق بين الفرش، ويجعل فراش أم الولد دون فراش الزوجية، وفراش القنة دون فراش أو الولد. وقوله: "إن الحرة لا تستبرأ، فكيف بحيضة؟ " مجرد دعوي ولا مانع من تسمية الاستبراء عدة، وعكسه إلا مجرد الاصطلاح، وقد جاء في حديث [أبي] سعيد في سبايا أوطاس: "أنه فسر وله تعالي: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ بالسبايا ثم قال: فهن لكم حلال، إذا انقضت عدتهن".

стр. 1158

فسمى الاستبراء عدة، وقد أمر النبي -صلي الله عليه وسلم- المختلعة أن تتربص حيضه واحدة، رواه النسائي، وأبو داود، وهو مذهب عثمان وابن عباس، وإسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولم يرد عن الشارع ما يعارض ذلك فظهر رجحان قول ابن عمر، وعثمان، وعائشة، على قول عمر، وعلي، وابن مسعود، إن صح عنهم، وبقول ابن عمر، وعثمان وعائشة، قال الأئمة الثلاثة وغيرهم. قال ابن المنذر: وبقول ابن عمر أقول؛ لأنه الأقل مما قيل، وليس فيه سنة تتبع، ولا إجماع يعتمد عليه. وقول المصنف عن عمر أنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض، روى

стр. 1159

ابن أبي شيبة: أن عمرو بن العاص أمر أم ولد أعتقت أن تعتد بثلاث حيض، وكتب إلى عمر، فكتب عمر يحسن رأيه". وعلى تقدير صحة هذا الأثر لا حجة فيه على أنها تعتد لوفاة مولاها بثلاث حيض؛ فإن الوارد في الإعتاق لا يدل على حكم الوفاة، وإنما نقل في حكم الوفاة عن علي ﵁ فلا يتم الاستدلال بحكم عدة وفاة المولي بما/ ذكر والله أعلم. قوله: (وإذا طلق الذمي الذمية فلا عدة عليها وكذا إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة، فإن تزوجت جاز، إلا أن تكون حاملاً). حكي السروجي عن أبي حنيفة رحمة الله في الذمية رواية أخرى أنها لا تتزوج إلا بعد الاستبراء، يعني بالحيضة أو وضع حمل، وهذه الرواية هي التي يجب أن يكون العمل عليها، لأن الزوج إذا وطئ ثم طلق لا يعرف في الحال أن المرأة ير حامل، وكذا لو خرجت إلينا مراغمة، فلا ينبغي أن يكون في اشتراط الاستبراء بحيضة في حق الذمية المطلقة، والمتوفي عنها زوجها،

стр. 1160

والمهاجرة خلاف، إذا كانت مدخولاً بها؛ لاحتمال وجود الحمل؛ لئلا يؤدي إلى تضييع نسب الولد. وإن لم يكن ماء الكافر محترمًا فماء المسلم محترم فلا يضيعه، وقد يكون الحمل من الكافر فيحمل المسلم نسبته على نفسه وليس منه، وهذه حكمة شرع الاستبراء، ولا فرق في هذا المعني بين الحرة والأمة، وقولهم في الأمة إن علة الاستبراء فيها تجدد الملك سيأتي الكلام على ما فيه من الإشكال إن شاء الله تعالي. قوله: (أما الذمية فالاختلاف فيها نظير الاختلاف في نكاحهم محارمهم، وقد بيناه في كتاب النكاح)، يعني أن الذمية هل عليها عدة من طلاق الذمي أم لا؟ وهذه حوالة تاوية؛ فإنه إنما قال هناك: (ولهما أن حرمة نكاح المعتدة مجتمع عليها). ولا يفيده ذلك التعليل هنا شيئًا، وإنما التعليل المفيد لها: أن في العدة حق الزوج، وإن كان فيا حق الشرع والكتابية مخاطبة بحقوق العباد.
следующие страницы →