← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تزييف قول عمر وعلي وابن مسعود وترك الأدب معهم، وقول باطل، ولا يختص ذلك بالمطلقة؛ فإن في النكاح الفاسد والوطء بشبهة تعتد بثلاث حيض بعد التفريق ولا طلاق. ثم وليس لقوله وجه لولا قول ابن عمر، وعائشة؛ لأن الحرة لا تستبرئ فكيف بحيضه؟ انتهي. وتوجيه المسائل لا يكون بالتهويل والتشنيع، وقد قال ابن قدامة: إن هذا القول لا وجه له، فبين أنت له وجهًا، ولو كانت المسألة مما اتفقت عليه الصحابة، لم يحتج إلى بيان الوجه فيها، ولما كانت مسألة نزاع احتجنا إلى

стр. 1157

طلب الوجه لأحد القولين؛ إذ لا بد من المصير إلى أحدهما. وقوله: لا يختص ذلك بالمطلقة؛ فإن في النكاح الفاسد، والوطء مسألة تعتد بثلاث حيض قياس مختلف فيه على مختلف فيه، ولو كانت مسألة النكاح الفاسد والوطء بشبهة مما اتفق عليه العلماء لأمكن الفرش بينهما وبين مسألة أم الولد، خصوصًا على ول من يفرق بين الفرش، ويجعل فراش أم الولد دون فراش الزوجية، وفراش القنة دون فراش أو الولد. وقوله: "إن الحرة لا تستبرأ، فكيف بحيضة؟ " مجرد دعوي ولا مانع من تسمية الاستبراء عدة، وعكسه إلا مجرد الاصطلاح، وقد جاء في حديث [أبي] سعيد في سبايا أوطاس: "أنه فسر وله تعالي: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ بالسبايا ثم قال: فهن لكم حلال، إذا انقضت عدتهن".

стр. 1158

فسمى الاستبراء عدة، وقد أمر النبي -صلي الله عليه وسلم- المختلعة أن تتربص حيضه واحدة، رواه النسائي، وأبو داود، وهو مذهب عثمان وابن عباس، وإسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولم يرد عن الشارع ما يعارض ذلك فظهر رجحان قول ابن عمر، وعثمان، وعائشة، على قول عمر، وعلي، وابن مسعود، إن صح عنهم، وبقول ابن عمر، وعثمان وعائشة، قال الأئمة الثلاثة وغيرهم. قال ابن المنذر: وبقول ابن عمر أقول؛ لأنه الأقل مما قيل، وليس فيه سنة تتبع، ولا إجماع يعتمد عليه. وقول المصنف عن عمر أنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض، روى

стр. 1159

ابن أبي شيبة: أن عمرو بن العاص أمر أم ولد أعتقت أن تعتد بثلاث حيض، وكتب إلى عمر، فكتب عمر يحسن رأيه". وعلى تقدير صحة هذا الأثر لا حجة فيه على أنها تعتد لوفاة مولاها بثلاث حيض؛ فإن الوارد في الإعتاق لا يدل على حكم الوفاة، وإنما نقل في حكم الوفاة عن علي ﵁ فلا يتم الاستدلال بحكم عدة وفاة المولي بما/ ذكر والله أعلم. قوله: (وإذا طلق الذمي الذمية فلا عدة عليها وكذا إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة، فإن تزوجت جاز، إلا أن تكون حاملاً). حكي السروجي عن أبي حنيفة رحمة الله في الذمية رواية أخرى أنها لا تتزوج إلا بعد الاستبراء، يعني بالحيضة أو وضع حمل، وهذه الرواية هي التي يجب أن يكون العمل عليها، لأن الزوج إذا وطئ ثم طلق لا يعرف في الحال أن المرأة ير حامل، وكذا لو خرجت إلينا مراغمة، فلا ينبغي أن يكون في اشتراط الاستبراء بحيضة في حق الذمية المطلقة، والمتوفي عنها زوجها،

стр. 1160

والمهاجرة خلاف، إذا كانت مدخولاً بها؛ لاحتمال وجود الحمل؛ لئلا يؤدي إلى تضييع نسب الولد. وإن لم يكن ماء الكافر محترمًا فماء المسلم محترم فلا يضيعه، وقد يكون الحمل من الكافر فيحمل المسلم نسبته على نفسه وليس منه، وهذه حكمة شرع الاستبراء، ولا فرق في هذا المعني بين الحرة والأمة، وقولهم في الأمة إن علة الاستبراء فيها تجدد الملك سيأتي الكلام على ما فيه من الإشكال إن شاء الله تعالي. قوله: (أما الذمية فالاختلاف فيها نظير الاختلاف في نكاحهم محارمهم، وقد بيناه في كتاب النكاح)، يعني أن الذمية هل عليها عدة من طلاق الذمي أم لا؟ وهذه حوالة تاوية؛ فإنه إنما قال هناك: (ولهما أن حرمة نكاح المعتدة مجتمع عليها). ولا يفيده ذلك التعليل هنا شيئًا، وإنما التعليل المفيد لها: أن في العدة حق الزوج، وإن كان فيا حق الشرع والكتابية مخاطبة بحقوق العباد.

стр. 1161

فصل قوله: (ولنا ما روي: "أن النبي-صلي الله عليه وسلم- نهي المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: الحناء طيب"، وفي نسخة: "نهي المعتدة عن طلاق أن تختضب"). ومراده الاستدلال بهذا الحديث على أن المبتوتة عليها الحداد، والذي ورد في نهي المعتدة عن الخضاب إنما هو في عدة الوفاة، ولم يرد في حق المعتدة مطلقًا، ولا مقيدًا بالطلاق كما ذكر المصنف، ولا يصح الاستدلال به على مراده إلا أن يكون قد ورد النهي للمعتدة مطلقًا أو مقيدًا بالطلاق. وقد مر على هذا المكان السروجي، والكاكي في شرحهما وذكرا أن النسائي روي أن النبي -صلي الله عليه وسلم-: "نهي المعتدة" ولم يقيدا، والذي رواه النسائي لفظه عن أم سلمة ﵂ قالت: "دخل على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على صبرًا، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: [إنما هو] صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه

стр. 1162

إلا بالليل، ولا تمشطي بالطيب، ولا بالحناء فإنه خضاب"، وليس في الحديث، وقال: "الحناء طيب". وقد جاء في حديث أم سلمة أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا" أخرجان في "الصحيحين" وقد جاء في أكثر طرقة: "أن تحد على ميت"، فوجب العمل بهما على ما تقتضيه القاعدة من عدم حمل المطلق

стр. 1163

على المقيد، فلا تحد المرأة على ميت ولا غيره، فوق ثلاث إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، لئلا يلزم إلغاء المطلق، ولا يصح قياس المبتوتة على المتوفى عنها زوجها والحالة هذه. قوله: (والإبانة أقطع لها من الموت، حتى كان لها أن تغسله ميتًا قبل الإبانة لا بعدها). لا نسلم أن الإبانة أطع لنعمة النكاح من الموت، فإن الإبانة يمكن عود النكاح بعدها بطريقة، ولا يمكن ذلك بعد الموت، ولا يلزم من جواز تغسيلها إياه ميتًا قبل الإبانة لا بعدها، أن تكون الإبانة أقطع، لوجود القاطعين في

стр. 1164

الموت بعد الإبانة، ولا كذلك قبلها، ولا شك أن عمل القاطعين أوى من عمل الواحد فانتفي الاستدلال بذلك على أن الإبانة أقطع من الموت. فإن قيل: إنه إذا مات بعد الإبانة مات عنها وهي غير زوجة، فلم يظهر للموت في القطع عمل لوجود القاطع قبله، فلم يوجد قاطعان، بل قاطع واحد، وهو الإبانة. قيل: بل وجد قاطعان، لكن القاطع الأول أبطل أصل النكاح، والقاطع الثاني أبطل اثره وهو النفقة والكسوة والسكني على أصلكم، ولو لم يبطل بوجوده شيء لا يخرج بذلك عن كونه قاطعًا. قوله: (والذهن المطيب وغير المطيب إلا من عذر). في المنع من غير المطيب إلا من عذر). في المنع من غير المطيب من الأذهان نظر؛ فإنه لم يرد نهي عن الدهن، وإنما ورد النهي عن الطيب والزينة، لا عن الدهن المطلق، والدهن غير المطيب ليس منهما، خصوصًا السمن والشحم ودهن الآلية والله أعلم. قوله: (قال ﵊: "السر النكاح"). يعني السر المذكور في قوله تعالي: ﴿ولكن لأ تواعدوهن سرًا﴾ وهذا

стр. 1165

حديث لا أصل له، وإنما يروي من كلام ابن عباس ﵄. قوله: (ولا يجوز للمطلقة الرجعية، والمبتوتة الخروج من بيتها ليلاً ولا نهارًا) ثم قال بعد ذلك: (أما المطلقة فلقوله تعالي: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ ثم قال: (ولا كذلك المطلة؛ لأن النفقة داره عليها من مال زوجها) إلى آخر المسألة. في منع المبتوتة من الخروج لحاجاتها كما تخرج المتوفي عنها زوجها نظر؛ لحديث جابر ﵁ قال: طلقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجد نخلاً لها فلقيها رجل فنهاها، فأتت رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له؛ فقال لها: "أخرجي فجدي نخلك، لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرًا" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

стр. 1166

ولا يعارض هذا الحديث قوله تعالي: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ الآية، فإن المراد بالإخراج والخروج في الآية، النقلة من المنزل المضاف إليها بالسكني حال وجوب العدة، فلا مطلق الخروج للحاجة، أي لا تخرجوهن من بيوتهن مكرهات إخراج نقلة، ولا يخرجن عنها هن باختيارهن. وقد أجاب أبو جعفر الطحاوي عن حديث جابر المذكور بما رواه عنه [أنه] قال: "المطلقة والمتوفى عنها زوجها لا تخرجان من بيوتهما حتى توفيا أجلهما"، وأنه قد جابر بخلاف ما روي عن خالته في الخروج لجداد نخلها في عدتها، فدل على ثبوت نسخ ذلك عنده. قال السروجي: ما أنصف الحافظ أبو جعفر في هذا، كيف يعارض حديث الجداد الثابت في صحيح مسلم بما رواه لهيعة الضعيف بالاتفاق، عن

стр. 1167

أبي الزبير المدلس عن جابر بن عبد الله؟ ولا يجوز نسخ الصحيح بغير صحيح، انتهي كلا السروجي. وليس بين حديث الجداد وبين ما رواه الطحاوي على تقدير صحته معارضه أصلاً، فإن الحديث الذي رواه الطحاوي إنما يدل على الخروج من المنزل على وجه النقلة؛ ولهذا جمع بين المطلقة والمتوفي عنها زوجها، وحديث الجداد يدل على الخروج للحاجة لا علي النقلة. وقد روي الطحاوي أيضًا عن عائشة ﵂ في حق المطلقة: "أنها تخرج من غير أن تبيت عن بيت"، وروي هو أيضًا عن ابن عمر ﵄ أنه قال في المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثًا: "لا ينتلان ولا يبيتان إلا في بيوتهما"، ومفهومه أنها تخرج بالنهار وبعض الليل. وقول المصنف: (ولا كذلك المطلقة؛ لأن النفقة داره عليها من مال زوجها)، مشكل أيضًا في حق المبتوتة لما يأتي من الكلام على حديث فاطمة بنت يس في النفقات، إن شاء الله تعالي، والمطلة الرجعية في حكم

стр. 1168

الزوجات، فيكون خروجها مقيدًا بإذن الزوج كالزوجة التي لم تطل. قوله: (وإذا خرجت المرأة مع زوجها إلى مكة فطلقها ثلاثًا، أو مات عنها، فإن كان بينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام، رجعت إلى مصرها؛ لأنه ليس بابتداء الخروج معني، بل هو بناء). تقدم في أول كتاب الحج ما ورد من السنة في أقل مدة تمنع المرأة من السفر فيها، والتنبيه على ما في ذلك من المعنى.

стр. 1169

باب ثبوت النسب قوله: (ومن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها، فولدت لستة أشهر من يوم تزوجها فهو ابنه، وعليه المهر، أما النسب فلأنه فراشه؛ لأنها لما جاءت بالولد لستة أشهر من وقت النكاح، فقد جاءت به لأقل منها وقت الطلاق؛ فكان العلوق قبله في حالة النكاح، والتصور ثابت بأن تزوجها وهو يخالطها فواف الإنزال النكاح، والنسب يحتاط في إثبات، أما والمهر فلأنه/ لما ثبت النسب منه جعل واطئًا حكمًا فتأكد المهر به). من المشايخ من قال: لا يحتاج إلى هذا التكلف، وقيام الفراش كاف، ولا يعتبر إمكان الدخول كما لو كان بينهما مسيرة سنة فجاءت بولد لستة أشهر يثبت نسبة عندنا. قال السروجي: التصور فيه شرط ولهذا لو جاءت امرأة الصغير بولد لا يثبت نسبه منه، انتهي. والأصل في ذلك أن الزوجة تصير فراشًا بنفس العقد، وإن علم أنه لم

стр. 1170

يجتمع بها عند أبي حنيفة، وخالفه من أصحابه زفر، وبقية العلماء، وشرطوا كان الوطء. وعن أحمد، أنه شرط مع العقد الدخول المحقق، لا إمكانه المشكوك فيه، حتى لا تصادقا على عدم الدخول لا يثبت نسب الولد كما في الأمة، ومن فرق بين الفراشين فالنص يرده؛ لأنه ورد في الأمة، وشموله للحرة باعتبار عموم لفظه. وقد اتفق العلماء في الأمة أنها لا تكون فراشًا بالشراء قبل الدخول المحقق، إلا ما يروي عن مالك ﵀ أنه جعل الأمة السرية التي تشتري للوطء عادة فراشًا بمجرد الشراء مع إمكان الوطء، وإن لم يعترف بالوطء، وإنما خالف أبو حنيفة ﵀ في اشتراطه مع الاعتراف بالوطء الاعتراف بالولد، والمسألة معروفة.

стр. 1171

وقولهم: يكفي تصور قبول العقد مع المخالطة في الجملة، لا في حق هذا الزوج الخاص حالة العقد عند الشهود. جوابه: إنكم لم تجعلوا الفراش بانفراده كافيًا في ثبوت النسب كما في الصغير الذي لا يتصور منه علوق، وإمكان العلوق من الصبي حال صباه ممكن في الجملة غير محال لذاته، وإن كان محالاً عادة قد أجري الله العادة أنه لا يعلق حال صباه، ولازمها أنه لا يثبت النسب إلا ممن يتصور منه العلوق عادة. فكما أن الصبي لا يتصور منه الولد في العادة كذلك مسألة المشرقي، والمغربية، والتي علق الطلاق بنكاحها. وقولهم: إن المعلق بالشرط كالمرسل عند وجوده، فكأنه قال بعد القبول هي طالق، والطلاق يعقب التطليق. جوابه: أن هذا لا يمكن ضبطه فإن معرفة كم مقدار ذلك الوقت من الليل

стр. 1172

أو النهار إلى ستة أشهر من ذلك الوقت وتحريره في غاية البعد، يكاد يكون من قبيل الممتنع، ولا يبنى على مثل ذلك حكم. وقوله: (إن النسب يحتاط فيه)، جوابه: نعم يحتاط، ولا يحمل عليه ولد غيره، أين الاحتياط فيمن اعترف أنه وطئ أمته فعلقت منه، وجاءت بولد، ولم يعترف أنه ولده؟! فهلا قلتم: إنه ولده لاعترافه بالوطء احتياطًا لنسب الولد؟ كيف وهذه القضية هي سبب قوله ﷺ "الولد للفراش"؟. وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا جاءت بولد لتسعة أشهر من وقت الطلاق لم يثبت نسبة عند أبي حنيفة ومحمد، وإذا ولدت المعتدة لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة إلا أن يشهد بولادتها رجلان، أو رجل وامرأتان إلا أن يكون هناك حبل ظاهر، أو اعتراف من فبل الزوج، وستأتي المسألتان في هذا الباب، هلا قلتم: إن النسب يحتاط فيه، ورجحتم قول أبي يوسف في المسألتين؟! ورجحانه في غاية القوة.

стр. 1173

ومن تزوج أمه فطلقها، ثم اشتراها فجاءت بولد لستة أشهر منذ يوم اشتراها سيأتي في هذا الباب أنه لا يلزمه. هلا قلتم: إن النسب يحتاط فيه؟ فالحاصل أن القول بثبوت الفراش في الزوجة بمجرد العقد من غير تصور الاستفراش في غاية الإشكال؛ فإن الفراش كناية عن الحال فيه، وهو الدخول بالزوجة؛ فإذا لم يتصور أن تكون مستفرشة كيف تسمى فراشًا؟ وإذا ظهر الإشكال في ثبوت النسب ترتب عليه حكم تكميل المهر. وقد تقدم التنبيه على الطلاق المعلق بالنكاح، فلا يقع الطلاق في مسألة الكتاب عند من يمنعه ويستريح من مؤونة التعب في تصويرها، إلا أن تصور على صفة أخرى فيمن قال: قبلت نكاحها وهي طالق. قوله: (وإن جاءت به -يعني المبتوتة- لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت؛ لأن الحمل حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه؛ لأن وطأها حرام. قال: إلا أن يدعيه؛ لأنه التزمه، وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة). فيه نظر من وجهين، أحدهما: أن أكثر مدة الحمل /عند أبي حنيفة

стр. 1174

وأصحابه سنتان، وسيأتي ذكر ذلك في هذا الباب، فعلى هذا يجب أن يقول: لأكثر من سنتين. وهكذا جاء في "الإيضاح" و"شرح الطحاوي" و"شرح الأقطع". الثاني: أن اسم المبتوتة يشمل المطلقة ثلاثًا وعلى مال، وسيأتي في كتاب الحدود أن النسب لا يثبت بوطئها في العدة ولو ادعاه الواطيء. قوله: (قال ﵊: "شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه"). هذا اللفظ لا يعرف وإن كان العمل على ذلك، ولكن روى

стр. 1175

ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري: "مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن". وصح ذلك عن أميري المؤمنين عثمان وعلي وعن ابن عباس ﵁. قوله: (لقول عائشة ﵂: "الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل"). أخرجه البيهقي بمعناه، وأنكره مالك ﵀، وليس في تقدير مدة

стр. 1176

الحمل ما يعتمد عليه، ولذلك قال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه. وقدره الشافعي بأربع سنين، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد. وقدرة الليث بثلاث سنين، وعباد بن العوام بخمس سنين. وعن الزهري قال: قد تحمل المرأة ست سنين وسبع سنين، ومثله عن ربيعة بن عبد الرحمن. قوله: (لأن الحاجة إلى تعيين الولد، ويثبت ذلك بشهادة القابلة

стр. 1177

بالإجماع). دعواه الإجماع غير صحيحة؛ فإن الشافعي يعتبر فيما لا يطلع عليه الرجال شهادة أربع نسوة عدول، ومالك شهادة امرأتين، ولا يصح أن يكون المراد من الإجماع اتفاق الأصحاب، كما قاله بعض الشراح لما فيه من الإيهام. * * *

стр. 1178

باب الولد من أحق به قوله: (وإليه أشار الصديق ﵁ بقوله: "ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر"). أصل الحديث: عن القاسم بن محمد أنه قال: (كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر، ثم إن عمر فارقها، فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر، فقال عمر: ابني، وقالت: ابني، فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. فما راجعه عمر الكلام" أخرجه مالك في الموطأ، والبيهقي وجاء في رواية: "ريحها وفراشها وحجرها خير له منك، حتى يشب، ويختار لنفسه". ويروي: "ومسحها".

стр. 1179

وفي رواية: "هي أعطف، وألطف، وأرق، وأحنا، وأرحم" وليس في شيء من ألفاظ الحديث: "ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر"، كما قال المصنف، وهو لفظ مستبعد، وماذا يصنع بريقها، وليس هو من مأكوله حتى يكون خيرًا له من الشهد والعسل، والشهد هو العسل في شمعه، فعطف العسل عليه في مثل هذا التركيب مستبعد. قوله: (ولنا أنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب، فلا يتحقق النظر، وقد صح أن الصحابة ﵃ لم يخيروا). فيه نظر؛ فقد جاء تخيير الغلام بين أبويه عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي هريرة ﵃، أما أبو بكر فقد تقدم في هذا الباب قوله لعمر: "ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب فيختار لنفسه". قال

стр. 1180

ابن عبد البر: وهذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل انتهى. وأما عمر ﵁، فقد روى عنه الشافعي، وعبد الرازق، وسعيد ابن منصور تخيير الغلام من وجوه، وأما علي ﵁ فقد روى ذلك عنه الشافعي أيضًا ويحيى القطان، وأما أبو هريرة ﵁، فروى عنه أبو خيثمة بسنده أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه.

стр. 1181

ذكر ذلك ابن القيم، وساق الأسانيد التي لهذه الآثار كلها في "الهدي" ورجح قول الإمام أحمد في تخيير الغلام، دون الجارية بما ذكره عن الأئمة الراشدين، وأبي هريرة وقال: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة، ولا أنكره/ منكر. وقد صح عن النبي ﷺ تخيير الغلام، ولم يصح عنه تخيير الأنثى، وإنما ورد في تخييرها حديث ضعيف. وقال: إنه لما كان التخيير هاهنا

стр. 1182

تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ناسب أن بكون للغلام دون الجارية لوجهين: أحدهما: أنه إذا اختار أحد الأبوين ثم اختار الآخر نقل إليه، والتنقل لا يليق بالأنثى، وإنما يناسبها ملازمة البيوت والخدور وعدم البروز بخلاف الغلام. الثاني: أن التنقل من عند هذا إلى عند الآخر يقلل رغبة كل منهما، وهذا المعنى يخاف من تأثيره في حق الأنثى، أما الغلام فيعارض هذا المعنى في حقه كون القلوب مجلوبة على حب البنين واختيارهم على البنات. وأما قوله: (إنه لقصور عقله يختار من عنده الدعة لتخليته بينه وبين اللعب) فنحن نقول: إنه إذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي ما أوجبه الله عليه فهو عاص، ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب. فهذا التعليل يصلح أن يكون حجة عليه؛ لأن الأم قد تكون أقوم بمصلحة الصغير من الأب، كما يحكى أنه تنازع أبوان عند بعض حكام البصرة-

стр. 1183

غلامًا، فخيره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه؟ فسأله: فقال: أمي تبعثني كل يوم إلى الكتاب ويضربني الفقيه، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فقضى به للأم، وقال: أنت أحق به. وذلك لأنه لما ترك الواجب عليه من حقه زالت ولايته، والمراد هنا التنبيه على ما في قوله: (وقد صح أن الصحابة لم يخيروا) من الإشكال، ولو قال: لم يصح أن الصحابة خيروا، لكان أهون من قوله: صح أنهم لم يخيروا، فأين صح ذلك أو ورد؟!. * * *

стр. 1184

فصل قوله: (قال ﵊: "من تأهل ببلده فهو منهم"). هذا الحديث غير معروف في كتب الحديث. قوله: (ولهذا يصير الحربي به ذميًا). هكذا وقع في عامة نسخ الهداية وهو غلط؛ لأن المستأمن إذا تزوج ذمية

стр. 1185

لا يصير ذميًا، هكذا الحكم وسيأتي ذكره في كتاب السير. قال السغناقي: وقد وجدت بخط شيخي: "ليس في النسخة التي قوبلت مع نسخة المصنف هذه الجملة، بل اتصل قوله: وإن أرادت الخروج بقوله: فهو منهم". والله أعلم. * * *

стр. 1186

[باب النفقة] قوله: (وجه الأول قوله ﵊ لهند امرأة أبي سفيان: "خذي من مال زوجك ما يكفيك وولدك بالمعروف" اعتبر حالها، وهذا الفقه فإن النفقة تجب بطريق الكفاية، والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة، ونحن نقول بموجب النص: إنه يخاطب بحسب وسعه، والباقي دين في ذمته). هذا وجه قول الخصاف: إنه يعتبر في النفقة حال الزوجين، وقد قال

стр. 1187

المصنف: إنه عليه الفتوى، والقول الآخر قول الكرخي: إنه يعتبر حال الزوج. قال صاحب البدائع: هو الصحيح. وقال [صاحب] المبسوط: المعتبر حاله في اليسار والإعسار في ظاهر الرواية. انتهى. وهذا هو الحق الذي يجب القول به لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ الآية. ولئن كانت موسرة فقد رضيت بحاله، وعسرته، فلا تستوجب عليه إلا بحسب حاله، ولا تعارض الآية قوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فإنه لم يقل لها: استديني عليه، ولا قال: خذي من ماله أقل من قدر حاله، وإنما قال: "خذي من ماله" فله مال أمرها أن تأخذ منه بالمعروف، وهذا صالح للموسرين والمعسرين والمختلفين.

стр. 1188

وفي قوله: "بالمعروف" إشارة إلى أنها لا تسرف في الأخذ، فهذا يدل من غير تأمل زائد على أن له مالًا تأخذ منه ما يكفيها وولدها، وهذا آية اليسار، وليس في الحديث ما يدل على أنها كانت معسرة، والزوج موسرًا، ولا عكسه، وإنما قالت: "إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي/ ما يكفيك وولدك بالمعروف". وإنما يكون الحديث حجة لمن قال باعتبار حالهما أن لو كان الزوج معسرًا وهي موسرة، فأمرها أن تنفق موجودة، وتستدين لتكميل نفقتها المناسبة ليسارها على الزوج، أو كان موسرًا، وهي معسرة، وأمرها أن تنفق على حسب حالها وأعلى منه، ولا تبلغ قدر حاله، وليس في الحديث شيء من ذلك. وقوله: (إن هذا الفقه فإن النفقة تجب بطريق الكفاية والفقيرة لا تفتقر إلى كفاية الموسرات فلا معنى للزيادة)، فيه نظر، فإنه ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت معسرة، والزوج موسرًا ولم يثبت ذلك من خارج، ولئن كان الأمر كذلك فلا يدل قوله: "ما يكفيك" على أنها لا تأخذ على قدر حاله؛ فإنه قال بعد ذلك: "بالمعروف" وليس من المعروف أن يأكل الموسر خبز الحنطة

стр. 1189

المرقق، وأنواع الأطعمة والحلوى، والفواكه، ويطعم زوجته خبز الشعير بالزيت ونحوه، وإذا كنا مأمورين أن نطعم الرقيق مما نأكل، ونلبسهم مما نلبس-والحديث في "الصحيحين"- فالزوجة بطريق الأولى والأحرى. وعن معاوية القشيري ﵁ قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا؟ فقال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تلبسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن" رواه أبو داود. ولو سلم له هذا المعنى في المعسرة تحت الموسر، ولا يسلم، لم يسلم له في الموسرة تحت المعسر، ومن ذا الذي يدينها على ذمة معسر؟ وهذه حوالة

стр. 1190

تاوية! وهذا ممكن بالقول، فأما بالفعل فبعيد جدًا. قوله: (ولا تفرض لأكثر من خادم واحد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: تفرض لخادمين) إلى آخر المسألة. ينبغي أن لا يكون في المسألة خلاف، ويكون جوابهم إنما اختلف لاختلاف السؤال، وأن يكون ذلك معتبرًا بأحوال الأزواج، فإن من الناس من عاداته أن يشتري حاجته بنفسه، وأن زوجته تكفيه خدمة البيت، ومنهم من يحتاج إلى زيادة خادمين وأكثر، فمن كانت عادته جارية تخدم في البيت، وخادمًا يخدم خارج البيت تفرض عليه نفقة خادمين، ومن كانت عادته خادمًا واحدًا يفرض عليه لخادم واحد. قوله: (وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها فلا نفقة لها) ثم قال: (وقال الشافعي: لها النفقة لأنها عوض عن الملك عنده كما في المملوكة بملك اليمين، ولنا أن المهر عوض عن الملك، ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد فلها المهر دون النفقة). فيه نظر من وجهين أحدهما: نقله عن الشافعي أن الصغيرة التي لا يستمتع بها لها النفقة، وهذا قوله القديم، وقد رجع عنه، فلا ينبغي أن ينسب إليه،

стр. 1191

وقد صارت المسألة بحمد الله وفاقية لا نزاع فيها فيما أعلم، وإنما قال: إن النفقة عوض عن التمكين. الثاني: رده تعليل الشافعي بأنه لا يجتمع عوضان عن معوض واحد؛ فإنه يصح أن يتزوج المرأة على ألف درهم وعبد ونحو ذلك، ولو علل بجهالة العوض لكان متجهًا فإن النفقة مجهولة المقدار فلا يصلح أن تكون عوضًا عن البضع في عقد النكاح بل تكون النفقة بإزاء الاحتباس، أو بإزاء التمكين على اختلاف المذهبين. والقول بأنها بإزاء التمكين أولى؛ فإنها لو كانت في بيته ولا تمكنه من نفسها لا ينفعه احتباسها. * * *

стр. 1192

فصل قوله: (وقيل: لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين، ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة، وفي غيرهما من المحارم التقدير بسنة هو الصحيح). في تصحيحه نظر فإن مبنى مثل هذا على العرف، والعرف فيه مختلف المقدار لا يمكن ضبطه بمدة، ومثل هذه الأمور قد فوضها الشارع إلى العرف وإن لم يكن في هذه المسألة نص خاص كقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين﴾، وقوله تعالى: ﴿متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾. وكقوله ﵊/ لهند زوجة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وقوله ﷺ في خطبته في الموقف الأعظم في حجة

стр. 1193

الوداع: "ولهن عليكن رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، فالتقدير بالجمعة، أو السنة أو نحو ذلك يختلف باختلاف الحال، والزمان، والمكان، والله أعلم. قوله: (ولا يقضي بنفقة في مال الغائب إلا لهؤلاء) يعني الزوجة والأولاد الصغار والوالدين (ووجه الفرق هو أن نفقة هؤلاء واجبه قبل قضاء القاضي، ولهذا كان لهم أن يأخذوا فكان قضاء القاضي إعانة لهم، أما غيرهم من المحارم نفقتهم إنما تجب بالقضاء؛ لأنه مجتهد فيه، والقضاء على الغائب لا يجوز). قال السروجي: وفي أدب القاضي للخصاف: قضاء القاضي، وأمره بالنفقة على الزوجات، والآباء، والأبناء، إعانة على استيفاء حقوقهم، لا إيجاب مبتدأ لأن سبب الوجوب سبق القضاء والأمر، وهو النكاح والولاد بخلاف نفقة الأقارب، فإن أمر القاضي بالإنفاق، وقضاؤه ابتداء إيجاب؛ لأنه مختلف فيه فلا يثبت إلا بالقضاء، والقضاء على الغائب لا يجوز. قال السروجي: هذا الكلام فيه نظر، وليس ابتداء إيجاب لنفقة لم يجب بالشرع؛ لأن القاضي ليس له إيجاب ما لا يكون قد أوجبه الشرع؛ لأنه قد يكون قد شرع وليس ذلك لغير رسول الله ﷺ انتهى. وهذا ما قاله السروجي هو الصواب. وكذا قولهم: إن نفقة الولد والوالدين وذوي الأرحام تسقط بمضي

стр. 1194

الزمان، إلا أن يأذن لهم القاضي في الاستدانة فيه نظر أيضًا، وذلك أن القاضي إما أن يعتقد وجوبها وسقوطها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده لم يسع له الحكم بخلافه، والإلزام بما يعتقد أنه غير لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطها- مع أنه لا يعرف له قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي، فإما أن يعني بالفرض الإيجاب، أو إثبات الواجب، أو تقديره، أو أمرًا رابعًا، فإن أريد الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه، وكذلك إن أريد به إثبات الواجب ففرضه وعدمه سيان، وإن أريد به تقدير الواجب، فالتقدير إنما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان، لا في سقوطه وثبوته فلا أثر لفرضه في الوجوب ألبتة، هذا مع ما في التقدير من مضاد الأدلة التي تقدمت على أن الواجب النفقة بالمعروف فيطعمهم مما يأكل ويلبسهم مما يلبس، وإن أريد أمر رابع فلابد من بيانه لينظر فيه. فإن قيل: إن نفقة غير الولد والوالدين من المحارم إنما تجب بالقضاء؛ لأنه مجتهد فيه كما قال المصنف. فجوابه أن قضاء القاضي في مسائل الخلاف لا يكون ابتداء إيجاب، وإنما هو إلزام بما يعتقد لزومه شرعًا، كما لو قضى بشفعة

стр. 1195

الجوار، فإنه لا يقال: إن الشفعة وجبت بقضاء القاضي، ولكن القاضي اعتقد مشروعية شفعة الجوار فقضى بما يعتقد مشروعيته، وألزم بما يعتقد لزومه شرعًا، وكذا كل مختلف فيه من الأحكام، ونفقة سائر المحارم واجبة بالنص عند من يقول بوجوبها كنفقة الولد، والوالدين، وإذا ثبت كونها واجبة قضى بها في مال الغائب كنفقة الوالدين، والولد، والزوجة كما يقضي بها في مال الصبي، والمجنون بل أولى، فإن الصبي والمجنون ليسا من أهل الوجوب، بخلاف الغائب. وقد أجابوا الشافعي لما ألزمهم بها في وجوب الزكاة في مالهما بأن نفقة الأقارب مؤنة بخلاف الزكاة فإنها عبادة محضة، بل قد قالوا نعتق عليهما قريبهما إذا ملكاه، وتأتي المسألة في "الهداية" في كتاب الإعتاق، فالقول بإيجاب النفقة في مال الغائب أهون من القول بإيجابها في مال الصبي والمجنون بلا نزاع.
следующие страницы →