Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وقد صارت المسألة بحمد الله وفاقية لا نزاع فيها فيما أعلم، وإنما قال: إن النفقة عوض عن التمكين.
الثاني: رده تعليل الشافعي بأنه لا يجتمع عوضان عن معوض واحد؛ فإنه يصح أن يتزوج المرأة على ألف درهم وعبد ونحو ذلك، ولو علل بجهالة العوض لكان متجهًا فإن النفقة مجهولة المقدار فلا يصلح أن تكون عوضًا عن البضع في عقد النكاح بل تكون النفقة بإزاء الاحتباس، أو بإزاء التمكين على اختلاف المذهبين.
والقول بأنها بإزاء التمكين أولى؛ فإنها لو كانت في بيته ولا تمكنه من نفسها لا ينفعه احتباسها.
* * *
стр. 1192
فصل
قوله: (وقيل: لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين، ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة، وفي غيرهما من المحارم التقدير بسنة هو الصحيح).
في تصحيحه نظر فإن مبنى مثل هذا على العرف، والعرف فيه مختلف المقدار لا يمكن ضبطه بمدة، ومثل هذه الأمور قد فوضها الشارع إلى العرف وإن لم يكن في هذه المسألة نص خاص كقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين﴾، وقوله تعالى: ﴿متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾، وقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾.
وكقوله ﵊/ لهند زوجة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وقوله ﷺ في خطبته في الموقف الأعظم في حجة
стр. 1193
الوداع: "ولهن عليكن رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، فالتقدير بالجمعة، أو السنة أو نحو ذلك يختلف باختلاف الحال، والزمان، والمكان، والله أعلم.
قوله: (ولا يقضي بنفقة في مال الغائب إلا لهؤلاء) يعني الزوجة والأولاد الصغار والوالدين (ووجه الفرق هو أن نفقة هؤلاء واجبه قبل قضاء القاضي، ولهذا كان لهم أن يأخذوا فكان قضاء القاضي إعانة لهم، أما غيرهم من المحارم نفقتهم إنما تجب بالقضاء؛ لأنه مجتهد فيه، والقضاء على الغائب لا يجوز).
قال السروجي: وفي أدب القاضي للخصاف: قضاء القاضي، وأمره بالنفقة على الزوجات، والآباء، والأبناء، إعانة على استيفاء حقوقهم، لا إيجاب مبتدأ لأن سبب الوجوب سبق القضاء والأمر، وهو النكاح والولاد بخلاف نفقة الأقارب، فإن أمر القاضي بالإنفاق، وقضاؤه ابتداء إيجاب؛ لأنه مختلف فيه فلا يثبت إلا بالقضاء، والقضاء على الغائب لا يجوز.
قال السروجي: هذا الكلام فيه نظر، وليس ابتداء إيجاب لنفقة لم يجب بالشرع؛ لأن القاضي ليس له إيجاب ما لا يكون قد أوجبه الشرع؛ لأنه قد يكون قد شرع وليس ذلك لغير رسول الله ﷺ انتهى. وهذا ما قاله السروجي هو الصواب.
وكذا قولهم: إن نفقة الولد والوالدين وذوي الأرحام تسقط بمضي
стр. 1194
الزمان، إلا أن يأذن لهم القاضي في الاستدانة فيه نظر أيضًا، وذلك أن القاضي إما أن يعتقد وجوبها وسقوطها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده لم يسع له الحكم بخلافه، والإلزام بما يعتقد أنه غير لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطها- مع أنه لا يعرف له قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي، فإما أن يعني بالفرض الإيجاب، أو إثبات الواجب، أو تقديره، أو أمرًا رابعًا، فإن أريد الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه، وكذلك إن أريد به إثبات الواجب ففرضه وعدمه سيان، وإن أريد به تقدير الواجب، فالتقدير إنما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان، لا في سقوطه وثبوته فلا أثر لفرضه في الوجوب ألبتة، هذا مع ما في التقدير من مضاد الأدلة التي تقدمت على أن الواجب النفقة بالمعروف فيطعمهم مما يأكل ويلبسهم مما يلبس، وإن أريد أمر رابع فلابد من بيانه لينظر فيه.
فإن قيل: إن نفقة غير الولد والوالدين من المحارم إنما تجب بالقضاء؛ لأنه مجتهد فيه كما قال المصنف.
فجوابه أن قضاء القاضي في مسائل الخلاف لا يكون ابتداء إيجاب، وإنما هو إلزام بما يعتقد لزومه شرعًا، كما لو قضى بشفعة
стр. 1195
الجوار، فإنه لا يقال: إن الشفعة وجبت بقضاء القاضي، ولكن القاضي اعتقد مشروعية شفعة الجوار فقضى بما يعتقد مشروعيته، وألزم بما يعتقد لزومه شرعًا، وكذا كل مختلف فيه من الأحكام، ونفقة سائر المحارم واجبة بالنص عند من يقول بوجوبها كنفقة الولد، والوالدين، وإذا ثبت كونها واجبة قضى بها في مال الغائب كنفقة الوالدين، والولد، والزوجة كما يقضي بها في مال الصبي، والمجنون بل أولى، فإن الصبي والمجنون ليسا من أهل الوجوب، بخلاف الغائب.
وقد أجابوا الشافعي لما ألزمهم بها في وجوب الزكاة في مالهما بأن نفقة الأقارب مؤنة بخلاف الزكاة فإنها عبادة محضة، بل قد قالوا نعتق عليهما قريبهما إذا ملكاه، وتأتي المسألة في "الهداية" في كتاب الإعتاق، فالقول بإيجاب النفقة في مال الغائب أهون من القول بإيجابها في مال الصبي والمجنون بلا نزاع.
стр. 1196
فإن قيل: إن المراد بالحكم عدم سقوط النفقة بمضي الزمان فهذا هو الذي أثر فيه حكم الحاكم وتعلق به؛ قيل: كيف يعتقد السقوط ثم يلزم ويقضي بخلافه، وإن اعتقد عدم السقوط فخلاف الإجماع، ومعلوم أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، فإذا كان صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعًا/ لم يزل حكم الحاكم عن صفته.
فإن قيل: بقي قسم آخر، وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم تفرض، فإذا فرضت استقرت في حق الوالدين، والولد، وإذا زاد الإذن في الاستدانة استقرت في حق بقية الأقارب، فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفي مضي الزمان.
قيل: هذا الجواب لا يجدي شيئًا، فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان وأن هذا هو الحق والشرع لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه، ويحتاج الحاكم إلى إقامة الدليل على أنه يجوز للقريب أن يستدين ما ينفقه على نفسه في غيبة قريبة ثم يرجع به عليه إذا حضر، حتى يجوز له الإقدام على الحكم له بذلك، وإلا فإذا كان الحكم أنه من استدان ما أنفقه في غيبة قريبة ليس له الرجوع بذلك عليه إذا حضر، ليس للحاكم أن يحكم بخلاف ذلك لأنه يكون قد حكم بخلاف حكم الله.
قوله: (وفي هذه المسألة أقاويل مرجوع عنها فلم يذكرها).
الأقاويل جمع أقوال، والأقوال جمع قول فهو جمع الجمع وأقل ذلك تسعة أقوال، وليس في المسألة ذلك كله.
стр. 1197
[فصل]
قوله: (وحديث فاطمة-يعني- بنت قيس رده عمر ﵁ فإنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت في العدة" ورده أيضًا زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وجابر، وعائشة ﵂.
стр. 1198
في كلام المصنف هنا نظر من وجوه: أحدها: قوله: عن عمر-﵁ أنه قال: "لا ندري أصدقت أم كذبت" وهذا لم يثبت عن عمر ﵁، وإنما الثابت [في] الحديث: "حفظت أم نسيت" نسبها إلى السهو والنسيان ولم ينسبها لإلى الكذب وحاشاها منه.
الثاني: قوله: "عن عمر-﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت في العدة" فإن هذه الزيادة لم
стр. 1199
تصح مرفوعة إلى النبي ﷺ وإنما ذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد من كلام عمر نفسه أنه قال: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة"، وهذا معروف من مذهبه ﵁.
وقال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر ﵁ يعني رفعه ذلك إلى النبي ﷺ وكذلك قال الدارقطني.
ولو كان هذا عند عمر ﵁ لخرست فاطمة بنت قيس ولا دعت إلى المناظرة، فإنها قالت لما بلغها إنكار مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ إلى قوله: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ قالت: هذا لمن كان له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟! وقد جاء في طرق حديثها،
стр. 1200
في مسند أحمد: "يا بنت آل قيس: إنما السكنى والنفقة على من كانت له رجعة".
الثالث: قوله: "ورده أيضًا زيد بن ثابت" فإنه لا يعرف فيه عن زيد نفي ولا إثبات.
والرابع: نسبته الرد أيضًا إلى جابر فإن المنقول عن جابر موافقته فاطمة بنت قيس في ذلك. حكى ذلك أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" عنه، وعن علي، وعبد الله بن عباس ﵃.
стр. 1201
وحاصل ما طعنوا به في حديث فاطمة بنت قيس أربعة أمور أحدها: أنها امرأة يمكن أن تكون قد نسيت، ولم تحفظ الحديث على وجهه.
الثاني: أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن.
الثالث: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر ﵁.
أما الأول ففاسد والعلماء قاطبة على خلافة، وكم من سنة تلقتها الأئمة عن امرأة واحدة من الصحابة؟! فكيف مثل هذه السنة التي هي فيها صاحبة القصة؟!
وأما الثاني: وهو أن روايتها مخالفة للقرآن. فجوابه: أنها لو كانت مخالفة لعمومة لكانت مخصصة له كما خص من قوله تعالى: ﴿يوصيكم/ الله في أولادكم﴾ الكافر، والرقيق،
стр. 1202
والقاتل، ومن قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ونظائره.
فإن القرآن لم يخص البائن بأنها لا تخرج، ولا تخرج، بل إما أن يكون النص يعمها ويعم الرجعية، وإما أن يخص الرجعية، فإن عم النوعين فالحديث مخصص لعمومه، وإن خص الرجعيات فالحديث مثبت لحكم آخر غير مخالف لما في القرآن.
وهذا الثاني: هو الذي يفهم بالتأمل من الآية من وجوه، وإليه أشارت فاطمة بنت قيس حيث قالت: فأي أمر يحدث بعد الثلاث.
وأما الثالث: وهو أن خروجها كان لفحش في لسانها، فقول لا دليل عليه، ولو كانت فاحشة اللسان -وقد أعاذها الله من ذلك- لقال لها النبي ﷺ ولسمعت وأطاعت: كفي لسانك حتى تنفضي عدتك، فلو قال لها النبي ﷺ لما خالفته، ومن دونها كان يكفيه الكلام ويؤثر فيه.
وأما الرابع: وهو معارضة روايتها رواية عمر ﵁ فإن أريد أن عمر عنده من السنة ما يعارض به روايتها فهذا لم يثبت، وإن كان غير ذلك
стр. 1203
وهو ظن أن أصول السنة تقتضي خلاف ما روت، فلا نترك ما نقل إلينا من السنة لاحتمال مخالفته لأصل السنة.
وإذا كانت المسألة مسألة نزاع بين الصحابة فالسنة فاصلة بين المتنازعين، وقد ذكر السروجي في إبطال رواية فاطمة بنت قيس مسالك أخر، أحدهما: رد كبار الصحابة. وجوابه: إن كان البعض قد رده، فقد وافقه البعض كما تقدم، ولا تضر السنة مخالفة من خالفها بتأويل وإن كان مغفورًا له مأجورًا على اجتهاده.
الثاني: الاضطراب في الرواية فجاء "طلقها" وجاء "طلقها ثلاثًا"، و"ألبته" و"رجعية" و"آخر ثلاث" وجاء "مات". وجوابه: أن الطلاق كان آخر ثلاث تطليقات فالرواية المطلقة تحمل على هذه المقيدة، والمطلقة آخر ثلاث، مطلقة ثلاثًا ويصدق عليها أنها مطلقة ألبته؛ لأن البت القطع وهو موجود في الطلقة الثالثة، وهذه الروايات في الصحيح ولم تثبت رواية الرجعية، ولا رواية الوفاة، وليس مثل هذا الاضطراب مما يقدح في الحديث.
стр. 1204
الثالث: أن سقوط النفقة والسكنى لها لسبب خاص، ولم تذكر في ذلك ما يمنع من العمل بحديثها، ويرد ذلك ما في مسند الإمام أحمد ﵀ عنها ﵂ فقالت: فقال رسول الله ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة"، وفي لفظ: "فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى".
والمسألة مهيبة لما فيها من مخالفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولكن في مسائل الخلاف لا ينظر إلى ذلك، ويقال في هذه المسألة نظير ما كان يقول له عبد الله بن عمر في متعة الحج؛ فإنه كان إذا سئل عنها يأمر بها، فيقال له: إنك تخالف أباك، فيقول: إن عمر لم يقل الذي يقولون، فإذا أكثروا عليه يقول: كتاب الله أحق أن تتبعوه أم [كلام] عمر؟.
* * *
стр. 1205
فصل
قوله: (وإن كان الصغير رضيعًا فليس على أمه أن ترضعه لما بينا أن الكفاية على الأب).
هذا إذا كانت الأم مطلقة ظاهر لعدم النفقة من جهة الأم، وقد قال تعالى في سورة "الطلاق": ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ الآية.
أما في حال قيام النكاح ففيه نظر لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ الآية، وهو الأمر بصيغة الخبر.
وتعليل المصنف بأن الكفاية على الأب لا يلزم منه أن الأم لا يجب عليها الإرضاع، بل على الأم الإرضاع، وعلى الأب النفقة عليها، هذا مقتضى ظاهر الآية.
والمصنف قد قال بعد ذلك أنه لو استأجرها وهي زوجته، أو معتدته لترضع ولدها لم يجز؛ لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة، وتلا الآية الكريمة.
واعتذر عن عند الإلزام باحتمال/ عجزها. فينبغي أن تعتبر حقيقة
стр. 1206
عجزها، بأن ادعت العجز عن الإرضاع وقامت قرينة تدل على صدقها، أما إذا لم تدع العجز، أو ادعت القدرة وطلبت مرضعة كيف تجاب إلى ذلك؟! فإن في ذلك مضارة بالأب والحالة هذه! ولو ألزمت بالإرضاع مع عجزها عنه كان فيه إضرار بها، وقد قال تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾.
وإجبار الأم على الإرضاع ما دامت الزوجية قائمة مذهب مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وحكى عن مالك أنه فرق بين ذات اليسار والشرف، وبين غيرها، ذكر ذلك ابن المنذر في "الإشراف".
قوله: (وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك").
تقييد وجوب النفقة بالمحرمية مشكل لوجوه، أحدها: عدم ثبوت قراءة ابن مسعود.
الثاني: أن سائر أدلة نفقات الأقارب مطلقة كما في قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾، وقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا
стр. 1207
وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى﴾. وكقوله ﷺ : "وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك"، وقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل شيء عن ذي قرابتك فهكذا" رواهما النسائي.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك، ثم أدناك أدناك".
الثالث: ما ورد في ذلك من الآثار، منها: ما ذكر ابن أبي شيبة بسنده عن سعيد بن المسيب قال: "جاء ولي يتيم إلى عمر بن الخطاب -رضي الله
стр. 1208
عنه- فقال: أنفق عليه، ثم قال: لو لم أجد إلا أقصى عشيرته لفرضت عليهم"، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
الرابع: تفسير جمهور السلف للآية، كقتادة، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
الخامس: شمول ما ذكر من المعنى في الإنفاق على المحارم لبقية الورثة، وهو أنه ليس من المعروف- بل من أعظم "الإساءة" أن يعيش في نعم الله ويترك قريبه يموت جوعًا وعريًا، وهو قادر على سد خلته و"الغرم بالغنم" فكما أنه يرثه إذا مات، ويخلفه في ماله إذا كان له مال. فكذلك يقوم بمؤنته إذا احتاج ولم يكن له مال، وهو قادر على مواساته.
стр. 1209
السادس: ثبوت الفرق بين وجوب الصلة بالإنفاق، وبين الصلة بالإعتاق بالملك وحرمة النكاح، وهو أن الحاجة إلى النفقة والكسوة أعظم من زوال الرق وحرمة المناكحة، فلا يلزم من قصور الإعتاق وحرمة المناكحة على المحرمية قصور الإنفاق عليهم مع استوائهم مع بقية الأقارب في الحاجة الكبرى؛ فإن الحاجة إلى سبب الحياة الحقيقية فوق الحاجة إلى سبب الحياة الحكمية بزوال الرق وثبوت الحرية والإكرام بحرمة الاستفراش.
السابع: أن الأمر بصلة الرحم غير مختص بالمحرم، فإن قيل: المراد بذلك البر والصلة دون الوجوب، وهذا السؤال يرد على الاستدلال من الآيات والأحاديث المتقدمة. وجوابه: أن الأمر يقتضي الوجوب، وقد سماه الله حقًا وأضافه إلى القريب بقوله: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾، وأخبر النبي ﷺ أنه حق وأنه واجب.
فإن قيل: المراد بحقه ترك قطيعته. فالجواب: أي قطيعة فوق أن يتركه يموت جوعًا وعطشًا ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد، وهو يتقلب في نعم الله، ويفضل عنه منها ما يقدر على مواساة قريبه به، وهو لا يصله بشيء من ذلك.
وإذا لم تكن هذه الصلة هي المأمور بها فهي السلام عليه إذا لقيه، وعيادته
стр. 1210
إذا مرض،/ وتشميته إذا عطس، وإجابته إذا دعاه فقط؟! وهذا حق يجب لكل مسلم، ولابد من تمييز ذي الرحم على سائر المسلمين بأمر زائد على ما يجب للمسلم على المسلم.
قوله: (فإن المعسر إذا كان له خال، وابن عم تكون نفقته على الخال، وميراثه يحرزه ابن عمه).
هذه المسألة مرتبة على اشترط المحرمية، وقد تقدم الكلام في ذلك.
قوله: (ثم اليسار مقدر بالنصاب فيما روي عن ابن يوسف، وعن محمد أنه قدره بما يفضل عن نفقة نفسه، وعياله شهرًا أو بما يفضل عن ذلك من كسبه الدائم كل يوم؛ لأن المعتبر في حقوق العباد إنما هو القدرة دون النصاب، فإنه للتيسير، والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة).
في اختياره القول الأول للفتوى نظر، بل في اعتبار النصاب في حرمان الصدقة، ووجوب صدقة الفطر، والأضحية أيضًا، فإنه لم يرد به نص،
стр. 1211
وإنما أخذ من نصاب الفضة في الزكاة، وفي ذلك من الخلاف ما هو معروف في موضعه. ولا مناسبة في اعتباره في النفقة التي هي مؤنة محضة، بل اعتبار الغني بما يفضل عن نفسه وعياله في كل يوم كما قال محمد ابن الحسن أولى؛ فإن هذا القدر فضل قد حصلت الكفاية بدونه، فصح كونه غنيًا عنه وبه، وليس على اشتراط قدر زائد عليه دليل؛ ولأن نفقة القريب من حقوق العباد فيعتبر حقيقة القدرة على أداء القدر الواجب له كالدين.
قوله: (وإن كان للابن الغائب مال في يد أبويه فأنفقا منه لم يضمنا؛ لأنهما استوفيا حقهما؛ لأن نفقتهما واجبة قبل القضاء على ما مر وقد أخذا جنس الحق).
قد تقدم الكلام على أن القاضي ليس إليه ولاية الإيجاب، وإنما إلية ولاية الإلزام بالواجب، وإذا ثبت أن نفقة الأقارب واجبة بالكتاب والسنة كما تقدم فهم كالأبوين في الإنفاق من مال الغائب، ولا يصح الفرق بالوجوب قبل القضاء وبعده، وفيما تقدم كفاية لمن قصد الإنصاف وترك العصبية بالهوى.
стр. 1212
قوله: (قال: إلا أن يأذن القاضي في الاستدانة عليه؛ لأن القاضي له ولاية عامة فصار إذنه كأمر الغائب، فيصير دينًا في ذمته فلا تسقط بمضي المدة).
قد تقدم الكلام في ذلك وأن القاضي ليس له ولاية الإيجاب وعدمه، وإذا كان حكم نفقة القريب السقوط بمضي الزمان، وأنه لسد الحاجة وقد استدت فلا تصير دينًا على الغائب بتصيير القاضي، ولا يلزم من عموم ولاية القاضي إيجاب ما لم يجب؛ ولهذا اضطربت أقوال المشايخ في صيرورة نفقة القريب دينًا بفرض القاضي، فمنهم من قال: إنما تصير دينًا إذا أذن القاضي لهم في الاستدانة، واستدانوا حتى احتاجوا إلى وفاء الدين، أما إذا لم يستدينوا بل أكلوا من الصدقة لا تصير النفقة دينًا.
وإلى هذا مال السرخسي ﵀ وحكم به كثير من المتأخرين ونصروه وقيدوا إطلاق "صاحب الهداية" به، ومنهم من قال: إنما تصير دينًا إذا كانت المدة قصيرة، أما إذا طالت المدة فلا تصير دينًا وفصلوا بين المدة القصيرة والطويلة بشهر، ولكن مدار هذا التفريغ كله على أن قضاء القاضي يؤثر في الإلزام بنفقة ما مضى من الزمان للقريب، فإذا تبين أنه لا تأثير له في ذلك بطل هذا التفريع كله والله أعلم.
стр. 1213
كتاب العتاق
قوله: (والوضع وإن كان للإخبار فقد جعل إنشاء في التصرفات الشرعية للحاجة كما في الطلاق والبيع وغيرهما).
تقدم في أول النكاح أن جعل هذه الألفاظ إنشاءً ليس بحادث، وأن استعمال هذه الألفاظ إخبارًا تارة وإنشاءً أخرى كان قبل الإسلام، وأقره الإسلام على ما كان من الإنشاء والإخبار. والله أعلم.
قوله: (ولو قال هذا ابني وثبت/ على ذلك عتق).
لا يحتاج إلى قوله: وثبت على ذلك، فإنه ليس بقيد، ولو رجع عن ذلك لا يرتفع الإعتاق، وقد اعتذر عن ذلك بأنه خرج اتفاقًا لا على سبيل التقييد، وهذا يقرر الإشكال، وقيل: إنه شرط حتى لا يعتق بدونه، وهذا مخالف
стр. 1214
لظاهر المذهب ولما ذكره المصنف بعد ذلك، وقيل: إن المراد أنه لم يدع به الكرامة والشفقة، وهذا خلاف الظاهر أيضًا، وقيل: الثبات لثبوت النسب لا لثبوت الإعتاق، ولا يصح هذا التأويل لأن الكلام هنا لثبوت الإعتاق لا لثبوت النسب، وقيل: معناه وثبت النسب على ذلك أي لأجل إقراره، ولا يصح هذا التأويل أيضًا، لأنه يلزم منه أن يكون قيدًا لثبوت الإعتاق، وليس كذلك، فإن المصنف قال بعد ذلك: وإن كان له نسب معروف لا يثبت نسبه منه للتعذر ويعتق.
قوله: (وإذا قال لغلام -لا يولد مثله لمثله - هذا ابني عتق عند أبي حنيفة إلى آخر المسألة).
قال السروجي: عتق عليه عند أبي حنيفة بغير نية، ذكره في أصول
стр. 1215
البزدوي والمنافع، وخرجه أبو الخطاب وجهًا للحنابلة، وعند الجمهور لا يعتق وإن نوى، وعند مالك يعتق بالنية. انتهى.
وينبغي أن يكون قول أبي حنيفة ﵀ -كقول مالك ﵀ -في اشتراط النية؛ لأن ما علل له به لا يخرج اللفظ عن كونه كناية، وإذا لم يكن من ألفاظ الصريح فإنه يحتاج إلى النية، فإن قيل: بل هو صريح وإن كان مجازًا فالجواب أن الصريح ما ظهر المراد به ظهورًا بينًا، والكناية ما استتر المراد به ولا يفهم إلا بقرينة، حقيقة كان كل منهما أو مجازًا، وهذا أمر تابع للاستعمال، فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين. ولا شك أن قوله لعبده هذا ابني غير ظاهر في إرادة الإعتاق به فدخوله في حد الكناية أولى وأظهر من دخوله في حد الصريح هذا على تقدير التسليم لصحة المجاز فيه
стр. 1216
وإذا كان التمحل لتصحيح كلامه صونًا عن البطلان فصون كلامه يلزم منه تضييع ماله بغير فائدة دنيوية ولا أخروية، أما الدنيوية فظاهر، وأما الأخروية فلأنه لم ينو به الإعتاق فلا يؤخر عليه في الآخرة؛ لأن الأعمال بالنيات وصون ماله أولى من صون كلامه، فإنه لا إثم عليه بهذا اللغو من كلامه، فإن الله لا يؤاخذ باللغو في اليمين فهذا أولى، ويأثم بتضييع المال فإنه قد نهي عن إضاعة المال، وإذا دار الأمر بين منهي عنه ومعفو عنه كان ارتكاب المعفو عنه أولى من ارتكاب المنهي عنه، هذا على تقدير أن يكون لغوًا وأما لو أراد به الكرامة فلا لغو، وهلا صنتم كلامه عن البطلان فيما إذا قال لأمته أنت طالق ونوى به العتق، وستأتي المسألة في كلامه في هذا الباب.
وأصل هذه المسألة على ما ادعاه أهل أصول الفقه مبني على أن المجاز عند أبي حنيفة ﵀ -خلف عن التكلم بالحقيقة سواء كان معناه الحقيقي متصورًا فيه أو لم يكن وعندهما: المجاز خلف عن حكم ذلك اللفظ بمعنى أن يكون اللفظ موجبًا حقيقته ثم تعذر العمل بحقيقته لمعنى فحينئذ يصار إلى المجاز وهو قول أبي حنيفة الأول وإذا كان المجاز عبارة عما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما كما ذكروا في حده فالإرادة إنما تعرف من المتكلم وهو معترف أنه لم تكن له نية فكيف يجعل مجازًا والمتكلم لم يرد به غير ما
стр. 1217
وضع له؟! فإن قيل: مثل هذا اللفظ يستعمل في مثل هذا المعنى، فلا يحتاج إلى إرادة المتكلم به في جعله مجازًا.
قيل: الشأن في سبق الاستعمال في مثل هذا الكلام، وغير مسلم ما ذكروا من التنظير بمن مات وترك مكاتبًا فأعتقه الوارث فإنه يكون مجازًا عن الإبراء عن بدل الكتابة لا إعتاقًا من قبله حتى إن الولاء يكون للميت وذلك لأن المكاتب/ غير قابل للنقل من ملك إلى ملك فكان مبقى على ملك المورث وإذا كان كذلك فالإعتاق متى صح أوجب الإبراء، فإذا لم يصح -لأن المحل لا يحتمله من قبله لما ذكر -صار الإعتاق مجازًا عن الإبراء الذي هو حكمه، وبمن تزوج بلفظ الشراء أو الهبة أنه ينعقد نكاحه وإن كان المحل لا يحتمل الشراء ولا الهبة، ولكن لما كان من حكم الشراء ملك المتعة في المحللات للمشتري صار كناية عن حكمه وهو ملك المتعة، فيصير قوله تزوجت وقوله اشتريت سواء.
أما النظير الأول فالشأن في كون المكاتب لا يقبل النقل بوصف الكناية، وسيأتي الكلام في ذلك في باب البيع الفاسد إن شاء الله تعالى.
وعلى تقدير التسليم، فالوارث لما أعتق المكاتب كان مريدًا لإبرائه فصح المجاز، بخلاف من قال لعبده وهو أكبر سنًا منه هذا ابني وهو لا يريد إعتاقه.
وأما النظير الثاني فإنما ثبت ملك النكاح فيه لأن ملك الرقبة أعلى منه، وقد أراد المتكلم به ملك المتعة فصح المجاز، ولا كذلك مسألتنا، فإن المتكلم
стр. 1218
فيها لم يرد الإعتاق ففات التنظير، مع أن الكلام له مجاز آخر مستعمل مشهور وهو إرادة الكرامة بهذا الكلام وهو صالح له فإن كثيرًا ما يقول السيد أو الرئيس لمن يريد إكرامه هذا ابني، هذا ولدي، أو هذا أبي، أو هذا جدي، كما يقول لمن يريد تعظيمه هذا أستاذي، هذا مخدومي، هذا مالكي، ونحو ذلك، وإذا كان للكلام مجازان، لا يتعين أحدهما بغير نية.
فصل:
قوله: (وعتق المكره والسكران واقع).
تقدم الكلام في طلاق المكره والسكران، والعتق مثله، والخلاف فيهما واحد، والله أعلم.
* * *
стр. 1219
باب العبد يعتق بعضه
قوله: (وإذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك القدر، ويسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يعتق كله إلى آخر المسألة).
ظاهر كلامه أن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه بل هو نص فيه.
وقد قالوا إن المتجزئ عنده إنما هو الإعتاق لا العتق وقالوا: إن معناه أنه يزول الملك عن ذلك البعض وأما الرق فهو باقٍ كله عنده.
وعندهما زال الملك والرق عنه كله.
وقولهما أصح وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله -رضي الله
стр. 1220
عنهما-وبه قال جمهور العلماء الأئمة الثلاثة وغيرهم إلا أن مالكًا ﵀ -قال: إن مات قبل أن يحكم عليه لم يحكم لهم، لقوله ﵊: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد" متفق عليه. وإذا أعتق عليه نصيب شريكه كان ذلك بينهما على عتق جميعه إذا كان كله ملكًا له، ولأنه أزال ملكه عن بعض مملوكه الآدمي إلى غير أحد فزال عن جميعه كما في الطلاق، وقد أشار النبي ﷺ -إلى تكميل العتق وتعليله حين سئل عمن أعتق شقصًا له في مملوكه فجعل خلاصه عليه وقال: "ليس لله شريك" رواه أحمد وأبو داود. ويفارق البيع بأنه لا سراية فيه، وكذلك الهبة بخلف إزالة الملك بالإعتاق؛ لأن من لازمه ثبوت العتق وهو لا
стр. 1221
يقبل التجزي.
فإن قيل: قد جاء في بعض طرق الحديث المتقدم في الصحيحين "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وذلك دليل على تجزي العتق.
قيل: قد قال البخاري -بعد روايته هذا الحديث من طريق أيوب ويحيى -قال أيوب ويحيى عند قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق": لا ندري أشيء قاله نافع أو هو شيء في الحديث.
ولو ثبتت هذه الزيادة في الحديث لا يلزم منها عدم عتق بقيته عنده إذا أعتق بعضه؛ لأنه مالك لبقيته، فلم يكن كمن أعتق حصته في عبد مشترك وهو معسر لأن ذاك لا يقدر على إعتاق بقيته لعسرته، وهذا مالك لبقيته، وإنما هو نظير من أعتق حصته من عبد مشترك وهو موسر وستأتي مسألته.
стр. 1222
فإن قيل قد روى أحمد وأبو داود عن إسماعيل/ بن أمية عن أبيه عن جده قال "كان لهم غلام يقال له طهمان أو ذكوان فأعتق جده نصفه فجاء العبد إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : تعتق في عتق وترق في رقك، قال: فكان يخدم سيده حتى مات".
فجوابه: أنه حديث ضعيف لم يثبت، فلا يعارض ما تقدم، وقد اضطرب كلام الأصحاب في تحرير قول أبي حنيفة في تجزي العتق، وأكثرهم على منعه، أن المتجزي عنده إنما هو الإعتاق لا العتق.
قال صاحب البدائع: وهذا غير سديد لأن الإعتاق لما كان متجزئًا عند أبي
стр. 1223
حنيفة كان العتق متجزئًا ضرورة، إذ العتق حكم الإعتاق، والحكم يثبت على وفق العلة، ثم قال: ولأن القول بهذا قول بتخصيص العلة لأنه يوجد الإعتاق في النصف ويتأخر العتق فيه إلى وقت الضمان أو السعاية، وأنه قول بوجود العلة والحكم وهو تفسير تخصيص العلة وأنه باطل. فصرح أن العتق على الخلاف في التجزيء كالإعتاق، ويلزم من تقرير صاحب البدائع أن العتق لا يتخلف عن الإعتاق أن لا يتجزأ، فإنه لا يقبل التجزؤ فظهرت قوة قول الصاحبين -رحمهما الله تعالى -.
قوله: (وإذا كان عبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه عتق. إلى آخر المسألة).
قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله -فيها أصح واختاره الطحاوي، وهو أن العبد يعتق كله ثم المعتق إن كان موسرًا ضمن لشريكه قيمة نصيبه، وإن كان معسرًا سعى العبد في قيمة نصيب الساكت له وهو في حال السعاية حر مديون، وهو قول ابن شبرمة ..................................................
стр. 1224
وابن أبي ليلى والأوزاعي ورواية عن أحمد، وظاهر مذهبه، وهو قول الثوري وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قول واختاره المزني،
стр. 1225
أن المعتق إذا كان موسرًا عتق العبد كله حين تلفظ بالإعتاق، واستقرت عليه القيمة كما قال أبو يوسف ومحمد، وإن كان معسرًا لم يسر العتق إلى بقية العبد، بل عتق منه ما عتق.
وقال مالك والشافعي في قول والزهري وعمرو بن دينار: لا يعتق باقية بإعتاق الموسر إلا بأداء الضمان، ويبقى باقيه رقيقًا بإعتاق المعسر، وفي مذاهبهم تفاصيل يطول ذكرها، ويترجح قول الصاحبين، لحديث أبي هريرة
стр. 1226
- ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا من مملوك فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال، قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه" رواه الجماعة إلا النسائي.
وحديث أبي المليح عن أبيه "أن رجلاً أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ليس لله شريك، فأجاز عتقه" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وزاد رزين: "في ماله".
وفي لفظ "هو حر كله، ليس لله شريك".
وحديث ابن عمر ﵄ -أن النبي ﷺ -قال: "من أعتق نصيبًا له في مملوك أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل، فهو عتيق" رواه البخاري وأحمد.
стр. 1227
وفي رواية "من أعتق شركًا له في عبد، عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد" رواه أبو داود.
فإن قيل قد جاء في رواية: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق" رواه الجماعة والدارقطني وزاد "ورق ما بقي".
وفي رواية متفق عليها: "من أعتق عبدًا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا".
وفي رواية: "من أعتق عبدًا بين اثنين فإن كان موسرًا قوم عليه ثم يعتق" رواه البخاري وأحمد، كل ذلك من حديث ابن عمر ﵄.
فقوله "وإلا فقد عتق عليه ما عتق" يدل على تجزي العتق،/ وكذا قوله
стр. 1228
"ثم عتق في ماله إن كان موسرًا" وقوله "ثم يعتق" وأنه لا يعتق كله أو بقيته إلا بعد أداء القيمة، لأن كلمة "ثم" للتراخي.
قيل: قد قال البخاري -في حديث أيوب ويحيى عند قوله "وإلا فقد عتق عليه ما عتق" -قال أيوب ويحيى: لا ندري أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث، فقد وقع الشك في كونه مدرجًا من كلام نافع أو مرفوعًا، وما زاده الدارقطني من قوله "ورق ما بقي" قال أبو محمد بن حزم في المحلى: وهي موضوعة مكذوبة لا يجوز الاشتغال بها.
وأما قوله: "ثم عتق" وقوله "ثم يعتق" بكلمة "ثم" المقتضية للتراخي، فجوابه: أن "ثم" كما تأتي للمهلة في الزمان، تأتي للمهلة في الأخبار كما في قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة * أو مسكينًا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا﴾ وقوله تعالى: ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون * ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ ونظائره كثيرة، ومن ذلك قول الشاعر:
стр. 1229
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
ويحصل الفرق بين ذلك بالقرائن المعنوية، فتحمل المهلة في قوله "ثم عتق" على المهلة في الأخبار لا في الزمان جمعًا بينها وبين الرواية الأخرى، وهي قوله ﵊"فهو عتيق" في جواب قوله "من أعتق نصيبًا له في مملوك" والرواية الأخرى وهي قوله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد عتق ما بقي" الحديث، وقد تقدم ذكر ذلك، فرتب عتق الكل على عتق البعض، ويؤيد ذلك أن الإعتاق علة العتق فلا يتخلف عنه، وهو لا يقبل التجزي فيسري إلى بقية العبد، وتقرير ذلك مبسوط في موضعه، ويؤيده أيضًا قوله ﷺ "ليس لله شريك" كما تقدم في حديث أبي المليح، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة، وسبب اختلافهم في الاستسعاء ما حصل في حديث أبي هريرة من الكلام في زيادة ذكر الاستسعاء وكفى بتصحيح البخاري ومسلم لها حجة، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
стр. 1230
وقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما وحسبك بذلك، فقد قالوا إن ذلك أعلى درجة الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا بمتعللات لا تصبر على النقد. اهـ.
ولم يخرج في الصحيحين غير حديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ -المذكورين وهما أصل مسألة عتق العبد المشترك، والاستدلال بهما لقول الصاحبين ظاهر.
قوله: (وإذا كان عبد بين ثلاثة دبره أحدهم ... إلى آخر المسألة).
والكلام فيها مرتب على أن المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، وسيأتي في باب التدبير ما في ذلك من الكلام -إن شاء الله تعالى -.
قوله: (لأنه عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين، ولابد من رضى المكاتب بفسخه حتى يقبل الانتقال فلهذا يضمن المدبر).
قال هذا في التعليل لقول أبي حنيفة في عبد بين ثلاثة دبره أحدهم ثم أعتقه الآخر وهما موسران واختبر الضمان حيث يضمن الساكت المدبر لا المعتق عنده لن الإعتاق لا يمكن بعده نقل حصة المعتق من ملك إلى ملك بخلاف ما قبل الإعتاق حيث كانت حصته تقبل النقل إلى الذي دبر حصته قبله فعلل لكونه عند الإعتاق لا يقبل النقل من ملك إلى ملك بقوله: لأنه عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين.
следующие страницы →