← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

- ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا من مملوك فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال، قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه" رواه الجماعة إلا النسائي. وحديث أبي المليح عن أبيه "أن رجلاً أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ليس لله شريك، فأجاز عتقه" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وزاد رزين: "في ماله". وفي لفظ "هو حر كله، ليس لله شريك". وحديث ابن عمر ﵄ -أن النبي ﷺ -قال: "من أعتق نصيبًا له في مملوك أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل، فهو عتيق" رواه البخاري وأحمد.

стр. 1227

وفي رواية "من أعتق شركًا له في عبد، عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد" رواه أبو داود. فإن قيل قد جاء في رواية: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق" رواه الجماعة والدارقطني وزاد "ورق ما بقي". وفي رواية متفق عليها: "من أعتق عبدًا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا". وفي رواية: "من أعتق عبدًا بين اثنين فإن كان موسرًا قوم عليه ثم يعتق" رواه البخاري وأحمد، كل ذلك من حديث ابن عمر ﵄. فقوله "وإلا فقد عتق عليه ما عتق" يدل على تجزي العتق،/ وكذا قوله

стр. 1228

"ثم عتق في ماله إن كان موسرًا" وقوله "ثم يعتق" وأنه لا يعتق كله أو بقيته إلا بعد أداء القيمة، لأن كلمة "ثم" للتراخي. قيل: قد قال البخاري -في حديث أيوب ويحيى عند قوله "وإلا فقد عتق عليه ما عتق" -قال أيوب ويحيى: لا ندري أشيء قاله نافع أو شيء في الحديث، فقد وقع الشك في كونه مدرجًا من كلام نافع أو مرفوعًا، وما زاده الدارقطني من قوله "ورق ما بقي" قال أبو محمد بن حزم في المحلى: وهي موضوعة مكذوبة لا يجوز الاشتغال بها. وأما قوله: "ثم عتق" وقوله "ثم يعتق" بكلمة "ثم" المقتضية للتراخي، فجوابه: أن "ثم" كما تأتي للمهلة في الزمان، تأتي للمهلة في الأخبار كما في قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة * أو مسكينًا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا﴾ وقوله تعالى: ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون * ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن﴾. وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ ونظائره كثيرة، ومن ذلك قول الشاعر:

стр. 1229

إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده ويحصل الفرق بين ذلك بالقرائن المعنوية، فتحمل المهلة في قوله "ثم عتق" على المهلة في الأخبار لا في الزمان جمعًا بينها وبين الرواية الأخرى، وهي قوله ﵊"فهو عتيق" في جواب قوله "من أعتق نصيبًا له في مملوك" والرواية الأخرى وهي قوله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد عتق ما بقي" الحديث، وقد تقدم ذكر ذلك، فرتب عتق الكل على عتق البعض، ويؤيد ذلك أن الإعتاق علة العتق فلا يتخلف عنه، وهو لا يقبل التجزي فيسري إلى بقية العبد، وتقرير ذلك مبسوط في موضعه، ويؤيده أيضًا قوله ﷺ "ليس لله شريك" كما تقدم في حديث أبي المليح، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة، وسبب اختلافهم في الاستسعاء ما حصل في حديث أبي هريرة من الكلام في زيادة ذكر الاستسعاء وكفى بتصحيح البخاري ومسلم لها حجة، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:

стр. 1230

وقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما وحسبك بذلك، فقد قالوا إن ذلك أعلى درجة الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا بمتعللات لا تصبر على النقد. اهـ. ولم يخرج في الصحيحين غير حديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ -المذكورين وهما أصل مسألة عتق العبد المشترك، والاستدلال بهما لقول الصاحبين ظاهر. قوله: (وإذا كان عبد بين ثلاثة دبره أحدهم ... إلى آخر المسألة). والكلام فيها مرتب على أن المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، وسيأتي في باب التدبير ما في ذلك من الكلام -إن شاء الله تعالى -. قوله: (لأنه عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين، ولابد من رضى المكاتب بفسخه حتى يقبل الانتقال فلهذا يضمن المدبر). قال هذا في التعليل لقول أبي حنيفة في عبد بين ثلاثة دبره أحدهم ثم أعتقه الآخر وهما موسران واختبر الضمان حيث يضمن الساكت المدبر لا المعتق عنده لن الإعتاق لا يمكن بعده نقل حصة المعتق من ملك إلى ملك بخلاف ما قبل الإعتاق حيث كانت حصته تقبل النقل إلى الذي دبر حصته قبله فعلل لكونه عند الإعتاق لا يقبل النقل من ملك إلى ملك بقوله: لأنه عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين.

стр. 1231

قال جلال الدين ابن المصنف: قوله: لأنه عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين. غير مستقيم، وكذا قوله: ولابد من رضى المكاتب بفسخه، لأنه عند الإعتاق ليس بمكاتب ولا حر، وإنما يصير كذلك بعد الإعتاق، والمستسعى عند أبي حنيفة -وإن كان بمنزلة المكاتب -إلا أنه لا تنفسخ كتابته بالعجز ولا بالتفاسخ، وإنما الصحيح أن يقال: لأنه عند ذلك مدبر. نقل ذلك السروجي في شرحه وهي مؤاخذة صحيحة، وقد أصلحوا بعض نسخ الهداية وكتبوا -بدل قوله: لأنه عند ذلك مكاتب إلى آخره -لأنه عند ذلك مدبر. * * *

стр. 1232

باب عتق أحد العبدين قوله: (ومن قال لعبديه أحدكما حر ... إلى آخره). عتق أحد العبدين بغير عينه جائز وله البيان/ أي تعيين أحدهما للعتق عند أبي حنيفة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه، وعند أحمد يقرع بينهما، فمن خرجت القرعة باسمه فهو حر، ولا يصح بيانه إلا أن يقول: كنت نويته عند التلفظ به، لحديث عمران بن حصين ﵁"أن رجلاً أعتق سنة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ -فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" رواه الجماعة إلا البخاري وأخرجه أحمد وأبو داود أيضًا من حديث أبي زيد

стр. 1233

الأنصاري ﵁، وروي نحوه من حديث أبي هريرة ﵁، وقد اتفقت الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد على العمل بهذا الحديث في مثل ما ورد به، ولا عذر لمن خالف الحديث بعد أن يبلغه. وقول من قال إن هذا الحديث يخالف قياس الأصول ممنوع، بل هذا حق فيما في تفريقه ضرر فوجب جمعه بالقرعة كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشركاء ولو لم نعرف موافقته لقياس الأصول، فقول ﵊ -واجب الإتباع فهمنا معناه أو لم نفهم، وهذا الحديث يجب أن يكون أصلاً نفرع منه المسائل. ولو بلغ أبا حنيفة ﵀ -لما عدل عنه، فقد قرع على أحاديث ضعيفة لما بلغته ولم يقل إنها مخالفة لقياس الأصول، كحديث "القهقهة في

стр. 1234

الصلاة"، وحديث "نبيذ التمر"، وحديث "أخروهن من حيث

стр. 1235

أخرهن الله" وأمثال ذلك. واعتبر أحمد ومن وافقه مسألة من أعتق أحد عبديه بمسألة من أعتق عبيده في مرضه ولا مال له غيرهم، لأن مستحق العتق في كل من المسألتين مبهم غير معين فيكون تعينه بالقرعة كما في الحديث المذكور بل أولى، لأن تعيين المبهم أهون من جمع السهام المتفرقة في واحد، ولهذا جرى الخلاف في تعيين المعتق المبهم بغير قرعة دون جمع سهامه، وكان التعيين بالقرعة أولى من التعيين بدونها لأنه تعيين كوني قدري، فكان أحق من التعيين بالتشهي بغير مستند، وكأن المقرع يقول: اللهم قد ضاق الحق عن الجميع وهم عبيدك فخض من تشاء منهم به. ثم يلقي القرعة فيحكم الله بها على من يشاء، فهذا سر القرعة. وأيضًا فإن الحكم قد تعلق في المبهم بالمشترك فلابد من مميز، ولم يجعل الشارع التمييز إلى العبد لعجزه عنه، فكان التمييز بالقرعة تمييزًا من جهة الشارع، قالوا: والعمل بالقرعة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل

стр. 1236

مريم﴾، وقوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وما قص الله علينا من شريعة من قبلنا فهو شريعة لنا ما لم ينسخ. وأما السنة فمنها ما تقدم. منها أنه ﵊ -أقرع بين نسائه للسفر. وقال ﷺ : "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة" وغير ذلك.

стр. 1237

وأجمع الناس على استعمال القرعة [في القسمة، والقرعة] بين النساء لمن أراد السفر بواحدة من نسائه لكن هذه القرعة مستحبة عند أبي حنيفة، ومستحقة عند غيره. وقول القائل إن القرعة بمنزلة الميسر باطل لوجوه: أحدها: أن الله حرم الميسر وشرع القرعة فكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.

стр. 1238

الثاني: أن الله تعالى حرم الميسر لما فيه من إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وأكل المال بالباطل، وليس شيء من ذلك في هذه المسألة، وإنما هي نظير القرعة في قسمة الحيوان وغيره. الثالث: أن القرعة لازالت مشروعة والميسر لا زال محرمًا، ولم يحل الميسر في ملة من الملل فيما نقل إلينا. وقول القائل -إن العتق نازل في الكل فلا يجوز رفعه بالقرعة -فاسد لوجهين: أحدهما: أن التعليل في مقابلة النص وذلك لا يجوز. الثاني: أن العتق موقوف على تعيين القرعة عند من يقول بها، أو أن القرعة جمعت الثلث الشايع في الستة في اثنين منهم كما في قسمة الوقف من الملك عند من يقول بها لا أنها ترفع العتق بعد وقوعه. وقول القائل: لا حجة في الحديث لأنه واقعة عين فلا تعم. والله ما أظن أن أبا حنيفة ﵀ -يرضى بهذا/ بل لو بلغه الحديث لعمل به كما عمل بحديث القهقهة لما بلغه، ولم يقل إنه واقعة عين، مع أن فيه أنه ﵊ -قال: "ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة" خاطب الحاضرين بذلك بكاف الخطاب، ولم يقل من ضحك في

стр. 1239

صلاته فليعد بلفظ العموم، ولم يقل أبو حنيفة فيه أنه واقعة عين لا تعم، ولا قال إنه خالف القياس وأصول الشرع وكذلك غيره وغيره. وقول القائل: يحتمل أن يكون المراد اثنين شائعين أي قدر اثنين لا بأعيانهما. جوابه: أن هذا فاسد فإنه لا يقال في مثل هذا فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، ولو كان قد عتق من كل ثلثه لما كان إلى القرعة حاجة ويصان حديث رسول الله ﷺ -عن مثل هذه المحامل الباردة. وقول القائل: إنه لا يتفق أن يكون للإنسان ستة أعبد ولا يملك غيرهم من درهم ولا قماش ولا ... ولا ... وإن هذا من قبيل المستحيل عادة. جوابه: أن هذا يقوله القائل على ما عنده، ومن كان على حال يظن الناس على مثلها، وإلا فمن الممكن بل من الواقع أن عادة كثير من الأعراب قلة الأثاث يتخلل أحدهم بعباة وعنده إبل أو غنم ينتفع بدرها ونسلها أو رقيق ينتفع بكسبهم ويعيش بذلك أو اتفق أن ذلك الرجل غنم رقيقًا وكان فقيرًا لم يفضل له من المال بعد كلفة دفنه سواهم. وقول القائل: إنه لا يتفق أن يكون ستة أعبد قيمتهم سواء، لا يزيد قيمة أحدهم على الآخر بدرهم. جوابه: أن هذا أيضًا مردود فإن الرقيق يكون متفاوتًا ومتقاربًا، ومثل هذا

стр. 1240

لا ينكره إلا متعنت وإنما يفعل هذا من عنده هوى إذا أورد عليه نص بعد ما اعتقد الحكم في مسألة على خلافه، يحتال لدفعه بأنواع الحيل لئلا يرجع عما قاله أو قلد إمامًا معينًا، نسأل الله السلامة والعافية. ويحكى أن الحديث ذكر لحماد. فقال: هذا قول الشيخ. يعني الميسر، فقال له محمد بن ذكوان: "رفع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يفيق" يعني أنه مجنون، فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا، فقال له محمد: وأنت فما دعاك إلى هذا. وهذا قليل في جواب هذا القائل.

стр. 1241

قوله: (وأما الداخل فمحمد ﵀ -يقول لما دار الإيجاب الثاني بينه وبين الثابت -وقد أصاب الثابت منه الربع -فكذا نصيب الداخل). هذا تعليل قاصر فإنه لا يلزم من عتق ربع الثابت بالإيجاب الثاني أن يعتق ربع الخارج فقط، فقياسه عليه فاسد، وإنما الصحيح من التعليل له أن الكلام الثاني صحيح في حال دون حال، لأنه إن أراد بالإيجاب الأول الثابت، لا يصح الكلام الثاني إيجابًا بالجمع فيه بين الحر والعبد، وإن أراد بالأول الخارج صح الكلام الثاني إيجابًا، فإذا صح في حال دون حال، ثبت نصفه وهو عتق نصف رقبة بينهما لعدم الأولوية، فيكون لكل واحد ربع رقبة. قوله: (والهبة والتسليم والصدقة، والتسليم بمنزلة البيع لأنه تمليك). اشتراط التسليم في كل منهما فيه نظر، فإن العرض على البيع بمنزلة البيع، فالهبة والصدقة قبل القبول بطريق الأولى. قال الشيخ حافظ الدين في الكافي: وذكر التسليم في الهبة والصدقة

стр. 1242

وقع اتفاقًا، نص عليه في المحيط، إذ التعيين دلالة، يقع بالإقدام على تصرف يختص بالملك فلا تتوقف على القبض، ولهذا سوي في البيع بين المطلق -وبشرط الخيار لأحدهما -وبين الصحيح والفاسد، وفي البيع الفاسد بين التسليم وعدمه لأن انتفاء العتق عنه ما كان لضرورة ثبوت الحكم، وإنما كان لدلالة الإقدام على تصرف يختص بالملك انتهى. قوله: (وله أن الملك قائم في الموطوءة لأن الإيقاع في المنكرة وهي معينة فكان وطؤها حلالاً، فلا يجعل بيانًا، ولهذا حل وطؤها على مذهبه إلا أنه لا يفتى به). يعني فيما إذا قال لأمتيه إحداكما حرة، ثم وطئ إحداهما، والقول بأن الإيقاع في المنكرة والموطوءة معينة يشمل عتق إحدى أمتيه وتطليق إحدى زوجتيه، وكما أن الإعتاق المبهم لا ينزل قبل البيان فكذلك الطلاق المبهم لا ينزل قبل البيان، والموطوءة في كلا المسألتين معينة في المنكرة، ولو عكس هذا

стр. 1243

لكان له وجه، وهو/ أن أمته لا وجه لحل وطئها سوى ملك اليمين ولا يجوز له الوطء بعد عتقها بخلاف الزوجة، فإنه لو وطئها يكون بذلك مراجعًا، فمن الجائز أن تكون الموطوءة مطلقة، وأنه صار بوطئها مراجعًا. أما الأمة فليس له وطؤها بعد عتقها، فلم لا يكون وطؤها بيانًا، وفي القول بحل وطئها على مذهبه نظر، وإن كان يقول أن الإعتاق لا ينزل في إحداهما قبل البيان، لأن وطء المبيعة عنده إذا كانت ثيبًا يمنع من ردها بالعيب، لأن الرد بالعيب يوجب فسخ البيع من أصله، فيتبين أن الوطء وقع في غير ملكه، ولم يجعل الوطء هناك بمنزلة الاستخدام فكيف جعله هنا بمنزلته. ثم قوله: إلا أنه لا يفتى به في غاية الإشكال، فإنه إذا كان حلالاً كيف لا يفتى بحله، وعدم الإقدام على الإفتاء بحله دليل على أنه غير حلال، وليست هذه المسألة نظير المسألة التي تأتي في كلام المصنف في باب العشر والخراج، أن من انتقل إلى أخس الأمرين من غير عذر فعليه خراج الأعلى، لأنه هو الذي ضيع الزيادة وهذا يعرف ولا يفتى به، كيلا يتجرأ الظلمة على أخذ أموال الناس، فإن تلك المسألة ونظائرها -مما يخاف منه مجاوزة الحد -الكف عن بثها لمصلحة راجحة أو متعينة كما قال أبو هريرة "حفظت من رسول الله ﷺ -وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم".

стр. 1244

قيل يعني الفتن بخلاف هذه المسألة فإن هنا ليس إلا الوطء قبل البيان، فإما أن يكون حلالاً فيفتى بحله أو حرامًا فيفتى بحرمته، وأي فساد يترتب على الإفتاء بحله إذا كان حلالاً. ولو قيل لا يحل الوطء قبل البيان ولكن لو وطئ لا يكون الوطء بيانًا لكان أقرب من قولهم إنه يحل ولكن لا يفتى به، وأيضًا فإن البيان ليس بإنشاء فكيف يحل الوطء قبله. قوله: (بخلاف الطلاق لأن المقصود الأصلي من النكاح الولد، وقصد الولد بالوطء يدل على استبقاء الملك في الموطوءة صيانة للولد، أما الأمة فالمقصود من وطئها قضاء الشهوة دون الولد فلا يدل على الاستبقاء). أجاب بهذا عن إلزام الصاحبين لأبي حنيفة بوطء إحدى زوجتيه بعد أن قال [لهما] إحداكما طالق، حيث يكون بيانًا، وفيه نظر، فإنه متى وطئ فقد قصد الولد بقصده الوطء، وإن كان لا يريد بالوطء الولد والتفريق بين الوطء المعلق وغير المعلق تناقض لأن العلوق ليس إليه وإنما إليه الوطء وهو موجود منه مع العلوق وعدمه، ولأن الوطء سبب وجود الولد ولو كان معه عزل كما في الصحيحين عن أبي سعيد قال "أصابنا سبيًا فكنا نعزل فسألنا رسول الله ﷺ -

стр. 1245

فقال: أو أنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثًا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة". وفي صحيح مسلم "أن رجلاً سأل النبي ﷺ -فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : إن ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله. قال: فجاء الرجل فقال لرسول الله ﷺ -إن الجارية التي كانت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : أنا عبد الله ورسوله". وليس ذلك لأن الولد قد يخلق من غير ماء الرجل، بل لأنه قد يسبق منه مع العزل قطرة يكون منها الولد فإن الولد ليس من جميع الماء بل من بعضه، ولهذا كان الصحيح قول من قال: إن المولى إذا اعترف بوطء الأمة لزمه الولد، وإن لم يدعه، وعلى تقدير التسليم أن المراد قضاء الشهوة بوطء الأمة، فإقدامه على قضاء شهوته منها بالوطء دليل على استبقائها، ولهذا لما فهم ذلك بعض الأصحاب زادوا في التعليل: أن حل الوطء يتصور بثبوته مع العتق بخلاف الطلاق ويرد هذا: أن حل الوطء هنا ليس له طريق إلا ملك الرقبة، وقد أجيب عن هذا الإيراد: أن ما طريقه طريق الضرورة يعتبر فيه الجملة لا الأحوال، أي أن المعتقة في الجملة يحل وطؤها/ للمطلق في الرجعي، ويصير مراجعًا، وبتجديد العقد في الجملة في غير الرجعى فاستويا، بل هنا أولى لأن العتق أقطع من الطلاق فإنه ليس له

стр. 1246

حريم بخلاف الطلاق لأن حريمه العدة، وهذا كله على تقدير تسليم أن بيان المعتق المبهم إلى المعتق بدون قرعة، وقد تقدم ما في ذلك من الكلام في أول الباب. قوله: (ومن قال لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة فولدت غلامًا وجارية، ولا يدري أيهما أولاً عتق نصف الأم ونصف الجارية والغلام عبد). قال في المبسوط: وذكر محمد في الكيسانيات هذا الجواب الذي ذكر ليس جواي هذا الفصل، بل في هذا الفصل لا يحكم بعتق واحد منهم ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الغلام أولاً، فإن نكل عن اليمين فنكوله كإقراره، فإن حلف فهم أرقاء، وأما جواب الكتاب ففي فصل آخر وهو ما إذا قال المولى لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة وإن كان جارية فهي حرة، فولدتهما جميعًا ولا يدري أيهما أولاً، فالغلام رقيق والأمة حرة ويعتق نصف الأم. انتهى.

стр. 1247

ثم علل لذلك، وهذا الذي ذكره في الكيسانيات هو الصحيح كما لو قال إن لم تدخل هذه الدار اليوم فأنت حر، فمضى اليوم ولا يعلم أدخل أم لا، لا يعتق أصلاً ولا يوزع. وكذا لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فأنت حر، فطار ولم يعلم أغراب هو أم لا، لا يوزع ولا يقال: إن كان غرابًا يعتق وإن لم يكن غرابًا لا يعتق فهو حر في حال دون حال فيتنصف بخلاف المسألة المذكورة في الكيسانيات لأنا تيقنا بحرية بعضهم ولا كذلك الصورة المذكورة في الهداية. * * *

стр. 1248

باب العتق على الجعل قوله: (ثم الأداء في قوله: إن أديت، يقتصر على المجلس لأنه تخيير، وفي قوله: إذا أديت، لا يقتصر، لأن: إذا، تستعمل للوقت بمنزلة متى). يعني فيمن قال لعبده إن أديت إلي ألفًا فأنت حر، أنه يقتصر الأداء على المجلس وفي كونه يقتصر على المجلس نظر من وجهين: أحدهما: أنه تعليق بشرط الأداء، والتعليق لا يقتصر على المجلس، ومعنى المعاوضة فيه إنما يثبت في الانتهاء لا في الابتداء على ما ذكره المصنف، والمعتبر في الابتداء حكم التعليق ولهذا لا يشترط القبول كسائر الشروط، وعن أبي يوسف أنه لا يتقيد بالمجلس وهو الذي يوافق ما قرره، وأي فرق بين قوله إن أديت إلي ألفًا فأنت حر وبين قوله إذا أديت أو متى أديت، والكل من أدوات الشرط، وإن كانت: إن حرفًا، و: إذا، و: متى اسمان وهما من ظروف الزمان فلا يلزم من ذلك الاقتصار على المجلس، بل القول بعدم الاقتصار في: إذا، و: متى، مما يقوى القول بعدم الاقتصار في: إن. وقول المصنف: لأنه تخيير، يعني يقتصر على المجلس، فيه نظر أيضًا فقد تقدم في أول باب تفويض الطلاق ما في الخيار من الخلاف، وأن الأقوى

стр. 1249

عدم الاقتصار فيه على المجلس لقوله ﵊ -لعائشة ﵂ -لما خيرها: "فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" الحديث رواه الجماعة إلا أبا داود. والثاني: أنه قد قال قبل ذلك: ولو علق عتقه بأداء المال صح، وصار مأذونًا، وذلك مثل أن يقول: إن أديت إلي ألف درهم فأنت حر إلى أن قال: وإنما صار مأذونًا لأنه رغبه في الاكتساب لطلبه الأداء منه، ومراده التجارة دون التكدي، فكان إذنًا له في التجارة، فلابد من زمان يتجر فيه ليحصل ألف درهم ليؤديها بدل نفسه، ولا يتصور أن يحصل هذا المبلغ في ذلك المجلس بالتجارة، بل هذا من المحال عادة، فاشتراط أداء الألف في المجلس مع القول بأنه يصير مأذونًا له في التجارة تناقض. قوله: (ومن أعتق عبده على خدمته أربع سنين فقبل العبد عتق، ثم إن مات المولى من ساعته فعليه قيمة نفسه في ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله تعالى -، وقال محمد ﵀: عليه قيمة خدمته أربع سنين، أما العتق فلأنه جعل الخدمة في مدة معلومة عوضًا، فيتعلق بالقبول وقد وجد، ويلزمه/ خدمة أربع سنين، لأنه يصلح عوضًا فصار كما إذا أعتقه

стр. 1250

على ألف درهم. ثم إذا مات العبد فالخلاف فيه مبني على خلافية أخرى: وهو أن من باع نفس العبد منه بجارية بعينها ثم استحقت الجارية أو هلكت، يرجع المولى على العبد بقيمة نفسه عندهما وبقيمة الجارية عنده، وهي معروفة، ووجه البناء أنه كما يتعذر تسليم الجارية بالهلاك والاستحقاق بتعذر الوصول إلى الخدمة بموت العبد، وكذا يموت المولى فصار نظيرها). قال السروجي -عن قوله: وكذا بموت المولى فصار نظيرها -قال عيسى: هذا غلط بل يأخذونه بما بقي من الخدمة، لأن الخدمة دين عليه، فيخلفه وارثه فيه بعد موته، كما لو كان أعتقه على ألف درهم واستوفى بعضه ثم مات كان للورثة أن يأخذوه بما بقي من الألف. قال: ولكن في ظاهر الرواية يقول الناس يتفاوتون في الخدمة، وكان الشرط أن يخدم المولى وقد فات بموته كما يفوت بموت العبد قبل تمام المدة. انتهى كلام السروجي.

стр. 1251

ويمكن أن يجاب عن هذا بأن العبد يخدم باختياره فلا يضر تفاوت الناس في الخدمة، فيخدم حسب طاقته باختياره، ولهذا قال السروجي: إلا أن هذا العذر ليس بقوي، فإن الخدمة عبارة عن خدمة البيت وهي معروفة عند الناس لا يتفاوتون فيها، فلا فوت بموت المولى، ولكن الأصح أن يقول: الخدمة عبارة عن المنفعة وهي لا تورث فلا يمكن إبقاء الخدمة بعد موت المولى. انتهى. ويمكن أن يقال: ما المانع من إرث المنافع، وقد ورد في السنة ما يشهد لصحة استحقاق المنافع لغير المعتق، وهو حديث سفينة أبي عبد الرحمن ﵁ -قال: "أعتقتني أم سلمة ﵂ -وشرطت علي أن أخدم النبي ﷺ -ما عاش"رواه أحمد وابن ماجه، وفي لفظ "كنت مملوكًا لأم سلمة، فقالت: أعتقك وأشترط علي ما فارقت النبي ﷺ -ما عشت، فأعتقتني واشترطت علي" رواه أبو داود. والوصية بالمنافع جائزة، وهي أخت الميراث، وسيأتي الكلام على بقاء الإجارة بعد موت المستأجر -إن شاء الله تعالى -.

стр. 1252

قوله: (لأن اشتراط البدل على الأجنبي في الطلاق جائز، وفي العتاق لا يجوز، وقد قررناه من قبل). يشير إلى ما ذكره في باب الخلع، ولم يذكر هناك سوى قوله: لأن اشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح. وليس في ذلك تقرير بل مجرد دعوى، وقد قرر غيره الفرق بينهما بأن الأجنبي في الطلاق كالمرأة، فإن المرأة في الطلاق لا تملك شيئًا بل يسقط ملك الزوج عنها، فذلك الأجنبي، بخلاف الإعتاق فإن العبد بالإعتاق يملك نفسه، وتثبت فيه قوة حكمية لم تكن قبل ذلك والأجنبي ليس كذلك، وفيه نظر ليس هذا محل ذكره، وإنما المراد هنا التنبيه على أن صاحب الهداية ادعى هنا أنه قرر المسألة فيما تقدم وليس كذلك. * * *

стр. 1253

باب التدبير قوله: (ولنا قوله ﵇"المدبر لا يباع ولا يوهب ولا يورث وهو حر من الثلث"). أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر، وقال: رواته ضعفاء والصحيح أنه موقوف على ابن عمر، ولكن لم يذكر فيه: ولا يورث. وضعفه أيضًا عبد الحق وغيره، وقد نقل السروجي عن ابن قدامة أنه نقل في المغني عن ابن عمر ﵄: أن المدبر لا يجوز بيعه، ولا هبته، ولا إخراجه عن ملكه إلا إلى الحرية، وإنما نقل ابن قدامة في المغني وابن المنذر في الإشراف -عن ابن عمر -كراهة ذلك. ولكن الظاهر أن المراد من الكراهة عدم الجواز، بدليل الحديث المذكور، فإن الدارقطني صحح وقفه عليه كما تقدم، ونقله السروجي بالمعنى.

стр. 1254

ومذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه إنه يباع في الدين وغيره مع الحاجة وعدمها. استدل من قال بعدم لزوم التدبير بحديث جابر ﵁"أن رجلاً أعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ -فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه" متفق عليه. وفي/ لفظ قال: "أعتق رجل من الأنصار غلامًا عن دبر وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ -بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: اقض دينك وأنفق على عيالك" رواه النسائي، ورواه أبو حنيفة ﵀ -في مسنده مختصرًا عن جابر ﵁ -ولفظه: "أن النبي ﷺ -باع المدبر"

стр. 1255

وبيع المدبر مروي عن عائشة ﵂. وحديث ابن عمر لا يصلح لمعارضة حديث جابر، وقول من قال: إنه يحمل الحديث على المدبر المقيد، أو أن المراد أنه باع خدمة العبد من باب دفع الصائل، لأنه لما اعتقد أن التدبير عقد لازم سعى في تأويل ما يخالف اعتقاده من السنة على خلاف تأويله، والنص مطلق فيجب العمل بإطلاقه، إلا لمعارضة نص آخر يمنع من العمل بإطلاقه. قوله: (ولأنه سبب الحرية، لأن الحرية تثبت بعد الموت، ولا سبب غيره، ثم جعله سببًا في الحال أولى لوجوده في الحال، وعدمه بعد الموت، ولأن ما بعد الموت حال بطلان أهلية المتصرف، فلا يمكن تأخير السببية إلى زمان بطلان الأهلية بخلاف سائر التعليقات لأن المانع من السببية قائم قبل الشرط، لأنه يمين، واليمين مانع، والمنع هو المقصود، وأنه يضاد وقوع الطلاق والعتاق فأمكن تأخير السببية إلى زمان الشرط لقيام الأهلية عنده فافترقا).

стр. 1256

فيه نظر من وجوه: أحدها: قوله: لأنه سبب الحرية، لأن الحرية تثبت بعد الموت ولا سبب غيره. فإن هذا حكم كل معلق بشرط، فإنه قوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإذا جاء غد فأننت حر، هو سبب العتق، وإن تأخر العتق إلى وجود الشرط المعلق به ومع هذا لا يمتنع إخراجه عن ملكه قبل وجود الشرط فكذا هذا. وقد أجابوا عن هذا -بالفرق بين التدبير وبين سائر التعليقات -بأن الموت كائن لا محالة، وأورد على هذا الجواب: أن مجيء الغد في قوله: إذا جاء غد فأنت حر كائن لا محالة، ومع هذا يجوز له إخراجه عن ملكه قبل مجيء الغد فكذا يجب أن يكون حكم التدبير، وأجيب عن هذا بأنه يحتمل أن تقوم الساعة قبل مجيء الغد، فلم يكن مجيء الغد كائنًا لا محالة. ولا يصح هذا الجواب، لأن أشراط الساعة لم تأت بعد، ولا يقال يحتمل أن يمتد ذلك اليوم حتى توجد فيه الأشراط، لأن مكث الدجال أربعين يومًا لا يتصور أن يكون ذلك في يوم، وكذلك مكث عيسى ﵇ -أربعين سنة وغير ذلك ومحال أن يتصور يومان في يوم فكيف بأربعين يومًا، فكيف بأربعين سنة، وإذا انتهى البحث إلى مثل هذه المحالات تحقق الانقطاع. الثاني: قوله: ثم جعله سببًا في الحال أولى، لوجوده في الحال وعدمه عند الموت. فإن هذا أيضًا حكم كل معلق بشرط، إذ التعليق موجود في الحال

стр. 1257

معدوم عند وجود الشرط، فإن قيل: إن مراده عدم تصوره بعد الموت فلا يمكن تقديره منه، قيل فهو التعليل الذي علل به بعده، وهو قد عطفه عليه والعطف يقتضي المغايرة، وسيأتي التنبيه عليه في الوجه الثالث وهو قوله: ولأن ما بعد الموت حال بطلان أهلية التصرف فلا يمكن تأخير السببية إلى زمان بطلان الأهلية. فإن التدبير له شبهان، شبه بالتعليق، وشبه بالوصية، وقد تقدم -في باب العتق على جعل -أنه تعليق، نظرًا إلى اللفظ، ومعاوضة نظرًا إلى المقصود، ثم قال -هناك فعلى هذا يدور الفقه، وتخرج المسائل. نظيره الهبة بشرط العوض. فيجب أن يقال -هنا كذلك -إنه بالنظر إلى كونه تعليقًا لا يملك الرجوع عنه، وبالنظر إلى كونه وصية يصح إضافته إلى ما بعد الموت، وكأنه أوصى له برقبته، ولهذا ينفذ من الثلث، وله أن يتصرف في ثلث ماله وإن تأخر نفاذ تصرفه إلى ما بعد الموت، وكل من التعليق والوصية لا يمنع من إخراجه عن ملكه قبل الموت. الثالث: قوله: بخلاف سائر التعليقات لأنه المانع من السببية قائم قبل الشرط لأنه يمين إلى آخره. فإنه قد فرق الأصحاب وغيرهم بين الإضافة إلى الزمان والتعليق بالشرط، فلو قال: أنت حر غدًا، لم يكن هذا من باب التعليق بالشرط، بل هو إعتاق مضاف إلى الغد، والتعليق بالشرط نوعان: ما أريد به الحض أو

стр. 1258

المنع فهو يمين، وما لم يرد به ذلك فليس بيمين، بل هو تعليق محض كما لو قال: إن شفى الله مريضي فأنت حر،/ فإن هذا وأمثاله ليس فيه معنى اليمين، ففسد قوله: بخلاف سائر التعليقات إلى آخره. إذ قد عرف أن التعليق منه ما فيه معنى اليمين ومنه ما ليس فيه معنى اليمين، وليس كل تعليق يمينًا، والنوع الذي فيه معنى اليمين لا يشبه التدبير، ولا كلام فيه، وإن كان الصحيح فيه أن اليمين سبب للكفارة، والحنث شرط لما يأتي التنبيه عليه في كتاب الأيمان -إن شاء الله تعالى -. قوله: (ولأنه وصية، والوصية خلافة في الحال كالوراثة). فيه نظر، فإن للموصي أن يرجع عن وصيته ويبطلها، فاعتبارها بالوصية حجة للخصم لا عليه. وقد أجيب عن هذا الإلزام بأن الوصية هنا تبرع بالعتق، وغيرها من الوصايا تبرع بالمال، التبرع بالمال لا يقع لازمًا، فسببه أيضًا لا يكون لازمًا، فلم يمتنع إبطاله بالبيع ونحوه. وأما العتق فلا يثبت إلا لازمًا، فالسبب الذي يوجب لا ينعقد إلا لازمًا يمنع جواز البيع. ورد هذا الجواب: بأن التبرع بالمال يقع لازمًا للزوج والقريب غير الولد

стр. 1259

اتفاقًا، ولغيرهما عند من يمنع من الرجوع في الهبة، وسيأتي الكلام في ذلك -إن شاء الله تعالى -، فساوى الإعتاق من هذا الوجه، ولئن كان الإعتاق لا يثبت إلا لازمًا، فلا يلزم أن كل لفظ يوجبه لا ينعقد إلا لازمًا كما في الوصية بالإعتاق والتدبير المقيد وتعليق العتق بالشرط. وقوله: والوصية خلافة في الحال كالوراثة. ممنوع، بل الوصية خلافة بعد الموت، ولهذا جاز للموصي التصرف في الموصي به، وإنما حصل الخلاف في التدبير، ولا يصح الاستدلال بمحل النزاع. * * *

стр. 1260

باب الاستيلاد قوله: (ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد، لوجود المانع عنه، فلابد من الدعوة). جمهور العلماء على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، الأئمة الثلاثة وغيرهم، إلا ما يروى عن مالك ﵀ -أنه جعل الأمة السرية -التي تشترى للوطء عادة -فراشًا بمجرد الشراء مع إمكان الوطء وإن لم يعترف بالوطء. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري -رحمهما الله -: إن الأمة لا يثبت نسب ولدها من سيدها ولو اعترف بوطئها حتى يدعيه، فإذا ادعاه صارت أم ولده، فإذا ولدت بعد ذلك ولدًا ثبت نسبه بغير دعوة، ولو نفاه انتفى وعند غيره لا

стр. 1261

ينتفي ولد الأمة مطلقًا، أم ولد كانت أو لم تكن بمجرد النفي إلا أن يقول: استبرأتها بعد الوطء بحيضة قبل الولادة بستة أشهر، وحجتهم -على أن الأمة تصير فراشًا بمجرد الوطء -حديث عائشة ﵂ -قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ -إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال: فلم ير سودة قط" رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي رواية أبي داود

стр. 1262

ورواية للبخاري "هو أخوك يا عبد" فسبب الحكم بأن الولد للفراش إنما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه، وحمله على الحرة التي لم تذكر، وإنما كان في غيرها، والزوجة إنما سميت فراشًا بمعنى، هي والأمة الموطوءة فيه سواء، ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك، ولا سأل النبي ﷺ -عن ذلك ولا استفصل، وترك الاستفصال ينزل منزلة المقال. وقول من قال: إنما ألحقه بالأخ استحلقه، يرده: أن النبي ﷺ -صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب بأن الولد للفراش معللاً بذلك، منبهًا على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة غيرها. وقول من قال: "إن قوله هو لك" أي مملوك، يرده: قوله في الرواية الأخرى المذكورة "هو أخوك يا عبد"، وعند الإمام أحمد "أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ". والعجب كيف لا يجعل المستفرشة فراشًا، ويجعل/ من لم تستفرش فراشًا وهي التي علق طلاقها بتزوجها ثم تزوجها ثم جاء بولد لستة أشهر، وقوله ﷺ -لسودة: "احتجبي منه" لا ينافي ثبوت نسبه، بل أعمل الفراش في ثبوت حكم النسب، وأعمل الشبه في ثبوت حكم الاحتجاب وجعله أخًا في الميراث، وقال: "ليس لك بأخ" للشبهة، كيف وإن حجاب أزواج النبي ﷺ -

стр. 1263

منيع، وعن ابن عمر أن عمر قال: "ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها ألحقت به ولدها فاعتزلوها بعد أو اتركوا" رواه الشافعي. وقوله: إن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد لوجود المانع. فيه نظر، فإن المقاصد تختلف، ولو كان المقصود قضاء الشهوة دون الولد، فلا يمنع هذا القصد من وجود الولد بعد وجود الوطء الذي هو سبب وجود الولد ولو عزل، فإن الولد لا يكون من كل الماء وإنما يكون من بعضه، فقد يسبق منه نطفة يكون منها الولد، وهو يعزل، قال ﷺ : "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" رواه أحمد وأبو داود، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -قال: "أصبنا سبيًا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ -فقال: أو إنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثًا! ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" متفق عليه. وفي صحيح مسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ -فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1264

إن ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله، قال: فجاء الرجل فقال يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : أنا عبد الله ورسوله". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ -قال "كنت أعزل عن جاريتي فولدت أحب الخلق إلي" يعني ابنه، والعجب أن المصنف علل لوجوب الغسل -في كتاب الطهارة -بالتقاء الختانين من غير إنزال بأنه سبب الإنزال، ونفسه تتغيب عن بصره، وقد يخفى [عليه] لعلته فتقام مقامه، ومقتضى هذا التعليل ثبوت النسب من الأمة بعد الوطء وإن لم يعلم بالإنزال، وعدم ثبوته تناقض بين. قوله: (لحديث سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ -أمر بعتق أمهات الأولاد، وأن لا يبعن في دين ولا يجعلن من الثلث"). قال السروجي: لا أصل له عن سعيد بن المسيب. انتهى، ولكن رواه عبد الملك بن حبيب في كتابه عن سعيد بن المسيب، عبد الملك بن حبيب

стр. 1265

تكلم فيه جماعة من المالكية سحنون وغيره واتهموه في نقله، وقد ورد في النهي عن بيع أمهات الأولاد حديث ابن عمر ﵄ -عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيًا فإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني، ورواه مالك في الموطأ، والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر من قوله، وهو أصح. وحديث ابن عباس ﵄ -عن النبي ﷺ -قال: "من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" رواه أحمد وابن ماجه. وعنه ﵁ -قال: "ذكرت أم إبراهيم عند النبي ﷺ -فقال: أعتقها ولدها" رواه ابن ماجه والدارقطني، والحديثان قد ضعفهما أهل
следующие страницы →