← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ينتفي ولد الأمة مطلقًا، أم ولد كانت أو لم تكن بمجرد النفي إلا أن يقول: استبرأتها بعد الوطء بحيضة قبل الولادة بستة أشهر، وحجتهم -على أن الأمة تصير فراشًا بمجرد الوطء -حديث عائشة ﵂ -قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ -إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال: فلم ير سودة قط" رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي رواية أبي داود

стр. 1262

ورواية للبخاري "هو أخوك يا عبد" فسبب الحكم بأن الولد للفراش إنما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه، وحمله على الحرة التي لم تذكر، وإنما كان في غيرها، والزوجة إنما سميت فراشًا بمعنى، هي والأمة الموطوءة فيه سواء، ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك، ولا سأل النبي ﷺ -عن ذلك ولا استفصل، وترك الاستفصال ينزل منزلة المقال. وقول من قال: إنما ألحقه بالأخ استحلقه، يرده: أن النبي ﷺ -صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب بأن الولد للفراش معللاً بذلك، منبهًا على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة غيرها. وقول من قال: "إن قوله هو لك" أي مملوك، يرده: قوله في الرواية الأخرى المذكورة "هو أخوك يا عبد"، وعند الإمام أحمد "أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ". والعجب كيف لا يجعل المستفرشة فراشًا، ويجعل/ من لم تستفرش فراشًا وهي التي علق طلاقها بتزوجها ثم تزوجها ثم جاء بولد لستة أشهر، وقوله ﷺ -لسودة: "احتجبي منه" لا ينافي ثبوت نسبه، بل أعمل الفراش في ثبوت حكم النسب، وأعمل الشبه في ثبوت حكم الاحتجاب وجعله أخًا في الميراث، وقال: "ليس لك بأخ" للشبهة، كيف وإن حجاب أزواج النبي ﷺ -

стр. 1263

منيع، وعن ابن عمر أن عمر قال: "ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها ألحقت به ولدها فاعتزلوها بعد أو اتركوا" رواه الشافعي. وقوله: إن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد لوجود المانع. فيه نظر، فإن المقاصد تختلف، ولو كان المقصود قضاء الشهوة دون الولد، فلا يمنع هذا القصد من وجود الولد بعد وجود الوطء الذي هو سبب وجود الولد ولو عزل، فإن الولد لا يكون من كل الماء وإنما يكون من بعضه، فقد يسبق منه نطفة يكون منها الولد، وهو يعزل، قال ﷺ : "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" رواه أحمد وأبو داود، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -قال: "أصبنا سبيًا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ -فقال: أو إنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثًا! ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" متفق عليه. وفي صحيح مسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ -فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1264

إن ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله، قال: فجاء الرجل فقال يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : أنا عبد الله ورسوله". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ -قال "كنت أعزل عن جاريتي فولدت أحب الخلق إلي" يعني ابنه، والعجب أن المصنف علل لوجوب الغسل -في كتاب الطهارة -بالتقاء الختانين من غير إنزال بأنه سبب الإنزال، ونفسه تتغيب عن بصره، وقد يخفى [عليه] لعلته فتقام مقامه، ومقتضى هذا التعليل ثبوت النسب من الأمة بعد الوطء وإن لم يعلم بالإنزال، وعدم ثبوته تناقض بين. قوله: (لحديث سعيد بن المسيب "أن النبي ﷺ -أمر بعتق أمهات الأولاد، وأن لا يبعن في دين ولا يجعلن من الثلث"). قال السروجي: لا أصل له عن سعيد بن المسيب. انتهى، ولكن رواه عبد الملك بن حبيب في كتابه عن سعيد بن المسيب، عبد الملك بن حبيب

стр. 1265

تكلم فيه جماعة من المالكية سحنون وغيره واتهموه في نقله، وقد ورد في النهي عن بيع أمهات الأولاد حديث ابن عمر ﵄ -عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيًا فإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني، ورواه مالك في الموطأ، والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر من قوله، وهو أصح. وحديث ابن عباس ﵄ -عن النبي ﷺ -قال: "من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" رواه أحمد وابن ماجه. وعنه ﵁ -قال: "ذكرت أم إبراهيم عند النبي ﷺ -فقال: أعتقها ولدها" رواه ابن ماجه والدارقطني، والحديثان قد ضعفهما أهل

стр. 1266

الحديث. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر ﵁ -أنه قال في أم الولد: أعتقها ولدها وكذا رواه الدارقطني عن عمر [من] قوله. وقال البيهقي بعد أن تكلم على الحديث: فرجع الحديث إلى قول عمر ﵁ -فإن الثابت في المنع من بيع أمهات الأولاد إنما هو عن عمر نفسه، ولم يثبت في المنع من بيعهن حديث صريح مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنه لو حكم حاكم بصحة بيع أم الولد نفذ حكمه، ولكن يجب تقييد هذا الإطلاق، ويستثنى منه ما لو مات سيدها عن

стр. 1267

ابنه منها، فإنه لا خلاف في عتقها والحالة هذه، وفي بيع أم الولد ثمانية أقوال. ثالثها/: لسيدها بيعها فإذا مات عتقت. رابعها: أنها تباع في الدين. خامسها: أنه يجوز بيعها بشرط العتق ولا يجوز بغيره. سادسها: أنها إن عفت واتقت لم يجز بيعها، وإن فجرت أو كفرت جاز بيعها. سابعها: الوقف في أمرها. ثامنها: أنها تباع ولكن إن مات سيدها وولدها منه حي عتقت من نصيبه ولا ينبغي أن ينفذ هذا القول، فإن من يجيز بيعها مطلقًا لابد أن

стр. 1268

يستثني هذه الحالة، اللهم إلا أن يكون مع ولدها منه وارث آخر وولدها معسر ولا يكيفه نصيبه من التركة لغرامة بقية قيمتها فيمكن حينئذ أن يقال: إنه يباع منها ما خلا نصيب ولدها على قول من لا يرى السعاية مع الإعسار. قوله: (ولأن أمومية الولد باعتبار علوق الولد حرًا لأنه جزء للأم في تلك الحالة، والجزء لا يخالف الكل). فيه نظر فإن الجزء المنفصل ليس كالمتصل، والمخالفة في أم الولد بين الجزء والكل ثابتة لأن الولد علق حر الأصل ولم يمسه رق، وأم الولد رقها مستمر حتى يموت سيدها فقد خالف الجزء الكل. قوله: (ولنا كتاب عمر ﵁ -إلى شريح في هذه الحادثة "لبسًا فلبس عليهما ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما" وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ -وعن علي مثل ذلك). لا نعرف هذا كله عن عمر ولا عن علي ﵄ -ولكن قال

стр. 1269

سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر ﵁"في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما". قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يرثانه. ذكره سعيد أيضًا. وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلامًا يشبهها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ -فدعا القافة فنظروا فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه.

стр. 1270

وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير "أن رجلين ادعيا ولدًا، فدعا عمر القافة واقتدى في ذلك ببصر القافة وألحقه أحد الرجلين". ثم ذكر أيضًا عبد الرزاق بعد ذلك عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: "لما دعا عمر القافة فرأوا شبهه فيهما، ورأى عمر مثل ما رأت القافة قال: قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح الأكلب فيكون كل جرو لأبيه، ما كنت أرى أن ماءين يجتمعان في ولد واحد". وعن زيد بن أرقم ﵁ -قال: "أتي علي ﵁ -وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين فقال: تقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي ﷺ -فضحك حتى بدت نواجذه" رواه الخمسة إلا الترمذي، ورواه أبو داود والنسائي موقوفًا على

стр. 1271

علي بإسناد أجود من إسناد المرفوع، وكذا رواه الحميدي في مسنده وقال فيه "فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه". وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم فذهب إليه إسحاق بن راهويه وكان الشافعي يقول به في القديم، ورجح أحمد عليه حديث القافة. وقيل: يعمل بهذا إذا فقدت القافة، والمسألة معروفة. والمراد هنا التنبيه على أن ما عزاه المصنف إلى عمر وعلي ﵄ ليس كما قال، وجمهور العلماء على العمل بالقافة. قوله: (وإذا وطئ المولى جارية مكاتبه فجاءت بولد فادعاه، فإن صدقه المكاتب ثبت نسب الولد منه، وعن أبي يوسف أنه لا يعتبر تصديقه

стр. 1272

اعتبارًا بالأب يدعي ولد جارية ابنه، ووجه الظاهر -وهو الفرق -أن المولى لا يملك التصرف في أكساب مكاتبه حتى لا يتملكه الابن، والأب يملك تملكه ولا يعتبر تصديق الابن). قول أبي يوسف ﵀ -أظهر، وهو قول سائر العلماء والفرق الذي فرق به فيه نظر، فإن للمولى في المكاتب ملك الرقبة، وليس للأب على الابن ملك الرقبة، ولا ملك اليد/ بل للأب في مال الابن حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فلما ثبت للأب نسب الولد من جارية الابن بدون الملك على الولد وعلى جاريته بغير تصديق الابن فلأن يثبت للمولى نسب الولد من جارية المكاتب بغير تصديق المكاتب -مع حق الملك في المكاتب -أولى، ألا ترى أن المولى لو أعتق المكاتب يصح مع أنه لا عتق فيما لا يملك ابن آدم، ولئن كان المولى يعتقد الكتابة حجرًا على نفسه عن التصرف في كسب المكاتب -والدعوة تصرف -فمقتضاه أن لا يثبت النسب ولو صدق المكاتب، لأن التصديق لا يرفع الحجر ولا يستفيد به المولى ما لم يكن ثابتًا، فاستوى وجوده وعدمه، وغايته أنه اعترف له أنه صادق في دعواه أنه وطئها فكان ماذا؟ هل ملكه الأمة بذلك التصديق، وهب أنه كذبه، فأقام البينة على الوطء، هل تكون البينة بمنزلة التصديق مع أن الثابت بالبينة أقوى من الثابت بالتصديق، فظهر ضعف اشتراط التصديق. * * *

стр. 1273

كتاب الأيمان قوله: (فالغموس: الحلف على أمر يتعمد الكذب فيه). لكان أولى لأن تقييده بالماضي غير صحيح بل الحلف على أمر في الحال يتعمد الكذب فيه كذلك كما لو قال: والله ما لهذا علي دين وهو يعلم خلافه. قوله: (لقوله ﵇"من حلف كاذبًا أدخله الله النار"). هذا الحديث منكر وكأنه مأخوذ بالمعنى من حديث الأشعث بن قيس أن النبي ﷺ -قال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" متفق عليه. أو من حديث عمران بن حصين ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين مصبورة كاذبًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه أبو داود.

стр. 1274

قوله: (لقوله ﵇: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق واليمين"). المحفوظ حديث أبي هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب والله أعلم. * * *

стр. 1275

باب: ما يكون يمينا وما لا يكون قوله: (واليمين بالله تعالى أو باسم من أسمائه كالرحمن والرحيم، أو بصفة من صفاته التي يحلف بها عرفًا كعزة الله وجلاله وكبريائه لأن الحلف بها متعارف). في التعليل -بأن الحلف بها متعارف -نظر، سواء كان الضمير في قوله: لأن الحلف بها متعارف. يعود إلى الأسماء والصفات أو إلى الصفات وحدها، لأن الأسماء التي لا يسمى بها غير الله تعالى كالله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والذي لا إله إلا هو، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ورب السماوات والأرض، ونحو ذلك. يكون الحلف بها يمينا بكل حال، وكذلك الصفات التي لا يحتمل أن تكون غير صفاته كعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه، فإنها تنعقد بها اليمين بكل حال، ولا يحتاج في شيء من ذلك إلى العرف، بخلاف ما قد سمي به غير الله كالحي والمؤمن والكريم فمثل هذا إذا قيل: يعتبر في اليمين به العرف أو نية الحالف ساغ التعليل، وكذلك ما يعبر به من صفات الله عن غيرها كعلم الله وقدرته فإنه قد يستعمل في المعلوم والمقدور اتساعًا كما يقال: اللهم اغفر علمك فينا، ويقال انظر إلى قدرة الله، وكذلك صفات الفعل كخلق الله ورزقه ففي مثل ذلك يجري التعليل بالتعارف وعدمه.

стр. 1276

قوله: (إلا قوله: وعلم الله، فإنه لا يكون يمينًا، لأنه غير متعارف، ولأنه يذكر ويراد به المعلوم). يرد على تعليله -بأنه يذكر ويراد به المعلوم -أن القدرة تذكر ويراد بها المقدور، فإن سلم له أن العرف فرق بينهما، فاعتبر الحلف بالقدرة يمينًا دون العلم، لم يسلم له التعليل بأنه يذكر ويراد به المعلوم. قوله: (وكذا إذا حلف بالقرآن لأنه غير متعارف). ينبغي أن يكون الحلف بالقرآن يمينًا لأنه قد صار متعارفًا في هذا الزمان، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم، ولا يلتفت إلى من علل كونه ليس يمينًا بأنه غير الله على طريقة المعتزلة وقولهم بخلقه فإن

стр. 1277

ذلك لازمه الكفر على ما عرف أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. قوله: (وكذا إذا قال: لله، في المختار، لأن الباء تبدل بها/ قال الله تعالى ﴿آمنتم له﴾ أي آمنتم به). فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن اللام في قولهم: لله. في القسم ليس بمنزلة الباء من كل وجه، قال ابن مالك في شرح الشافية الكافية: وجروا المحلوف به في التعجب باللام كقولهم: لله لا يؤخر الأجل. بمعنى تالله. ومنه قول الشاعر: لله يبقى على الأيام مبتقل ... جون السراة رباع سنه غرد

стр. 1278

ويروى: تالله. انتهى. الثاني: أن معنى اللام في قوله تعالى ﴿آمنتم له﴾ ليس هو بمعنى الباء في قوله ﴿آمنتم به﴾. بل معنى قوله ﴿آمنتم له﴾: أي أصدقتموه؟ والضمير يعود إلى موسى قولاً واحدًا، وأما ﴿آمنتم به﴾ فالضمير في (به) يعود إلى رب العالمين، فإن السحرة لما قالوا ﴿آمنا برب العالمين * رب موسى وهرون﴾ قال فرعون ﴿آمنتم به﴾ أي آمنتم برب العالمين، وقيل إن الضمير في: به، يعود إلى موسى كما في قوله ﴿آمنتم له﴾. ولكن ليس معناها واحدًا بل في الإيمان به معنى زائد على الإيمان له وهو الطاعة والانقياد والإقرار، وكلا المعنيين يصح هنا، لأن موسى ﵇ -ادعى الرسالة لنفسه وهو صادق في دعواه فصح أن يقال: أصدقتموه في قوله؟ وأن يقال: أصدقتموه وأطعتموه وأقررتم به؟ بخلاف من يدعي الرسالة لغيره، كمن قال: موسى رسول الله! صح أي يقال: آمنت لمن قال هذا، ولا يقال: آمنت بمن قال هذا من المؤمنين، ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمخبر به، والثاني للمخبر، ولهذا قال تعالى: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ وقال تعالى عن إخوة يوسف: ﴿وما أنت بمؤمنٍ لنا﴾ وفي هاتين الآيتين لا يصح دخول الباء عوضًا عن اللام، فلا يقال: ويؤمن

стр. 1279

بالمؤمنين، ولا بمؤمن لنا، لأنه لا يصح أن يكون فيه معنى زائد على التصديق من الطاعة والانقياد والإقرار، والأصل أن مل حرف من حروف الجر يستعمل بمعنى يخصه. قوله: (ولهما أنه يراد به طاعة الله، إذ الطاعات حقوقه، فيكون حلفًا بغير الله). يعني قوله: حق الله، وقول أبي يوسف ﵀ -أنه يكون يمينًا أقوى فإن الضابط قد تقدم ذكره في أول الباب أن ما كان من صفات الله تعالى يعبر به عن غيرها، يعتبر فيه العرف، ولهذا حل الفرق بين علم الله وقدرة الله، وإذا كان الحلف بقدرة الله، يكون يمينًا للتعارف فكذلك الحلف بحق الله، ولا فرق بينهما إذ كل منهما قد يطلق على غير صفة الله، ولكن جرى العرف بالحلف بها فيكون يمينًا. قوله: (والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين).

стр. 1280

يعني إذا حلف بملة غير الإسلام غموسًا أو منعقدة وفي تصحيحه في الغموس نظر الحديث ثابت بن الضحاك ﵁ -أن رسول الله ﷺ -قال: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال" أخرجاه في الصحيحين. قوله: (وكذا إذا قال: إن فعلت كذا فأنا زان أو سارق أو شارب خمر أو آكل ربا لأن حرمة هذه الأشياء تحتمل النسخ والتبديل، فلم يكن في معنى حرمة الاسم، ولأنه ليس بمتعارف). في تعليله الأول نظر فإن حرمة الزنا والسرقة لا تحتمل النسخ، وقد اعتذر السنغاقي عن هذا: بأن الفعل المقصود بالزنا والعين المقصودة بالسرقة جاز أن يكون حلالاً له بوجه النكاح وملك اليمين، فسمى احتمال انقلابها من الحرمة إلى الحل بالسبب الشرعي نسخًا وتبديلاً.

стр. 1281

وهذا تأويل فاسد لأن مثل هذا لا يسمى زنا ولا سرقة لا حقيقة ولا مجازًا وأيضًا فلو كان مثل هذا الانقلاب يسمى نسخًا لكان الترخص بإجراء كلمة الكفر بعذر الإكراه نسخًا ولشابه حرمة الاسم بذلك. وقال الخبازي في حواشيه: إن المراد أنه يقبل النسخ والتبديل عقلاً. وهذا لا يتأتى على قول أبي حنيفة وإنما يتأتى على قول الأشعري وهو يقول بالجواز العقلي في الشرك أيضًا فلا يحصل له بهذا العذر غرضه من الفرق، ولو علل بأن مثل هذه الأسماء لا تقبل/ التعليق فلا يصح أن تكون يمينًا -لأنها لا يتصف بها إلا من فعلها بخلاف قوله: فهو يهودي أو نصراني ونحو ذلك -لكان أولى. فصل في الكفارة: قوله: (لكن مالا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الطعام باعتبار

стр. 1282

القيمة). في ظاهر الرواية يجزئه عن الطعام بغير نية. وعن أبي يوسف ﵀: إذا نوى أن يكون بدلاً عن الطعام يجزئه عنه إلا فلا. وقال زفر: لا يجزئه عن الطعام نوى أو لم ينو، ذكره في الذخيرة، وعند الأئمة الثلاثة: لا تجزئه القيمة في الكفرة، وفي إجزاء مالا يجزي من الكسوة عن الإطعام من غير نية بعد زائد، وإن كان دفع القيمة في الكفارة جائزُا ولو دفع الكسوة بنية الإطعام لكان في الإجزاء عنه إشكال فكيف ولم ينوه والله تعالى خير المكفر بين خصال ثلاث، فإذا اختار المكفر أحدها وهو

стр. 1283

الكسوة، صار كأنه هو الواجب عليه ابتداءً، وتنحى الإطعام والتحرير فعليه أن يؤدي الخصلة التي اختارها على وجه الكمال، وكيف يكون له غير ما أراده و"الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فيظهر رجحان قول أبي يوسف على الطرفين. قوله: (ولنا الكفارة لستر الجناية، واليمين ليست بسبب لأنه مانع غير مفض بخلاف لأنه مفض). فيه نظر فإن الله تعالى كما سماها كفارة سماها تحلة قال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وقال تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فالعقد سبب الحل عن المعقود عنه ليمكنه فعله فيكون الحنث شرطًا لا سببًا فيجوز التكفير قبله، وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ فأضافها إلى اليمين، والإضافة أمارة السببية، وأوضح منه أنه أضافها إلى عقد اليمين فقال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ وكذلك أضافها إلى اليمين حين سماها تحلة فقال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ ولم يضفها إلى الحنث، وأيضًا فقد قال

стр. 1284

صاحب الهداية وغيره في كتاب الرجوع عن الشهادات: إذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين خاصة، لأنه هو السبب، والتلف يضاف إلى مثبتي السبب دون الشرط المحض وهذا تناقض بين، ولهذه المسألة نظائر: أحدها: تعجيل الزكاة قبل الحول. الثانية: التكفير قبل سراية الجرح. الثالثة: العفو عن القصاص قبل التلف. الرابعة: إسقاط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع. والخلاف في هذه المسائل والكلام عليها معروف، وسيأتي الكلام في مسألة الشفعة -إن شاء الله تعالى -. وقد قال ابن المنذر في الإشراف: واختلف أهل العلم في كفارة اليمين قبل الحنث وبعده فرخصت طائفة أن يكفر المرء عن يمينه قبل الحنث كان ابن عمر يكفر قبل الحنث أحيانًا وبعده أحيانًا وممن روينا عنه أنه رخص في الكفارة قبل الحنث ابن عباس وعائشة وابن سيرين والحسن وكان ربيعة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والثوري يرون التكفير قبل الحنث جائزًا، غير أن مالكًا والثوري والأوزاعي استحبوا أن يكفر بعد الحنث وكان

стр. 1285

أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وسليمان بن داود وأبو خيثمة يرون الكفارة قبل الحنث تجزئ، وقال أصحاب الرأي لا تجزئ الكفارة قبل الحنث، وفيه قول ثالث قاله الشافعي قال: إن كفر قبل الحنث بالطعام تجزئ وإن كفر بصوم لم يجزه. قال أبو بكر: جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ -بألفاظ شتى، ففي بعضها أن النبي ﷺ -قال: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك". وفي بعضها أن النبي ﷺ -قال: "وكفر عن يمينك وائت الذي هو خير"

стр. 1286

قال أبو بكر: أي ذلك فعل يجزئه انتهى. والأخبار التي أشار إليها ثابتة في الصحيحين والسنن والمسانيد، واللفظ الذي ذكره في حديث عبد الرحمن بن سمرة، وفي بعض ألفاظ الحديث "إذا حلفت على يمين فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" رواه النسائي وأبو داود، وهو/ صريح في تقديم الكفارة، لأنه بـ "ثم" المقتضية للترتيب، وهذا يد قول من قال: إن ما رواه الشافعي محمول على التقديم والتأخير، وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفرها وليأت بالذي هو خير" رواه مسلم وفي لفظ له "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وعن أبي هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا

стр. 1287

منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، وفي لفظ "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" رواه مسلم. وعن أبي موسى عن النبي ﷺ -قال: "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير" وفي لفظ "إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" متفق عليه والله أعلم. قوله: (لقوله ﵇"من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر يمينه"). الحديث قد روي بروايات مختلفة وليس فيها ما ذكره المصنف ﵀ -من قوله "ثم ليكفر يمينه" وكأنه انقلب عليه الحديث، وإنما روي بـ "ثم" كما تقدم "إذا حلفت على يمين فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير". قوله: (ولأن فيما قلنا تفويت البر إلى جابر وهو الكفارة ولا جابر للمعصية في ضده). يعني أن الحنث معصية والكفارة جابرة لهذه المعصية، فإذا قدمت

стр. 1288

الكفارة على الحنث يبقى بلا جابر، ولأن الجابر لا يتقدم على المجبور، فكأنه قال: ولا جابر للمعصية في ضد الذي قلناه، وهو تقديم الكفارة على الحنث، وفي ذلك نظر، فقد تقدم أن الله تعالى قد سماها تحلة أيضًا وهي تفعلة من الحل، أي يحل ما عقده على نفسه من اليمين، وأيضًا فالحنث قد يكون فرضًا كما إذا حلف لا يصلي الفرض أو لا يصوم رمضان ونحو ذلك، وقد يكون مستحبًا كما إذا كانت اليمين على أمر مستحب وهو المراد بقوله ﷺ "فرأى غيرها خيرًا منها" وأيضًا فلو كان هذا المعنى صحيحًا لما جاز تقديم الكفارة على سراية الجرح، لأنها كفارة قتل لا كفارة جرح، وكذلك تقديم الزكاة على الحول وما أجيب به عن ذلك لا يلزم منه نفي جواز تقديم الكفارة على الحنث إذا عزم عليه وتكون الكفارة جابرة لعزمه على الحنث كما أن الكفارة في الظهار متعلقة بالعزم على الوطء الذي هو العود إلى ما نهي عنه، فإن المظاهر لا يجب عليه الكفارة بمجرد الظهار وإنما يجب بالعزم على جماع التي ظاهر منها واستمراره على ذلك حتى لو انفسخ عزمه، أو ماتت الزوجة بعد العزم أو مات الزوج انتفى الوجوب ولو وطئ من ظاهر منها لا يلزمه أكثر من الكفارة فكذلك إذا عزم على الحنث يشرع له التكفير وإن كان يجوز له تقديم الحنث على التكفير، لأن تقديم التكفير على المسيس

стр. 1289

مشروط بالنص دون تقديم الحنث، فالحاصل أن العزم على الحنث له نظير في تعلق الكفارة به ولو لم يكن له نظير لكان ما دلت عليه السنة من جواز تقديم الكفارة على الحنث كافيًا، ويكون الشارع قد ألغى الفارق بين التكفير قبل سراية الجرح، والتكفير قبل الحنث لمانع منه من اعتباره وهو: أن هتك حرمة الاسم كما يكون بالحنث يكون بالعزم عليه ولكن يستقى اللزوم بالحزم وإن لم تكن اليمين مفضية إلى الحنث، فالعزم على الحنث مفض إلى الحنث غالبًا كالجرح في إفضائه إلى إزهاق الروح فسلم الجامع. قوله: (لقوله ﵇"من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى"). هذا حديث منكر وعمومه مخصوص فقد يكون المسمى معصية أو مباحًا وقد يكون غير مملوك للناذر، وقد يريد به اليمين أو لا يطيقه، وكل ذلك قد وردت السنة فيه بخلاف ما ذكره في هذا الإطلاق فعن عائشة ﵂ -عن النبي ﷺ -قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" وعن ابن عباس ﵄ -قال: "بينا النبي ﷺ -يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل/ نذر أن يقوم في الشمس

стр. 1290

ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود. وعن ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ -قال: "ليس على الرجل نذر فيما لا يملك" متفق لا يملك" متفق عليه. وعنه أيضًا أن رجلاً أتى النبي ﷺ -فقال: "إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود. وعن عائشة ﵂ -أن النبي ﷺ -قال: "لا نذر في معصية،

стр. 1291

وكفارة كفارة يمين" رواه الجماعة، واحتج به أحمد وإسحاق. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ -قال: "من نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين" رواه أبو داود. وع عقبة بن عامر ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين" رواه أحمد ومسلم. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة

стр. 1292

يمين" رواه ابن ماجه والترمذي وصححه. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ -قال: "من نذر نذرًا فلم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين" رواه أبو داود وابن ماجه وزاد "ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به". وعن أنس ﵁ -أن النبي ﷺ "رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: ما هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب" رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وللنسائي في رواية "نذر أن يمشي إلى بيت الله". وعن عقبة بن عامر قال "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ -فاستفتيه؟ فقال: لتمش ولتركب" متفق عليه،

стр. 1293

ولمسلم: "فيه حافية غير مختمرة" وفي رواية "نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة فقال رسول الله ﷺ : إن الله لغني عن مشيها، لتركب ولتهد بدنة" رواه أحمد، وفي رواية "أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة فسأل النبي ﷺ -فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتخمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام" رواه الخمسة، وعن كريب عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ -فقالت يا رسول الله أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا لتحج راكبة ولتكفر يمينها" رواه أحمد وأبو داود. قوله: (لقوله ﵇"من حلف على يمين وقال: إن شاء الله تعالى، فقد بر في يمينه").

стр. 1294

لم يعرف -في كتب الحديث -قوله "فقد بر في يمينه" وقد روي الحديث بألفاظ منها "لم يحنث" ومنها "فله ثنياه" ومنها "فقد استثنى" ومنها "فلا حنث عليه" ومنها "فهو بالخيار، إن شاء مضى وإن شاء ترك". وفي كونه قوله: فقد بر في يمينه. بمعنى: لم يحنث. نظر، لأن البر بفعل المحلوف عليه، ولم يوجد في صورة الاستثناء، وإنما الاستثناء يمنع انعقاد اليمين، فلا يحنث بفعل المحلوف عليه، وأصل الحديث ثابت في السنن والمساند. قوله: (إلا أنه لابد من الاتصال، لأنه بعد الفراغ رجوع، ولا رجوع في اليمين).

стр. 1295

قد تقدم في الطلاق ما في الاستثناء من الخلاف والدليل، ولا ينفع التعليل في مقابلة النص. * * *

стр. 1296

باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك قوله: (ولو قال: إلا أن آذن لك فأذن لها، ثم خرجت بعدها بغير إذنه لم يحنث لأن هذه كلمة غاية فينتهي اليمين به، كما إذا قال: حتى آذن لك). فرق بين قوله لزوجته: إن خرجت إلا بإذني وإن خرجت إلا أن آذن لك وقال: إن الإذن في كل مرة شرط في قوله إلا بإذني، دون قوله: إلا أن آذن لك فيه نظر، ويجب أن يكون -إلا أن آذن -كقوله: إلا بإذني، ويشترط الإذن في كل مرة فيهما، وهذا قول الفراء وهو مذهب أحمد ﵀. وذلك لأن تقدير: إلا أن آذن لك: إلا بإذني، لأن أن والفعل في تقدير المصدر، وحرف الجر وهو الباء مقدر فيه، كأنه قال: إلا بأن آذن لك، والمقدر في حكم الملفوظ فلا فرق بين قوله إلا بإذني وإلا أن آذن لك والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الاستثناء من الأحوال أي إلا خروجًا/

стр. 1297

ملتبسًا بإذني، ومن هنا حصل العموم فإنه نهاها عن كل خروج إلا خروجًا ملصقًا بالإذن، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ..﴾ الآية يشترط فيه الإذن في كل مرة كما في قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ وقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سرًا إلا أن تقولوا قولاً معروفًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم﴾ وإن كان الاستثناء هنا منقطعًا لكن لا يضر في الاستشهاد، ونظائره كثيرة، وتعليله -بأن هذه كلمة غاية فينتهي اليمين به كما إذا قال: حتى آذن لك -فيه نظر أيضًا، وقدمت بيان إعراب هذه الكلمة ولا شك أنها للاستثناء دون الغاية، ولكن الاستثناء هنا من الأحوال ومعناه أنه نهاها عن الخروج على كل حال إلا في حال ملتصقة بالإذن، وحتى آذن لك، وإن كان للغاية لكنه في معنى إلا أن آذن لك وفي معنى إلا بإذني فيحتاج إلى تكرير الإذن فيها، لا أن يكون إلا أن آذن بمعناها، ولا يحتاج إلى تكرير الإذن ولا يمنع كونها للغاية من تكرار الإذن كما في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ فإنه لابد

стр. 1298

عند كل دخول من الاستئناس والسلام على أهلها، وكذا قوله تعالى في الآية التي بعدها ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾ وقولهم إن الأصل أن دخول بيت الغير حرام فلهذا شرط تكرار الإذن. جوابه: أن التحريم ثبت بهذا النهي الذي قد استثنيت من أحواله حالة الإذن وكذلك هذه الزوجة قد صارت بنهي الزوج لها عن الخروج ممنوعة عن الخروج في جميع الأحوال إلا في حالة الإذن، وممنوعة عن كل خروج إلى غاية الإذن. وقولهم: إن اشتراط الإذن في كل مرة هناك إنما علم بآخر الآية وهو قوله تعالى ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ ومعنى الإيذاء موجود في كل ساعة. جوابه: إن نظير ذلك المعنى موجود هنا أيضًا وهو خروج المرأة بغير إذن زوجها من بيتها يؤذي زوجها فلذلك نهاها أن تخرج من بيته حتى يأذن لها في الخروج أو إلا أن يأذن لها فيه، فالحاصل أن كون حتى للغاية لا يمنع من اشتراط الإذن في كل مرة، فإنها لو خرجت مرة بغير إذن ثم خرجت مرة أخرى بغير إذن، لا يقال إن النهي انتهى بالخرجة الأولى، وتكون الخرجة الثانية غير منهي عنها، فدل أن نهيه عن الخروج إلى غاية الإذن بمنزلة نهيه عن الخروج على كل حال إلا في حال الإذن، إلا أن ينوي خلاف ذلك في الموضعين لأنه نوى محتمل كلامه، والشافعي عكس ذلك وقال: إنه يكتفي بالإذن مرة في الألفاظ كلها إلا أن ينوي خلاف ذلك.

стр. 1299

وللمسألة لفظان آخران وهما: بغير إذني، وإلى أن آذن لك، واشتراط الإذن في كل مرة في الكل أظهر، بخلاف ما إذا قال: لا أكلم فلانًا إلا أن يقدم فلان أو حتى يقدم فلان أو إلا أن يأذن فلان أو حتى يأذن، أو قال لرجل قد دخل إليه: والله لا يخرج إلا بإذني حيث لا يتكرر اليمين في هذا كله لأن قدوم فلان مما يتكرر عادة، والإذن في الكلام يتناول كل ما وجد منه بعد الإذن وخروج الرجل الأجنبي مما لا يتكرر بخلاف الإذن للزوجة في الخروج فإنه مما يتكرر، والإذن لا يتناول إلا ذلك الخروج المأذون فيه عادة، والحاكم في ذلك كله العرف وهو على هذا التفصيل والله أعلم. * * *

стр. 1300

باب اليمين في الأكل والشرب قوله: (بخلاف ما إذا حلف لا يكلم هذا الصبي أو هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخًا، لأن هجران المسلم بمنع الكلام منهي عنه فلم يعتبر الداعي في الشرع). ينبغي التفصيل في هذا فإن هجر المسلم على وجه التأديب له جائز في الشرع كما فعل النبي ﷺ / بالثلاثة الذين خلفوا، وكذلك قد يكون في الصبي أو الشاب صفة داعية إلى هجرانه، فقد يكون هجر الصبي لخوف الاتهام به فإذا التحى زال السبب الداعي إلى هجرانه، وقد يكون الشاب فاسقًا يخاف الاتهام بمخالطته فهجر كلامه للبعد عنه فإذا شاخ انكسرت حدته ورجع عما كان عليه، فالجواب بالتفصيل باعتبار الأحوال أحق وأولى. قوله: (ولو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل فأكل بعد ما صار كبشًا حنث لأن صفة الصغر في هذا ليست بداعية إلى اليمين فإن الممتنع عنه أشد امتناعًا عن لحم الكبش).
следующие страницы →