← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك قوله: (ولو قال: إلا أن آذن لك فأذن لها، ثم خرجت بعدها بغير إذنه لم يحنث لأن هذه كلمة غاية فينتهي اليمين به، كما إذا قال: حتى آذن لك). فرق بين قوله لزوجته: إن خرجت إلا بإذني وإن خرجت إلا أن آذن لك وقال: إن الإذن في كل مرة شرط في قوله إلا بإذني، دون قوله: إلا أن آذن لك فيه نظر، ويجب أن يكون -إلا أن آذن -كقوله: إلا بإذني، ويشترط الإذن في كل مرة فيهما، وهذا قول الفراء وهو مذهب أحمد ﵀. وذلك لأن تقدير: إلا أن آذن لك: إلا بإذني، لأن أن والفعل في تقدير المصدر، وحرف الجر وهو الباء مقدر فيه، كأنه قال: إلا بأن آذن لك، والمقدر في حكم الملفوظ فلا فرق بين قوله إلا بإذني وإلا أن آذن لك والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الاستثناء من الأحوال أي إلا خروجًا/

стр. 1297

ملتبسًا بإذني، ومن هنا حصل العموم فإنه نهاها عن كل خروج إلا خروجًا ملصقًا بالإذن، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ..﴾ الآية يشترط فيه الإذن في كل مرة كما في قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ وقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سرًا إلا أن تقولوا قولاً معروفًا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم﴾ وإن كان الاستثناء هنا منقطعًا لكن لا يضر في الاستشهاد، ونظائره كثيرة، وتعليله -بأن هذه كلمة غاية فينتهي اليمين به كما إذا قال: حتى آذن لك -فيه نظر أيضًا، وقدمت بيان إعراب هذه الكلمة ولا شك أنها للاستثناء دون الغاية، ولكن الاستثناء هنا من الأحوال ومعناه أنه نهاها عن الخروج على كل حال إلا في حال ملتصقة بالإذن، وحتى آذن لك، وإن كان للغاية لكنه في معنى إلا أن آذن لك وفي معنى إلا بإذني فيحتاج إلى تكرير الإذن فيها، لا أن يكون إلا أن آذن بمعناها، ولا يحتاج إلى تكرير الإذن ولا يمنع كونها للغاية من تكرار الإذن كما في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ فإنه لابد

стр. 1298

عند كل دخول من الاستئناس والسلام على أهلها، وكذا قوله تعالى في الآية التي بعدها ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾ وقولهم إن الأصل أن دخول بيت الغير حرام فلهذا شرط تكرار الإذن. جوابه: أن التحريم ثبت بهذا النهي الذي قد استثنيت من أحواله حالة الإذن وكذلك هذه الزوجة قد صارت بنهي الزوج لها عن الخروج ممنوعة عن الخروج في جميع الأحوال إلا في حالة الإذن، وممنوعة عن كل خروج إلى غاية الإذن. وقولهم: إن اشتراط الإذن في كل مرة هناك إنما علم بآخر الآية وهو قوله تعالى ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ ومعنى الإيذاء موجود في كل ساعة. جوابه: إن نظير ذلك المعنى موجود هنا أيضًا وهو خروج المرأة بغير إذن زوجها من بيتها يؤذي زوجها فلذلك نهاها أن تخرج من بيته حتى يأذن لها في الخروج أو إلا أن يأذن لها فيه، فالحاصل أن كون حتى للغاية لا يمنع من اشتراط الإذن في كل مرة، فإنها لو خرجت مرة بغير إذن ثم خرجت مرة أخرى بغير إذن، لا يقال إن النهي انتهى بالخرجة الأولى، وتكون الخرجة الثانية غير منهي عنها، فدل أن نهيه عن الخروج إلى غاية الإذن بمنزلة نهيه عن الخروج على كل حال إلا في حال الإذن، إلا أن ينوي خلاف ذلك في الموضعين لأنه نوى محتمل كلامه، والشافعي عكس ذلك وقال: إنه يكتفي بالإذن مرة في الألفاظ كلها إلا أن ينوي خلاف ذلك.

стр. 1299

وللمسألة لفظان آخران وهما: بغير إذني، وإلى أن آذن لك، واشتراط الإذن في كل مرة في الكل أظهر، بخلاف ما إذا قال: لا أكلم فلانًا إلا أن يقدم فلان أو حتى يقدم فلان أو إلا أن يأذن فلان أو حتى يأذن، أو قال لرجل قد دخل إليه: والله لا يخرج إلا بإذني حيث لا يتكرر اليمين في هذا كله لأن قدوم فلان مما يتكرر عادة، والإذن في الكلام يتناول كل ما وجد منه بعد الإذن وخروج الرجل الأجنبي مما لا يتكرر بخلاف الإذن للزوجة في الخروج فإنه مما يتكرر، والإذن لا يتناول إلا ذلك الخروج المأذون فيه عادة، والحاكم في ذلك كله العرف وهو على هذا التفصيل والله أعلم. * * *

стр. 1300

باب اليمين في الأكل والشرب قوله: (بخلاف ما إذا حلف لا يكلم هذا الصبي أو هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخًا، لأن هجران المسلم بمنع الكلام منهي عنه فلم يعتبر الداعي في الشرع). ينبغي التفصيل في هذا فإن هجر المسلم على وجه التأديب له جائز في الشرع كما فعل النبي ﷺ / بالثلاثة الذين خلفوا، وكذلك قد يكون في الصبي أو الشاب صفة داعية إلى هجرانه، فقد يكون هجر الصبي لخوف الاتهام به فإذا التحى زال السبب الداعي إلى هجرانه، وقد يكون الشاب فاسقًا يخاف الاتهام بمخالطته فهجر كلامه للبعد عنه فإذا شاخ انكسرت حدته ورجع عما كان عليه، فالجواب بالتفصيل باعتبار الأحوال أحق وأولى. قوله: (ولو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل فأكل بعد ما صار كبشًا حنث لأن صفة الصغر في هذا ليست بداعية إلى اليمين فإن الممتنع عنه أشد امتناعًا عن لحم الكبش).

стр. 1301

ينبغي التفصيل أيضًا في ذلك فقد يهجر الحمل لكثرة رطوبته فإن الكبش أقل رطوبة منه فيكون الحمل أكثر ضررًا منه في حق من يضره كثرة الرطوبة فيهجر لذلك. قوله: (وجه الاستحسان -يعني في لحم السمك -أن التسمية مجازية لأن اللحم منشؤه من الدم، ولا دم فيه لسكونه الماء). لو علل بالعرف لكفى، فإن في كون التسمية مجازية نظرًا، كذا قوله: وكذا إذا أكل كبدًا أو كرشًا، لأنه لحم حقيقة فإن نموه من الدم وقوله: وله أنه لحم حقيقة، ألا ترى أن ينشأ من الدم يعني شحم الظهر، وليس بين كونه من الدم وبين تسميته باللحم مناسبة، وإنما سمي باللحم من الالتحام وهو الالتصاق والتداخل، يقال: التحم مناسبة، وإنما سمي باللحم من الالتحام وهو الالتصاق والتداخل، يقال: التحم الشيء بالشيء التصق وتداخل، هذا المعنى موجود في لحم السمك، وجعله حقيقة في القدر المشترك بينهما أولى من جعله مشتركًا أو مجازًا في أحدهما، لكنه لا يسمى في العرف لحمًا، يقال: ما أكلت لحمًا وإنما أكلت سمكًا ومن قال لغلامه: اشتر لي لحمًا فاشترى سمكًا عد مخالفًا، والألية وإن كان منشؤها من الدم لا تسمى لحمًا فانتقض التعليل بالمنشأ من الدم، وكذلك شحم البط.

стр. 1302

قوله: (وقالا: إن أكل من خبزها حنث أيضًا لأنه مفهوم منه عرفًا). يعني فيما إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة، وقولهما أظفر تحكيمًا للعرف فإن الحالف لا ينظر إلا إلى العرف والمسألة معروفة. قوله: (وأما العنب والرمان والرطب فهما يقولان معنى التفكه موجود فيها فإنها أعز الفواكه والتنعم بها فوق التنعم بغيرها، وأبو حنيفة ﵀ يقول إن هذه الأشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها فأوجب قصورًا في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء ولهذا كان اليابس منها من التوابل أو من الأقوات). قولهما أظهر أيضًا، وكونها يتغذى بها ويتداوى بها في بعض الأحيان لا يخرجها ذلك عن كونها من الفواكه ولا يوجب قصورًا في معنى التفكه بل يدل على أنها أفضل الفواكه لكونها تستعمل استعمال الفاكهة، واستعمال الغذاء، واستعمال الدواء وهذا زيادة وصف يوجب الفضل لا القصور في التسمية فإن الوصف الزائد يوجب الفضل لا القصور، وعطفها على الفاكهة وعطف الفاكهة عليها في القرآن لزيادة فضلها، كما يعطف الخاص على

стр. 1303

العام، والعام على الخاص لا للمغايرة المحضة كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة ونحو ذلك، وكون اليابس منها من التوابل أو من الأقوات لا يوجب خروجها عن الفواكه، ولا قصورًا في معنى التفكه كما في يابس التوت والمشمش وغيرهما. قوله: (وقال محمد: ما يؤكل مع الخبز غالبًا فهو إدام، وهو رواية عن أبي يوسف لأن الإدام من الموادمة وهي الموافقة، وكل ما يؤكل مع الخبز موافق له كاللحم والبيض ونحوه). وهذا القول أيضًا أظهر من قول أبي حنيفة ﵀، لما ذكر من الدليل، وما عورض به من أن اللحم والبيض قد يؤكل كل منهما وحده لا يخرجه عن أن يكون إدامًا إذا أكل مع الخبز، والعرف مؤيد لذلك أيضًا. قوله: (ولأبي حنيفة أن كلمة من للتبعيض، وحقيقته في الكرع وهي مستعملة ولهذا يحنث بالكرع إجماعًا إلى آخر المسألة).

стр. 1304

فيه نظر، فإن كلمة من في قوله: لا أشرب من دجلة -لابتداء الغاية دون التبعيض، واحتمال التبعيض فيها مجاز لأن قوله: لا أشرب/ من دجلة بمنزلة قوله: لا أشرب من البئر، ومن الكوز، ومن البركة، ونحو ذلك، ولا يتصور أن يشرب بعض هذه الأشياء إلا أن يراد بالتبعيض في حق الماء، وحينئذ يصير قوله: من دجلة، ومن ماء دجلة سواء فيحنث بالكرع وغيره، ولا ينفعه في التعليل إلا أن يقول: إن: من. لابتداء الغاية، والمراد أن يكون ابتداء غاية شربه من دجلة وذلك بالكرع، لأن الشارب من مائها بإناء ابتداء غاية شربه من الإناء لا من دجلة، وتقرير الاستدلال على هذا الوجه يتمشى، وإلا فعلى قوله: إن من للتبعيض إنما يتأتى ضد قصده، وقولهما أظهر على كل حال للعرف، فإن العرف لا يفصل بين قول الحالف: من دجلة أو من ماء دجلة. * * *

стр. 1305

باب اليمين في الكلام قوله: (وكذا العبد لسقوط منزلته). يعني فيما إذا حلف لا يكلم عبد فلان هذا فكلمه بعد ما باعه فلان لا يحنث بكلامه عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله -ويحنث عند محمد وزفر -رحمهما الله -، وقولهما أظهر، فإن العبد وإن كان ساقط المنزلة فقد يقصد بالهجران، والحالف لو أراد هجرانه لأجل سيده لم يحتج إلى الإشارة إليه بقوله: عبد فلان هذا، فلما أشار إليه علم أن مراده قصده بالهجران وقد قالا به ذلك وكذلك الدار ولكن العبد أظهر باعتبار ظهور صحة قصده بالهجران كما في المرأة والصديق. فصل: قوله: (ومن حلف لا يكلمه حينًا أو زمانًا، أو الحين أو الزمان، فهو على ستة أشهر). في كون الزمان المعرف لستة أشهر نظر، وجميع ما علل به بعده إنما هو في المنكر، وأما المعرف فلم يعلل له، وقد علل له غير المصنف بأنه لما صارت ستة أشهر معهودة في الزمان والحين صار التعريف للعهد، وهذا إن سلم في

стр. 1306

حين فهو في زمان مشكل فإن مجيء: زمان المنكر لستة أشهر فيه نظر ولا شك أن معرفة يستعمل استعمال الدهر والأبد عند الإطلاق، والألف واللام فيه للاستغراق وعموم الجنس وإن كان الاسم مفردًا كالألف واللام التي في الإنسان ولهذا يصح الاستثناء منه كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وكذلك الزمان فلو قال الحالف: لا أكلمه الزمان إلا سنة أو شهر لصح، ويقال: حين من الزمان: كما يقول: حين من الدهر وكذلك سنة من الزمان. قوله: (وله أنه جمع معرف، فينصرف إلى أقصى ما يذكر بلفظ الجمع وذلك عشرة). فيه نظر وقول الصاحبين أقوى فإن صرف الأيام إلى أيام الأسبوع، وصرف الشهور إلى شهور السنة هو العرف، وليس قوله: إنه ينصرف إلى أقصى ما يذكر بلفظ الجمع -بمسلم، وذلك لن مراده أن اسم العدد الذي يميز بالجمع أقصاه عشرة لأنه يقال: ثلاثة أشهر، أربعة شهور إلى عشرة شهور، وبعده يقال: أحد عشر شهرًا يميز بالمفرد، وهذا إنما يكون عند ذكر اسم العدد، وإذا لم يذكر اسم العدد يسمى الزائد عليه بالجمع بلا ريب، قال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ وقال تعالى: ﴿إن عدة الشهور

стр. 1307

عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ فقال تعالى: ﴿إن عدة الشهور﴾. بالجمع لما لم يذكر اسم العدد، ثم قال تعالى: ﴿اثنا عشر شهرًا﴾ بلفظ المفرد لما ذكر اسم العدد، وليس في قول الحالف: لا أكلمه الشهور اسم العدد، فلا يصح أن يقال: إنه أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، وكذلك الأيام ولكن لما كانت الأيام المعهودة هي أيام الأسبوع، والشهور المعهودة هي شهور السنة، صرفت اليمين إليها، ولما كانت الجمع والسنون ليس فيها معهود كانت الألف واللام فيها للجنس، وصرفت اليمين فيها إلى العمر. وقد أجاب الخبازي في الحواشي عن قولهما -إن الجمع يطلق على أكثر من العشرة إذا لم يذكر اسم العدد -بجوابين: فقال: اسم الجمع للعشرة وما دونها إلى الثلاثة حقيقة حالتي الإطلاق واقترانه بالعدد وهو اسم لما زاد على العشرة عند الإطلاق، لا عند الاقتران بالعدد والاسم متى كان للشيء في جميع الأحوال/ كان أثبت مما هو اسم له في حال دون حال، ولأن الزائد على العشرة أيام عند الإطلاق، ويوم عند اقترانه بالعدد، فلم يدخل تحت الأيام التي هي اسم جنس من كل وجه انتهى، وكلا الجوابين لا يصح، أما الأول: فكأنه لم يبلغه الفرق بين الجمع واسم الجمع، فلهذا قال إن للعشرة وما دونها حقيقة في حالتين، ولما فوقها في

стр. 1308

حالة واحدة. وإنما قالوا نحو هذا في بعض أسماء الجموع أنه يطلق من الثلاثة إلى العشرة كما في رهط وذود ونفر وذلك لأن اسم الجمع لما كانت دلالته على مجموع آحاده دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه، خص منه بعض جمل الآحاد بأسماء معينة ولهذا كان على وزن الآحاد، وأما الجمع فليس هو اسمًا لما دون العشرة ولا لها ولا لما زاد عليها وإنما يدل على مجموع آحاده دلالة تكرار الواحد بالعطف، وليس له اختصاص بعدد معين وإذا استعمل مقترنًا باسم عدد فإنما يعرف مقدار المجموع من اسم العدد لا من الجمع، كما لو كان مميزه مفردًا فاقترانه بالعشرة فما دونها كاقتران المفرد بالزائد على العشرة، وأما الثاني: فكأنه لم يبلغه الفرق بين الجمع واسم الجنس حتى ادعى أن الأيام اسم جنس من كل وجه، ولم يقل أحد إن الأيام اسم جنس لا من وجه ولا من كل وجه، كذا لا يصح أن يقال: إن الزائد على العشرة يوم عند اقترانه بالعدد، وإنما يقال: إن اسم العدد الزائد على العشرة مميزه يوم وإذا كان الزايد على العشرة أيام عند الإطلاق فالحالف قد أطلق فوجب العمل بإطلاقه من غير تقييد بعشرة. * * *

стр. 1309

باب اليمين في العتق والطلاق قوله: (وإن اشترى جارية فتسراها لم تعتق خلافًا لزفر ﵀). المسألة مطروقة، والإشكال فيها على قول أبي حنيفة ﵀، فإنه قال فيمن قال لامرأته: إن لبست من غزلك فهو هدي، فاشترى قطنًا فغزلته ونسجته فلبسه فهو هدي وعلله هناك لأن العرف لا يفرق بين أن يكون القطن في ملكه وقت اليمين وبين أن لا يكون في ملكه. وإذا اعتبر العرف في تلك المسألة ولم ينظر إلى الملك ظهرت قوة قول زفر في هذه المسألة. قوله: (ومن قال لنسوة له: هذه طالق أو هذه وهذه؛ طلقت الأخيرة، وله الخيار في الأوليين، لأن (أو) لإثبات أحد المذكورين، وقد أدخلها بين الأوليين ثم عطف الثالثة على المطلقة لأن العطف للمشاركة في الحكم فيختص بمحله فصار كما إذا قال: إحداكما طالق وهذه، وكذا إذا قال لعبيده هذا حر أو هذا وهذا عتق الأخير وله الخيار في الأوليين).

стр. 1310

روى ابن سماعة عن محمد بن الحسن ﵀ -أن الثالثة تكون معطوفة على الثانية، ولا يتنجز الطلاق في حقها والذي ذكره المصنف ظاهر الرواية، والقول بتنجيز الطلاق في حق الثالثة من غير نية من المطلق والحالة ما ذكر مشكل، فإن اللفظ صالح لكلا الأمرين العطف على الثانية والاستئناف والعطف على الثانية أظهر، لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون العطف على الثانية فلا يتنجز وبين أن يكون اللفظ مستأنفًا فيتنجز، فلا يتنجز بالشك. * * *

стр. 1311

باب اليمين في الحج والصوم والصلاة قوله: (ومن قال: عبدي حر إن لم أحج العام فقال: قد حججت وشهد شاهدان أنه ضحى العام بالكوفة لم يعتق عبده وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: يعتق، لأن هذه شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج فيتحقق الشرط، ولهما أنها قامت على النفي لأن المقصود منها نفي الحج لا إثبات التضحية لأنه لا مطالب لها فصار كما إذا شهدوا أنه لم يحج، غاية الأمر أن هذا مما يحيط علم الشاهد به، ولكنه لا يميز بين نفي ونفي تيسيرًا). قول محمد ﵀ -في هذه المسألة أظهر فإنه ذكر في المبسوط أن الشهادة على النفي تسمع في الشروط، ولهذا لو قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فشهد شاهدان أنه لم يدخل الدار/ اليوم يقبل ويقضي بعتقه، وهذه المسألة من هذا الباب. وقد أجاب الشيخ حافظ الدين النسفي في الكافي عن هذا بأن هذا عبارة عن أمر ثابت معاين، وهو كونه خارج الدار. وهذا الجواب ضعيف، فإن الذين شهدوا أنه ضحى بالكوفة، شهدوا بأمر

стр. 1312

ثابت معاين وهو كونه بالكوفة وليس بمكة، فهي وزان مسألة المبسوط، وأولى منها، فإن في مسألة المبسوط شهدوا على النفي مقصودًا وفي مسألة الكتاب شهدوا على النفي ضمنًا، فإذا قبلت الشهادة على النفس المقصود فقبولها على النفي الضمني أولى، وأيضًا فهي داخلة في الأصل المعروف أن المنفي إذا كان مما يحيط به علم الشاهد يكون بمنزلة المثبت. قوله: (ومن حلف لا يصوم فنوى الصوم وصام ساعة ثم أفطر من يومه حنث ... إلى آخر الباب). في الفرق بين قوله: لا أصوم وبين قوله: لا أصوم صومًا نظر، وكذا بين قوله: لا أصلي وبين قوله: لا أصلي صلاة، فإن قوله صومًا بعد قوله: لا أصوم للتأكيد، فإن الفعل يدل على المصدر وذكره بعده للتأكيد فقط، ولا شك أن مراده -بقوله: لا أصوم أو لا أصلي -الصوم الشرعي والصلاة الشرعية، وأقل الصوم الشرعي يوم وأقل الصلاة الشرعية ركعتان عند من لا يرى التنفل بركعة مشروعًا، فإذا صام أقل من يوم أو صلى أقل من ركعتين ثم قطع لم يكن قد صام ولا صلى، وصار كما قالوا: فيما إذا قال لزوجته: إن حضت فأنت طالق، فرأت الدم لا تطلق حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام ولو انقطع لأقل من ثلاثة أيام لم تطلق لأنه تبين أنه ليس بحيض، فكذا هنا لما قطع الصلاة ولم يكملها ركعتين، أو قطع الصوم ولم يكمله يومًا تبين أنه ليس بصلاة ولا صوم. وقد أجيب عن هذا بأنه إذا لم يذكر المصدر ينصرف إلى الصوم لغًة، وإذا ذكر المصدر ينصرف إلى الكامل وهو الصوم لغًة وشرعًا، وكذا في الصلاة،

стр. 1313

وهذا الجواب هو عين المدعي، والمنع فيه. وأجاب في الكافي بأن الصوم هو الإمساك في وقته عن المفطرات الثلاث مع النية فإذا أصبح صائمًا فقد وجد ذلك وما زاد عليه تكرار، ولهذا يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر، وتكرار المحلوف عليه ليس بشرط لتحقق الحنث وإلى هذا المعنى أشار صاحب الهداية أيضًا بقوله: بخلاف الصوم لأنه ركن واحد وهو الإمساك ويتكرر في الجزء الثاني، وفيه نظر: فإن من صام ساعة ثم أفطر لم يصم الصوم الشرعي وهو المحلوف عليه، وقوله: إن ما زاد عليه تكرار، ممنوع، بل هو ركن واحد غير مكرر، ولهذا يكتفي عند أبي حنيفة بالنية المقترنة بأكثره على ما هو معروف من مذهبه، ولو قيل، إنه يقع إذا صام يومًا أو صلى ركعتين مستندًا -كما قالوا: فيما إذا قال: إن حضت فأنت طالق إنه لا يقع حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام فإذا استمر بها الدم ثلاثة أيام، حكم بالطلاق من وقت الحيض -لكان أشبه، وهذا لأنهم قالوا: إن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، والصوم لا يكون أقل من يوم، والصلاة لا تكون أقل من ركعتين، فإذا شرطوا في الحيض انقضاء مدته مع ما في تقديره من الخلاف فالصوم والصلاة أولى. * * *

стр. 1314

باب اليمين في تقاضي الدراهم قوله: (ومن خلف ليقضين فلانًا دينه اليوم إلى أن قال: وإن وهبها له -يعني الدين -لم يبر لعدم المقاصة، لأن القضاء فعله، والهبة إسقاط من صاحب الدين). قال الخبازي في حواشيه: إن أريد به الحنث فمشكل فيما إذا كان اليمين مؤقتًا باليوم لأن الدين لما سقط قبل مضي اليوم لم يبق قضاء الدين متصورًا، فبطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد كما في مسألة الكوز، وإن أريد به أنه لا يحنث لبطلان اليمين بعدم الدين فهو صحيح، لأن اليمين إذا بطلت لم يكن بارًا ولا حانثًا فيحمل على هذا تصحيحًا لما ذكر في الكتاب. انتهى. وهذا التوجيه أيضًا مشكل، لأنه لا يفهم من عدم البر عدم الحنث والمحتاج إليه بيان حكم الحنث، ثم قال في الحواشي: وقيل ذكر اليوم في وضع المسألة وقع سهوًا من الكاتب. انتهى.

стр. 1315

وهذا كلام صحيح، وككاتب المسألة حال/ وضعها هو المصنف أو من نقلها عنه لا الناسخ والله أعلم. * * *

стр. 1316

كتاب الحدود قوله: (أو زنى في دار الحرب). يشير إلى أنه لو زنى مسلم بمسلمة في دار الحرب ثم خرجا إلينا واعترفا، أو قامت عليهما بينة أنهما لا يحدان، وستأتي المسألة -إن شاء الله تعالى -. قوله: (قال ﵇: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم"). رواه الترمذي والبيهقي، قال الترمذي: ورواه وكيع ولم يرفعه وهو أصح وقال البيهقي: أقرب إلى الصواب، وقال أبو يوسف في رسالته إلى هارون الرشيد: حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال كانوا يقولون: ادرؤوا الحدود عن عباد الله ما استطعتم.

стр. 1317

قوله: (لأنه ﵇ -طرد ماعزًا في كل مرة حتى توارى بحيطان المدينة). ليس هذا في حديث ماعز في رواية من الروايات المشهورة في كتب الحديث، وإنما روى مسلم وأبو داود عن بريدة ﵁ -قال: "إن ماعز ابن مالك الأسلمي أتى النبي ﷺ -فقال يا رسول الله: إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني زنيت فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ -إلى قومه فقال: تعلمون بعقله بأسًا؟ تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه فأخروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم" ولكن ذكر في المغني عن الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن الزاني يردد أربع مرات؟ قال: نعم على حديث ماعز هو أحوط، قلت له: في مجلس واحد أو مجالس شتى؟ قال: أما الأحاديث فليست تدل إلا على مجلس واحد، إلا

стр. 1318

ذاك الشيخ بشير بن مهاجر. عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وذاك عندي منكر الحديث انتهى. وفي رواية لأبي داود قال: "جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ -فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت على نفسك أربع مرات، اذهبوا به فارجموه". قوله: (فإن رجع المقر عن إقراره قبل إقامة الحد أو في وسطه، قبل رجوعه سبيله، وقال الشفعي ﵀ -وهو قول ابن أبي ليلى -يقيم عليه الحد). قول الشافعي ﵀ -كقول أبي حنيفة ﵀ -في صحة رجوع المقر بالزنا عن إقراره واستحباب تلقينه الرجوع، لا كما ذكره المصنف، كذا ذكره النووي في شرح مسلم، وإنما قال بعدم رجوعه ابن أبي ليلى وعثمان البتي كذا وذكره ابن عبد البر [في التمهيد].

стр. 1319

فصل في كيفية الحد وإقامته: قوله: (ورمى رسول الله ﷺ -الغامدية بحصاة مثل الحمصة وكانت اعترفت بالزنا). ذكر أبو داود عن بريدة حديث الغامدية ثم قال: حدثت عن عبد الصمد ابن عبد الوارث فذكر بسنده نحوه، وزاد (ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال: ارموا واتقوا الوجه، فلما طفئت أخرجها فصلى عليها" وذكره النسائي أيضًا ولكن قال في سنده: عن زكريا أبي عمران البصري قال سمعت شيخًا يحدث عمرو بن عثمان القرشي قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: شهدت النبي ﷺ -وساق الحديث، وهو حديث منقطع لأن أبا داود يقول: حدثت عن عبد الصمد، والنسائي يقول: عن أبي عمران البصري سمعت شيخًا يحدث.

стр. 1320

قوله: (لقوله ﵇ -لماعز "اصنعوا به كما تصنعون بموتاكم"). هذا حديث منكر، لا يعرف في قصة ماعز وإنما روى نحوه عن علي ﵁ -في حق المرأة التي رجمها ثم قال: افعلوا بها كما تفعلون بموتاكم. قوله: (لأن عليًا ﵁ -كان يأمر بالتجريد في الحدود). لا أصل لهذا عن علي ﵁ -ولا عن غيره، قال ابن المنذر: وليس في تجريد المجلود خبر يعتمد عليه فلا يجرد المجلود، والمجلود وعليه قميصه مجلود عند أهل العلم، ونزع ما يمنع من الألم يجب. انتهى. وترك

стр. 1321

التجريد مذهب أحمد وهو منقول عن أبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وطاووس والشعبي والنخعي وقتادة وإسحاق وأبي ثور، وفي المغني قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد. وجلد أصحاب رسول الله ﷺ -فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد، ولا تنزع عنه ثيابه بل/ يكون [عليه] الثوب والثوبان، وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت عنه، لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب، قال أحمد: لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك: يجرد لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه، ولنا قول ابن مسعود ولم يعلم عن الصحابة خلافه، والله تعالى لم يأمر بتجريده وإنما بجلده، ومن جلد من فوق

стр. 1322

الثوب فقد جلد. انتهى. وأيضًا فكما أمر بالجلد في الزنا أمر به في القذف فمن أين جاء التفريق بينهما. قوله: (لقوله ﵇ -للذي أمره بضرب الحد: "اتق الوجه والمذاكير"). هذا لا يعرف مرفوعًا إلى النبي ﷺ -وإنما يروى عن علي ﵁ -أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة، وعن أبي هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ -قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" أخرجه مسلم، وهذا يشمل الضرب في الحدود وغيرها، ولكن ليس فيه ذكر المذاكير. قوله: (وإن ترك لا يضره لأن النبي ﷺ -لم يأمر بذلك). يعني وإن ترك الحفر للمرأة في الرجم، وفيه نظر، لأنه قال قبل ذلك: لأن النبي ﷺ -حفر للغامدية، ولو قال: لأن النبي ﷺ -حفر لامرأة ثم رجمها ورجم أخرى ولم يحفر لها، فقد حفر تارة وترك الحفر تارة أخرى لكان أولى.

стр. 1323

قوله: (ولنا قوله ﵇"أربع إلى الولاة، وذكر منها الحدود"). هذا حديث منكر، وإنما يروى من كلام الحسن البصري وغيره وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنيت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر" متفق عليه. وذكر ابن المنذر أن إقامة الحد على العبد والأمة إلى سيدها دون السلطان عن ابن مسعود وابن عمر والحسن والزهري وأبي ميسرة وهبيرة

стр. 1324

ابن يريم، قال: وبه قال مالك والثوري والشافعي وأبو ثور، وبه نقول لثبوت الخبر عن رسول الله ﷺ -أنه قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يعيرها" انتهى. وزاد في المغني: علي بن أبي طالب وأبا حميد وأبا أسيد الساعديين، وفاطمة بنت النبي ﷺ ، وعلقمة والأسود، قال: وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا

стр. 1325

وصدر المسألة بأن هذا القول مذهب أحمد. انتهى. وروى أحمد وأبو داود عن علي ﵁ -رفعه "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" ورواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ -من كلامه ولفظه "أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن". قوله: (الشافعي يخالفنا في اشتراط الإسلام، وكذا أبو يوسف ﵀[في رواية] لهما ما روي أن النبي ﷺ "رجم يهوديين قد زنيا" قلنا: كان ذلك بحكم التوراة ثم نسخ، والذي يؤيده قوله ﵊"من أشرك بالله فليس بمحصن"). حديث رجم اليهوديين متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، وروى الدارقطني من حديثه ﵄"من أشرك بالله فليس بمحصن" وقال: الصواب موقوف عليه. وقال في المغني: لم يصح ولا نعرفه في مسند، وقيل هو موقوف على ابن

стр. 1326

عمر، ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعًا بين الحديثين فإن راويهما واحد، وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبرهم على الإحصان الآخر، فإن قالوا: إنما رجم النبي ﷺ -اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعهما فلما تبين له أذن له أن ذلك حكم الله عليهم أقامه فيهم، وفيها أنزل الله تعالى ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾ قلنا: إنما حكم عليهم بما أنزل الله إليه بدليل قوله تعالى ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعًة ومنهاجًا﴾، ولأنه لا يسوغ للنبي ﷺ -الحكم بغير شريعته، ولو ساغ ذلك له ساغ لغيره، وإنما راجع التوراة ليعرفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم، وأنهم تاركون لشريعتهم مخالفون لحكمها، ثم هذا حجة لنا فإن حكم الله تعالى في وجوب الرجم إن كان ثابتًا في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الإحصان فيهم فإنه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من/ زنى منهم بعد وجود شرط القياس على إحصان القذف، لأن من شرطه العفة، وليست شرطًا هاهنا. انتهى. وإنما ذكرت كلامه هنا ليسمع المنصف حجتهم كما سمع حجة غيرهم، ويتأمل القولين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وأما قول المصنف: قلنا كان ذلك بحكم التوراة ثم نسخ. فلم يذكر الناسخ له ما هو، ومثل هذه الدعوى لا تكفي في الاستدلال.

стр. 1327

ولو كان مراده أنه نسخ بقوله ﷺ : "من أشرك بالله فليس بمحصن" لقال ذلك وإنما قال: إن هذا الحديث يؤيد النسخ أو الناسخ، لا أنه هو الناسخ. قوله: (وأبو يوسف يخالفهما في الكافرة، والحجة عليه ما رويناه، وقوله ﵇"لا تحصن المسلم اليهودية ولا النصرانية، ولا الحر الأمة، ولا الحرة العبد"). يعني أن أبا يوسف ﵀ -يخالف أبا حنيفة ومحمدًا -رحمهما الله -في قولهما: إن الكافرة لا تحصن المسلم وقد تقدم التنبيه على قوة قول أبي يوسف في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وأما الحديث الذي ذكره فهو حديث منكر، ولو استدل بما رواه أبو داود في المراسيل عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك أنه أراد أن يتزوج يهودية فقال له النبي ﷺ : "لا

стр. 1328

تتزوجها فإنها لا تحصنك" لكان أشبه، وإن كان هذا الحديث ضعيفًا فهو أقرب إلى الثبوت من الحديث الذي ذكره والله أعلم. قوله: (ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي، وقال الشافعي: يجمع بينهما لقوله ﵇"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" ولأن فيه حسم مادة الزنا لقلة المعارف، ولنا قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ جعل الجلد كل الواجب رجوعا إلى حرف الفاء، أو إلى كونه كل المذكور، ولأن في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة، ثم فيه قطع مواد البقاء، وربما تتخذ زناها مكسبة، وهو من أقبح الزنا، وهذه الحجة مرجحة لقول علي ﵁"كفى بالنفي فتنة"، والحديث منسوخ كشطره وهو قوله ﵇"الثيب جلد

стр. 1329

مائة ورجم بالحجارة"، وقد عرف طريقه في موضعه، قال: إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى، وذلك تعزيز وسياسة لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي فيه على الإمام، وعليه يحمل النفي المروري عن بعض الصحابة). أما الحديث الذي أشار إليه فهو حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. وعن أبي هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ "قضي فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه" رواه أحمد والبخاري. وعن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ -قالا: "إن رجلاً من

стр. 1330

الأعراب أتى النبي ﷺ -فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه -نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس -لرجل من أسلم -إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ -فرجمت" رواه الجماعة. والقول بالتغريب مع الجلد مأثور عن الخلفاء الراشدين -رضي الله

стр. 1331

عنهم -، وبه قال أبي، وأبو ذر، وابن مسعود، وابن عمر ﵃، وإليه ذهب عطاء، وطاووس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة، ذكر ذلك/ ابن قدامة في المغني وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄"أن النبي ﷺ -ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب". وقد استدل المصنف بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ جعل الجلد كل الواجب رجوعًا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور، وتكميل هذا الاستدلال: أن الأحاديث الواردة من السنة في التغريب أخبار آحاد لا يزاد بها على الكتاب لأن الزيادة على الكتاب

стр. 1332

نسخ، والكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد. والجواب عن ذلك: أن الأحاديث الواردة في التغريب مشهورة تلقتها الأمة بالقبول وعملت بها الصحابة والخلفاء الراشدون وغيرهم ومن بعدهم، ولا خلاف أن الحديث المشهور تجوز به الزيادة على الكتاب كما في زيادة الإحداد في عدة المتوفى عنها زوجها على التربص المأمور به في القرآن. وأما زيادة الإحداد في عدة المبتوتة فقد تقدم التنبيه على ما فيها من الإشكال، ولم يقولوا هناك إنها زيادة على النص مع أن تسمية الزيادة على

стр. 1333

النص نسخًا أمر اصطلاحي، وإلا فلا فرق بين إنشاء حكم لم يتعرض له النص وبين زيادة مغيرة لحكم÷ ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر سنين رسول الله ﷺ ، كما في السنن من حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ -أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة مال معاهد" وفي لفظ "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته فيحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" قال الترمذي: حديث حسن. وقال البيهقي: إسناده صحيح.

стр. 1334

وأما قول المصنف ولأن في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة ثم فيه قطع مواد البقاء. فكل تعليل في مقابلة النص مردود وليس هذا الذي ذكره أمرًا لازمًا لكل أحد وإن كان هذا قد يقع لبعض الناس فالمصلحة التي تحصل بالتغريب في حق غالب الناس من مفارقة الوطن والأهل والإخوان وغير ذلك مما يكسر النفس ويقمع داعي الفساد تربو على هذه المفسدة. وقوله بعد ذلك: -إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى -يرد هذا المعنى الذي ذكره من المفسدة، فإنه إذا قال: إن ذلك مفوض إلى رأي الإمام دل على أن ذلك قد يكون مصلحة وقد يكون مفسدة، ولا شك أن الإمام لا يعلم الغيب فقد يقع عنده أن تغريب هذا مفسدة ويكون مصلحة، وبالعكس فتفويض ذلك إليه لا يحصل به ما يظن من المصلحة، وليس هذا مما يعرف بقرائن الأحوال فإن ابن آدم محل التغيير فقد ينقلب من صلاح إلى فساد وقد ينعكس ذلك، وأما قوله: وربما تتخذ زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا. فهذا يخص المرأة وهو صحيح، وأيضًا فإن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولا يحل تغريبها بغير محرم لأنها تحتاج إليه في السفر والإقامة، وإن غرب المحرم معها أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة عقوبة لم يرد بها الشرع، وحديث العسيف إنما فيه تغريب الرجل، وحديث البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، ليس نفيهما، فيصرف إلى نفي الرجل، وهذا قول الإمام مالك وهو أصح

стр. 1335

الأقوال وأعدلها والله أعلم. وأما ما نسبه إلى علي ﵁ -من قوله: كفى بالنفي فتنة. فلم يثبت، قال في المغني: لضعف راويه وإرساله. انتهى. بل ثبت عنه أنه غرب، روى البيهقي عنه ﵁ "أنه نفى من البصرة إلى الكوفة أو من الكوفة إلى البصرة"/ وقال المنذري: جمع بينهما علي وابن مسعود والحسن، وأما قوله: والحديث منسوخ كشطره وهو قوله ﵇"الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وقد عرف طريقه في موضعه فيشير إلى تقديم الحديث على آية الزنا التي في سورة النور، لأن النبي ﷺ -رجم ماعزًا والغامدية والتي أرسل إليها أنيسًا فاعترفت بالزنا كما تقدم، ولم يجلد أحدًا منهم فدل على نسخ جمع الجلد مع الرجم وهو مذكور في الحديث الذي فيه ذكر التغريب، وإذا نسخ بعضه يتطرق النسخ بعضه يتطرق النسخ إلى بقيته لأنه من الأحكام المتقدمة في أوائل الإسلام. وهذا ليس بشيء فإن الحديث الذي فيه رجم المرأة التي اعترفت بالزنا لما أرسل إليها أنيسًا [فيه] "أنه ﷺ -قال: وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" فدل هذا الحديث على أنه جلد وغرب لغير المحصن، ورجم فقط للمحصن في زمان واحد، وعمل الصحابة بعده بالتغريب دليل على بقاء حكمه.
следующие страницы →