Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
عنهم -، وبه قال أبي، وأبو ذر، وابن مسعود، وابن عمر ﵃، وإليه ذهب عطاء، وطاووس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة، ذكر ذلك/ ابن قدامة في المغني وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄"أن النبي ﷺ -ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب".
وقد استدل المصنف بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ جعل الجلد كل الواجب رجوعًا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور، وتكميل هذا الاستدلال: أن الأحاديث الواردة من السنة في التغريب أخبار آحاد لا يزاد بها على الكتاب لأن الزيادة على الكتاب
стр. 1332
نسخ، والكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.
والجواب عن ذلك:
أن الأحاديث الواردة في التغريب مشهورة تلقتها الأمة بالقبول وعملت بها الصحابة والخلفاء الراشدون وغيرهم ومن بعدهم، ولا خلاف أن الحديث المشهور تجوز به الزيادة على الكتاب كما في زيادة الإحداد في عدة المتوفى عنها زوجها على التربص المأمور به في القرآن.
وأما زيادة الإحداد في عدة المبتوتة فقد تقدم التنبيه على ما فيها من الإشكال، ولم يقولوا هناك إنها زيادة على النص مع أن تسمية الزيادة على
стр. 1333
النص نسخًا أمر اصطلاحي، وإلا فلا فرق بين إنشاء حكم لم يتعرض له النص وبين زيادة مغيرة لحكم÷ ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر سنين رسول الله ﷺ ، كما في السنن من حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ -أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة مال معاهد" وفي لفظ "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته فيحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" قال الترمذي: حديث حسن.
وقال البيهقي: إسناده صحيح.
стр. 1334
وأما قول المصنف ولأن في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة ثم فيه قطع مواد البقاء.
فكل تعليل في مقابلة النص مردود وليس هذا الذي ذكره أمرًا لازمًا لكل أحد وإن كان هذا قد يقع لبعض الناس فالمصلحة التي تحصل بالتغريب في حق غالب الناس من مفارقة الوطن والأهل والإخوان وغير ذلك مما يكسر النفس ويقمع داعي الفساد تربو على هذه المفسدة.
وقوله بعد ذلك: -إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى -يرد هذا المعنى الذي ذكره من المفسدة، فإنه إذا قال: إن ذلك مفوض إلى رأي الإمام دل على أن ذلك قد يكون مصلحة وقد يكون مفسدة، ولا شك أن الإمام لا يعلم الغيب فقد يقع عنده أن تغريب هذا مفسدة ويكون مصلحة، وبالعكس فتفويض ذلك إليه لا يحصل به ما يظن من المصلحة، وليس هذا مما يعرف بقرائن الأحوال فإن ابن آدم محل التغيير فقد ينقلب من صلاح إلى فساد وقد ينعكس ذلك، وأما قوله: وربما تتخذ زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا. فهذا يخص المرأة وهو صحيح، وأيضًا فإن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولا يحل تغريبها بغير محرم لأنها تحتاج إليه في السفر والإقامة، وإن غرب المحرم معها أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة عقوبة لم يرد بها الشرع، وحديث العسيف إنما فيه تغريب الرجل، وحديث البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، ليس نفيهما، فيصرف إلى نفي الرجل، وهذا قول الإمام مالك وهو أصح
стр. 1335
الأقوال وأعدلها والله أعلم.
وأما ما نسبه إلى علي ﵁ -من قوله: كفى بالنفي فتنة. فلم يثبت، قال في المغني: لضعف راويه وإرساله. انتهى. بل ثبت عنه أنه غرب، روى البيهقي عنه ﵁ "أنه نفى من البصرة إلى الكوفة أو من الكوفة إلى البصرة"/ وقال المنذري: جمع بينهما علي وابن مسعود والحسن، وأما قوله: والحديث منسوخ كشطره وهو قوله ﵇"الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وقد عرف طريقه في موضعه فيشير إلى تقديم الحديث على آية الزنا التي في سورة النور، لأن النبي ﷺ -رجم ماعزًا والغامدية والتي أرسل إليها أنيسًا فاعترفت بالزنا كما تقدم، ولم يجلد أحدًا منهم فدل على نسخ جمع الجلد مع الرجم وهو مذكور في الحديث الذي فيه ذكر التغريب، وإذا نسخ بعضه يتطرق النسخ بعضه يتطرق النسخ إلى بقيته لأنه من الأحكام المتقدمة في أوائل الإسلام.
وهذا ليس بشيء فإن الحديث الذي فيه رجم المرأة التي اعترفت بالزنا لما أرسل إليها أنيسًا [فيه] "أنه ﷺ -قال: وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" فدل هذا الحديث على أنه جلد وغرب لغير المحصن، ورجم فقط للمحصن في زمان واحد، وعمل الصحابة بعده بالتغريب دليل على بقاء حكمه.
стр. 1336
وقوله: لأنه قد يفيد في بعض الأحوال، فيكون الرأي فيه إلى الإمام، وعليه يحمل النفي المروري عن بعض الصحابة.
قد تقدم ذكر من روي عنه التغريب من الصحابة، ولم يثبت عنهم ولا غيرهم ما يخالفه، فنزل منزلة الإجماع.
* * *
стр. 1337
باب الوطء الذي يوجب الحد والذي لا يوجبه
قوله: (ثم الشبهة عند أبي حنيفة ﵀ -تثبت بالعقد وإن كان متفقًا على تحريمه وهو عالم به، وعند الباقين لا تثبت إذا علم بتحريمه، ويظهر ذلك في نكاح المحارم على ما يأتيك إن شاء الله تعالى).
واستدل لأبي حنيفة بعد ذلك في الكلام على المسألة بأن العقد صادق محله، لأن محل التصرف ما يقبل مقصوده، والأنثى من بنات آدم قابلة للتوالد وهو المقصود وكان ينبغي أن ينعقد في جميع الأحكام، إلا أنه تقاعد عن إفادة حقيقة الحل فيورث الشبهة، ولأن الشبهة ما يشبه الثابت، لا نفس الثابت، إلا أنه ارتكب جريمة، وليس فيها حد مقدر فيعزر، وقول الصاحبين في هذه المسألة الموافق لقول جمهور العلماء هو الذي يتعين المصير إليه، ولا شك أن هذا الذي زنا بأمه وغيرها من المحرمات المجمع على تحريمهن بعد أن تزوج بها، قد ضم معصية إلى معصية فإن من عقد نكاحه على محرمه فقد تلاعب بالشريعة، واتخذ آيات الله هزوًا، فإن لم يوجب ذلك تغليظ العقوبة عليه لا يوجب التخفيف عنه، وقول المصنف: إن العقد صادق محله إلى آخر
стр. 1338
تعليله، مردود بأن الشارع أخرجها عن محلية النكاح في حق محرمها، وليس المراد أن الشارع أخرجها عن محلية التوالد بل عن إضافة العقد إليها، ومن جهة الشارع عرف العقد وهو لم يجعل العقد مؤثرًا في المحارم شيئًا، فصار وجوده كعدمه بل وجوده أردى من عدمه، لأن فاعله عاصٍ يستحق عقوبة أخرى مع الحد.
وقوله: إن الشبهة ما يشبه الثابت لا نفس الثابت.
وجوابه: أنا لو أسقطنا الحد بكل شبهة وكل احتمال لم يجب حد أصلاً ولأن مطلق الشبهة غير كاف كما إذا وطئ جارية أخته أو عمه وقال: ظننت أنها تحل لي، وكما قالوا فيمن وطئ من طلقها ثلاثًا بكلمة واحدة في عدتها، وكما قالوا فيمن وجد امرأة على فراشه فوطئها على ظن أنها امرأته أنه لا يعذر ولو كان أعمى، وكما قال أبو حنيفة [فيمن أكرهه غير السلطان] أنه يحد وسيأتي الكلام في ذلك -إن شاء الله تعالى-.
فمن لا يرى ذلك شبهة كيف يرى أن عقد نكاحه على أمه أو أخته شبهة، وعن البراء بن عازب قال: "لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ -إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله" رواه الخمسة ولم يذكر ابن ماجه والترمذي أخذ المال.
стр. 1339
وقد أجاب الطحاوي عن هذا بأنه ليس فيه ذكر الرجم، وإنما فيه القتل فيحمل على أنه قتله لأنه فعل مستحلاً له فصار مرتدًا، فقتله لارتداده واستدل لذلك بأنه ليس فيه ذكر الدخول بها.
وغاية ما قاله الطحاوي تعطيل الدلالة من الحديث على إيجاب/ الحد، والاعتماد في إيجاب الحد ليس على الحديث المذكور بل لدخول هذا الفعل في حد الزنا الموجب لحده، والاعتضاد بهذا الحديث، ووجه الاعتضاد به أن هذا القتل يحتمل أنه لاستحلاله الفعل، كما ذكر، ويحتمل أنه لاتخاذه آيات الله هزوًا وتلاعبه بالدين فاتفاق العلماء على ترك قتل غير المستحيل لما ذكر من الاحتمال، لا يمنع من إقامة الحد عليه وتعزيزه مع الحد بما يراه الإمام لتلاعبه بالدين فإن بالعقد على المحرم معصية أخرى ولو قيل بتغليظ العقوبة على من زنا بمحرمه بغير عقد لأنه أبلغ من الزنا بالأجنبية لكان ظاهرًا، فكيف إذا ضم إلى ذلك عقدًا باطلاً.
قوله: (ومن طلق امرأته ثلاثًا ثم وطئها في العدة، وقال: علمت أنها علي حرام حد لزوال الملك المحلل من كل وجه فتكون الشبهة منفية، وقد نطق الكتاب بانتفاء الحل، وعلى ذلك انعقد إجماع الأمة ولا يعتبر قول المخالف فيه، لأنه خلاف لا اختلاف).
إن أراد بقوله: وقد نطق الكتاب بانتفاء الحل المطلقة طلقة ثالثة، فهذا لم يخالف فيه أحد من المسلمين فيكون قوله: ولا يعتبر قول المخالف فيه، كلامًا
стр. 1340
لا حاجة إليه، وإن أراد به المطلقة ثلاثًا بكلمة واحدة فلم ينطق الكتاب بانتفاء حلها وقوله: وعلى ذلك انعقد الإجماع، لو قال: لا أعلم فيه خلافًا كان أولى من دعوى الإجماع، فإن ابن عباس كان يقول: إن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة تقع به واحدة رجعية وهو مذهب طاووس وعكرمة وتقدم حكايته عن أهل الظاهر وعن محمد بن إسحاق، وتقدم ذكر قول من فصل بين
стр. 1341
كونه قبل الدخول وبعده، والمصنف قد حكى هنا أن في المسألة اختلافًا ولم يرد قول المخالف إلا بأن قوله خلاف لا اختلاف، ويريد بذلك أنه قول على خلاف الكتاب والسنة وليس هذا إنصافًا منه.
قوله: (ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة، فلم يكن الظن مستندًا إلى دليل، وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها وكذا إذا كان أعمى يمكنه التمييز بالسؤال وغيره).
مقتضى تعليله أنه يفرق بينهما إذا طالت الصحبة أو قصرت وليس كذلك، ولا شك أنه لا يأثم بذلك بل قد يثاب بنيته، كما أنه لو جامع من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام، وأيضًا فإن مثل هذا يكون من قبيل الخطأ، وهو مرفوع الإثم بالاتفاق وفي رفع الحكم اختلاف فكيف لا تكون شبهة يدرأ بها الحد، وقول المصنف: قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها، يعارض بمن ليس في بيته غير امرأته عادة، ولم يقل بالتفصيل، والأعمى أعذر من البصير في الكلام والقول بحده والحالة هذه في غاية البعد.
قوله: (ومن أتى امرأة في الموضع المكروه أو عمل عمل قوم لوط فلا حد عليه عند أبي حنيفة ويعزر، وزاد في الجامع الصغير: ويودع السجن.
стр. 1342
وقالا: هو كالزنا فيحد. وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قول: يقتلان بكل حال لقوله ﵊"اقتلوا الفاعل والمفعول به" ويروى "ارجموا الأعلى والأسفل" ولهما أنه في معنى الزنا لأنه قضاء الشهوة في محل مشتهى على سبيل الكمال على وجه تمحض حرامًا لقصد سفح الماء، وله أنه ليس بزنا لاختلاف الصحابة ﵃ -في موجبه من الإحراق بالنار وهدم الجدار، والتنكيس من مكان مرتفع بإتباع الأحجار، وغير ذلك، ولا هو في معنى الزنا لأنه ليس فيه إضاعة الولد واشتباه الأنساب، وكذا هو أندر وقوعًا لانعدام الداعي في أحد الجانبين، والداعي إلى الزنا من الجانبين، وما رواه محمول على السياسة أو على المستحل إلا أنه يعزر عنده لما بيناه).
اختلف العلماء في حكم اللائط فذهب مالك وإسحاق وربيعة والشعبي وجابر بن زيد، وعبيد الله بن معمر، والزهري، والشافعي في
стр. 1343
أحد قوليه وأحمد في رواية إلى أنه يرجم بكل حال بكرًا كان أو ثيبًا، وهو قول علي وابن عباس ﵄، وذهب أبو يوسف ومحمد والشافعي في قوله الآخر وأحمد في رواية وأبو ثور إلى أنه يرجم إن كان محصنًا، ويجلد إن كان بكرًا، وكذا قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن/ وقتادة، وذهب أبو حنيفة والحكم إلى أنه يعزر، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ -أنه أمر بتحريقه، وهو قول ابن الزبير ذكر ذلك ابن المنذر، وابن قدامة يزيد أحدهما على الآخر، ووجه قول من قال إنه يرجم بكل حال: حديث ابن عباس ﵄ -قال: رسول الله ﷺ -
стр. 1344
"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: وكذا روي عن أبي هريرة، وقال صاحب المغني: وفي لفظ "فارجموا الأعلى والأسفل" قال: ولأنه إجماع الصحابة ﵃ -فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته، قال: واحتج أحمد بعلي ﵁ -فإنه كان يرى رجمه، ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم. انتهى.
ووجه قول من قال إن حكمه حكم الزاني ما روي أنه ﷺ -قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" ذكره في المغني، ولأنه قضاء الشهوة على
стр. 1345
وجه الكمال على أتم وجوه التحريم، فإنه لم يبح بحال، لقصد سفح الماء، وما استدل به المصنف لأبي حنيفة -وإن كان مراده أن اختلافهم في كيفية القتل ينفي أن يكون الفعل زنًا -فهو يرد عليه الاكتفاء بالتعزيز فيه، فإن اختلافهم على قولين أو ثلاثة يكون بمنزلة إجماعهم على أن ما عداها باطل، فإنه ليس لأحد بعدهم إحداث قول آخر.
وكذلك في قوله: ولا هو في معنى الزنا، لأنه ليس في إضاعة الولد فإن في اللواط إضاعة الولد بسفح الماء في غير محل الحرث.
وكذلك في قوله: واشتباه الأنساب فإنه لا يصلح أن يكون علة الشرع في الزنا فإن الزنا لا نسب فيه، ونسب الولد من الزاني منقطع ولو علم أنه ما وطئها غيره، وإن كان يحصل ذلك في وطء ذات الزوج، فلو كان ذلك هو علة وجوب الزنا لم يشرع في وطء غير المزوجات والمسافحات بل في ذوات
стр. 1346
الأخدان فقط وهو مشروع في الكل.
وكذلك في قوله: هو أندر وقوعًا لانعدام الداعي في أحد الجانبين، والداعي إلى الزنا من الجانبين. فإنه إن لم يكن في معنى الزنا من هذا الوجه ففيه خصال من القبح تربو على الزنا من وجوه:
منها: أن بعض الفسقة يستغني به عن النساء بل يفضله على إتيان النساء مخافة من مجيء الولد، فيفوت بسبب ذلك التناسل المطلوب من التناكح ويفوت التحصين المطلوب منه أيضًا فيفضي إلى استغناء المرأة بالمرأة كما استغنى الرجل بالرجل.
ومنها: أن الداعي لما لم يكن في اللواط من الجانبين، فقد يفضي إلى أن المفعول به يعمل على قتل الفاعل، وينشأ من قتله إياه التقاتل والعداوة والبغضاء الذي هو أردى وجوه الفساد، لأنه لما لم يكن له داع إلى الفعل فمطاوعته له إما لما يعطيه من السحت أو لخوفه منه أو نحو ذلك فكان هذا الفعل أولى بشرع الزاجر من الزنا.
ومنها: أن النفوس الخبيثة -المتعدية حدود الله -أقوى الدواعي إلى ذلك، فالحد فيه أولى من الحد في الزنا وهذا يعلم من أشعارهم فإن فيها ما يدل على ما انطوت عليه ضمائرهم الفاسدة من تفضيلهم إياه على الوطء في القبل، ولهذا رأى كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن حده الرجم مطلقًا، بل أكثرهم على ذلك.
ومنها: أن تلك النطفة الخبيثة إذا حصدت عند المفعول به فسدت وغيرت طباعه إن لم يتداركه الله برحمته، وإلا فسد فسادًا لا يرجى بعده له صلاح،
стр. 1347
ولهذا يقال: لا يشتري هذه البضاعة إلا من باعها، أي من فعل به في حال صغره فعل هو بغيره في حال كبره، ومال بطبعه إلى ذلك الفعل القبيح، وكذلك في قوله: وما رواه محمول على السياسة أو على المستحيل فإنه إنما يصح هذا التأويل إن لم يوجد من الصحابة مخالف لما رواه، أما إذا اتفقوا على العمل به وإنما اختلفوا في كيفية العمل به فلا يصح حمله على خلاف ما دل عليه بظاهره.
قوله: (ومن زنا في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا، لا يقام عليه الحد وعند الشافعي يحد لأنه التزم بإسلامه أحكامه أين ما كان مقامه، ولنا قوله ﵊"لا تقام الحدود في دار الحرب" ولأن المقصود هو الانزجار، وولاية الإمام منقطعة فيهما فيعرى الوجوب عن الفائدة، ولا تقام بعد ما خرج لأنها لم تنعقد موجبة فلا تنقلب موجبة، ولو غزا من/ له ولاية الإقامة بنفسه كالخلفية وأمير المصر يقيم الحد على من زنا في معسكره لأنه تحت يده بخلاف أمير العسكر والسرية، لأنه لم يفوض إليها الإقامة).
عن زيد بن ثابت ﵁ -قال "لا تقام الحدود في أرض الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو" وعن عمر ﵁ -أن كتب إلى عماله "لا تقيموا الحدود على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى
стр. 1348
أرض المصالحة" أخرجهما الشافعي والبيهقي، وعن بسر بن أرطاة "أنه وجد سارقًا يسرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا رسول الله ﷺ -عن القطع في الغزو" أخرجه أحمد وأبو داود والشافعي والبيهقي. وأخرج الترمذي المرفوع فقط، وعند النسائي عنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ -يقول: لا تقطع الأيدي في السفر"، وعن أبي الدرداء ﵁"أنه نهى عن أن يقام على أحد حد في أرض العدو" أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور ولفظه عن أي الدرداء "أنه كان ينهى أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله -حتى يقفل مخافة أن تلحقه الحمية فيلحق بالكفار".
стр. 1349
وفي المغني قال: أتي سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزنًا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودًا علي وثاقيا
فقال لابنه حفصة امرأة سعد أطلقيني ولك الله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني، قال: فحلته حين التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك؛ لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر
стр. 1350
البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو ورجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد فأخبرت ابنة حفصة سعدًا بما كان أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى الله المسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها فأمما إذ بهر جتني فوالله لا أِربها أبدًا" وقد ذكر هذه القصة أيضًا عبد الرزاق في مصنفه نحوًا مما تقدم، وهذه الأحاديث والآثار لم يرد ما يعارضها ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافها فتنزل منزلة الإجماع، وإنما تدل على أن الحدود لا تقام في دار الحرب إذا كان الإمام في الغزو، ولا تدل على عدم إقامتها على من ارتكب ما يوجبها في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام، بل على إقامتها إذا خرج إلى دار الإسلام وهذا عكس ما ادعاه المصنف، وبما دلت عليه هذه السنن والآثار أخذ أحمد والأوزاعي
стр. 1351
وإسحاق وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يقام الحد في كل موضع لأن أمر الله بإقامته مطلق في كل مكان وزمان إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام أو أمير المصر فليس له إقامة الحد ويؤخر حتى يأتي الإمام لأن إقامة الحدود إليه وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أخر، وكيف يستدل [بقوله ﷺ : "لا تقام الحدود في دار الحرب" على أنها لا تقام على من زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام ولا يستدل به] على أنها لا تقام في دار الحرب إذا كان الإمام هناك لولا غفلة لحقت المصنف أو هوى.
وقوله بعد ذلك: -إن الخليفة أو أمير المصر يقيم الحد في دار الحرب على من زنى في معسكره -يرده الحديث الذي ذكره هو، فضلاً عن غيره مما تقدم ذكره من السنن والآثار، والمعنى الذي ذكره أن ولاية الإمام منقطعة فيهما أي في دار الحرب، ودار البغي، لا يفيده في نفي إقامة الحد على من زنى في دار الحرب ثم خرج إلينا.
وقوله بعد ذلك: -ولا يقام الحد بعد ما خرج لأنها لم تنعقد موجبة -
стр. 1352
ممنوع، لأنه قد دخل في عموم قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ﴾ وكونها لا تقام في دار الحرب لأنه غائب عنا لا يمنع من إقامة الحد عليه إذا حضر، وتأخير إقامة الحد لمصلحة راجحة -أعني في حق من زنى من عسكر المسلمين في دار الحرب إما لحاجة المسلمين إليه أو لخوف ارتداده ولحوقه بالكفار -أمر وردت به السنة كا يؤخر عن الحامل حتى تضع، وعن المرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض على التفصيل المعروف، فهذا تأخير لمصلحة المحدود أو لأجل الولد في حق الحامل والمرضع فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى وكذلك التأخير في حق من لم يمكن إقامة الحد عليه لغيبته كما لو كان غائبًا في بلد آخر من بلاد المسلمين، وفي جعل حكم الزنا في دار الحرب مغايرًا لحكم الزنا في دار الإسلام من البعد مالا يخفى،
стр. 1353
ويرده قول عمر ﵁ -لعماله: لا تقيموا حدًا على أحد من المسلمين حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة، وكذلك نهى أبي الدرداء عن أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز حتى يقفل. أي: حتى يرجع، وقد تقدم ذلك، وفائدة الزجر تحصل بإقامة الحد عليه بعد خروجه إلينا كما تحصل في حق من يؤخر إقامة الحد عليه لمانعٍ كما تقدم.
قوله: (ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه وإنما هي محل الفعل، ولهذا سمي واطئًا وزانيًا، والمرأة موطوءة ومزنيًا بها، إلا أنها سميت زانية مجازًا تسمية للمفعول باسم الفاعل كالراضية بمعنى المرضية، ولكونها متسببة بالتمكين فتعلق الحد في حقها بالتمكين من قبح الزنا، وهو فعل من هو مخاطب بالكف عنه مؤثم على مباشرته، وفعل الصبي ليس بهذه الصفة فلا يناط به الحد).
هذا تعليل لقول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وخالف في ذلك زفر، وأبو يوسف في رواية، والأئمة الثلاثة وغيرهم وحجتهم في ذلك أنها زانية فعليها الحد بالنص، وسقوط الحد عن أحدهما
стр. 1354
لمعنى فيه، وهو انعدام الأهلية، فلا يمنع إقامة الحد على الآخر كما لو زنى بصبية ألا ترى أن الله تعالى سماها زانية، ومن نسب امرأة إلى الزنا يلزمه الحد، ولو كان لا يتصور منها مباشرة الزنا لم يحد قاذفها به كالمجنون لما أنها بالتمكين تقضي شهوتها كالرجل بالإيلاج، ولما اعترفت الغامدية بالزنا لم يسأل النبي ﷺ -عن الذي زنا بها هل هو عاقل أو مجنون، ولو كان جنون الزاني شبهة يدرأ بها الحد عن الزانية لسأل عن ذلك كما سأل عن جنون ماعز لما اعترف بالزنا، وترك الاستفصال ينزل منزلة المقال، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قالوا: وأما قولكم: إنها محل الفعل، فلا يمنع ذلك من كونها زانية، وزناها تمكينها من نفسها، وزنا الرجل وطؤه، وليس ذلك من باب عيشة راضية من باب قضاء شهوة الفرج على الوجه المحظور، فكما أن الرجل
стр. 1355
قاض شهوته بالمرأة على الوجه المحظور، فكذلك المرأة قاضية شهوتها بالرجل على الوجه المحظور فصح أن يقال زنت به فهي زانية كما في جانب الرجل، وأما قولكم: إنها متسببة بالتمكين فيتعلق الحد في حقها بالتمكين من قبيح الزنا إلى آخره؛ فممنوع، فإنه لم يكن الحد في حقها لذلك فقط بل لقضاء شهوتها بالفعل القبيح المحرم على وجه الكمال وتعلق فعل الزنا بها أقوى من تعلقه بالرجل، ولذلك قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ قدم الزانية في الذكر لأنها هي المادة التي نشأت منها الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بدئ بذكرها، وبدئ بذكر الزاني في قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانيًة أو مشركًة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ لأن هذه الآية مسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطلب غالبًا، وأما الآية الأولى فسيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة أصل فيها، فظهر قوة قول أبي يوسف وزفر ومن قال بقولهما في هذه المسألة.
قوله: (وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة، وقالا: لا يحد لأن الإكراه عندهما قد يتحقق من غير السلطان).
قول الصاحبين هو الصحيح لقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا/ فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾، وهذا النص في جواز إقدام الأمة المكرهة على
стр. 1356
البغاء على فعل الزنا، إذ معلوم أن المكرهات من الإماء على البغاء -كما كان المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول وأمثاله يفعلون -ليس هو أن يفعل بها بلا فعل منها، بل هو أن تكره حتى تقصد ذلك وتفعله، ولهذا سماه بغاًء وذلك القسم ليس فيه بغاء ولهذا قال: ﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ فإذا جاز للأمة الترخص بالإقدام على الزنا بالإكراه، دل على أن الإكراه على الزنا يتحقق ولا يجب فيه حد ولا إثم على المكره وإن تحقق من غير السلطان إذ الخطاب عام غير مخصوص بالسلطان.
* * *
стр. 1357
باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها
قوله: (ولأن الحكم يدار على كون الحد حقًا لله تعالى فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد).
يعني أنهم لو شهدوا بسرقة متقادمة لا تقبل شهادتهم، وإن كان التأخير بسبب دعوى المسروق منه، وإن التهمة -وإن انتفت -هنا لا تقبل شهادتهم لكون القطع حق الله تعالى وفيه نظر، لأن رد شهادتهم بالتقادم في حق حد الزنا وشرب الخمر للتهمة فيه نظر فرد شهادتهم في السرقة بالتقادم ولا تهمة من أبعد ما يكون وكيف يقال لما قلنا برد شهادتهم في حد الزنا وشرب الخمر للتهمة طردنا الباب ورددنا شهادتهم في السرقة وإن انتفت التهمة بجامع كون الكل حق الله تعالى.
قوله: (وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانة فاستكرهها وآخران أنها طاوعته درئ الحد عنهما جميعًا عند أبي حنيفة وهو قول زفر، وقالا: يحد الرجل خاصة لاتفاقهما على الزنا الموجب للحد في حق الرجل وتفرد أحدهما بزيادة جناية وهو الإكراه بخلاف جانبها، لأن طواعيتها شرط تحقق الموجب في حقها ولا يثبت لاختلافهم، وله أنه اختلف المشهود عليه لأن الزنا فعل واحد يقوم بهما، ولأن شاهدي الطواعية صارا قاذفين لها، وإنما يسقط الحد عنهما بشهادة شاهدي الإكراه، لأن زناها مكرهة يسقط إحصانها فصارا
стр. 1358
خصمين في ذلك).
يشكل على قول أبي حنيفة ﵀ -أن زيادة جناية الإكراه إن لم يوجب تغليظ العقوبة لا يوجب إسقاطها، وقد تقدم في كلام المصنف في مسألة اختلاف الشهود على زاوية والانتهاء في زاوية أخرى، والتوفيق هنا أولى فإنه يمكن أن يكون ابتداء الفعل بالإكراه وانتهاؤه بالطواعية، وأما قوله ولأن شاهدي الطواعية صارا قاذفين لها، ومراده أنهما صارا قاذفين لها قذفًا يمنع قبول شهادتهما فذلك غير مسلم فإنهما إنما يعدان قاذفين قذفًا يمنع قبول الشهادة إذا لم يأتيا بأربعة شهداء على زناها وقد أتيا بذلك لكن يسقط الحد عنها لشبهة الإكراه فخرجا بذلك عن كونهما خصمين في ذلك بتكميل نصاب الشهادة ولأصحاب الشافعي ﵀ -في المسألة وجهان، وعن أحمد فيها روايتان كالقولين المذكورين.
قوله: (لأن شهادتهم قد ردت من وجه شهادة الفروع في عين هذه الحادثة إذ هم قائمون مقامهم بالأمر والتحميل).
стр. 1359
فيه نظر، فإنه يلزم منه أن يصير الأصل تبعًا، وذلك قلب الموضوع، وأيضًا فرد شهادة الفروع لمعنى خاص بهم فكيف بعددهم، وأيضًا فإن أمرهم وتحميلهم لغو غير معتبر فكان وجوده كعدمه، فلم يكن الرد لشهادتهم على شهادة الأصول ردًا للشهادة نفسها، بل لأن قولهم هذا ليس بشهادة بل هو إخبار بأن هذا الفعل يشهد به أربعة غيرهم وهذا لا يبنى عليه مثل هذا الحكم فلم يثبت كونهم قائمين مقامهم حتى يلزم من ردهم رد الأصول والله أعلم.
قوله: (بخلاف شهود الإحصان لأنه محض الشرط).
فيه نظر، وقد ذكر في الأصول أن الإحصان ليس بشرط، لأن الشرط ما يوجد العلة بصورتها ويتوقف انعقادها علة على وجوده، كدخول الدار في تعليق الطلاق/ والعتاق به، فأما الزنا قبل الإحصان فلم يوجد بصورته، ويتوقف انعقاده علة لوجوب الرجم على الإحصان بعد ذلك ليكون شرطًا ولكن الإحصان عبارة عن حالة في الزاني تصير الزنا في تلك الحالة موجبًا للرجم والحكم غير مضاف إلى الحال ثبوتًا به ولا وجودًا عنده فيكون علامة محضة على وجوب الرجم عند وجود الزنا، ولكن يظهر رجحان قول زفر ﵀ -في تضمين شهود الإحصان إذا رجعوا، كما يضمن المزكون إذا رجعوا، ولو قلنا: إن الإحصان علامة فإنه لولا شهود الإحصان لما رجم لأن
стр. 1360
بشهود الزنا بدون الإحصان يجب الجلد لا الرجم.
قوله: (لأن الحكم بثبوت النسب منه حكم بالدخول عليه، ولهذا لو طلقها، يعقب الرجعة، والإحصان يثبت بمثله).
يعني أنه إذا أنكر الإحصان، وله امرأة قد ولدت منه يرجم، وفيه نظر، لأن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء، فلا يلزم من ثبوت ما يكتفي فيه بالإمكان ثبوت ما يعتبر فيه الحقيقة، وعدم ثبوت الإحصان بذلك مذهب الشافعي وأحمد، وأبو حنيفة أولى منهما بذلك، فإنه يرى أن من علق طلاق امرأة بنكاحها ثم تزوجها ثم جاءت بولد لستة أشهر أنه يثبت نسبه وإن لم يكن ثم دخول أصلاً.
* * *
стр. 1361
باب حد الشرب
قوله: (فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يحد).
ثم قال بعد ذلك: وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد ﵀ -كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهما لا يقام الحد إلا عند [قيام] الرائحة لأن حد الشرب يثبت بإجماع الصحابة، ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ -وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا.
ويشير بقوله: على ما روينا. إلى قوله قبل ذلك. لقول ابن مسعود ﵁: ["تلتلوه ومزمزوه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه". ولا حجة له في ما روي عن ابن مسعود ﵁] على أنه مخالف لغيره من الصحابة ﵃ -في اشتراط قيام الرائحة وكأن المصنف ظن أن ابن مسعود ﵁ -قال هذه العبارة في حق السكران مطلقًا المقر وغيره وليس الأمر كذلك، وأصل الحديث ما رواه البيهقي عنه "أن رجلاً جاء إليه بابن أخ له، فقال: إنه سكران، فقال: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه، ففعلوا، فرفعه إلى السجن ثم دعا به من الغد ودعا بسوط ثم أمر بثمرته فدقت
стр. 1362
بين حجرين حتى صارت درة ثم قال للجلاد: اجلد وأرجع يدك وأعط كل عضو حقه" ورواه عبد الرزاق في مصنف بمعناه.
وليس في كلام عبد الله بن مسعود ﵁ -ما يدل على أنه لا يحد إذا أقر بشرب الخمر بعد ذهاب رائحتها، وليس فيه أنه حده بإقراره بالكلية، وإنما حده بوجود رائحتها فقط من غير شهادة ولا إقرار، وفي الصحيحين عن علقمة قال: "كنت بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: والله لقرأتها على رسول الله ﷺ -فقال أحسنت، فبينا هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر، فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب، فضربه الحد".
وليس في هذا الأثر أيضًا إقرار ولا شهود، قال ابن المنذر: ثبت عن عمر ﵁ -أنه جلد من وجد منه ريح الشراب الحد تامًا وبه قال ابن مسعود، ومالك والشافعي، انتهى.
стр. 1363
وقال في المغني: إنه إحدى الروايتين عن أحمد، وقال: إنه لا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم، منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، انتهى.
والمشهور عن الشافعي ﵀ -عدم الحد بالرائحة وحدها، كما قاله في المغني، والمقصود أن ابن مسعود ﵁ -لم ينقل عنه أنه لا يحد بالإقرار بعد ذهاب الرائحة، ولا عن غيره من الصحابة، فسلم الإجماع المذكور، وإنما الخلاف في الحد بوجود الرائحة من غير إقرار ولا شهود.
وقوله: لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة يناقض قوله في أول الباب: والأصل فيه قوله -عليه أفضل الصلاة والسلام -: "من شرب الخمر فاجلده" لأن الحديث يدل على أن حد الشرب ثبت بالسنة، وقوله: لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة يفهم منه أنه لم يثبت إلا بإجماعهم فقط.
стр. 1364
قوله: (ومن سكر من النبيذ حد لما روي "أن عمر ﵁ -أقام الحد على أعرابي سكر من النبيذ").
عن السائب بن يزيد "أن عمر ﵁ -خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه شرب الطلا، وإني سائل عما شرب فإن كان مسكرًا جلدته،/ فجلده عمر الحد تامًا" رواه النسائي والدارقطني والشافعي، وهذا الحديث حجة على المصنف لا له، فإنه ليس فيه ما يدل على السكر منه بل فيه ما يدل على أنه ليس بسكران فإنه فهم السؤال وأجاب عنه، ومثل هذا لا يكون سكرانًا، وقول عمر ﵁"وإني سائل عن ما شرب فإن كان مسكرًا جلدته" دليل أيضًا على أنه لم يكن قد سكر، فإنه لو كان قد سكر لعلم أن الشراب مسكر، ولما احتاج أن يسأل عن الشراب الذي شرب منه هل هو مسكر أم لا، وفيه دليل أيضًا على أنه اكتفى بالرائحة وحد بشرب القليل من غير عصير العنب، وذلك حجة على المصنف فإن الطلا -بكسر الطاء وبالمد -نوع من الأشربة، وقيل هو اسم لما طبخ حتى ذهب ثلثاه فإنه إذا بلغ هذه الغاية يبقى كأنه رب، ولهذا سمي طلاً لأنه يشبه الطلا الذي تطلى به الإبل، وقل أن يسكر مثل هذا، ولهذا قال ذلك الرجل لعمر -رضي
стр. 1365
الله عنه -، إنه شرب الطلا، يعني: أن الطلا لا يسكر وإنه إنما شرب منه، فقال عمر ﵁: إن كان يسكر جلدته، وعدم اشتراط السكر -من غير عصير العنب من الأشربة المسكرة -مذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم كما في العصير إذا أسكر كثيره بناءً على أن ما أسكر فهو خمر، وسيأتي لذلك زيادة بيان في كتاب الأشربة -إن شاء الله تعالى -.
قوله: (لأن السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك).
في كلامه نظر من وجوه:
أحدها: في إباحة تناول ما يغيب العقل، فإن تغييب العقل حرام سواء كان البنج أو بغيره، فلا ينبغي أن يقال بإباحة قدر ما يغيب معه العقل، وفي كلامه [ما يوهم ذلك وهذا كما أن الأكل إلى الشبع مباح والزيادة عليه حرام لما فيه من الضرر، ولأنه قد يغيب] العقل بسبب زيادة الأكل على الشبع فيحرم، فكذا تناول قدر ما يغيب به العقل من البنج ونحوه.
قال السغناقي: فجعل السكر من البنج من المباح مخالف لرواية الجامع
стр. 1366
الصغير للإمام المحبوبي فإنه ذكر فيه عن أبي حنيفة أنه قال: من زال عقله بالبنج إن علم أنه بنج حين أكله يقع طلاقه وعتاقه وإن لم يعلم لا يقع.
الثاني: في تسمية غيبة العقل بسبب أكل البنج سكرًا، فإنه لا يحصل به نشوة ولا طرب ولا لذة ولذلك لا يحد آكلها لأنه ليس في الطبع ما يدعو إليها فلا يحتاج فيها إلى شرع الزاجر بخلاف الحشيشة فإنها يحصل بها ذلك، فكان في الطبع ما يدعو إليها، فلهذا كان القول الصحيح هو القول بحرمتها والحد
стр. 1367
بأكل القليل منها كما في عصير العنب لدخولها في قوله ﷺ : "كل مسكر حرام" وسيأتي لذلك زيادة بيان في الأشربة إن شاء الله تعالى، بخلاف البنج، فإن غيبة العقل بسبب أكله بمنزلة الإغماء أو البرسام أو ما يحصل للمحموم من الهذيان والهوس وفساد الذهن ونحو ذلك، وكذلك بغير الحمى من الأمراض التي تتعلق بالدماغ فيحصل منها غيبة الدماغ أو سوء المزاج وليس ذلك بسكر.
الثالث: في إطلاقه القول بإباحة لبن الرماك، جمع رمكة وهي الأنثى من الخيل البراذين، وهو إذا بلغ حد الإسكار كما يفعله الترك فإنهم يخمرونه على صفة يعرفونها حتى يصير مسكرًا، كيف يقال بحل تناول القدر المسكر منه، وكيف يقال إنه لا يحد بالسكر منه؟! بل القول الصحيح هو القول بتحريم القليل والكثير منه، والحد يشرب ذلك كما في عصير العنب، والأصل في ذلك قول عمر ﵁"نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر
стр. 1368
والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه، وسيأتي لذلك زيادة بيان -إن شاء الله تعالى -، وإن كان مراده شرب لبن الخيل قبل تخميره فذلك لا يحصل منه سكر، وهو بمنزلة العصير قبل تخمره.
قوله: (وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطًا، لإجماع الصحابة ﵃).
أما التفريق بين شرب الخمر والسكر من غيرها فسيأتي الكلام عليه في كتاب الأشربة -إن شاء الله تعالى -، وأما ما ذكره من إجماع الصحابة فعن أنس ﵁ -أن النبي ﷺ "أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر ﵁ -استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف نرى أن نجعله كأخف الحد فجلد فيه ثمانين" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود/ والترمذي وصححه.
وعن ثور بن زيد الديلي "أن عمر استشار في حد الخمر، فقال له علي: أرى أن تجلده ثمانين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى
стр. 1369
افترى فجلد عمر في حد الخمر ثمانين" أخرجه مالك في الموطأ والدارقطني.
وعن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ -وفي إمرة أبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فنقوم إليه فنضربه بأيدينا ونعالنا حتى كان صدرًا من إمارة عمر فجلد فيها أربعين حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين" رواه أحمد والبخاري.
ويشكل على دعوى الإجماع ما في صحيح مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد -يعني ابن عقبة -قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان -أحدهما حمران -أنه شرب
стр. 1370
الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال أمسك؟ ثم قال: جلد النبي ﷺ -أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" ولا شك أنه لا يمكن أن ينعقد الإجماع على ما خالف فعل رسول الله ﷺ -وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر ﵁ -على أنها تعزير، يجوز فعلها وتركها إذا رآه الإمام، وإلى هذا أشار علي ﵁ -بقوله: وكل سنة، وهذا أحب إلي. كما تقدم، وكذلك قول السائب بن يزيد: حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين. كما تقدم أيضًا، يشير إلى أن الزيادة للتعزيز، وعمر ﵁ -ممن أمرنا أن نقتدي بسنته بقوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" الحديث، وهذا يرد على من
следующие страницы →