Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الصغير للإمام المحبوبي فإنه ذكر فيه عن أبي حنيفة أنه قال: من زال عقله بالبنج إن علم أنه بنج حين أكله يقع طلاقه وعتاقه وإن لم يعلم لا يقع.
الثاني: في تسمية غيبة العقل بسبب أكل البنج سكرًا، فإنه لا يحصل به نشوة ولا طرب ولا لذة ولذلك لا يحد آكلها لأنه ليس في الطبع ما يدعو إليها فلا يحتاج فيها إلى شرع الزاجر بخلاف الحشيشة فإنها يحصل بها ذلك، فكان في الطبع ما يدعو إليها، فلهذا كان القول الصحيح هو القول بحرمتها والحد
стр. 1367
بأكل القليل منها كما في عصير العنب لدخولها في قوله ﷺ : "كل مسكر حرام" وسيأتي لذلك زيادة بيان في الأشربة إن شاء الله تعالى، بخلاف البنج، فإن غيبة العقل بسبب أكله بمنزلة الإغماء أو البرسام أو ما يحصل للمحموم من الهذيان والهوس وفساد الذهن ونحو ذلك، وكذلك بغير الحمى من الأمراض التي تتعلق بالدماغ فيحصل منها غيبة الدماغ أو سوء المزاج وليس ذلك بسكر.
الثالث: في إطلاقه القول بإباحة لبن الرماك، جمع رمكة وهي الأنثى من الخيل البراذين، وهو إذا بلغ حد الإسكار كما يفعله الترك فإنهم يخمرونه على صفة يعرفونها حتى يصير مسكرًا، كيف يقال بحل تناول القدر المسكر منه، وكيف يقال إنه لا يحد بالسكر منه؟! بل القول الصحيح هو القول بتحريم القليل والكثير منه، والحد يشرب ذلك كما في عصير العنب، والأصل في ذلك قول عمر ﵁"نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر
стр. 1368
والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه، وسيأتي لذلك زيادة بيان -إن شاء الله تعالى -، وإن كان مراده شرب لبن الخيل قبل تخميره فذلك لا يحصل منه سكر، وهو بمنزلة العصير قبل تخمره.
قوله: (وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطًا، لإجماع الصحابة ﵃).
أما التفريق بين شرب الخمر والسكر من غيرها فسيأتي الكلام عليه في كتاب الأشربة -إن شاء الله تعالى -، وأما ما ذكره من إجماع الصحابة فعن أنس ﵁ -أن النبي ﷺ "أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر ﵁ -استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف نرى أن نجعله كأخف الحد فجلد فيه ثمانين" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود/ والترمذي وصححه.
وعن ثور بن زيد الديلي "أن عمر استشار في حد الخمر، فقال له علي: أرى أن تجلده ثمانين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى
стр. 1369
افترى فجلد عمر في حد الخمر ثمانين" أخرجه مالك في الموطأ والدارقطني.
وعن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ -وفي إمرة أبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فنقوم إليه فنضربه بأيدينا ونعالنا حتى كان صدرًا من إمارة عمر فجلد فيها أربعين حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين" رواه أحمد والبخاري.
ويشكل على دعوى الإجماع ما في صحيح مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد -يعني ابن عقبة -قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان -أحدهما حمران -أنه شرب
стр. 1370
الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال أمسك؟ ثم قال: جلد النبي ﷺ -أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" ولا شك أنه لا يمكن أن ينعقد الإجماع على ما خالف فعل رسول الله ﷺ -وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر ﵁ -على أنها تعزير، يجوز فعلها وتركها إذا رآه الإمام، وإلى هذا أشار علي ﵁ -بقوله: وكل سنة، وهذا أحب إلي. كما تقدم، وكذلك قول السائب بن يزيد: حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين. كما تقدم أيضًا، يشير إلى أن الزيادة للتعزيز، وعمر ﵁ -ممن أمرنا أن نقتدي بسنته بقوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" الحديث، وهذا يرد على من
стр. 1371
يقول إن الزيادة على النص نسخ فإن عمر ﵁ -ليس له أن ينسخ شيئًا من الشريعة، وإنما فعل ذلك تعزيزًا مع الحد، كما ألزم بالطلاق الثلاث بعد أن كان يحسب واحدة كما تقدم.
وعن أنس ﵁"أن النبي ﷺ -جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين" متفق عليه.
وعن علي ﵁ -قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت، وأجد في نفسي منه شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ -لم يسنه" متفق عليه، ومعنى قوله: لم يسنه. أي لم يقدره بلفظه أو لم يبلغ به ثمانين، ولهذا قال الشافعي ﵀: إن حد الإمام في الشرب أربعين فمات المحدود، فلا ضمان ولا كفارة، وإن ضرب أكثر من أربعين فديته على عاقلة الإمام أو في بيت المال.
على قولين للشافعي كما في سائر التعزيزات، وفي الكفارة عنه أيضًا قولان، هل هي في ماله أو في بيت المال.
стр. 1372
قوله: (وجه المشهور أنا أظهرنا التخفيف مرة فلا يعتبر ثانيًا).
يعني أنه يجرد في المشهور من الرواية، لأن الحد قد خفف عن عدد حد الزنا فجعل ثمانين، ولم يجعل مائة فلا يخفف بترك التجريد، وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لم يكن الأصل أن يحد حد الزنا ثم خفف إلى حد القذف، فلا تصح دعوى التخفيف فيه من حيث العدد.
والثاني: أن التجريد في الحدود لا أصل له كما تقدم.
قوله: (والسكران الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقًا قليلاً ولا كثيرًا ولا يعقل الرجل من المرأة، وقالا: هو الذي يهذي ويختلط كلامه لأنه السكران في العرف، وإليه مال أكثر المشايخ ... إلى آخر المسألة).
قول الصاحبين أقوى ولهذا مال إليه أكثر المشايخ، وذلك لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ -حين قدموا رجلاً منهم في الصلاة، فصلى بهم وترك في قرآنه ما غير المعنى، وقد كانوا أقاموا الصلاة عالمين بها، وقد عرفوا إمامهم وقدموه ليؤمهم، وقصدوا إمامتهم والقراءة لهم، وقصدوا الائتمام به، وسماهم سكارى على ما هو معروف في سبب نزول الآية الكريمة
стр. 1373
قبل تحريم الخمر والله أعلم.
* * *
стр. 1374
/ باب حد القذف
قوله: (لقوله ﵊"من أشرك بالله فليس بمحصن").
تقدم في أوائل كتاب الحدود -أن الدارقطني رواه من حديث ابن عمر ﵁، وقال: الصواب موقوف عليه، وتقدم قول ابن قدامة: أنه يتعين حمله على إحصان القذف.
قوله: (لقوله ﵊: "الخال أب").
لا يعرف هذا في كتب الحديث.
قوله: (ومن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا، بل أنت، حدت المرأة ولا لعان).
هذا مبني على أن اللعان من شرط أهلية الشهادة من الجانبين، وقد تقدم الكلام في ذلك في باب اللعان.
قوله: (ومن قذف امرأة معها أولاد لا يعرف لهم أب، أو قذف الملاعنة بولد حي أو قذفها بعد موت الولد، فلا حد عليه، لقيام أمارة الزنا منها
стр. 1375
وهي ولادة ولد لا أب له فقالت العفة نظرًا إليها، وهي شرط، ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد لانعدام أمارة الزنا).
يرد -على القول بترك الحد عمن قذف من لاعنت بولد -حديث ابن عباس ﵁"أن النبي ﷺ -لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، وفرق بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرقى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد" رواه أحمد وأبو داود.
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى رسول الله ﷺ -في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه، وترثه أمه، ومن رماها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين" رواه أحمد.
وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة، وجعلوه بمنزلة من قذف الملاعنة بغير ولد والفرق بين وجود الولد وعدمه بكونه أمارة الزنا لا يقوى مع وجود النص، واحتمال كونه من الزوج.
стр. 1376
فصل في التعزير:
قوله: (والأصل فيه قوله ﵇: "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين").
هذا الحديث ضعفه أهل الحديث.
قوله: (وهو مأثور عن علي ﵁ -فقلده).
يعني تقدير نهاية التعزير بخمسة وسبعين، وليس لذلك ذكر في كتب الحديث.
قوله: (وحد الشرب ثبت بقول الصحابة ﵃).
فيه نظر، وإنما ثبت حد الشرب بالسنة، وهو قد روى في أول باب حد الشرب قوله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه".
* * *
стр. 1377
كتاب السرقة
قوله: (وقد تأيد بقوله ﵊ "لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم").
يعني أنه قد ورد أن قيمة المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ دينار أو عشرة دراهم، وتأيد ذلك بقوله ﵊: "لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم"، وهذا اللفظ من كلام ابن مسعود، أخرجه ابن أبي شيبة والطحاوي، والمرفوع بمعناه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ -قال: "لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم" أخرجه الدارقطني، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، والذي روى عن الحجاج ضعيف أيضًا، وللبيهقي وضعفه عن علي ﵁"لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم".
стр. 1378
وأما ما ورد في تقويم المجن بعشرة دراهم فعن ابن عباس ﵁"أن رسول الله ﷺ -أول من قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم" هذه رواية أبي داود، وفي رواية النسائي عن عطاء مرسلاً قال: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن، قال: وثمن المجن عشرة دراهم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ -عشرة دراهم" أخرجه النسائي.
قال ابن المنذر: واختلفوا فيما يجب فيه قطع يد السارق، فقالت طائفة: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا، روينا هذا القول عن عمر وعثمان وعلي وبه قالت عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي
стр. 1379
والليث بن سعد والشافعي وأبو ثور.
وفيه قولٌ ثان: وهو أن اليد تقطع في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم، وإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانخفاض/ الصرف، لم تقطع يده، هذا قول مالك بن أنس، والسلع لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم، قل الصرف أو كثر، وقال أحمد وإسحاق في السلع: تقوم على حديث ابن عمر، وإن سرق ذهبًا فربع دينار، وإن سرق من غير الذهب والفضة، فكانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع.
وفيه قول رابع: أن الخمس لا تقطع إلا في خمس، روي ذلك عن عمر، وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقال
стр. 1380
أنس بن مالك "قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم" وفيه قول خامس: وهو أن اليد لا تقطع إلا في عشرة دراهم، هذا قول عطاء والنعمان وصاحبيه، ثم حكى أقوالاً أخر، والثابت في الصحيحين والسنن والمساند حديث ابن عمر ﵄"أن النبي ﷺ -قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم" رواه الجماعة، وفي لفظ بعضهم "قيمته ثلاثة دراهم" وعنه ﵁ -أن النبي ﷺ ، قطع يد سارق سرق ترسًا من صفة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وحديث عائشة ﵂"كان رسول الله ﷺ -يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وفي رواية أن النبي ﷺ -قال: "لا تقطع يد السارق
стр. 1381
إلا في ربع دينار فصاعدًا"رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، وفي رواية قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار" رواه البخاري والنسائي وأبو داود وفي رواية قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" رواه البخاري.
وفي رواية قال: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما" رواه أحمد وفي رواية قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد السارق فيما دون المجن، قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار" رواه النسائي.
وقد تقدم أن ذلك قول عمر وعثمان وعائشة، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان إجماعًا، وهو مذهب فقهاء المدينة السبعة مع من
стр. 1382
تقدم ذكرهم، ولم يثبت في التقدير بعشرة دراهم من السنة ما يصلح لمعارضة ما تقدم، وعلى تقدير الاختلاف في قيمة المجن، فحديث عائشة المذكور لم يثبت ما يعارضه، ولذلك اعتبر الشافعي ربع دينار كما تقدم.
* * *
стр. 1383
باب ما يقطع فيه وما لا يقطع
قوله: (ولإطلاق قوله ﵊"لا قطع في الطير").
لا يعرف هذا مرفوعًا، ولكن ذكره البيهقي من كلام عثمان.
قوله: (والذي يؤويه الجرين في عادتهم هو اليابس من التمر، وفيه القطع).
يشير بذلك إلى الجواب عن قول الشافعي، وهو رواية عن أبي يوسف، وقول جمهور العلماء، وفي الجواب نظر، فإن الجرين هو المكان الذي يلقى فيه الرطب ليجف، كذا في المغرب وغيره، وأصله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول الله ﷺ -عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنًة فلا شيء عليه،
стр. 1384
ومن خرج بشيء منه فعليه غرامه مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه النسائي وأبو داود، وفي رواية: قال: سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله ﷺ -عن الحريسة التي تؤخذ من مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب ونكال، وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، قال: يا رسول الله فالثمار، وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بفمه ولم يتخذ خبنة، فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب ونكال، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه معناه، وزاد النسائي في آخره "وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامه مثليه وجلدات نكال".
وعن عمرة بنت عبد الرحمن "أن سارقًا سرق أترجة/ في زمان عثمان ابن عفان فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر
стр. 1385
درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده" رواه مالك في الموطأ.
وهذا يدل على أن عثمان ﵁ -فهم من السنة أن الثمار إذا قطعت، وأحرزت ففيها القطع، وهو ظاهر مما تقدم من الحديث، ولم يرد ما يخالف ذلك، وقوله ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثر" يفيده هذا التفصيل، والذي يؤويه الجرين إنما هو قبل الجفاف أما بعد الجفاف فهو في القواصر في البيوت، هذا الذي جرت به عادة أصحاب الثمر، وقد جعل النبي ﷺ -له ثلاثة أحوال:
حالة لا شيء فيها: وهو إذا أكل منه بفيه.
وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع: وهو إذا سرقه من بيدره،
стр. 1386
سواء كان قد انتهى جفافه أو لم ينته، فجعل العبرة للمكان والحرز، لا ليبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه ﷺ -أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه حرزها، وفي الحديث المذكور دليل على مضاعفة الغرم على من سرق ما لا قطع فيه، وهو مذهب أحمد، وفيه دليل على اجتماع التعزير مع الغرم، وفي ذلك جمع بين عقوبتين مالية وبدنية، وهذا التفصيل لا يجري في الماء والكلأ والتراب فإنه وإن أحرز، فشبهة الاشتراك في الأصل باقية، فيدرأ بها الحد، أما الثمار فلم تكن في الأصل مشتركة، فلهذا فصل فيها الشارع الحكم، كما تقدم في الحديث وعلى هذا الخشب الذي يحرز فإنه بمنزلة الثمرة.
قوله: (لقوله ﵊"من نبش قطعناه").
وقوله: (ولهما قوله ﵊"لا قطع على المختفي" وهو النباش بلغة أهل المدينة).
الحديثان منكران، خرج الحديث الأول البيهقي وضعفه، قال ابن المنذر: واختلفوا في النباش يسرق الكفن، فروي عن ابن الزبير "أنه قطع نباشًا" وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وقتادة والنخعي
стр. 1387
وحماد، وهو قول مالك والشافعي، وعبد الملك الماجشون وإسحاق وأبي ثور وأبي يوسف، وقال أحمد: هو أهل أن يقطع، وكان الثوري والنعمان ومحمد يقولون: لا قطع عليه، وليس القبر عندهم بحرز، قال أبو بكر: يقطع. انتهى.
ويشهد للقول بقطعه قول عائشة ﵂"سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" ذكره في المغني، والكفن محرز بالقبر والميت فيه كالحافظ النائم، وانتهاك حرمته مع الواعظ الناهي بلسان حاله فوق انتهاك حرز الحي من هذا الوجه.
قوله: (ولنا أن القطع أوجب سقوط عصمة المحل على ما يعرف من بعد -إن شاء الله تعالى -).
قول أبي يوسف في هذه المسألة أقوى، وسيأتي الكلام على قوله
стр. 1388
بسقوط عصمة المحل في آخر الباب -إن شاء الله تعالى -.
[فصل في الحرز والأخذ منه]:
قوله: (وإذا نقب اللص البيت فدخل، وأخذ المال، وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما إلى آخر المسألة).
يشكل على ذلك: ما إذا دخل جماعة وأخذ واحد فإنهم يقطعون كما ذكره المصنف بعد ذلك، وعلل لذلك بأن الإخراج من الكل معنى للمعاونة كما في السرقة الكبرى، وكذلك هاهنا الإخراج منهما معنىً، فإن عادة السراق كذلك أن يقف بعضهم خارج النقب ينظر للداخل من يشعر بهم من خارج فيعلمه به ليهربوا، فقد تعاونوا على هتك الحرز والإخراج منه، وقد قال مالك والشافعي يقطع الداخل وحده واختاره ابن المنذر، وقال أبو يوسف: إن أخرج الداخل يده وناولها الخارج فالقطع على الداخل، وإن أدخل الخارج يده فتناولها من يد الداخل فعليهما، وهو قياس قول أحمد، وهو أظهر الأقوال.
стр. 1389
قوله: (وإن طر صرة خارجة من الكم لم تقطع إلى أن قال: وعن أبي يوسف أنه يقطع على كل حال لأنه محرز إما بالكم أو بصاحبه).
قول أبي يوسف أقوى، وما أجاب به عن دليل أبي يوسف من أن الحرز هو الكم كالجوالق جواب عجيب، والصحيح أنه يقطع في كل منهما لأنه محرز بالحافظ.
قوله: (وإن سرق من القطار بعيرًا أو حملًا لم يقطع لأنه ليس بمحرز مقصودًا فتتمكن شبهة العدم، وهذا لأن السائق/ والقائد والراكب يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ حتى لو كان مع الأحمال من يتبعها للحفظ قالوا: يقطع).
في كونه غير محرز نظر، لأن المسافر إذا كان قصده المسافة ونقل الأمتعة ولا يتحقق ذلك بدون الحفظ فكان الحفظ هو المقصود الأصلي أو لازمه، وكيف يتصور نقل بغير حفظ، فإذا سرق من القطار بعيرًا ومعه سائق فحرزها نظره إليها، وكذلك لو لم تكن مقطرة وإن كان معها قائد فحرزها التفاته إليها ومراعاته [لها] في كل وقت، وتكون بحيث يراها إذا التفت وكذلك إذا كان
стр. 1390
راكبًا على بعضها إلا أن يسرق البعير براكبه لأنه في يد راكبه لم تزل يده عنه بإخراجه عن الطريق، وذلك لأن العادة جرت بالحفظ على هذا الوجه، وبذلك قال الشافعي وأحمد وغيرهما.
وكذلك إذا سرق الجوالق بما فيه [وقولهم إن من يسرق الجوالق بما فيه] لا يقطع وكذلك الخيمة ونحوها لأنها هي الحرز لما فيها.
جوابه: أنها وإن كانت حرزًا لما فيها لا يمتنع أن تكون هي محرزة بحافظها، كمن دخل دارًا وسرق صندوقًا مقفلًا لما فيه.
فصل في كيفية القطع وإثباته:
قوله: (وكذا إذا كانت إبهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو أصبعان منها سوى الإبهام، لأن قوام البطش بالإبهام).
يعني أنه لا تقطع يمينه والحالة هذه وفيه نظر فإن عدم قطع اليمنى إذا كانت اليسرى شلاء أو مقطوعة إنما كان بالرأي والاجتهاد، فإذا اختلت المنفعة كان أبعد، والأمر بقطع اليد مطلق فكيف يقيد بكونه يلزم من قطعها خلل ظاهر في منفعة البطش، والخطأ في العمل بإطلاق النص أسهل من الخطأ في
стр. 1391
تقييده بمثل هذا القيد.
قوله: (خلافًا للشافعي في الإقرار):
يعني أن الشافعي يقطع السارق بإقراره من غير دعوى، وليس ذلك مذهب الشافعي، وإنما خالف في اشتراط الدعوى للإقرار والبينة، مالك وأبو ثور وابن المنذر ومذهب الشافعي وأحمد كمذهب أبي حنيفة في ذلك، وعن أبي أمية المخزومي "أن رسول الله ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت فقال: بلى، فأمر به فقطع" الحديث، رواه أبو داود والنسائي.
قوله: (إلا أن الراهن إنما يقطع بخصومته حال قيام الرهن قبل قضاء الدين أو بعده لأنه لا حق له في المطالبة بالعين بدونه).
стр. 1392
هكذا وقع في عامة النسخ -أعني قوله: قبل قضاء الدين أو بعده -وهو مشكل، لأن تعليله بعده يناقضه مناقضة ظاهرة، وهو قوله: لأنه لا حق له في المطالبة بالعين بدونه، أي: ليس له المطالبة بالعين المرهونة قبل قضاء الدين، ولأجل هذا الإشكال قال السغناقي في شرحه: إن الأصح من النسخ قوله: إلا أن الراهن إنما يقطع بخصومته حال قيام الرهن بعد قضاء الدين لأنه لا حق له ... إلى آخره.
قوله: (وإن قطع سارق بسرقة، فسرقت منه لم يكن له ولا لرب السرقة أن يقطع السارق الثاني، لأن المال غير متقوم في حق السارق حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك فلم ينعقد موجبه في نفسها).
هذه المسألة تنبني على مسألة سقوط الضمان بالقطع، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
قوله: (وإذا قضي على الرجل بالقطع في سرقة فوهبت له لم يقطع -معناه إذا سلمت إليه -وكذلك إذا باعها المالك إياه، وقال زفر والشافعي: يقطع، وهو رواية عن أبي يوسف).
стр. 1393
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق أيضًا، وحجتهم في ذلك حديث صفوان بن أمية ﵁ قال: "كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي فسرقت فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهمًا أنا أهبها له وأبيعها له، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به" رواه الخمسة إلا الترمذي.
وفي رواية لأحمد والنسائي "فقطعه رسول الله ﷺ ".
وليس لأحد مع السنة كلام، ولو بلغ أبا حنيفة ومحمدًا هذا الحديث على هذا الوجه لم يقولا بخلافه أبدًا.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ "أن رسول الله ﷺ قال: تعافوا
стр. 1394
الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" رواه النسائي وأبو داود.
قوله: (وكذلك إذا انقضت قيمتها من النصاب -يعني قبل الاستيفاء بعد القضاء -عن محمد أنه يقطع، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى).
وهو قول مالك وأحمد أيضًا، وإذا كان هبة المسروق من السارق أو بيعه منه بعد القضاء بقطعه لا يمنع للحديث المتقدم، فنقصان السعر أولى، لأن السرقة قد ظهرت من كل وجه ولم يعتبر الشارع الإمضاء من القضاء في حق درء القطع.
قال في المغني: سواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده، لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ، فأما إن نقص النصاب قبل الإخراج لم يجب القطع، لعدم الشرط قبل تمام السبب. انتهى.
قوله: (وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه، سقط القطع عنه
стр. 1395
وإن لم يقم بينة، معناه بعد ما شهد الشاهدان بالسرقة، وقال الشافعي ﵀: لا يسقط بمجرد الدعوى).
المخالف في هذه المسألة: مالك لا الشافعي، وسماه الشافعي السارق الظريف.
وعن أحمد ثلاث روايات، الثالثة: يقبل منه إذا لم يكن معروفًا بالسرقة، ويسقط القطع عنه، وإن كان معروفًا بالسرقة قطع، وما أحسن هذا التفصيل، وإلا فلا يعجز سارق قط عن التكلم بهذا البهتان، ويتخلص من القطع فما معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان.
قوله: (وإذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما: هو مالي، لم يقطعا، لأن الرجوع عامل في حق الراجع، ومورث للشبهة في حق الآخر، لأن السرقة تثبت بإقرارهما على الشركة).
ينبغي أن لا يورث هذا شبهة في حق الآخر، لأن تأثير دعوى الملك في حق مدعيه إنما هو باعتبار كونه شبهة، فتأثيره في حق الآخر ينزل عنه إلى شبهة الشبهة، وفي اعتبار الشبهة الأولى نظر، فالثانية أبعد، وأيضًا فإن كلًا
стр. 1396
منهما مؤاخذ بسرقة نفسه ولهذا يحتاج إلى تكميل النصاب في حق كل منهما فكيف يصح تعليله بأن السرقة تثبت بإقرارهما على الشركة في درء الحد عن من هو مقر بالسرقة ثابت على إقراره لا شبهة في سرقته.
قوله: (ولنا قوله ﵊ "لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه" ولأن وجوب الضمان ينافي القطع لأنه يتملكه بأداء الضمان مستندًا إلى وقت الأخذ، فيتبين أنه ورد على ملكه فينتفي القطع للشبهة وما يؤدي [إلى انتفائه فهو المنتفي، ولأن المحل لا يبقى معصومًا حقًا للعبد إذ لو بقى لكان مباحًا في نفسه فينتفي القطع] للشبهة فيصير محرمًا حقًا للشرع كالميتة، ولا ضمان فيه).
أما الحديث فغير ثابت فإنه أخرجه النسائي والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال عبد الحق: إسناده منقطع.
وقد طعن فيه أيضًا ابن المنذر، وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة.
стр. 1397
وأما قوله: ولأن وجوب الضمان ينافي القطع، لأنه يتملكه بأداء الضمان مستندًا إلى وقت الأخذ فيتبين أنه ورد على ملكه فينتفي القطع، وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي.
فهذا مبني على أن الملك يثبت مستندًا إلى وقت الأخذ، ولا يسلم ذلك المخالف، بل يقول: إن بدلها قد استقر في ذمته، وأن هذا الاستقرار في ذمته لا يمنع القطع، لأن هذه العين تعلق بها حقان، حق الله، وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر ويستوفيان معًا، لأن القطع حق الله، والضمان حق للمالك، ولهذا لو أسقط المسروق منه القطع بالهبة ونحوها بعد الرفع إلى الإمام لا يسقط كما ثبت في حديث صفوان المتقدم، ولو أسقط الضمان سقط، وهذا كما لو زنى بأمه ثم قتلها، فإنه يحد وعليه القيمة، فكذا إذا سرقها ثم قتلها، قالوا: وكذا إذا قتل في الإحرام صيدًا مملوكًا لمالكه فعليه الجزاء لحق الله، وقيمة الصيد لمالكه.
قالوا: وكذلك لو غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقًا لله، ولزمه عندكم ضمانه للذمي.
قالوا: وقولكم: إنه يتملكه بأداء الضمان مستندًا إلى وقت الأخذ كما قلتم في الغصب ممنوع وسيأتي لذلك بيان في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى.
стр. 1398
وأما قوله: ولأن المحل لا يبقى معصومًا حقًا للعبد إذ لو بقي كان مباحًا في نفسه فينتفي القطع للشبهة فيصير محرمًا حقًا للشرع/ كالميتة ولا ضمان فيه.
خلاصة هذا البحث أن عدوان السارق إما أن يكون على حق الله أو على حق العبد، لا جائز أن يكون على حق العبد، لأنه يكون حرامًا لغيره لا لعينه وذلك شبهة يدرأ بها الحد، فتعين أن يكون على حق الله فخرج بذلك عن أن يكون معصومًا حقًا للعبد.
وجوابه: أنه بقي قسم ثالث وهو أنه عدوان على حق الله وعلى حق العبد، فجزاء عدوانه على حق الله القطع، وجزاء عدوانه على حق العبد الضمان له، وبهذا يخرج الجواب عن قولهم: إن قوله تعالى: ﴿جزاءً بما كسبا﴾ يمنع التضمين لأنه جعل القطع كل الجزاء، فإنه تعالى جعل القطع الجزاء على كسبه الجريمة، فإن ارتكاب المعصية يسمى كسبًا، قال تعالى ﴿والذين كسبوا السيئات جزاءُ سيئة بمثلها﴾ أما المال فهو لمالكه لم يخرج عن ملكه بسرقته، فإذا وجده بعينه أخذه، وإن لم يجده غرمه السارق جزاء على عدوانه عليه، وتفريقه بينه وبين مالكه.
فالحاصل أن فعله لاقى عصمتين لله وعصمة للعبد، وليس في الآية ولا في المعنى الذي ذكروه ما يمنع من ذلك، وأورد الشيخ ظهير الدين
стр. 1399
المرغيناني في فوائده على القول بأن المحل لا يبقى معصومًا حقًا للعبد إلى آخره، فقال: وفي هذه الطريقة نظر، لأن القطع في السرقة يجب صيانة لحقوق الناس فلو قلنا بذلك، يؤدي إلى أن يكون شرعية القطع لصيانة حق الله، وإبطال حقوق الناس فيجب ترك القول به. انتهى.
وقد روى هشام عن محمد أن السارق لا يضمن في الحكم، فأما بينه وبين الله تعالى يفتى بالضمان لأن المسروق منه، قد لحقه الخسران والنقصان بسبب هو متعد فيه ولكن تعذر على القاضي القضاء لما ذكرنا فيفتي برفع النقصان الذي لحقه من جهة السارق فيما بينه وبين الله تعالى، كذا في المبسوط.
وفي الإيضاح: فالأصل في هذه المسائل كلها أن كل فعل انعقد سببًا لوجوب الضمان، وتعذر إيجابه لعارض ظهر أثر ذلك العارض في حق
стр. 1400
الحكم، وأما الفتوى فيما بينه وبين الله تعالى يعتبر، قضية السبب انتهى، وهذا تصريح بأن القطع جزاء العدوان على حق الله باعتبار مخالفة أمره، وأن حق العبد باق في ذمة السارق لم يبرأ منه بالقطع، وأن عليه أن يضمن للمالك ماله لكن يفتى بذلك ولا يحكم عليه به، وإذا آل الأمر إلى هذا ظهر قوة قول من قال بإلزامه بالضمان لأن منصب القضاء الإلزام من امتنع عن إيفاء ما عليه إيصالًا للحق إلى مستحقه، وإعانة للمظلوم على الظالم.
***
стр. 1401
باب ما يحدثه السارق في السرقة
قوله: (ولهما أن الأخذ وضع سببًا للضمان لا للملك إلى أن قال: ومثله لا يورث الشبهة كنفس الأخذ).
صوابه: أن يقول: ولهما أن الشق وضع سببًا للضمان لا للملك، لأن مراده الرد على أبي يوسف حيث يقول إن الشق سبب للملك، ولا يصح رده عليه إلا أن يقول الشق أو الحرق أو نحو ذلك، وأيضًا فإنه قال بعد ذلك: كنفس الأخذ، ولا يصح أن يقال الأخذ كنفس الأخذ، ولا يقال إن هذا تغيير من الناسخ لأني وجدت ذلك في نسخ كثيرة، وقد ذكرها السغناقي كذلك ولم يتنبه لها.
قوله: (ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى، حتى لو أراد أخذه مصبوغًا يضمن ما زاد الصبغ فيه وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى، ألا ترى أنه غير مضمون على السارق بالهلاك، فرجحنا جانب السارق).
يعني لأبي حنيفة وأبي يوسف على محمد، وقول محمد هنا أظهر وأقوى، فإن قولهما مبني على نفي الضمان عن السارق وقد تقدم الكلام على
стр. 1402
ذلك، وهنا إشكال آخر:
وهو أن الضمان وعدمه إنما يكون بعد هلاك المسروق والثوب هنا قائم غاية ما فيه أنه لو رد الثوب كان شريكًا فيه بالصبغ ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه، وهذا لا يمنع الرد كما في الثوب المغصوب إذا صبغه الغاصب وترجيح جانب السارق على جانب المالك والحالة هذه في غاية الإشكال بل ترجيح جانب المظلوم/ أولى بكل طريق ممكن وهذه طريقة ممكنة.
***
стр. 1403
باب قطع الطريق
قوله: (وإن أخذ مالًا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات لأنه لما وجب الحد حقًا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقًا للعبد كما تسقط عصمة المال).
تقدم التنبيه على ما في القول بسقوط عصمة المال من الإشكال وأنه لا مزاحمة بين الحقين، بل يمكن أن يوصل إلى كل ذي حق حقه وهذه المسألة أشكل من تلك، فإن القطع من خلاف في مقابلة أخذ المال وبقية الجراحات، فكيف تهدر، وقد قال تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾.
قوله: (ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبًا كان فعل الباقين بعض العلة، وبه لا يثبت الحكم، فصار كالخاطئ مع العاقد).
أكثر أهل العلم على أن القطاع إذا كان فيهم صبي أو مجنون أنه لا يسقط الحد بذلك ع الباقين، وكذلك إن كان فيهم امرأة ولكن إن باشر الصبي أو المجنون القتل وأخذ المال فعليهما ضمان المال في أموالهما، ودية قتيلهما على
стр. 1404
عاقلتهما، ولا يجري عليهم حد القطاع، وإن باشرت المرأة القتل والأخذ أجري عليها حد القطاع، وكذلك ذو الرحم المحرم من المقطوع عليهم، وقل أن يخلو قطاع الطريق عن صبي أو امرأة، إما للتبعية وإما لقصد الفجور بهما، ولو علموا أن ذلك يدرأ عنهم الحد صحبوه معهم حيلة على الدرء، ولا شك أن ذلك مما يكثر سوادهم ودرء الحد في حق الصبي والمجنون والمحرم والمرأة لشبهة تخصه، فلا يوجب ذلك سقوط الحد عن الباقين، وصار كما لو زنوا بامرأة وفيهم صبي أو مجنون وكل منهم مؤاخذ بفعل نفسه، ولهذا يشترط في أخذهم المال أن يصيب كلًا منهم نصاب، وإن كان منهم من لم يباشر الفعل بنفسه فهو ردء للمباشر، مع أنه فيه خلاف معروف. وقوله: إن فعل الباقين بعض العلة. إنما يسلم: إذا سلم أن فعل الكل شيء واحد، وإذا كان منهم مؤاخذ بفعله، فعلة حده ما قام به، لا ما قام به لغيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والله أعلم.
***
стр. 1405
كتاب السير
قوله: (ولقوله ﵊ "الجهاد فرض ماض إلى يوم القيامة").
هذا اللفظ غير معروف، وإنما روى أبو داود عن أنس ﵁ من حديث طويل "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل" وهو حديث ضعيف.
قوله: (ويكره الجعل ما دام للمسلمين فيء، لأنه لا يشبه الأجر، ولا ضرورة إليه، لأنه مال بيت معد للنوائب، قال فإن لم يكن، فلا بأس بأن يقوي المسلمون بعضهم بعضًا، لأن فيه دفع الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى، يؤيده "أن النبي ﷺ أخذ دروعًا من صفوان" وعمر ﵁ "كان يغزي الأعزب عن ذي الحليلة ويعطي الشاخص فرس قاعد").
следующие страницы →