← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

باب ما يحدثه السارق في السرقة قوله: (ولهما أن الأخذ وضع سببًا للضمان لا للملك إلى أن قال: ومثله لا يورث الشبهة كنفس الأخذ). صوابه: أن يقول: ولهما أن الشق وضع سببًا للضمان لا للملك، لأن مراده الرد على أبي يوسف حيث يقول إن الشق سبب للملك، ولا يصح رده عليه إلا أن يقول الشق أو الحرق أو نحو ذلك، وأيضًا فإنه قال بعد ذلك: كنفس الأخذ، ولا يصح أن يقال الأخذ كنفس الأخذ، ولا يقال إن هذا تغيير من الناسخ لأني وجدت ذلك في نسخ كثيرة، وقد ذكرها السغناقي كذلك ولم يتنبه لها. قوله: (ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى، حتى لو أراد أخذه مصبوغًا يضمن ما زاد الصبغ فيه وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى، ألا ترى أنه غير مضمون على السارق بالهلاك، فرجحنا جانب السارق). يعني لأبي حنيفة وأبي يوسف على محمد، وقول محمد هنا أظهر وأقوى، فإن قولهما مبني على نفي الضمان عن السارق وقد تقدم الكلام على

стр. 1402

ذلك، وهنا إشكال آخر: وهو أن الضمان وعدمه إنما يكون بعد هلاك المسروق والثوب هنا قائم غاية ما فيه أنه لو رد الثوب كان شريكًا فيه بالصبغ ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه، وهذا لا يمنع الرد كما في الثوب المغصوب إذا صبغه الغاصب وترجيح جانب السارق على جانب المالك والحالة هذه في غاية الإشكال بل ترجيح جانب المظلوم/ أولى بكل طريق ممكن وهذه طريقة ممكنة. ***

стр. 1403

باب قطع الطريق قوله: (وإن أخذ مالًا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات لأنه لما وجب الحد حقًا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقًا للعبد كما تسقط عصمة المال). تقدم التنبيه على ما في القول بسقوط عصمة المال من الإشكال وأنه لا مزاحمة بين الحقين، بل يمكن أن يوصل إلى كل ذي حق حقه وهذه المسألة أشكل من تلك، فإن القطع من خلاف في مقابلة أخذ المال وبقية الجراحات، فكيف تهدر، وقد قال تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾. قوله: (ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبًا كان فعل الباقين بعض العلة، وبه لا يثبت الحكم، فصار كالخاطئ مع العاقد). أكثر أهل العلم على أن القطاع إذا كان فيهم صبي أو مجنون أنه لا يسقط الحد بذلك ع الباقين، وكذلك إن كان فيهم امرأة ولكن إن باشر الصبي أو المجنون القتل وأخذ المال فعليهما ضمان المال في أموالهما، ودية قتيلهما على

стр. 1404

عاقلتهما، ولا يجري عليهم حد القطاع، وإن باشرت المرأة القتل والأخذ أجري عليها حد القطاع، وكذلك ذو الرحم المحرم من المقطوع عليهم، وقل أن يخلو قطاع الطريق عن صبي أو امرأة، إما للتبعية وإما لقصد الفجور بهما، ولو علموا أن ذلك يدرأ عنهم الحد صحبوه معهم حيلة على الدرء، ولا شك أن ذلك مما يكثر سوادهم ودرء الحد في حق الصبي والمجنون والمحرم والمرأة لشبهة تخصه، فلا يوجب ذلك سقوط الحد عن الباقين، وصار كما لو زنوا بامرأة وفيهم صبي أو مجنون وكل منهم مؤاخذ بفعل نفسه، ولهذا يشترط في أخذهم المال أن يصيب كلًا منهم نصاب، وإن كان منهم من لم يباشر الفعل بنفسه فهو ردء للمباشر، مع أنه فيه خلاف معروف. وقوله: إن فعل الباقين بعض العلة. إنما يسلم: إذا سلم أن فعل الكل شيء واحد، وإذا كان منهم مؤاخذ بفعله، فعلة حده ما قام به، لا ما قام به لغيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والله أعلم. ***

стр. 1405

كتاب السير قوله: (ولقوله ﵊ "الجهاد فرض ماض إلى يوم القيامة"). هذا اللفظ غير معروف، وإنما روى أبو داود عن أنس ﵁ من حديث طويل "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل" وهو حديث ضعيف. قوله: (ويكره الجعل ما دام للمسلمين فيء، لأنه لا يشبه الأجر، ولا ضرورة إليه، لأنه مال بيت معد للنوائب، قال فإن لم يكن، فلا بأس بأن يقوي المسلمون بعضهم بعضًا، لأن فيه دفع الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى، يؤيده "أن النبي ﷺ أخذ دروعًا من صفوان" وعمر ﵁ "كان يغزي الأعزب عن ذي الحليلة ويعطي الشاخص فرس قاعد").

стр. 1406

استدلاله بأن النبي ﷺ أخذ دروعًا [من صفوان استدلال ساقط "فإن النبي ﷺ استعار من صفوان بن أمية يوم حنين أدراعًا] وكان صفوان يومئذ مشركًا، فقال: أغصبًا يا محمد، قال: بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم في صحيحه، ولا يصح استدلاله به إلا أن يكون مسلمًا حين استعار منه حتى يصدق عليه أن يقوي المسلمون بعضهم بعضًا، أما إذا كان مشركًا فلا يصح به الاستدلال على الجعل أصلًا، ويكون دليلًا على تقوية خاصة، وهي إعارة السلاح، لا على الجعل كما ادعى وكذلك ما استدل به من فعل عمر ﵁ إن صح -لا يدل على ما ادعاه من الجعل، ولكن في الصحيحين عن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" والله أعلم. ***

стр. 1407

باب كيفية القتال قوله: (فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، لقول علي ﵁ "إنما بذلوها لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا"). يعني إذا بذلوا الجزية، رواه الدارقطني بمعناه وضعفه وإنما/ ورد في حديث أنس يرفعه "فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأحلوا حلالنا، وأكلوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم" أخرجه ابن حبان في صحيحه، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا". قوله: (والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر هو المنقول).

стр. 1408

أصل الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم ناس من عكل أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمر النبي ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، أخرجه الجماعة، واختلف العلماء في معناه: فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة، فهو منسوخ.

стр. 1409

وقيل: ليس بمنسوخ، وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل النبي ﷺ بهم ما فعل، قصاصًا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه، ورواه ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وأهل السير والترمذي. قال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه، كذا ذكره النووي في شرح مسلم، وقال ابن الجوزي وادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ، وقد قال العلماء إنما سمل أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة، فاقتص منهم مثل ما فعلوا والحكم ثابت.

стр. 1410

قال ابن دقيق العيد -في شرحه العمدة -: هذا تقصير لأن الحديث وردت فيه المثلة من جهات عديدة، وبأشياء كثيرة، فهب أنه ثبت القصاص في سمل الأعين فما يصنع بباقي ما جرى من المثلة، فلابد من جواب غير هذا، وقد رأيت عن الزهري في قصة العرنيين أنه ذكر أنهم قتلوا يسارًا مولى رسول الله ﷺ ثم مثلوا به، فلو ذكر ابن الجوزي هذا كان أقرب إلى مقصوده مما ذكر من حديث سمل الأعين فقط على أنه يبقى نظر في بعض ما حكى في القصة. انتهى. ولم يذكر النظر ما هو، وكأنه أراد ما ورد في الحديث أنه تركهم في الحرة، يستسقون فلا يسقون. وقد أجاب النووي عن هذا: بأن هؤلاء كانوا قد قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإسلام، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا غيره، قال النووي: قد قال أصحابنا: لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ذميًا أو بهيمة وجب سقيه ولم يجز الوضوء به حينئذ انتهى. ولا يصار إلى النسخ مع إمكان العمل بالحديث، وهذا الحديث دليل على مقابلة الجاني بمثل ما فعل فإن هؤلاء قتلوا الراعي، وسلموا عينة كما تقدم، وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد، وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معًا، فإن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم حدًا لله

стр. 1411

تعالى على حرابهم، وقتلهم لقتلهم للراعي، وعلى أن المحارب إذا أخذ المال، وقتل قطعت يده ورجله، وقتل، وعلى أن الجنايات إذا تعددت تغلظت عقوباتها، فإن هؤلاء كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس، ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة، وعلى أن ردء المحاربين له حكم مباشرتهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك. قوله: (وحين رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة، قال: "هاه! ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت"). أصل الحديث ثابت ولكن ليس فيه (هاه) ولا (فلم قتلت) والله أعلم. ***

стр. 1412

باب الموادعة ومن يجوز أمانه قوله: (وإن صالحهم مدة ثم رأى أن نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم، لأن النبي ﷺ "نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة"). لم ينبذ رسول الله ﷺ العهد الذي كان بينه وبين أهل مكة، وإنما هم غدروا/ ونكثوا، ولما سار النبي ﷺ إليهم سأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم، وذكر موسى بن عقبة نحو هذا، وأن أبا بكر قال: أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ ولا يصح ما ذكر المصنف من أن النبي ﷺ نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة، ولو استدل بقتال النبي ﷺ أهل مكة على المسألة التي بعد هذه -وهي ما إذا بدأ المشركون بخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم -لكان استدلالًا صحيحًا، أما على النبذ فلا، وأصل الحديث "أنه كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش

стр. 1413

وعهدهم فمكثوا على تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة -الذين دخلوا في عهد رسول الله ﷺ وعهده -ليلًا بماء يقال له الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل، وما يرانا أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم للضغن على رسول الله ﷺ ، وإن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله ﷺ عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة إلى رسول الله ﷺ يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها وهي: يارب إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتموا ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرًا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسموا صعدا

стр. 1414

إن سيم خسفًا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا فقتلونا ركعًا وسجدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم، فما برح حتى مرت غياية فقال رسول الله ﷺ : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم، ثم كان من أمر الفتح ما كان، وهذا مشهور في السنن والسير.

стр. 1415

قوله: (وقد قال ﵊: "في العهود وفاء لا غدر"). هذا محفوظ من كلام عمرو بن عبسة ﵁، وهو ما رواه سليمان بن عامر قال: "كان معاوية يسير بأرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، إن رسول الله ﷺ قال: من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء، فبلغ ذلك معاوية فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة" أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال حديث حسن صحيح. قوله: (لأن النبي ﷺ "نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب، وحمله إليهم").

стр. 1416

عن عمران بن حصين "نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة". قال البيهقي: رفعه وهم، والموقوف أصح. قوله: (لمحمد ﵀ قوله ﵊ "أمان العبد أمان" رواه أبو موسى الأشعري). لا يعرف هذا من حديث أبي موسى الأشعري ولكن يروى عن علي ﵁ حديث ضعيف، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس/ للعبد من الغنيمة شيء إلا خرثي المتاع، وأمانه جائز، وأمان المرأة جائز إذا أعطيت القوم الأمان" أخرجه البيهقي، ولو استدل -بعموم قوله ﷺ "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" رواه البخاري -لكان أولى، فإن العبد

стр. 1417

رجل من المسلمين، وقد أجاز عمر ﵁ أمان عبد ولم يسأل هل كان مأذونًا له في القتال أم لا؟ فالتعليل بكونه مأذونًا له في القتال وغير مأذون، فيه نظر، فإن علم المشركين بذلك في غاية الندرة، والنص مطلق. ***

стр. 1418

باب الغنائم وقسمتها قوله: (فهو بالخيار إن شاء قسمه بين الغانمين كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليه، ووضع عليهم وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق بموافقة من الصحابة ﵃، ولم يحمد من خالفه، وفي كل ذلك قدوة فيتخير). في كلامه نظر من وجوه: أحدها: قوله: فهو بالخيار. فإن ظاهره أنه اختيار تشه، وليس كذلك، وإنما على الإمام أن يجتهد ويفعل ما يراه أنه الأصلح. الثاني: دعواه أن النبي ﷺ قسم خيبر بين الغانمين، فإن النبي ﷺ قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك: ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله ﷺ سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين، قال البيهقي: وهذا لأن خيبر فتح شطرها عنوة، وشطرها صلحًا، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحًا

стр. 1419

لنوائبه وما يحتاج إليه في أمور المسلمين وهذا بناءً منه على أصل الشافعي ﵀: أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة كما تقسم سائر الغنائم، فلما لم يجده قسم الشطر من خيبر، قال: إنه فتح صلحًا، ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة، وأن رسول الله ﷺ استولى على أراضيها كلها بالسيف غنوة ولو فتح شيء منها صلحًا لم يجلهم رسول الله ﷺ منها فإنه لما عزم على إخراجهم منها، قالوا: نحن أعلم بالأرض منكم، دعونا نكون فيها، ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها، وهذا صريح جدًا في أنها فتحت عنوة. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوبًا عليها انتهى. وقال ابن إسحاق: وأما من قال إن خيبر كان بعضها عنوة فقد وهم وغلط انتهى.

стр. 1420

وقد حصل بين المسلمين واليهود بها من الحراب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم ولكن لما ألجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي بذلوه: أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء، والحلقة والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم ويجلوا من الأرض، فهذا كان الصلح، ولم يقع بينهم صلح أن شيئًا من أرض خيبر لليهود، ولو كان كذلك، لم يقل: نقركم ما شئنا ولا كان عمر أجلاهم كلهم من الأرض، ولم يصالحهم أيضًا على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم فإنه لم يضرب على خيبر خراجًا البتة فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة، والإمام مخير في أرض العنوة بين قسمها وتركها، وبين قسم بعضها وترك بعضها، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة فقسم أرض قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها، وقد ذكر في معنى قسمة خيبر على ألف وثمانمائة سهم أنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم، ومن غاب عنها، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان، قالوا: ولم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها، وقسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهمًا.

стр. 1421

الثالث: ما ذكره من التخيير من الاقتداء بفعل عمر ﵁، وفعل النبي ﷺ ، وما فعله عمر ﵁ بسواد العراق موافق لسنة رسول الله ﷺ ، وفهم عمر ﵁/ ومن وافقه في ذلك أصح من فهم من خالفهم فيه كبلال وغيره ﵃، كيف والأرض لا تدخل تحت حكم الغنيمة، وإنما تدخل تحت حكم الفيء فإن النبي ﷺ قال: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" مع أن الله أحل لهم ديار الكفرة وأراضيهم كما قال تعالى: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ وقال تعالى -في حق ديار فرعون وقومه وأرضهم-: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ وقال تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض﴾ وقال تعالى -حكاية عن موسى-: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ وأما المنقولات فكانت تأكلها النار، وقد

стр. 1422

وقع في عبارة الشيخ حافظ الدين النسفي وغيره: أن الإمام إذا فتح بلدة عنوة بالخيار، إن شاء خمسها وقسم الباقي بين الغانمين، كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر. وفي ذلك نظر، فإنه لم يثبت أن النبي ﷺ خمس أرضًا، لا خيبر ولا غيرها، بل قد روى أحمد وأبو داود عن بشير بن يسار "عن رجال من أصحاب النبي ﷺ أدركهم يذكرون أن رسول الله ﷺ حين ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فجعل نصف ذلك كله للمسلمين، فكان في ذلك النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله ﷺ معها، وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس" وفي رواية "فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهمًا، فجمع كل سهم مائة سهم، النبي ﷺ له سهم كسهم أحدهم" الحديث، وعن أسلم -مولى عمر ﵁ قال: عمر ﵁: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانًا ليس لهم من شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ولكن أتركها خزانة لهم يقتسمونها" رواه البخاري ومعنى قوله: كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، لا يلزم منه قسمها

стр. 1423

كلها بين الغانمين كما ظنه كثير من الفقهاء، فإنه قد ثبت أنه ﷺ لم يقسمها كلها بين الغانمين ولو كان تخميسها واجبًا لما جاز تركه مع أنكم قد قلتم: إن شاء خمسها وقسمها بين الغانمين، وإن شاء تركها كلها في يد أهلها بالخراج عليها، ولا يشكل على هذا حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم" رواه أحمد ومسلم، فإنه وإن كان ظاهره يشمل الأرض وغيرها لكن فعله ﷺ في خيبر يبين أن المراد غير الأرض، فإن قيل: يشكل على هذا قول ابن شهاب: "خمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية" أخرجه أبو داود، قيل: يحمل على ما غنمه منها من المنقولات لا على أراضيها، للتوفيق بين الأخبار، كيف وهو ظاهر، وذاك نص، والنص مقدم على الظاهر، أعني بالظاهر قول ابن شهاب، وبالنص حديث بشير بن يسار الذي فيه "أن النبي ﷺ معهم -أي مع الغانمين -له سهم كسهم أحدهم" وأيضًا فقول ابن شهاب: ثم قسم سائرها إلى آخره يدل على أن مراده غير الأرض، فإن الأرض لم يقسم سائرها بين من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية، وإنما قسم بينهم نصفها، وترك النصف الآخر لنوائب المسلمين كما تقدم، وأيضًا فإن النبي ﷺ فتح مكة عنوة -على الصحيح -وأقر أهلها عليها، ولم

стр. 1424

يخمسها ولم يقسمها، فدعوى التخميس في الأراضي والحالة هذه لا تقوى، وعن أحمد في تخميس الأرض روايتان. قوله: (ولنا قوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ولأنه بالأسر والقهر/ ثبت حق الاسترقاق فيه، فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة وعوض، وما رواه منسوخ بما تلونا). فيه نظر، فقد ثبت عن النبي ﷺ في الأسارى أنه كان يمن على بعضهم، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسارى

стр. 1425

المسلمين فقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة، وقد تعالى ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها﴾ وقوله: ولأنه بالأسر والقهر ثبت حق الاسترقاق فيه، فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة؛ منقوض بجواز قتلهم. وقوله: وما رواه منسوخ بما تلونا. وكذلك أيضًا ذكر الأصحاب أن آية القتال منسوخة بآية براءة، لا يقوي دعوى النسخ فإن عموم قوله تعالى ﴿اقتلوا المشركين﴾ مخصوص بجواز الاسترقاق، وجواز المن عليهم بالرقاب والأراضي كما تقدم، والإمام يفعل في ذلك ما يراه مصلحة، من القتل، والاسترقاق وضرب الجزية على من هو أهلها، فكذلك المن والفداء، فقد تكون مصلحة ذلك تربو على مصلحة القتل أو الاسترقاق بأضعاف مضاعفة. قوله: (ولنا أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب"). هذا حديث منكر لا يعرف. قوله: (ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة، والثاني منعدم،

стр. 1426

لقدرتهم على الاستنقاذ ووجوده ظاهرًا). للمخالف أن يمنع هذا، ويقول: بل قد ثبتت اليد بحيازة الغنيمة، وإزالة يد الكفار وثبتت يد المسلمين فقد تم الملك فاشتراط النقل إلى دار الإسلام لتمام الملك لا يقوى، فإن القدرة على التصرف -في هذه الحالة -للمسلمين دون الكفار، ولهذت لو أسلم عبد الحربي، ولحق بجيش المسلمين صار حرًا، وهذا يدل على زوال ملك الكافر بإحراز الجيش له، وإن لم ينقلوه إلى دار الإسلام مع أن النبي ﷺ إنما كان يقسم الغنائم قبل أن ينقلها إلى دار الإسلام، فإنه قسم غنائم حنين بالجعرانة، وكانت يومئذ من دار الحرب، وكذلك قسم غنائم خيبر قبل أن ينقلها إلى المدينة، وذلك معروف في السنن والسير، ذكره ابن عبد البر وغيره. قوله: (لقوله ﵊ "الغنيمة لمن شهد الوقعة"). لا يعرف هذا الحديث مرفوعًا، ولم يحتج به الشافعي رحمه الله

стр. 1427

مرفوعًا، وإنما أخرجه الشافعي من كلام أبي بكر وعمر واحتج به. قوله: (لقوله ﵊ "من أسلم على مال فهو له"). أخرجه البيهقي وضعفه، ولكن قد جاء معناه في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" وروى أحمد وأبو داود عن صخر بن عيلة "أن قومًا من بني سليم فروا عن أرضهم حين جاء الإسلام فأخذتها، فأسلموا فخاصموني فيها إلى النبي ﷺ فردها عليهم، وقال: إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله" وهو حجة لمحمد في الأراضي وفيما هو غصب من ماله في يد مسلم. قوله: (وله أنه مال مباح فملك بالاستيلاء، والنفس لم تصر معصومة

стр. 1428

بالإسلام، ألا ترى أنها ليست بمتقومة إلا أنه محرم التعرض في الأصل لكونه مكلفًا وإباحة التعرض بعارض شره، وقد اندفع بالإسلام، بخلاف المال، لأنه خلق عرضةً للامتهان فكان محلًا للتملك، وليس في يده حكمًا فلم تثبت العصمة). هذا التعليل لأبي حنيفة على أن من أسلم وله مال في يد مسلم أو ذمي غصبًا، فهو عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه، ولبقية الأئمة، وقولهم أقوى فإن هذا مال معصوم تبعًا لمالكه، وهو في يد من يجب عليه رده إلى مالكه وقول المصنف إنه مال مباح ممنوع، وكذا قوله: والنفس لم تصر معصومة بالإسلام ممنوع أيضًا، واستشهاده بأنها ليست بمتقومة لا يلزم منه عدم العصمة، لأن انتفاء التقوم لمانع لا يخرجها عن كونها/ معصومة كما في قتل السيد عبده، والوالد ولده، وقوله: وليس في يده حكمًا ممنوع وسيأتي الكلام في مسألة الغصب في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. فصل في كيفية القسمة: قوله: (فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله، وقد قال عليه الصلاة والسلام

стр. 1429

"للفارس سهمان، وللرجل سهم" كيف وقد روي عن ابن عمر ﵁ "أن النبي ﷺ قسم للفارس سهمين" وإذا تعارضت روايتاه ترجح رواية غيره). يعني أنه قد ورد عن النبي ﷺ أنه أعطى للفارس ثلاثة أسهم وورد عنه أنه أعطاه سهمين، فتعارضت روايتا فعله، فيصار إلى قوله وقد قال: "للفارس سهمان" وقد ورد عن ابن عمر -راوي حديث الثلاثة الأسهم -أنه روى "أن النبي ﷺ قسم للفارس سهمين" فقد تعارضت روايتاه فيصار إلى رواية غيره، وهي رواية ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ أعطى الفارس سهمين" لسلامتها عن المعارض هذا خلاصة كلامه، وهذا البحث إنما يصح بعد صحة الأحاديث التي ادعى معارضتها، وإلا إذا لم يصح الحديث فلا يصلح لمعارضة الصحيح وكيف تصح المعارضة بين ما صح وما لم يصح، فأما حديث ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا" فمتفق عليه، وفي رواية في الصحيحين أيضًا بإسقاط لفظة "النفل" وفي رواية "أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه" رواه أحمد وأبو داود، وفي لفظ: "أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة

стр. 1430

أسهم، للفرس سهمان، وللرجل سهم". رواه ابن ماجه، وعن المنذر بن الزبير عن أبيه عن النبي ﷺ "أنه أعطى الزبير سهمًا وأمه سهمًا، وفرسه سهمين" رواه أحمد، وفي لفظ قال: "ضرب رسول الله ﷺ يوم خيبر للزبير أربعة أسهم، سهم للزبير، وسهم لذي القربى، لصفية أم الزبير وسهمين للفرس" رواه النسائي، وعن أبي عمرة عن أبيه قال "أتينا رسول الله ﷺ أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين" رواه أحمد وأبو داود، وعن أبي رهم قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي ومعنا

стр. 1431

فرسان، فأعطانا ستة أسهم، أربعة أسهم لفرسينا، وسهمين لنا" رواه الدارقطني، وإن كان في بعض هذه الأحاديث المتأخرة كلام، فإنما ذكرتها بعد حديث ابن عمر للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها، وإلا فحديث ابن عمر المتفق على صحته كاف في الاستدلال، وأما ما يظن أنه يعارضه من الرواية عن ابن عمر ﵄ فما روى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر "أنه أعطى الفارس سهمين، والراجل سهمًا"، قال الشافعي: كأنه سمع نافعًا يقول: للفرس سهمين وللرجل سهمًا، فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا، قال: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، ثم ساق حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر الذي في الصحيحين، وقال ابن عبد البر في التمهيد -بعدما ذكر حديث عبيد الله عن نافع من طرق-: ورواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده فقال فيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا ثم قال بعد ذلك: ولا حجة في ذلك لأن الأكثر من أصحاب عبيد الله خالفوه، وأما حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "أعطى الفارس سهمين، والراجل سهمًا" فهو حديث ضعيف

стр. 1432

ذكره عبد الحق في أحكامه، وابن أبي شيبة، وقد عارضه ما نقل عنه الدارقطني أن رسول الله ﷺ "قسم لمائتي فرس بحنين، سهمين سهمين" فقد تعارضت روايتا ابن عباس أيضًا، على ضعف الحديث، وقد احتجوا أيضًا بحديث مجمع بن جارية الأنصاري قال: "قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا/ وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا" رواه أحمد وأبو داود وذكر أن حديث ابن عمر أصح، قال: وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. انتهى. وقد تقدم أن الذين قسم رسول الله ﷺ بينهم خيبر كانوا ألفًا وأربعمائة،

стр. 1433

وأن الخيل كانت مائتي فرس هكذا ذكره أهل المغازي، وفي حديث ابن عباس وغيره أن الخيل كانت مائتي فرس كما تقدم، وأما قوله: فيرجع إلى قوله: وقد قال "للفارس سهمان وللراجل سهم" فلا أصل له، ولا يعرف في كتب الحديث، بل جاء من قوله ﷺ ما يوافق حديث ابن عمر، وهو حديث أبي كبشة الأنماري قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة كان الزبير على المجنبة اليسرى، وكان المقداد على المجنبة اليمنى فلما قدم رسول الله ﷺ مكة، وهدأ الناس جاءا بفرسيهما فقام رسول الله ﷺ يمسح الغبار عنهما وقال: إني قد جعلت للفرس سهمين وللفارس سهمًا فمن نقصهما نقصه الله" وعن خالد الحذاء قال: لا يختلف فيه عن النبي ﷺ قال: "للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم" رواهما الدارقطني، قال ابن المنذر: وجاء الحديث عن عمر

стр. 1434

ابن الخطاب ﵁ "أنه فرض للفرس سهمين وللراجل سهمًا" وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز وبه قال الحسن وابن سيرين ومكحول وحبيب بن أبي ثابت، وبه قال عوام علماء الأمصار في القديم والحديث، وممن قال ذلك: مالك ومن تبعه من أهل المدينة وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق، وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر، وكذلك قال الشافعي وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلا النعمان. انتهى. قوله: (لما روي "أن النبي ﷺ أسهم لفرسين"). عن ابن عمر ﵄ "أن الزبير ﵁ غزا مع رسول الله ﷺ بأفراس، فلم يقسم إلا لفرسين" أخرجه الشافعي، قال البيهقي: في إسناده العمري ولا يحتج بحديثه.

стр. 1435

قوله: "أن البراء بن أوس قاد فرسين، فلم يسهم رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد"). لا يعرف هذا في كتب الحديث، قال ابن التركماني: ولم أر هذا بل جاء عكسه، فذكر ابن منده في كتابه في الصحابة (و) البراء بن أوس ابن خالد ثم قال: روى علي بن قرين عن محمد بن عمر المدني عن

стр. 1436

يعقوب بن محمد بن صعصعة عن عبد الله بن أبي صعصعة عن البراء بن أوس أنه قاد مع رسول الله ﷺ فرسين فضرب ﵇ له خمسة أسهم انتهى. وعلي بن قرين ضعيف، وشيخه الواقدي، وفي الباب أحاديث أصلح منه. قوله: (ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر، وكذا على شهود الوقعة، لأنه حال التقاء الصفين، فتقام المجاوزة مقامه، إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرًا). لا يلزم من كون الوقوف على حقيقة حالة القتال متعسرًا أن تعتبر حالة المجاوزة مطلقًا، فإن الأصل اعتبار حالة القتال فمتى أمكن اعتبارها لا يصار إلى غيرها، وإذا اشتبه الحال بأن ادعى موتها بعد القتال عليها ولا بينة له

стр. 1437

فحينئذ تعتبر حالة المجاورة، أما إذا قامت له بينة بأنه قاتل فارسًا أو رجلًا، فلا مانع من سماعها، قال في المغني: قال أحمد ﵀: أنا أرى كل من شهد الواقعة على أي حال كان يعطي، إن كان فارسًا ففارس، وإن كان راجلًا فراجل، لأن عمر ﵁ قال "الغنيمة لمن شهد الوقعة" وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور، ونحوه. قال ابن عمر، انتهى. قوله: (ولما استعان/ ﵇ باليهود لم يعطهم شيئًا من الغنيمة، يعني أنه لم يسهم لهم). عن ابن عباس ﵁ أنه قال "استعان رسول الله ﷺ بيهود قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم" أخرجه الشافعي والبيهقي من جهته وقال: تفرد به الحسن بن عمارة وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح انتهى. وقال ابن المنذر: ولا يعلم أن النبي ﷺ استعان بهم، والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. قوله: (ولنا أن الخلفاء الراشدين الأربعة قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا، وكفى بهم قدوة).

стр. 1438

اختلف العلماء في قسمة خمس الغنيمة على أقوال: فذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله إلى أن يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين. وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وذهب أبو العالية إلى أنه يقسم على ستة أسهم، زاد سهمًا لله يصرف للكعبة فيما يحتاج إليه من عمارة ونحوها. وذهبت طائفة إلى أن ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ يصرف القربى إلى أقاربه، وممن قال ذلك الحسن وأبو ثور، ونقل عن عثمان ﵁.

стр. 1439

وذهب مالك والثوري رحمهما الله إلى أن الخمس والفيء واحد يجعلان في بيت المال، ويعطى أقرباء رسول الله ﷺ منهما على ما يراه الإمام ويجتهد في ذلك، وهو رواية عن أحمد ﵀، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأهل المدينة، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يقسم على ثلاثة أسهم كما ذكره المصنف، وأقوى هذه الأقوال قول مالك والثوري رحمهما الله، فإن الله تعالى جعل في كتابه العزيز مصارف الفيء هم مصارف الخمس وزاد عليهم لما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فقال في الفيء ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآيات، وقال في الخمس ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية، واللام في قوله ﴿لله والرسول﴾ في الخمس والفيء كاللام في قوله ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ فالإضافة إلى الرسول لأنه هو الذي يقسم هذه الأموال بأمر الله ليست ملكًا لأحد، وذكر البخاري في صحيحه أن معنى قوله تعالى: ﴿وللرسول﴾ يعني

стр. 1440

الرسول له ذلك انتهى. وتحقيق ذلك أن اللام في آية الفيء مذكورة في ثلاثة مواضع في قوله ﴿لله﴾ وفي قوله ﴿وللرسول﴾ وفي قوله ﴿ولذي القربى﴾، وفي آية الصدقات لم تذكر إلا في أولها فقط، ولم تذكر مع بقية أنواع المصارف في الآيات الثلاث وليس ذلك لغير معنى بل لمعانٍ متغايرة وهي: أنها في قوله ﴿لله﴾ بمعنى أن أمرها إليه، لم يجعله إليكم، بل أخرتها عن حكمكم، وجعل لها مصارف، عينها لهم، وفي قوله ﴿وللرسول﴾ بمعنى أنه هو المنفذ لأمر مرسله وهو الذي يتولى أمر قسمها بإذنه وله فيها نصيب لاحتياجه إلى ما يحتاج إليه البشر، ولما كانت منزلته أعلى من منزلة بقية المصارف أعيدت اللام مع بقية المصارف تنبيهًا على أنهم مصارف محضة فمنزلته ﷺ منزلة بين المنزلتين، ولهذا والله أعلم لم يكرر مع بقية المصارف، ولم يكرر في آية الصدقات، لأن زيادته معهم ليس لها فائدة، إذ كلهم يجمعهم معنى واحد، وهو كونهم مصارف، واللام في قوله ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآيات بدل من اللام في قوله ﴿ولذي القربى﴾ الآية، وقوله ﷺ "إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"
следующие страницы →