← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

يعقوب بن محمد بن صعصعة عن عبد الله بن أبي صعصعة عن البراء بن أوس أنه قاد مع رسول الله ﷺ فرسين فضرب ﵇ له خمسة أسهم انتهى. وعلي بن قرين ضعيف، وشيخه الواقدي، وفي الباب أحاديث أصلح منه. قوله: (ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر، وكذا على شهود الوقعة، لأنه حال التقاء الصفين، فتقام المجاوزة مقامه، إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرًا). لا يلزم من كون الوقوف على حقيقة حالة القتال متعسرًا أن تعتبر حالة المجاوزة مطلقًا، فإن الأصل اعتبار حالة القتال فمتى أمكن اعتبارها لا يصار إلى غيرها، وإذا اشتبه الحال بأن ادعى موتها بعد القتال عليها ولا بينة له

стр. 1437

فحينئذ تعتبر حالة المجاورة، أما إذا قامت له بينة بأنه قاتل فارسًا أو رجلًا، فلا مانع من سماعها، قال في المغني: قال أحمد ﵀: أنا أرى كل من شهد الواقعة على أي حال كان يعطي، إن كان فارسًا ففارس، وإن كان راجلًا فراجل، لأن عمر ﵁ قال "الغنيمة لمن شهد الوقعة" وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور، ونحوه. قال ابن عمر، انتهى. قوله: (ولما استعان/ ﵇ باليهود لم يعطهم شيئًا من الغنيمة، يعني أنه لم يسهم لهم). عن ابن عباس ﵁ أنه قال "استعان رسول الله ﷺ بيهود قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم" أخرجه الشافعي والبيهقي من جهته وقال: تفرد به الحسن بن عمارة وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح انتهى. وقال ابن المنذر: ولا يعلم أن النبي ﷺ استعان بهم، والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. قوله: (ولنا أن الخلفاء الراشدين الأربعة قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا، وكفى بهم قدوة).

стр. 1438

اختلف العلماء في قسمة خمس الغنيمة على أقوال: فذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله إلى أن يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين. وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وذهب أبو العالية إلى أنه يقسم على ستة أسهم، زاد سهمًا لله يصرف للكعبة فيما يحتاج إليه من عمارة ونحوها. وذهبت طائفة إلى أن ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ يصرف القربى إلى أقاربه، وممن قال ذلك الحسن وأبو ثور، ونقل عن عثمان ﵁.

стр. 1439

وذهب مالك والثوري رحمهما الله إلى أن الخمس والفيء واحد يجعلان في بيت المال، ويعطى أقرباء رسول الله ﷺ منهما على ما يراه الإمام ويجتهد في ذلك، وهو رواية عن أحمد ﵀، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأهل المدينة، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يقسم على ثلاثة أسهم كما ذكره المصنف، وأقوى هذه الأقوال قول مالك والثوري رحمهما الله، فإن الله تعالى جعل في كتابه العزيز مصارف الفيء هم مصارف الخمس وزاد عليهم لما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فقال في الفيء ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآيات، وقال في الخمس ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية، واللام في قوله ﴿لله والرسول﴾ في الخمس والفيء كاللام في قوله ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ فالإضافة إلى الرسول لأنه هو الذي يقسم هذه الأموال بأمر الله ليست ملكًا لأحد، وذكر البخاري في صحيحه أن معنى قوله تعالى: ﴿وللرسول﴾ يعني

стр. 1440

الرسول له ذلك انتهى. وتحقيق ذلك أن اللام في آية الفيء مذكورة في ثلاثة مواضع في قوله ﴿لله﴾ وفي قوله ﴿وللرسول﴾ وفي قوله ﴿ولذي القربى﴾، وفي آية الصدقات لم تذكر إلا في أولها فقط، ولم تذكر مع بقية أنواع المصارف في الآيات الثلاث وليس ذلك لغير معنى بل لمعانٍ متغايرة وهي: أنها في قوله ﴿لله﴾ بمعنى أن أمرها إليه، لم يجعله إليكم، بل أخرتها عن حكمكم، وجعل لها مصارف، عينها لهم، وفي قوله ﴿وللرسول﴾ بمعنى أنه هو المنفذ لأمر مرسله وهو الذي يتولى أمر قسمها بإذنه وله فيها نصيب لاحتياجه إلى ما يحتاج إليه البشر، ولما كانت منزلته أعلى من منزلة بقية المصارف أعيدت اللام مع بقية المصارف تنبيهًا على أنهم مصارف محضة فمنزلته ﷺ منزلة بين المنزلتين، ولهذا والله أعلم لم يكرر مع بقية المصارف، ولم يكرر في آية الصدقات، لأن زيادته معهم ليس لها فائدة، إذ كلهم يجمعهم معنى واحد، وهو كونهم مصارف، واللام في قوله ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآيات بدل من اللام في قوله ﴿ولذي القربى﴾ الآية، وقوله ﷺ "إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"

стр. 1441

يدل على أنه ليس بمالك للأموال، وإنما هو منفذ لأمر الله فيها، وذلك أن الله خيره بين أن يكون ملكًا نبيًا وبين أن يكون عبدًا رسولاً فاختار أن يكون عبدًا رسولاً وهذا أعلى المنزلتين، فالملك يصرف المال حيث أحب، ولا إثم عليه، والعبد الرسول لا يصرف المال إلا فيما أمر به فيكون ما يفعله عبادة لله وطاعة له ليس فيه قسمة ما هو من المباح الذي لا يثاب عليه، بل يثاب عليه كله، وقوله: ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم؛ يؤيد ذلك، فإن قوله: (لي) أي أمره إلي، ولهذا قال: والخمس مردود عليكم. وأما ما استدل به المصنف من أن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا، فروي عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ "أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم، لله ولرسوله سهم، ولذي القربى

стр. 1442

سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم لليتامى، والمساكين، وابن السبيل"، والكلبي ضعيف عند أهل الحديث، بل متروك كذاب، وقال ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن الحسن في هذه الآية ﴿وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال: لم يعط أهل البيت بعد رسول الله ﷺ الخمس أبو بكر ولا عمر ولا غيرهما، وكانوا يرون أن ذلك إلى الإمام يضعه في سبيل الله وفي الفقراء حيث أراه الله، وهذا ينافي ما روي عنهما من القسم على ثلاثة أسهم، وكأن المراد من قوله لم يعط أهل البيت بعد رسول الله الخمس أبو بكر ولا عمر ولا غيرهما. أي لم يقسما لهما سهمًا معينًا، بل يصرفان إليهم على ما يريانه من المصلحة مع غيرهم، وهذا يشهد لمذهب مالك، وتفريق الأصحاب بين مصارف الفيء والخمس والزكاة مشكل، فإن اللام في آية مصارف الزكاة وآية الفيء، وآية الخمس والقول بالانقسام في هذه الآية وحدها تحكم يؤيد هذا ما نقله ابن المنذر عن عمر ﵁ "أنه قرأ: ﴿إنما الصدقات للفقراء .... حتى

стр. 1443

بلغ- والله عليم حكيم﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه ... -حتى بلغ- وابن السبيل﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... -حتى بلغ- للفقراء، والذين جاءوا من بعدهم﴾ ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، ولئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو وحمير نصيبه فيها، لم يعرق فيها جبينه" ولم يثبت في السنة ما يقتضي قسمة الخمس على خمسة أسهم، على ما سيأتي بعد هذا عن قريب إن شاء الله تعالى، وقد جعل الله تعالى أهل الخمس هم أخص أهل الفيء به، وعينهم اهتمامًا بشأنهم، وتقديمًا لهم، ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها، لا يشاركهم فيها غيرهم، نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف، ولكن لم يقدر ما يصرف إليهم من الفيء بالخمس، وإنما بدأ بذكرهم للاهتمام بأمرهم ليبدأ بالصرف إليهم بقدر حاجتهم غير مقدر بالخمس، ويصرف الباقي في مصالح

стр. 1444

المسلمين عامة، المهاجرين والأنصار وتابعيهم الذين يقولون: ﴿بنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ الآية فيخرج منهم الرافضة ونحوهم، فإنهم غير موصوفين بهذا الوصف. قوله: (وقال ﵊ "يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وأوساخهم، وعوضكم منها بخمس الخمس" والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض، وهم الفقراء). تقدم في كتاب الزكاة أن هذا الحديث، لا أصل له، وهو حديث منكر، وأخذهم من الخمس لا يصح أن يكون علة لمنعهم من الزكاة، لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون في الخمس، ولا يحرم عليهم بذلك أخذ الزكاة، وحرمة الزكاة عليهم ثابتة بنصوص أخر غير هذا، وأيضًا فإن

стр. 1445

أبا حنيفة ﵀ لا يرى استحقاقهم خمس الخمس ولا سهمًا معينًا، ولكن إن كان فيهم يتيم أو مسكين أو ابن السبيل يعطى لكونه يتيمًا أو مسكينًا أو ابن السبيل، والمصنف قد ذكر ذلك عنه، فكيف يستدل له بحديث وهو لا يقول به، ولم يثبت في قسمة الخمس على خمسة أسهم حديث صحيح، وقد روى أبو داود عن علي ﵁ قال "ولاني رسول الله ﷺ خمس الخمس، فوضعته مواضعة حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر، وحياة عمر"، وفي ثبوت هذا الحديث نظر، فإنه يعارضه قوله ﷺ وقد أخذ وبرة من سنام بعير: "ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، والذي يدل عليه هدي رسول الله ﷺ وأحكامه أنه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف الزكاة، لا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنه يقسمه بينهم كقسمة الميراث، ولم يقسم خمسًا قط خمسة أجزاء ولا خلفاؤه، ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء، ومن تأمل سيرته حق التأمل وسيرة خلفائه لم يشك في ذلك، والتنصيص على الأصناف

стр. 1446

المذكورة في الآية يفيد أن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف مصارف الزكاة لا تعدوهم الزكاة إلى غيرهم، وكذلك الفيء في آية الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، ومن تأمل النصوص وجدها تشهد لأهل المدينة. قوله: (دل على أن المراد قرب النصرة لا قرب القرابة). حقه أن يقول دل أن المراد قرب النصرة مع قرب القرابة، ولا يقول: لا قرب القرابة، فإن كل من كان ينصره من المهاجرين والأنصار له قرب النصرة لكن ليس له مع قرب النصرة، قرب القرابة، فلابد له من اجتماع قرب القرابة والنصرة. قوله: (فأما ذكر الله تعالى في الخمس فإنه لافتتاح الكلام تبركًا باسمه). القول بأن ذكر اسمه تعالى واسم رسوله في آية الخمس وآية الفيء نظير ذكرهما في قوله تعالى ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ أقوى في المعنى ويشهد له قوله ﷺ "إنما أنا قاسم" ومنصب الرسالة يقتضي ذلك وهو أنه منفذ لأمر مرسله، وهذا هو الذي اختاره البخاري وغيره من أهل الحديث، وفيما

стр. 1447

قاله المصنف هضم لمعنى الآية. قوله: (لأنه كان مستحقه برسالته، ولا رسول بعده). يعني سهمه الذي كان يأخذه من الخمس، وفيه نظر، فإنه لا يأخذ شيئًا لأجل رسالته، قال تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وقال تعالى ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ وقال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلى المودة في القربى﴾ والاستثناء هنا منقطع، أي لا أسألكم على تبليغ الرسالة شيئًا ما، لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم، وقيل: يجوز أن يكون متصلاً؛ أي: إلا هذا القدر وهو مودتي للقرابة التي بيني وبينكم. قال ابن عباس ﵄ "ما من بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله ﷺ فيه قرابة" وعن عمرو ابن عبسة ﵁ قال "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه. وقد تقدم أنه لم يثبت أنه كان يقسم الخمس خمسة أسهم، وإنما كان يأخذ منه ما يحتاج إليه، ويصرف الباقي في جهاته من غير تقدير بالخمس، كما كان يصرف الزكاة في مصارفها من غير تقدير بالثمن، وكان يصرف الفيء في

стр. 1448

مصارفه من غير تقدير سهم معين، ومن استقرأ سيرته تبين له هذا، وبهذا يتبين رجحان قول الإمام مالك ﵀ في هذه المسألة كما تقدم التنبيه عليه. قوله: (والإجماع انعقد على سقوط حق الأغنياء). يعني من ذوي القربى، وفي دعواه الإجماع نظر، فإنه مرتب على ما ذكره من أن الخلفاء الراشدين قسموا الخمس بعد رسول الله ﷺ على ثلاثة أسهم، ولم يثبت ذلك، وقد قال الشافعي وأحمد ومكحول وأبو ثور أنه يصرف إلى الفقير والغني، لأنهم أعطوا باسم القرابة، وجعل مالك والثوري رحمهما الله الأمر فيه إلى رأي الإمام واجتهاده، ولم يقولا بحرمان الغني فأين الإجماع. فصل في التنفيل: قوله: (ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام، لأن حق الغير قد تأكد فيه بالإحراز، قال: إلا من الخمس، لأنه لا حق للغانمين في الخمس). فيه إشكال، فإنه إن لم يكن فيه حق للغانمين فهو لليتامى والمساكين وابن السبيل على قول أبي حنيفة وأصحابه يقسم عندهم بينهم أثلاثًا، فكيف يصرف إلى غيرهم، ولهذا لما ذكر هذا الإشكال السغناقي في شرحه لم يقدر على

стр. 1449

الجواب عنه، ولكنه التزمه، وخرجه على رواية التحفة أنه يجوز صرف الخمس إلى أحد الأصناف الثلاثة، ونقل عن المبسوط والذخيرة ما يدل على اعتبار الحاجة في من ينفله الإمام بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام. قوله: (وقال ﵊ لحبيب بن أبي سلمة "ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك"). في معجم الطبراني عن جنادة بن أبي أمية قال: "نزلنا دابقًا وعلينا

стр. 1450

أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيب بن مسلمة أن بيه صاحب قبرص خرج يريد طريق أذربيجان ومعه زمرد وياقوت ولؤلؤ وغيرها، فقتله وجاء بما معه، فأراد أبو عبيدة أن يخمسه، فقال: لا تحرمني رزقًا رزقينه الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "السلب للقاتل" فقال معاذ: يا حبيب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه" وفي سنده عمرو بن واقد ضعيف، ففي كلام المصنف نظر من جوه: أحدها: قوله الحبيب بن أبي سلمة، وإنما هو حبيب بن مسلمة. الثاني: نسبته إليه أنه راوي قوله ﷺ : "ليس لك من سلب قتيلك ... " الحديث، وإنما هو القائل: سمعت رسول الله ﷺ يقول "السلب للقاتل" عكس ما قال المصنف. الثالث: أن هذا اللفظ وهو "ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك" غير محفوظ، وإنما قال معاذ في الحديث المذكور -على ضعفه- "إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه" استدل معاذ بعموم قوله ﷺ "إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه" ولم يقل "ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به

стр. 1451

نفس إمامك" وإن كان عمومه شاملاً للسلب، ولكن حكم السلب قد خص منه على ما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: (وما رواه يحتمل نصب الشرع، ويحتمل التنفيل فيحمل على الثاني لما روينا). تقدم التنبيه على ضعف الحديث الذي رواه، وما فيه من الكلام فلا يصلح لمعارضة ما رواه الشافعي من قوله ﷺ : "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فإنه متفق على صحته، ويشهد لأنه نصب شرع ما رواه البخاري في صحيحه "أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين

стр. 1452

-﵄ ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى قتلاه، فانصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر إلى السيفين فقال: كلاكما قتله، وسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" وهذا يدل على أن كون السلب للقاتل أمر معلوم من أول الأمر، وإنما تجدد يوم حنين الإعلام العام والمناداة به، وأنه محتاج إلى بينة، لا شرعيته يومئذ، فإن النبي ﷺ أعطى السلب للقاتل يوم بدر، ولم ينقل إنه كان قد قال قبل الوقعة ذلك اليوم "من قتل قتيلاً فله سلبه" وأيضًا فإنما قال "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" بعد انقضاء الحرب يوم حنين كذا في حديث أبي قتادة الذي في الصحيحين، وهذا ينافي أنه كان على سبيل التحريض، لأنه لو كان للتحريض لكان قبل القتال، وأيضًا فعن عوف بن مالك "أنه قال لخالد بن الوليد في وقعة مؤتة قبل حنين: أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى" رواه مسلم. وعن عوف وخالد أيضًا "أن النبي ﷺ لم يخمس السلب" رواه أحمد وأبو داود، وأيضًا فهذا على أصل أبي حنيفة ألزم فإن جعل الآبق عنده

стр. 1453

يستحقه الراد من غير شرط، وروي في ذلك أخبار ضعيفه، فكان استحقاق القاتل للسلب أولى من استحقاق راد الآبق للجعل، وقد ثبت أن السلب للقاتل بفعله وقوله ﷺ ، وممن قال إن السلب للقاتل -قاله الإمام أو لم يقله- الشافعي وأحمد والليث والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وزفر.

стр. 1454

باب استيلاء الكفار قوله: (لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع). يعني الدليل العقلي، وفيه نظر، فإنه ليس في الشرع ما هو على منافاة الدليل العقلي الصحيح، وإنما يرد على وفاقه، والمصنف قد أشار إلى الدليل الصحيح بقوله: ضرورةً تمكن المالك من الانتفاع. هذا مثل قولهم: على خلاف القياس. وقولهم: غير معقول. وفي كل ذلك إساءة أدب على الشرع، وكل ما جاءت به الرسل فهو على موافقة المعقول الصحيح علمه من علمه وجهله من جهله. قوله: (والمحظور لغيره، إذا صلح سببًا لكرامة تفوق الملك، وهو الثواب الآجل [كما] إذا صلى في أرض مغصوبة]، فما ظنك بالملك العاجل).

стр. 1455

مشكل فإن المحظور لا يكون سببًا للكرامة قط، وفعل الصلاة في الأرض المغصوبة اشتمل على طاعة وهي الصلاة وعلى معصية وهي استعمال الأرض المغصوبة فيثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية، ويوزن العملان يوم القيامة، والمعصية خارجة عن ماهية الطاعة، فلهذا لم تؤثر في إفسادها عند من يرى صحتها، وهو الأظهر. قوله: (ولا يحط شيئًا من الثمن لأنها من الأوصاف، والأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن). يعني فيما إذا أسروا عبدًا لمسلم فاشتراه رجل فأخرجه إلى دار الإسلام

стр. 1456

ففقئت عينه، وأخذ أرشها فإن مولاه يأخذه بالثمن، ولا يحط منه شيئًا، وهذا مشكل لأن الوصف لا يقابله شيء من الثمن إذا لم يصر مقصودرًا بالإتلاف، وهنا صار مقصودًا بالإتلاف، ألا ترى أنه ذكر في باب المرابحة إذا اشترى أمة، فأعورت يبيعها بلا بيان، وسيأتي ما فيها من الإشكال، ولو فقأ عينها بنفسه أو فقأها أجنبي فأخذ أرشها لم يرابح بلا بيان لأنه صار مقصودًا بالإتلاف فيقابلها شيء من الثمن فهنا كذلك. قوله: (وإذا أبق عبد لمسلم فدخل إليهم فأخذوه، لم يملكوه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكونه، لأن العصمة لحق المالك لقيام يده، وقد زالت، ولهذا لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه). فيه إشكال من وجهين: أحدهما: أنه يجب تقييد قوله وإذا أبق عبد لمسلم. بأن لا يكون العبد ارتد قبل دخوله إلى دارهم فإنه لو ارتد العبد ثم لحق بدار الحرب يملكه الكفار باتفاقهم. الثاني: أنه ينبغي أنهم إذا أسروا عبدًا مسلمًا في دارنا ثم أدخلوه دارهم أن

стр. 1457

لا يملكوه عند أبي حنيفة، لأن من أصله أن المستأمن منهم إذا اشترى عبدًأ مسلمًا ثم أدخله دارهم أنه يعتق، فإذا كان الإحراز بدارهم لا يبقى معه ملكه على المسلم فكيف يثبت به الملك على المسلم، والبقاء أسهل من الابتداء. قوله: (لقوله ﵊ فيه "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة"). إنما ورد عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فيما أحرز العدو فاستنفذه المسلمون منهم، إن وجده صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به، وإن وجده قد قسم، فإن شاء أخذه بالثمن" أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو ضعيف.

стр. 1458

باب المستأمن قوله: (وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فغصب حربيًا ثم خرجا مسلمين أمر برد الغصب ولم يقض عليه، أما عدم القضاء فلما بينا أنه ملكه، وأما الأمر بالرد ومراده الفتوى به فلأنه فسد الملك لما يقارنه من المحرم وهو نقض العهد). في التفريق بين الفتوى والقضاء في مثله نظر، وعلى تقدير ثبوت الملك الخبيث، فإنه إذا كان ذلك واجب الرد، وامتنع من رده يلزمه القاضي برده، لأن القاضي نصب لإلزام من امتنع عن أداء الواجب، وإنما يفرق بين القضاء والإفتاء قبل ثبوت الحق، وفي مثل ما إذا نوى ما فيه تخفيف عليه وهو خلاف الظاهر لكنه يحتمله لفظه كما إذا قال عن عبده: إنه حر، وقال عنيت حر الطباع ونحو ذلك. قوله: (وإنما لا يجب القصاص، لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة ولا منعة دون الإمام وجماعة المسلمين، ولم يوجد ذلك في دار الحرب). هذه المسألة من جملة المسائل المبنية على اختلاف الدارين، وليس فيها نص عن الشارع، ودخول هذه المسألة في عموم النصوص الموجبة للقصاص

стр. 1459

من الكتاب والسنة ظاهر، والتعليل بأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة، ولا منعة دون الإمام إلى آخره -فيه نظر- بل هذا كما لو كان القتل في مفازة أو في البحر فإنه لا يمكن استيفاؤه، وإذا خرجوا إلى دار الإسلام أمكن استيفاء القصاص لزوال المانع فإن هذا قتل موجب للقصاص بالكتاب والسنة، ولكن منع من استيفائه مانع، وهو بعده عن الإمام وقد زال وهذا مذهب جمهور العلماء ووافق أبو يوسف ومحمد بقية العلماء في رواية فيما إذا قتل أحد المسلمين المستأمنين الآخر عمدًا في دار الحرب أن عليه القصاص. قوله: (لأنه لا قدرة لهم على الصيانة مع تباين الدارين والوجوب عليهم على اعتبار تركها). يعني أن وجوب الدية على العاقلة لتركهم صيانة القاتل، وهذا معنى بعيد عن المعقول، وسيأتي في باب المعاقل ذكره إن شاء الله تعالى. قوله: (قال ﵊ "السلطان ولي من لا ولي له"). تقدم التنبيه على ضعف هذا الحديث في باب الأولياء والأكفاء.

стр. 1460

باب العشر والخراج قوله: (وهذا لأن وضع الخراج من شرطه أن يقر أهلها عليها على الكفر كما في سواد العراق، ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف). يريد بذلك أنه علة كون أرض العرب لم يوضع عليها خراج وفيه نظر، فإن خيبر كان سكانها يهودًا لم يكونوا من مشركي العرب، وكان فتحها عنوة، وقد قسم النبي ﷺ نصفها وترك نصفها لمصالح المسلمين، لم يقسمه بين الغانمين وأقر ألها فيها يعملونها بجزء مما يخرج منها، وشرط عليهم أنه

стр. 1461

يقرهم فيها ما شاء ثم أمر بإجلائهم منها في آخر حياته ﷺ ، وأجلوا منها بعد موته، فلم يكن ترك وضع الخراج على أرض الحجاز لما ذكره المصنف من التعليل وسيأتي الكلام في جواز أخذ الجزية منهم، وليس إقرار أهلها عليها على الكفر مما يوجب الخراج عليها حتمًا، بل مما يسوغ ذلك، فقد فتح النبي ﷺ خيبر عنوة وقسم نصفها بين الغانمين، وترك نصفها لمصالح المسلمين، وأقر أهلها فيها عمالاً غير ملاك لها، بل على أن يجليهم منها متى شاء وأقر عمر أهل سواد العراق فيه وجعل عليهم الخراج، كذلك مصر والشام، وكلام المصنف هنا يناقض قوله في كتاب المزارعة: إن معاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة. قوله: (وقد صح أن الصحابة ﵃ اشتروا أراضي الخراج،

стр. 1462

وكانوا يؤدون خراجها). فيه نظر، فإنه لم يثبت، وإنما ذكر بعض المؤرخين: أن ابن مسعود والحسين بن علي كانت لهم أرضون بالسواد يؤدون خراجها، وقد اختلف العلماء في جواز بيع أراضي السواد ونحوها، قال ابن المنذر: وممن أنكر بيع الأرض التي فتحت عنوة مالك بن أنس، وأنكر على الليث بن سعد دخوله فيما دخل فيه من أرض مصر، وقال أبو عبيد: وقد تتابعت الأخبار بالكراهة لشراء أرض الخراج، وقال الأوزاعي: لم تزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية، ويكرهه علماؤهم.

стр. 1463

قوله: (ولنا قوله ﵊ "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم"). روي من حديث ابن مسعود، وقال البيهقي وغيره: باطل موضوع، ورواه ابن حبان في الضعفاء وغيره من رواية يحيى بن عنبسة وهو كذاب، وإنما هذا من كلام إبراهيم النخعي [لأن الخراج إنما وضع في زمن عمر ﵁ على أرض الذمة وهم ليسوا بأهل للعشر فلذلك قال إبراهيم النخعي]: إنهما لا يجتمان. والله أعلم. قوله: (ولأن أحدًا من أئمة العدل والجور لم يجمع بينهما، وكفى بإجماعهم حجة).

стр. 1464

ليست دعوى الإجماع سهلة، ومن أين له هذا النفي العام، وقد حكى ابن المنذر أخذ العشر مع الخراج عن عمر بن عبد العزيز والزهري ومغيرة ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري وابن أبي ليلى وابن المبارك ويحيى ابن آدم والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد. انتهى. وعموم النصوص من الكتاب والسنة شامل للخارج من أرض الخراج. قوله: (وسبب الحقين واحد، وهو الأرض النامية إلا أنه يعتبر في

стр. 1465

العشر تحقيقًا وفي الخراج تقديرًا، ولهذا يضافان إلى الأرض). فيه نظر، بل سبب الخراج ملك الأرض، وسبب العشر ملك الخارج، ولهذا يضاف إلى الخارج لفظًا ومعنى، فيقال: عشر الخارج، وزكاة الخارج وحقه، قال تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ولم يقل حق أرضه، وإذا قيل: عشر الأرض فمعناه عشر الخارج من الأرض قطعًا لأن عشرها الحقيقي جزء منها وهو غير مراد، فالإضافة إلى الأرض مجازية، فلا تكون علامة السببية، وهنا أمر آخر يجب التنبيه عليه والتنبه له، وهو أن أرض الشام ومصر لا يؤخذ منها خراج على الوضع الذي قرره الخلفاء الراشدون، وأظن سواد العراق كذلك، وكان أبو جعفر المنصور نقل سواد العراق من خراج الوظيفة إلى المقاسمة وما يؤخذ اليوم من الملاك والفلاحين من الكلف السلطانية وإن كان منه ما يسمى خراجًا فليس هو كل الوضع الشرعي، بل هو بمنزلة المكوس التي تؤخذ اليوم على

стр. 1466

المبيعات وفي الطرقات، وإن كان لها أصل شرعي وهو ما قدره الخلفاء الراشدون لما يأخذه العاشر من التجار لكن حصل فيه مجاوزة الحد ولترك الخراج أسباب وإن كان لا يتمشى على مذهب أبي حنيفة ﵀، رأى ذلك ملوك المسلمين بموافقة علماء زمانهم، وقد صادف محل اجتهاد فنفذ، فليس لأحد اليوم أن يقول بجواز إعادة الخراج، فتعين وجوب العشر في الخارج والحالة هذه، لأنه إذا لم يخرج العشر يؤدي إلى أنه لا يجب على الأرض، لا عشر ولا خراج، وهذا لم يقله أحد من الأئمة، وإذا تقرر أن سبب العشر الخارج، ظهرت قوة قول أبي يوسف ومحمد الموافق لقول الأئمة الثلاثة وغيرهم أن العشر على المستأجر لا المؤجر، وليست الأجرة في مقابلة الخارج، بل في مقابلة المنفعة، ألا ترى أن الأرض لو لم تخرج شيئًا لوجبت الأجرة، ولا يصح بيع ما تخرجه الأرض قبل خروجه، ولو كانت الأجرة في مقابلته لكانت ثمنًا له، ولصح بيعه، وليس كذلك.

стр. 1467

باب الجزية قوله: (كما صالح النبي ﷺ بني نجران على ألف ومائتي حلة). فيه وهم في موضعين: أحدهما: أن نجران اسم بلد باليمن، والمصنف ظنها قبيلة، فقال: بني نجران وإنما يقال: نصارى نجران، وأهل نجران. الثاني: أن مقدار الحلل، ألفا حلة، وأصل الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: "صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والبقية في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم" الحديث رواه أبو داود.

стр. 1468

قوله: (لقوله ﵊ لمعاذ ﵁ "خذ من كل حالم وحالمة دينارًا أو عدله معافر"). عن معاذ ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي. وعن الحكم قال "كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ ﵁ باليمن، على كل حالم أو حالمة دينار أو قيمته" قال يحيى: ولم نسمع أن على النساء جزية إلا في هذا الحديث. أخرجه البيهقي، وقال: منقطع، وليس في رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ (حالمة) ولا في رواية إبراهيم عن معاذ إلا

стр. 1469

شيئًا روى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، ومعمر إذا روى عن غير الزهري يغلط كثيرًا. قوله: (ومذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي ﵃، ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والأنصار). يمكن أن يقال: إنما لم ينكروا ذلك، لأنه مفوض إلى رأي الإمام على حسب ما يراه من المصلحة، وهذا هو الظاهر وإلا فحديث معاذ في التقدير بدينار يعارضه، وما أجاب به المصنف من أنه كان ذلك صلحًا من أهل اليمن مجرد ظن وتأويل من غير دليل فإنه لم ينقل عنهم أنهم صالحوا على ذلك، وإنما هو ابتداء توظيف، وقد تقدم أن ذكر الحالمة لم يثبت، ويشهد لهذا ما

стр. 1470

حكاه البخاري عن [ابن] أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار. وهذا هو الظاهر من حال الصحابة ﵃ أنهم فهموا أن ذلك موكول إلى اجتهاد أمير المؤمنين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد وهو قول طائفة من السلف والخلف. قوله: (أما مشركو العرب، فلأن النبي ﷺ نشأن بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر). ذهب الأوزاعي ومالك وسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن يزيد

стр. 1471

ابن جابر إلى أن الجزية تؤخذ من مشركي العرب أيضًا لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم [إلى أن قال] فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" الحديث رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه. واستثنى مالك ﵀ مشركي قريش لأنهم مرتدون، وقد تقدم في كلام المصنف في باب كيفية القتال: إن امتنعوا ادعوهم إلى أداء الجزية، به أمر رسول الله ﷺ ، آمرًا الجيوش. لكن ادعى هناك أن هذا يخص منه المرتدون

стр. 1472

ومشركو العرب دعوى مجردة عن الدليل هناك، ثم ذكر هنا هذا الدليل، وقبول الجزية من المجوس يدل على قبول الجزية من مشركي العرب بطريق الأولى، فإن المجوس أكفر منهم، فإنهم يعتقدون خالقين: أحدهما خالق الخير، والآخر الشر، ويستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، ولم يدينوا بدين أحد من الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائعهم، والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع، وبطلت شريعتهم، لا يصح أصلاً، ولو صح فقد ارتفع، وليسوا على شيء منه، بخلاف مشركي العرب فإنهم على بقايا من دين إبراهيم، ويقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، فإنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه، ولا يستحلون الأمهات والبنات والأخوات، ولكن بقي هنا أمر آخر، وهو أن مشركي العرب لم يبق منهم أحد بعد نزول آية الجزية، لأنها إنما نزلت بعد أن أسلمت دارة العرب، فإنها

стр. 1473

نزلت بعد فتح مكة، ووقعة الطائف، ولهذا غزا بعد ذلك تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون، لكانوا يلونه فكانوا أولى بالغزو من الأبعدين، ومن تأمل السيرة وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من تؤخذ منه لا لأنهم ليسوا من أهلها. قوله: (وعند الشافعي يسترق مشركو العرب، وجوابه ما قلنا). يشير إلى ما تقدم من أن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، وفيه نظر، فإنه لا يقوى هذا المعنى في مقابلة قوله تعالى ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها﴾ وقصة سبي هوازن معروفة وهم سبي أوطاس، وقصة السبي في وقعة بدر معروفة، وكانوا رجالاً وكان قد أشار أبو بكر ﵁ في أمرهم بقبول الفدية، وأشار عمر ﵁ بضرب أعناقهم، وقال: "تمكن عليًا من عقيل يضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس يضرب

стр. 1474

عنقه، وتمكنني من فلان -قريب لعمر-" الحديث، ولا شك أن النبي ﷺ سبى العرب، وتخصيص الأصحاب السبي بالنساء والذرية يحتاج إلى دليل. فصل: قوله: (لقوله ﵊ "لا خصاء في الإسلام، ولا كنيسة"). أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس وضعفه. قوله: (وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها، لقوله ﵊ "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"). فيه نظر فإن المراد من قوله "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إجلاؤهم منها كما ورد أمره بإجلائهم صريحًا، وأجلاهم عمر ﵁ في خلافته من أرض العرب، ولم يبق منهم بها أحد، ولهذا قال مالك

стр. 1475

والشافعي وأحمد: إنه يمنع الذمي من استيطان الحجاز، فالحديث الذي استدل به المصنف حجة عليه في أصل المسألة لأنه يدل على أن الكفار يمنعون من سكنى جزيرة العرب لا على أنهم يمكنون من السكنى ويمنعون من إحداث الكنائس هنا. قوله: (ولنا أن سب النبي ﷺ يكون كفرًا [منه]، والكفر المقارن لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه). للمخالف أن يمنع من [أن] هذا الكفر لا يمنع المقارن منه، فإن هذا الكفر لم يقر عليه النبي ﷺ من وقع منه، بل أمر بقتل كعب بن الأشرف لما بلغه أنه يسبه، وقصته مشهورة، وأمر بقتل ابن خطل، وابن أبي سرح وعكرمة ابن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة"، وقتل كعبٍ مع كونه من المعاهدين من أقوى الأدلة على أن
следующие страницы →