Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
ابن جابر إلى أن الجزية تؤخذ من مشركي العرب أيضًا لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم [إلى أن قال] فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" الحديث رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه.
واستثنى مالك ﵀ مشركي قريش لأنهم مرتدون، وقد تقدم في كلام المصنف في باب كيفية القتال: إن امتنعوا ادعوهم إلى أداء الجزية، به أمر رسول الله ﷺ ، آمرًا الجيوش. لكن ادعى هناك أن هذا يخص منه المرتدون
стр. 1472
ومشركو العرب دعوى مجردة عن الدليل هناك، ثم ذكر هنا هذا الدليل، وقبول الجزية من المجوس يدل على قبول الجزية من مشركي العرب بطريق الأولى، فإن المجوس أكفر منهم، فإنهم يعتقدون خالقين: أحدهما خالق الخير، والآخر الشر، ويستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، ولم يدينوا بدين أحد من الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائعهم، والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع، وبطلت شريعتهم، لا يصح أصلاً، ولو صح فقد ارتفع، وليسوا على شيء منه، بخلاف مشركي العرب فإنهم على بقايا من دين إبراهيم، ويقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، فإنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه، ولا يستحلون الأمهات والبنات والأخوات، ولكن بقي هنا أمر آخر، وهو أن مشركي العرب لم يبق منهم أحد بعد نزول آية الجزية، لأنها إنما نزلت بعد أن أسلمت دارة العرب، فإنها
стр. 1473
نزلت بعد فتح مكة، ووقعة الطائف، ولهذا غزا بعد ذلك تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون، لكانوا يلونه فكانوا أولى بالغزو من الأبعدين، ومن تأمل السيرة وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك فلم تؤخذ منهم الجزية لعدم من تؤخذ منه لا لأنهم ليسوا من أهلها.
قوله: (وعند الشافعي يسترق مشركو العرب، وجوابه ما قلنا).
يشير إلى ما تقدم من أن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، وفيه نظر، فإنه لا يقوى هذا المعنى في مقابلة قوله تعالى ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها﴾ وقصة سبي هوازن معروفة وهم سبي أوطاس، وقصة السبي في وقعة بدر معروفة، وكانوا رجالاً وكان قد أشار أبو بكر ﵁ في أمرهم بقبول الفدية، وأشار عمر ﵁ بضرب أعناقهم، وقال: "تمكن عليًا من عقيل يضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس يضرب
стр. 1474
عنقه، وتمكنني من فلان -قريب لعمر-" الحديث، ولا شك أن النبي ﷺ سبى العرب، وتخصيص الأصحاب السبي بالنساء والذرية يحتاج إلى دليل.
فصل:
قوله: (لقوله ﵊ "لا خصاء في الإسلام، ولا كنيسة").
أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس وضعفه.
قوله: (وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها، لقوله ﵊ "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب").
فيه نظر فإن المراد من قوله "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إجلاؤهم منها كما ورد أمره بإجلائهم صريحًا، وأجلاهم عمر ﵁ في خلافته من أرض العرب، ولم يبق منهم بها أحد، ولهذا قال مالك
стр. 1475
والشافعي وأحمد: إنه يمنع الذمي من استيطان الحجاز، فالحديث الذي استدل به المصنف حجة عليه في أصل المسألة لأنه يدل على أن الكفار يمنعون من سكنى جزيرة العرب لا على أنهم يمكنون من السكنى ويمنعون من إحداث الكنائس هنا.
قوله: (ولنا أن سب النبي ﷺ يكون كفرًا [منه]، والكفر المقارن لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه).
للمخالف أن يمنع من [أن] هذا الكفر لا يمنع المقارن منه، فإن هذا الكفر لم يقر عليه النبي ﷺ من وقع منه، بل أمر بقتل كعب بن الأشرف لما بلغه أنه يسبه، وقصته مشهورة، وأمر بقتل ابن خطل، وابن أبي سرح وعكرمة ابن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة"، وقتل كعبٍ مع كونه من المعاهدين من أقوى الأدلة على أن
стр. 1476
الذمي يقتل بالسب، وهذا الكفر، لا يقر عليه أحد باسترقاق ولا بجزية، ولا بموادعة، وقوله ﷺ "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله" تنبيه على العلة التي لأجلها أمر بقتله غيلة، وإنما كان آذاه بالقول، فإنه كان يهجو رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يؤذى بأمور من القول والفعل، ويعفو عن كثير من ذلك، وهذا كان له ﷺ ، أما بعده فلا يجوز العفو عمن سبه كما أن الإمام ليس له أن يعفو عن القاتل إذا لم يكن للمقتول ولي، لأن الحق للعامة، وولايته نظرية، وكذلك هذا، وذكر في أحكام القرآن لأبي بكر الرزاي "أن الساحر الذمي يقتل، لأن الكفر الذي أقررناه عليه هو ما أظهره لنا، وأما الكفر الذي صار إليه بسحره فإنه غير مقر عليه، ولم نعطه الذمة على إقراره، ألا ترى أنه لو سألنا على إقراره على السحر بالجزية لم نجبه إليه، ولم يجز إقراره عليه" انتهى. وكذلك من يظهر سب الرسول، لا يقر بالجزية على ذلك ولا كرامة.
стр. 1477
باب أحكام المرتدين
قوله: (ولنا أن النبي ﷺ "نهى عن قتل النساء"، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة، إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعًا لشر ناجز، وهو الحراب، ولا يتوجه ذلك من النساء، لعدم صلاحية البنية، بخلاف الرجال، فصارت المرتدة كالأصلية).
أصل النهي عن قتل النساء حديث ابن عمر ﵄ قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى عن قتل النساء والصبيان" رواه الجماعة إلا النسائي، فالنهي قد ورد لسبب خاص، وعمومه قد خص منه المرأة إذا قاتلت في الحرب أو كانت ملكة فإنها تقتل، وكذلك الزانية المحصنة، والقاتلة عمدًا ................
стр. 1478
بلا شبهة، وكما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان، ورد عن قتل الشيخ الفاني، وأصحاب الصوامع، ولم يمتنع قتل الشيخ الفاني إذا ارتد للنهي عن قتله في الحرب، فكذا المرأة، وقد قال ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم لا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه، وروى الدارقطني "أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ ، فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت" وقد دخلت في عمومه قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا، ولا يقال إنه قد خص منه الكافر إذا أسلم فإنه لم يدخل
стр. 1479
لأن مراد الرسول ﷺ من بدل دينه الحق، فهو عام بعموم صفته المقدرة، والصفة يجوز تقديرها عند العلم بها، كما في قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ أي على القاعدين من أولي الضرر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وكلاً وعد الله الحسنى﴾، وفي حديث أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" رواه الخمسة وصححه الترمذي، فقوله: ونحمل معنا القليل من الماء أي العذب، فحذف الصفة ونظائره كثيرة، ولم يرد ﷺ من بدل دينه الباطل
стр. 1480
بالحق البتة، والصبي والمجنون لا يتحقق منه تبديل، وكذلك المكره؛ لأن مبناه على الاعتقاد، ولو خرج من عمومه من ذكر فهو حجة فيما عداه على الصحيح، وقوله: ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة ... إلى آخره. فيه نظر لأن الله بعث محمدًا ﷺ ليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، والأمر والنهي لا يتم إلا بالثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، فلابد أن يكرم الأبرار أهل المعروف، وأن يعاقب الفجار أهل المكر ولم يخل الله ذنبًا من الذنوب عن عقوبة من العقوبات، وبهذا يصير الدين كله لله، وتزول الفتنة، ولهذا قال الفقهاء: إن التعزيز في كل معصية لا حدث فيها ولا كفارة، ولو كان تعجيل العقوبة يخل بمعنى الابتلاء لم يشرع حد ولا تعزير، وهو مشروع.
وقوله: لا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية، فصارت المرتدة كالأصلية. منتقض بالشيخ العاجز، والأعمى والزمن ونحوهما إذا ارتدوا فإنهم لا يصلحون للحراب، ولهذا لا يقتلون في الحرب كما لا تقتل المرأة ومع هذا فإنه يقتل من ارتد منهم، ولا يصح التفريق بأن عدم صلاحية البنية في المرأة أصل، وفي الشيخ الفاني ونحوه عارض، فإن الشارع لم يعتبره، وأيضًا فإن نساء أهل الحرب وذراريهم يسترقون ويصيرون مالاً للمسلمين، فنهى عن قتلهن لما فيه من إضاعة المال، والمرتدة لا تسترق، ولئن كان الحربي إنما يقتل لمحاربته، فإنه لا يصح قياس الكفر الطارئ على الكفر الأصلي؛
стр. 1481
لأنه أقبح وأكبر وأعظم ضررًا، ولهذا لا يقر عليه المرتد، والكفر الأصلي يقر عليه بالموادعة وبالجزية وبالرق، بل بغير شيء كالرهبان المعتزلين، ولهذا قالت طائفة من أهل الكتاب ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾ وذلك لأن الجهال يقولون: ما رجع هؤلاء عن دينهم الذي صاروا إليه إلا بعد أن ظهر لهم بطلانه، بخلاف ما لو استمروا على كفرهم، فظهر أن كفر المرتد أضر من كفر المستمر على كفره، وإذا كان الشيخ الفاني يقر على كفره الأصلي، ولا يقر على ردته، بل يقتل وإن لم يصر محاربًا فكذلك المرأة، فالكفر الأصلي قتل صاحبه من باب دفع العدوان والبغي عن الإيمان ودفع فتنة الكفار، وكفر الردة قتل صاحبه لحفظ الإيمان على أهله، ومنعه من الفساد، وذاك لدفع الفساد وإزالته، وهذا لحفظ الصلاح، مثل [الطبيب] الذي يحفظ الصحة تارة، ويزيل المرض تارة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد والليث والحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن أبي بكر .........................................
стр. 1482
وعلي ﵄، وفيه قول ثان وهو أنها تسترق ولا تقتل، يروى ذلك عن علي ﵁، ولم يصح عنه، وروي عنه في ذلك أثر ضعفه أحمد، وبه قال قتادة والحسن والبصري في رواية عنه، وقول أبي حنيفة أنه تجبر على الإسلام ولا تقتل يروى عن ابن عباس ﵄ وليس يصح عنه، نقل ذلك ابن المنذر وابن قدامة يزيد أحدهما على الآخر، واختار ابن المنذر القول الأول مع الجمهور.
стр. 1483
قوله: (إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بقضاء القاضي لاحتمال العود إلينا فلابد من القضاء).
فيه نظر، فإن قضاء القاضي لا يمنع احتمال عوده إلينا، وغاية حكم الحاكم ثبوت لحاقه بدار الحرب بالبينة، ومنصب القاضي لتنفيذ أوامر الله وتخليص المظالم، وإيصال الحق إلى مستحقه، ونحو ذلك، وليس إليه جعل هذا ميتًا حكمًا، فإن هذا بمنزلة التشريع، فإن كان لحاق المرتد بدار الحرب مما يوجب إجراء أحكام الموتى عليه، فلا حاجة إلى حكم الحاكم، وإن لم يكن مما يوجب ذلك فلا يمكن أن يجعله موجبًا، واشتراط حكم الحاكم بلحاقه لإجراء الأحكام على لحاقه دليل على ضعف القول بأن لحاقه بدار الحرب يجعله بمنزلة الميت، فإن قيل: هذه من مسائل الاجتهاد، فلابد من حكم الحاكم ليرتفع الخلاف كما في نظائرها من مسائل الخلاف. قيل: إنما يحتاج إلى الحكم في مسائل الخلاف لأجل المخالف في الحكم كما في شفعة الجوار مثلاً، فإنه إنما يحتاج فيها إلى الحكم حتى لا يسقطها من لا يراها،
стр. 1484
فإن قيل: وهنا كذلك، قيل: ينبغي أن يحتاج بعد الحكم بلحاقه إلى الحكم بعتق مدبريه، وأمهات أولاده، وحلول ديونه، وتوريث ورثته تركته، حتى يرتفع الخلاف في ذلك، ولم يشترطوا ذلك بل قالوا: إذا حكم بلحاقه بدار الحرب حلت ديونه وكذا وكذا، وقالوا: إن قضاء القاضي إذا لم يتصل بلحاقه فهو بمنزلة الغيبة في بقاء أملاكه وحقوقه، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي مع أن جعل لحوقه بدار الحرب بمنزلة موته يحتاج إلى دليل شرعي وما ذكره أنه بلحاقه صار بمنزلة أهل الحرب وهم أموات في حق أحكام الإسلام، لانقطاع ولاية الإلزام كما هي منقطعة عن الموتى فصار في حكم الموت ممنوع، بل هو بمنزلة المفقود الذي لا يقدر على إلزامه بالأحكام، وهذا أولى لأن المفقود لا يعرف مكانه أصلاً فهو أبعد عن الإلزام ممن يعرف مكانه ولكن ولاية الإلزام منقطعة عنه فإذا كان المفقود لا يحكم بموته مع عدم القدرة على إلزامه أصلاً، فاللاحق بدار الحرب أولى؛ لأنه يمكن التوصل إلى الإتيان به في الجملة بالتحيل والمكيدة للعلم بمكانه، والتحيل على تحصيل من لا يطلع على مكانه أبعد، وهذا قول جمهور العلماء أعني عدم جعله باللحاق بدار الحرب في
стр. 1485
حكم الميت، وهذه المسألة من مسائل اختلاف الدارين وهي في الأصل مشكلة.
قوله: (نافذ بالاتفاق: كالاستيلاد، والطلاق).
يحتاج في الطلاق إلى قيد وهو أن تكون المرأة مرتدة أيضًا، فإنه لو ارتد الزوج وحده لا يقع طلاقه لوقوع الفرقة بردته.
стр. 1486
باب البغاة
قوله: (وإذا تغلب مسلمون على بلد وخرجوا عن طاعة الإمام إلى آخره).
لم يفرق المصنف ﵀ بين الخوارج والبغاة بل جعل حكمهم واحدًا، ولهذا يستدل على أحكامهم تارة بما فعله علي ﵁ مع أهل حروراء، وتارة بما فعله يوم الجمل، ولابد من التفريق بين الفريقين، فإن الخوارج قد استفاض عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم، وقاتلهم علي ﵁، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل ويوم صفين، فإن الصحابة ﵃ كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف:
قوم مع علي، وقوم عليه، وقوم قاعدون عنه، أما الخوارج فلم يكن منهم أحد من الصحابة، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة لأنه صح أن النبي ﷺ قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" وفي لفظ "أدنى الطائفتين إلى .......................................
стр. 1487
الحق" فبهذا الحديث ثبت أن عليًا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وأن تلك المارقة مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين، كما أمر بقتال هذه، بل قد ثبت في الصحيح أنه قال للحسن ﵁: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال، وقد بويع، واختار الإصلاح وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورًا به لم يمدح الحسن ويثني عليه بترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، وفي الصحيح أيضًا أنه ﷺ قال: "إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها" الحديث.
وسيرة علي ﵁ تفرق بين هذا وهذا، فإنه فرح بقتال الخوارج، وظهر منه الكراهة والندم لأجل القتال يوم الجمل وصفين، وقال فيهم: "إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف" وصلى على قتلى الطائفتين دون قتلى الخوارج، وأيضًا فقد تنازع العلماء في تكفير الخوارج: فمن كفرهم نظر إلى قوله ﷺ : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في
стр. 1488
النصل فلا يرى شيئًا وينظر في القدح فلا يرى شيئًا وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، وتتمارى في الفوق" يقول: وكما خرج هذا السهم نقيًا خاليًا من الدم والفرث لم يتعلق منهما بشيء، كذلك خروج هؤلاء يعني الخوارج.
ومن لم يكفرهم قال: إن قوله: "وتتمارى في الفوق" يدل على أنه لم يكفرهم لأنهم علقوا من الإسلام بشيء بحيث يشك في خروجهم منه، وقد سئل عنهم علي ﵁ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا، وبغوا علينا فقتلناهم. انتهى.
والفرق بينهم من حيث المعنى أن البغاة يخرجون عن طاعة الإمام فقط بتأويل فاسد والخوارج ومانعو الزكاة ونحوهم خارجون بتأويل فاسد عن طاعة الإمام وعن بعض شرائع الإسلام.
قوله: (وقال الشافعي ﵀: لا يجوز حتى يبدأوا بالقتال حقيقة).
الصحيح من مذهب الشافعي أنه كمذهب أبي حنيفة، قال النووي في الروضة -بعد ما ذكر أن كيفية قتال البغاة طريقها طريق دفع الصائل-: وقد يتخيل من هذا أنا لا نسير إليهم ولا نفاتحهم بالقتال وأنهم إذا ساروا إلينا لا
стр. 1489
نبدأ بقتالهم، بل نصطف قبالتهم، فإن قصدونا دفعناهم، قال: وقد رأيت هذا لطائفة من الأصحاب، وهو خطأ، بل إذا آذنهم الإمام بالحرب، ولم يرجعوا إلى الطاعة سار إليهم، ومنعهم من القطر الذي استولوا عليه، فإن انهزموا وكلمتهم واحدة اتبعناهم إلى أن يتوبوا ويطيعوا وليس قتال الفريقين كصيال الواحد ودفعه.
قوله: (وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة، ألا ترى أنه يكره بيع المعازف، ولا يكره بيع الخشب، وعلى هذا الخمر مع مع العنب).
في ذلك كله نظر، وينبغي أن يكره بيع ذلك ممن يعلم أنه يستعين به على المعصية؛ لأنه يكون قد أعانه على فعل المعصية، وقد قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فالإعانة على المعصية معصية على أي وجه كانت.
قوله: (ولا بأس أن يقاتل المسلمون بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، وقال الشافعي: لا يجوز والكراع على هذا الخلاف).
مذهب الشافعي كمذهب أبي حنيفة، قال النووي -في المنهاج-: ويرد
стр. 1490
سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب، وأمنت غائلتهم ولا يستعمل من قتال إلا لضرورة.
стр. 1491
كتاب اللقطة
قوله: (ولهما أنه أقر بسبب الضمان وهو أخذ مال الغير وادعى ما يبرئه وهو الأخذ للمالك، وفيه وقع الشك، فلا يبرأ، وما ذكر من الظاهر يعارضه مثله؛ لأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملاً لنفسه).
يعني لأبي حنيفة ومحمد على خلاف قول أبي يوسف فيما إذا أخذ اللقطة ولم يشهد على نفسه أنه أخذها ليردها، وقول أبي يوسف أقوى، واختاره الطحاوي وهو قول أكثر العلماء الأئمة الثلاثة وغيرهم، لحديثي زيد ابن خالد وأبي بن كعب ﵄ "وأنه ﷺ أمرهما بالتعريف دون
стр. 1492
الإشهاد" متفق عليهما، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجبًا لبينه النبي ﷺ لا سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بالواجب فيها، وقوله ﷺ في حديث عياض بن حمار ﵁ "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء" رواه النسائي وأبو داود، يحمل على الندب صيانة لنفسه من الطمع فيها وكتمها، وحفظًا له من ورثته إن مات ومن غرمائه إن أفلس جمعًا بينه وبين الحديثين المشار إليهما.
ولأن هذا من باب الوصية الواجبة التي أمر بها رسول الله ﷺ في قوله: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" ولأنه أخذ أمانة فلم يفتقر إلى الإشهاد كالوديعة، ولأن الظاهر شاهد له وهو يصلح حجة للدفع فيندفع عنه الضمان وما ذكر من أن الأخذ
стр. 1493
سبب للضمان، إطلاقه ممنوع فليس كل أخذ سببًا للضمان وهو لم يقر بالأخذ المطلق، بل بالأخذ على جهة الأمانة فصار كما لو قال: دفعه إلي فأخذته وديعة، ومعارضة ما ذكر لأبي يوسف من الظاهر بأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملاً لنفسه لا يلزم منه الضمان، فإنه إذا أخذ اللقطة ليردها على مالكها ابتغاء وجه الله فقد قصد الثواب والأجر، فهو عامل لنفسه بذلك قال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾، وهذا هو الظاهر من حال المسلم.
قوله: (وجه الأول أن التقدير بالحول ورد في لقطة كانت مائة دينار).
هذا استدلال مشكل، فإنه استدل قبل ذلك -لما قاله محمد- بقوله ﵊. "من التقط شيئًا فليعرفه سنة" وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه البزار من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئًا فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبها فليرده إليه، وإن لم يأت فليتصدق [به، فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له" قال عبد الحق: وفي إسناده يوسف بن خالد
стр. 1494
السمتي، ولا يصح. انتهى. ولكن] جاء معناه في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ "أنه سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر، فأدها إليه" الحديث متفق عليه.
وليس في هذين الحديثين أنه سأل عن لقطة معينة حتى يقال: كان مقدارها مائة دينار، وإنما جاء ذكر مائة دينار في حديث أبي ﵁ قال: "إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﷺ فأتيت بها رسول الله ﷺ فقال: عرفها حولاً" الحديث متفق عليه، فهذا الحديث غير ذاك الحديث، ولو قدر أن السؤال كان على لقطة مقدارها مائة دينار فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب وهو أن رسول الله ﷺ قد قال: "من
стр. 1495
التقط شيئًا فليعرفه سنة" هذا لفظ الحديث الذي رواه هو، واستدل هو به لمحمد ومالك والشافعي وهو قول أحمد أيضًا، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي ..................................
стр. 1496
والحسن بن صالح، وقوله "شيئًا" نكرة في سياق الشرط فتعم فكيف يصح بعد ذلك قوله: إن التقدير ورد في لقطة كانت مائة دينار. وليس هذا بحث منصف، بل هذا من التطفيف المنهي عنه، فإنه لما احتج على الخصم في مسألة قتل المرتدة بنهيه ﷺ عن قتل النساء قال له الخصم: هذا ورد في قتل النساء في الحرب، رد على الخصم: بأن العبرة لعموم اللفظ، مع أن في تلك المسألة أدلة أخرى تعاضدت كما تقدم هناك فظهرت قوة قول محمد في عدم التقدير بعشرة دراهم، ولكن يستثنى ما ورد استثناؤه، وهو ما في حديث جابر ﵁ قال: "رخص لنا رسول الله ﷺ في العصار والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به" رواه أبو داود، وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ مر بثمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" أخرجاه.
قوله: (والعشرة وما فوقها في معنى الألف في تعليق القطيع بالسرقة
стр. 1497
وتعلق استحلال الفرج به).
قد تقدم ذكر ضعف التقدير بعشرة في الموضعين.
قوله: (فإن جاء صاحبها، وإلا تصدق بها).
وبذلك قال مالك والحسن بن صالح والثوري لما في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، إلا أن أبا حنيفة ﵀ قال: له أن يتملكها إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى لحديث عياض المتقدم، وذهب الأكثرون إلى أن تصير بعد التعريف ملكًا له، إن شاء تصدق بها وإن شاء انتفع بها، وهذا قول عمر وابن مسعود وعائشة ﵃، وبه قال عطاء [والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وروي أيضًا عن علي وابن عباس والشعبي والنخعي] وطاووس وعكرمة، ذكر ذلك في المغني، لقوله ﵊ في حديث زيد بن خالد: "فإن لم
стр. 1498
تعرف فاستنفقها" وفي لفظ: "فهي كالسبيل مالك"، وفي لفظ: "ثم كلها"، وفي لفظ: "فاستنفق بها"، وفي لفظ: "فشأنك بها"، وفي حديث أبي بن كعب: "فاستنفقها"، وفي لفظ: "فاستمتع بها" كل ذلك في الصحيح، وحديث أبي هريرة لم يثبت كما تقدم ذكره، وقوله ﷺ في حديث عياض بن حمار: "وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء" لا ينافي أن يتملكها الملتقط إذا كان غنيًا، لأن الأشياء كلها لله سبحانه يعطي ماله من يشاء من عباده الغني منهم والفقير، قال تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾.
وقد نقل أن أبيًا كان من المياسير وكذا ذكره المصنف في آخر هذا الباب، وأجاب عنه بأن ذلك كان بإذن الإمام وهو جائز بإذنه، وهذا لا يقوى لأن الإمام لا يملك تمليك مال المسلم بغير إذنه، بل ذلك تشريع منه ﷺ ، وأيضًا
стр. 1499
فهذا على أصل الأصحاب أولى كما ذكروه فيما إذا استولى الكفار على أموال المسلمين، وكما في الغصب خصوصًا على قول من قال منهم: إن الموجب الأصلي القيمة ورد العين مخلص بناءً على أن الأصل في الأموال الإباحة، وتقدم في كلام المصنف في باب استيلاء الكفار: وهذا لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع، فإذا زالت المكنة عادت مباحًا كما كان. انتهى.
فإذا صح الاستيلاء المحظور سببًا للملك فالاستيلاء المأذون فيه شرعًا أولى، بل الحق أن الاستيلاء المحظور لا يكون سببًا للملك كما سيأتي في الغصب إن شاء الله تعالى، وقول المصنف بعد هذا: إن الملك يثبت للفقير، قيل: الإجازة من المالك دليل على صحة القول بثبوت الملك للملتقط بعد التعريف إذ لا فرق بين الملتقط والفقير الذي تصدق عليه الملتقط، بل ثبوت الملك للملتقط أولى من ثبوته للفقير، لأن الفقير إنما استفاده من جهته، وهذا كله لا ينافي ردها، والضمان بعد استهلاكها أن لو حضر المالك وطلب به، كما لو قبضت الزوجة الصداق ثم طلقت قبل الدخول أو جاءت الفرقة من قبلها قبله.
стр. 1500
قوله: (وإن شاء ضمن المسكين إذا هلك في يده).
ينبغي أن لا يضمن الفقير بالهلاك لأنه لا صنع له فيما إذا هلكت بنفسها بمنزلة الأمانات، بل أولى، وقد تقدم ترجيح قول أبي يوسف في القول بعدم ضمان الملتقط بهلك اللقطة وإن لم يشهد أنه أخذها ليردها.
قوله: (ويجوز الالتقاط في الشاة والبقرة والبعير، وقال مالك والشافعي رحمهما الله: إذا وجد البعير والبقرة في الصحراء فالترك أفضل، وعلى هذا الخلاف الفرس).
وبقول الشافعي ومالك قال أحمد والليث والأوزاعي وأبو عبيد، ولم يقولوا الترك أفضل كما قال المصنف، بل لا يجوز عندهم التقاط الإبل [في الصحراء]، وحكي عن مالك أن البقرة بمنزلة الشاة، والحديث حجة
стр. 1501
لهم في ضالة الإبل، فإن النبي ﷺ قال- لما سئل عنها-: "مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وقال في الشاة: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" متفق عليه من حديث زيد بن خالد ﵁.
وقد قال بعض أصحاب الإمام أحمد: إن الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه، يخير الملتقط بين أكله في الحال وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركه والإنفاق عليه من ماله، وهل يرجع؟ على وجهين؛ لأنه ﷺ قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وهذا القول في غاية القوة، إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزمًا لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجع استلزم تغريم الملتقط ذلك، وإن قلنا: لا يلتقطها كانت للذئب وتلفت، وقد قال مالك: أبلغ من ذلك أنه يأكلها، ولا يعرفها إن كان قد وجدها في صحراء، والأول أظهر.
قوله: (فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يجبر على ذلك في القضاء، وقال مالك والشافعي: يجبر على .................
стр. 1502
ذلك).
مذهب الشافعي كمذهب أبي حنيفة في اشتراط إقامة البينة على وجوب الدفع، لا كما قال المصنف، وبقول مالك قال أحمد وأبو عبيد وداود وابن المنذر ذكر ذلك في المغني، وهو الموافق لما في الصحيحين من حديث زيد ابن خالد وأبي ﵄، فإن حديث زيد في بعض طرقه "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها، ووكاءها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك".
وفي حديث أبي في بعض طرقه أيضًا "عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها، ووكائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها" أمره بإعطائها إياه والأمر للوجوب، ولا يعارضه قوله ﷺ : "البينة على المدعي" الحديث، فإن البينة تختلف، والظن المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد
стр. 1503
بمجرد النكول، بل بالشاهدين، فوصفه بينة ظاهرة على صحة دعواه، وقد جعل النبي ﷺ بينة مدعي اللقطة وصفها، فإذا وصفها فقد أقام البينة، وفي تكليف إقامة شاهدين حرج عظيم، ويكون الالتقاط حينئذ تضييعًا وإتعابًا لنفسه بالتعريف، ولو لم يجب دفعها بالوصف لم يجز التقاطها لما ذكر، وهذا المال قد ثبت كونه لقطة، وأن له صاحبًا غير من هو في يده، ولا مدعي له إلا الواصف، فإن الملتقط لا يدعيه، وقد ترجح صدقه فيجب الدفع إليه.
قوله: (ولا يتصدق باللقطة على غني، لأن المأمور به هو التصدق لقوله ﵊ "فإن لم يأت صاحبها فليتصدق بها").
تقدم أن هذا الحديث غير ثابت وإنما أخرجه البزار بسند ضعيف، وتقدم ما في الصحيح مما يدل على أنها بعد التعريف تصير ملكًا للملتقط، وما ذكره المصنف بعد ذلك إلى آخر كتاب اللقطة تقدم التنبيه على ما فيه من الأشكال في أوائله والله أعلم.
стр. 1504
كتاب الإباق
قوله: (ولنا أن الصحابة ﵃ اتفقوا على وجوب أصل الجعل).
في دعوى اتفاق الصحابة ﵃ على ذلك نظر، وإنما روي في ذلك آثار منها: عن أبي عمرو الشيباني قال: "أصبت غلمانًا أباقًا بالعين فأتيت عبد الله بن مسعود فذكرت ذلك له، فقال: الأجر والغنيمة، قلت: هذا الأجر فما الغنيمة؟ قال: أربعون درهمًا من كل رأس" أخرجه البيهقي وقال: هذا أمثل ما روي في هذا الباب. انتهى.
والتقدير بمدة السفر فيه نظر، والقول بأن له أجرة مثله كما قال مالك ﵀ أظهر والحالة هذه، ويحمل أثر ابن مسعود ﵁ على أن
стр. 1505
ذلك كان أجرة مثله، وعنده لا يستحق ذلك إلا أن يكون من عادته العمل بالأجر لأن الظاهر من حاله أنه لم يتبرع بالرد والله أعلم.
стр. 1506
كتاب المفقود
قوله: (وكل من لا يستحقها -يعني نفقته- في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته).
قد تقدم التنبيه على ما في القول بأن نفقة القريب لا تجب إلا بقضاء القاضي، وأن القاضي ليس بمشرع حتى يكون قضاؤه موجبًا.
قوله: (ولنا قوله ﵊ في امرأة المفقود "إنها امرأته حتى يأتيها البيان").
هذا الحديث ضعيف أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعفه، وضعفه أيضًا عبد الحق وابن قدامة.
قوله: (وقول علي ﵁ "هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين
стр. 1507
موت أو طلاق").
اختلفت الرواية عنه، قال ابن المنذر في الإشراف: اختلف أهل العلم في امرأة المفقود، كم تتربض؟ فقالت طائفة: تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا ثم تتزوج، كذلك قال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعمر بن عبد العزيز، وعطاء ابن أبي رباح ومالك بن أنس وأهل المدينة وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، وفيه قول ثان: وهو أن امرأة المفقود لا تنكح أبدًا حتى يأتيها يقين وفاته، روينا ذلك عن علي رواية ثانية عنه، وبه قال ابن أبي ليلى وابن
стр. 1508
شبرمة والثوري والشافعي والنعمان ويعقوب ومحمد، وقد احتج بعض من يقول بالقول الأول بأن اتباع خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ أولى بنا، ودفع أحمد حديث علي وقال: لم يتابع أبو عوانة عليه وقال بعضهم من حيث وجب تأجيل العنين تقليدًا لعمر وابن مسعود، وجب كذك تأجيل امرأة المفقود؛ لأن العدد الذين قالوا تؤجل أكثر وفيهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" انتهى ما نقلته من كلام ابن المنذر.
стр. 1509
وقال في المغني: وما رووه عن علي ﵁ فيرويه الحكم وحماد مرسلاً والمسند عنه مثل قولنا، ثم يحمل ما رووه على المفقود الذي ظاهر غيبته السلامة جمعًا بينها وبين ما رويناه. انتهى.
قوله: (وعمر ﵁ رجع إلى قول علي ﵁.
قال ابن قدامة في المغني: قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو أحسنها، يروى عن عمر من ثمانية وجوه، ثم قال: زعموا أن عمر رجع عن هذا هؤلاء الكذابين، قلت: فروي من وجه ضعيف أن عمر قال بخلاف هذا؟ قال: لا إلا أن يكون إنسان يكذب. وقلت له مرة: إن إنسانًا قال لي: إن أبا عبد الله قد ترك قوله في المفقود بعدك، فضحك ثم قال: من ترك هذا القول أي شيء يقول؟ وهذا قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير، قال أحمد خمسة من أصحاب النبي ﷺ . انتهى.
قوله: (ولا معتبر بالإيلاء لأنه كان طلاقًا معجلاً فاعتبر في الشرع مؤجلاً فكان موجبًا للفرقة، ولا بالعنة لأن الغيبة تعقب الأوبة والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة).
للمخالف أن يقول: كون الإيلاء كان طلاقًا معجلاً فاعتبر في الشرع
стр. 1510
مؤجلاً لا يمنع من النظر في المعنى الذي جعل لأجله الإيلاء طلاقًا، وهو تفويت الوطء الذي شرع لأجل عقدة النكاح وكذلك المعنى في العنة، وكما أن الظاهر في العنين عدم إمكان الوصول إليها بعد السنة فكذلك المفقود الظاهر هلاكه بعد مضي أربع سنين، ولم يرد عنه خبر، والذي قال بتقدير السنة في العنين هو الذي قال بتقدير الأربع في المفقود، وهو عمر ﵁، فلم يصح رجوعه عنه، فكيف أخذتم بقوله في تأجيل العنين حولاً، ولم تأخذوا بقوله في تأجيل المفقود أربع سنين.
ومن تأمل ما حكم به عمر ﵁ في أمر المفقود وجده على وفاق القياس الصحيح، فإنه أجل امرأة المفقود أربع سنين، وأمرها أن تتزوج فقدم المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها أما تقديره الأجل بأربع سنين فإنه لما احتيج إلى انتظار المفقود مدة طويلة لاحتمال عوده، أخذ الأربع من مدة الإيلاء والسنين من أجل العنين لأن كلاً منهما أجل مضروب لانتظار عود الزوج إليها بالوطء، ولم يقم في مقابل هذا المعنى ما يمنعه أو يعارضه، وأما تخييره الزوج بعد حضوره بين امرأته وبين مهرها فلأن تصرفه في التفريق
следующие страницы →