Полный текст (2 128 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم"، وفيه: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشْهدوا بأنا مسلمون﴾.
ولكن قوله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، وهو كتاب مشهور عند أهل العلم، تلقوه بالقبول والعمل، وإن كان سنده ضعيفًا].
قوله: (وإن انقطع لعشرة أيام حلَّ وطؤها قبل الغسل؛ لأن الحيض لا
стр. 177
مزيد له على العشرة، إلا أنه لا يستحب قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد).
في كلامه نظر؛ فإن قوله: "لا يستحب" بعد قوله: "حل وطؤها" مشكل. فإن نفي الاستحباب لا يزيد على معنى الجواز. فكأنه قال: حل وطؤها قبل الغسل، إلا أنه يحل وطؤها قبل الغسل. ولو قال: إلا أنه يستحب أن يؤخر الوطء إلى بعد الاغتسال لكان أظهر.
ومسألة "وطء الحائض إذا طهرت ولم تغتسل" الخلاف فيها معروف، والمنع منه قول زفر والأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: إنه كالإجماع. انتهى.
ودلالة القرآن على المنع أقوى؛ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾. قال مجاهد: ﴿حتى يطهرن﴾ حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن﴾ اغتسلن بالماء. وقد ذكر الله تعالى غاية وشرطًا؛ فإن قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا
стр. 178
يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء جائزًا بعد ذلك بشرط الاغتسال، لا يبقى محرمًا على الإطلاق.
وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾. فقوله: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ غاية للتحريم الحاصل بالثلاث، فإذا نكحت زوجًا غيره زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني، فحرمت لأجل حقه، لا لأجل الطلاق الثالث، فإذا طلقها جاز للأول أن يتزوجها.
وكقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فمن بلغ النكاح من اليتامى جاز الدفع إليه بشرط إيناس الرشد منه، فالمنع من دفع المال إليه لأجل صغره ويتمه زال بالبلوغ، وبقي المنع للسفه، وبهذا حصل الجواب عن قولهم: إن قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ إباحة ثانية وابتداء كلام، وعن غيره.
стр. 179
قوله: (وإذا عرف حكم الصلاة عرف حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع).
يعني في حق المستحاضة. أي أجمع المسلمون على وجوب الصلاة عليها، ويلزم منه وجوب الصوم وحل الوطء؛ لأنه جعل الدم عدمًا في حق الصلاة مع أنها تنافيها فيجعل عدمًا في حقهما.
وفيه نظر/ في حق الوطء. فإن جواز وطء المستحاضة فيه خلاف.
قال ابن المنذر: عن عائشة ﵂ أنها قالت: "المستحاضة لا يأتيها زوجها"، وبه قال النخعي، والحكم. وكره ذلك ابن سيرين. وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يخاف العنت في رواية. فلم يجمعوا على التسوية بين الصلاة والصوم. وبين الوطء، فلا يصح الاستدلال بنتيجة الإجماع.
стр. 180
ولا يلزم من عدم اعتباره في حق الصلاة والصوم عدم اعتباره في حق الوطء؛ لأن شرط الطهارة عن الحيض في حق الصلاة والصوم عرف بالشرع. أما وطء الحائض فأمر يدرك العقل قبحه.
فالمخالف يقول: المستحاضة في حق الوطء بمنزلة الحائض، لأن الوطء في كل منهما في محل الأذى. وإن كان الصحيح قول جمهور العلماء بجواز قربانها؛ فإن من منع من قربانها لأن دم الاستحاضة أذىً كدم الحيض، يرد عليه من بها سلس البول.
ويفرق بينه وبين دم الحيض بأنه ليس من الرحم كدم الحيض، وإنما هو دم عرق خارج الرحم، كما أن مجرى البول خارج الرحم، فلم يكن وطء
стр. 181
المستحاضة كوطء الحائض، والوطء في الدبر.
***
стр. 182
[فصل في الاستحاضة]
قوله: (والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه، وكذلك كل من في معناها).
فيه نظر: قال السغناقي في شرحه: هذا في حق الدوام والبقاء، أما في حق الابتداء، فاستيعاب الوقت كله بالحدث شرط لتصير مستحاضة.
وكذلك ذكر [هـ] غيره من الشارحين وغيرهم.
ومعنى قولهم: استيعاب الوقت أنه لا يخلو من الوقت قدر ما تتوضأ فيه وتؤدي الفرض، لا الدور المستمر. ويرد على الحد الذي ذكره المصنف
стр. 183
أيضًا أمر آخر، وهو ما ذكر في "الجامع الكبير": سال دمها في أول وقت العصر ثم انقطع فتوضأت على الانقطاع، ودخل وقت المغرب لم تعد الوضوء. والوضوء الواقع على الانقطاع لا ينتقض بخروج الوقت إذا لم يسل الدم بعده.
وهذا هو الصحيح، فإن وضوءها وضوء الطاهرات. والشرع لم يعتبر الحدث المعدوم حقيقة موجودًا حكمًا، ولكن لم يعتبر الحدث الموجود حقيقة موجودًا حكمًا. وبهذا يظهر الجواب عن طعن عيسى بن أبان. ومقتضى قول صاحب "الهداية" أنها ينتقض وضوؤها بخروج وقت العصر لدخولها في الحد الذي حد به المستحاضة. وقلما تسلم الحدود مما ينقضها.
***
стр. 184
فصل في النفاس
قوله: (وأكثره أربعون يومًا، والزائد استحاضة، لحديث أم سلمة: "أن النبي ﷺ وقت للنفساء أربعين يومًا").
المحفوظ عن أم سلمة أنها قالت: كانت النساء يجلسن على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف".
стр. 185
رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والترمذي.
***
стр. 186
باب الأنجاس وتطهيرها
[لو قال: والطهارة منها لكان أولى؛ لأن النجاسة لا تطهر، وإنما يطهر محلها].
قوله: (لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾).
قال قتادة، ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهو قول إبراهيم، والضحاك، والشعبي، والزهري. وقال عكرمة: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ فقال: (لا تلبسها على معصية ولا غدر). وذكر الواحدي: أنه قول أكثر أهل
стр. 187
التفسير.
وقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾. قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن زيد: المراد بالرجز الأوثان: قال: فاهجرها ولا تقربها.
وقال الضحاك: يعني الشرك. ويؤيد ذلك أن هذه السورة نزلت قبل نزول الشرائع من وضوء، وصلاة، وغير ذلك. ولكن وجوب إزالة
стр. 188
النجاسة من الثياب والأبدان ومكان الصلاة ثابت بالسنة.
قوله: (لأنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة، إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة).
قال السروجي في شرحه: قال في "الحواشي": وما ذكره من تنجيس المائع بأول الملاقاة فليس بشيء؛ لأنه إنما يتنجس بانتقال النجاسة إليه، وما داما على الثوب لا يتحقق الانتقال؛ لأن النجاسة قائمة بالثوب، والمائع قائم به أيضًا، والحيز الذي شغله الماء من الثوب غير الحيز الذي شغلته النجاسة لاستحالة حلول الجسمين في حيز واحد، فكان النجس باقيًا على نجاسته،
стр. 189
والطاهر باقيًا على طهارته إلا أنه يمنع/ من استعماله لأجل مجاورة النجس، فإذا زالت مجاورتها عن الثوب بتكرار الغسلات لم يبق في الثوب إلا بلة طاهرة، فعدينا هذا الحكم من الماء إلى المائع بالعلة المشتركة، ولأن الحكم إذا ثبت لمعنىً يزول بزوال ذلك المعنى لما عرف، فلما كان المعنى في تنجيس المحل وجود العين النجسة فإذا ارتفعت وجب أن تزول نجاسة المحل.
ولأن دن الخمر النجس بالخمر لما طهرت الخمر بانقلابها خلًا علم أن الخل هو المطهر له إذ لم يوجد مطهر سواه فصارت كالشث والقرظ في تطهير جلد الميتة. انتهى.
ولا شك أن بعض المائعات أقلع للنجاسة من الماء.
وقوله ﵇: "ثم اغسليه بالماء" لا يمنع غير الماء، وإنما نص على
стр. 190
الماء لتيسره غالبًا؛ ولأنه لولا قوله: "بالماء" لكان يغلب على الظن توقف الجواز على الخل ونحوه من المائعات القالعة لأثر النجاسة لأنه أبلغ في الإزالة والتطهير، بخلاف غسل الأعضاء بعد الحدث؛ لأنه ليس عليها نجاسة حقيقية، وإنما عرف من جهة الشارع فيراعي فيه ما ورد به الشرع. والشارع قد نقل الحكم عند فقد الماء إلى التيمم بالصعيد، فلم يكن الوضوء والغسل من باب إزالة النجاسات.
وإن كان لإزالة نجاسة الآثام فذلك لا يدركه العقل. وإنما يدرك العقل منه أن بالطاعة وامتثال الأمر يذهب درن الذنوب؛ فإن تأثير استعمال المطهر بنية القربة في إزالة نجاسة الآثام أعظم من تأثير الصابون مع الماء في إزالة النجاسة الحقيقية. ولهذا كان القول باشتراط النية في الوضوء والغسل أقوى دليلًا من القول بعدم اشتراطها كما تقدم تقريره. فلذلك لم يتعد الجواز إلى الخل ونحوه في الوضوء والغسل.
وأيضًا فمفهوم لفظ الماء في قوله: "ثم اغسليه بالماء" مفهوم اللقب وليس بحجة، فإن قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ لا ينفي رسالة غيره
стр. 191
على ما هو معروف في أصول الفقه.
وأيضًا فقد أذن النبي ﷺ في إزالة النجاسة بغير الماء في مواضع: منها: الاستجمار بالأحجار.
ومنها: قوله في النعلين: "ثم ليدلكهما بالتراب؛ فإن التراب لهما طهور".
стр. 192
ومنها: قوله في الذيل: "يطهره ما بعده".
ومنها: أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لم يكونوا يغسلون ذلك.
ومنها: قوله في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، مع أنها تأكل الفأر ولا تغسل فمها إلا بريقها.
وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لما في ذلك من إتلاف المال. كما لا يجوز الاستنجاء بها؛ ولذلك نص
стр. 193
الشارع على الماء في قوله: "ثم اغسليه بالماء"، لا لأنها لا تزيل النجاسة.
قوله: (في المني لقوله ﵊ لعائشة ﵂: "فاغسليه إن كان رطبًا، وافركيه إن كان يابسًا").
المحفوظ في ذلك فعل عائشة ﵂ من غير صريح الأمر. وإن كان الظاهر أنه لا يكون إلا عن أمر.
قوله: (وقال ﵊: "إنما يغسل الثوب من خمس، وذكر منها المني").
عن عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والمني، والدم، والقيء".
رواه الدارقطني، وضعفه، والبيهقي وقال: هذا باطل لا أصل له.
стр. 194
وأنكره غيره من أهل الحديث أيضًا.
وخرجه البزار، ولفظه: أتى علي رسول الله ﷺ فقال: "ما تصنع؟ " فقلت: أغسل ثوبي من جنابة أصابته. قال: "يا عمار! إنما يغسل الثوب من الغائط، والبول، والقيء، والدم"، ومفهوم هذا السياق أنه لا يغسل من المني.
ولم يثبت في المني عن رسول الله ﷺ شيء يدل على/ نجاسته، فهو مما سكت عنه، فكان عفوًا؛ فإنه مما يعم به البلوى، فلو كان نجسًا لكان يجب على النبي ﷺ الأمر بإزالته كما أمر بالاستنجاء، وكما أمر الحائض بغسل دم الحيض من ثوبها. بل إصابة المني للناس أعظم من إصابة دم الحيض لثوب الحائض، فعلم أن إزالته غير واجبة.
стр. 195
وكون عائشة ﵂ كانت تغسله تارة من ثوب رسول ﷺ ، وتفركه تارة لا يقتضي تنجيسه؛ فإن الثوب يغسل من المخاط، والبصاق، والوسخ.
وقد ورد فهم هذا المعنى عن ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص ﵄ وغيرهما حيث قالوا: (إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، أمطه عنك ولو بإذخرة). ورواه الدارقطني مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ من حديث ابن
стр. 196
عباس ﵄، وصحح وقفه.
وقال البيهقي: هذا صحيح عن ابن عباس من قوله. وقد روي مرفوعًا، ولا يصح رفعه.
وسواء كان الرجل مستنجيًا أو مستجمرًا؛ فإن أكثر الصحابة ﵃ كانوا يستجمرون بالأحجار، ولم يرد عنهم في ذلك تفصيل، ولا فرقوا بين خروج المني قبل المذي وعكسه.
بل المذي أيضًا مما تعم به البلوى، وقد قال الإمام أحمد بطهارته في رواية
стр. 197
عنه لذلك. ولكن أكثر العلماء على القول بنجاسته. وإذا كان كذلك فلا يضر احتمال وجوده مع المني؛ لأن النجاسة يعفى عن يسيرها في مواضع الضرورة، وهذا منها.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "ذكاة الأرض يبسها").
стр. 198
وفي الأسرار جعله أثرًا عن عائشة. وقال أهل الحديث: إن هذا الحديث لا يعرف له إسناد أصلًا.
ولكن الأرض من شأنها أن تحيل الأشياء وتنقلها إلى طبعها، فإذا ذهب أثرها بالشمس، والريح، وطبيعة الأرض، علم أنها استحالت إلى طبع الأرض فصارت كتخلل الخمر.
ويشهد لذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: "كنت شابًا عزبًا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك". أخرجه مالك في الموطأ، وأبو داود، وأبو بكر بن خزيمة في صحيحه. قال الخطابي وابن خزيمة: هذا
стр. 199
الحديث صحيح.
قوله: (وإنما لا يجوز التيمم به لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطًا بنص الكتاب، فلا تتأدى بما ثبت بالحديث).
قال السروجي: وفي رواية ابن كاس، يجوز التيمم بها أيضًا قياسًا على جواز الصلاة. انتهى.
وهذا هو الصحيح؛ فإن طهارة المكان ثابتة بدلالة النص كما قد تقرر في موضعه. والثابت بالدلالة كالثابت بالعبارة. وقد صار المكان طاهرًا في
стр. 200
حق الصلاة عليه مع كونه ثابتًا بنص الكتاب، فكذلك التيمم.
وقد ثبت في الصحيح أنه كان في مكان مسجد النبي ﷺ قبور من قبور المشركين فأمر بها النبي ﷺ فنبشت. فلو كان تراب القبور نجسًا لأمر بنقل ذلك التراب؛ فإنه لابد أن يختلط ذلك التراب بغيره. وهل يقول أحد إنه لا يجوز التيمم بتراب مسجد النبي ﷺ ؟!.
وقد فرق السروجي بفروق أخر ضعيفة:
أحدها: أن طهارة الصعيد شرط في التيمم بالإجماع، وهذا ليس بطاهر بالإجماع، إذ فيه اختلاف بين العلماء.
جوابه: أن طهارة الماء شرط في الوضوء بالإجماع، والماء المختلف في نجاسته ليس بطاهر بالإجماع، ويجوز الوضوء منه عند القائل بطهارته.
الثاني: أن التيمم يفتقر إلى طهارة الصعيد وطهوريته لرفع الحدث، والصلاة تفتقر إلى طهارة المكان لا غير، وبالخبر ثبتت الطهارة دون الطهورية.
جوابه: أن الصعيد متى ثبتت طهارته ثبتت طهوريته؛ إذ لم يقل أحد من
стр. 201
العلماء إن الصعيد منه ما هو طاهر، ومنه ما هو طهور، كما اختلفوا في الماء.
وفي خلافهم في الماء/ فيه ما فيه.
الثالث: أن الأرض تنشف النجاسة، والهواء يجذب فتقل النجاسة، والقليل من النجاسة لا يمنع جواز الصلاة، ويمنع التطهر به.
جوابه: أنه ليس هذا وحده، بل الأرض تحيل النجاسة إلى طبعها كما تقدم في كلامه هو. فإذا استحالت النجاسة ترابًا حكم بطهارة ذلك التراب كما يحكم بطهارة الخمر إذا استحالت خلًا، كما قال هو أيضًا. وإلا يلزم من طرد ذلك القول نجاسة وجه الأرض، خصوصًا المدن والقرى وما حولها، فإنها لابد أن تكون قد أصابتها نجاسة ثم استحالت.
قوله: (وقدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة كالدم، والبول، والخمر، وخرء الدجاج، وبول الحمار، جازت الصلاة معه، وإن زادت لم تجز) إلى آخره.
стр. 202
فيه نظر من وجوه:
أحدها: التقدير بالدرهم، فإنه لم يرد فيه عن الشارع نص، والتقدير لا يعرف إلا بالسمع.
وما يروى فيه: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم" يعني من الدم. ذكره البخاري في تاريخه.
وهو حديث باطل لا أصل له، ويرويه روح بن غطيف عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يرفعه. وروح منكر الحديث، يعرف بهذا الحديث، ذكره البخاري وغيره. والعجب أنهم استدلوا بهذا الحديث ولم يعملوا به؛ فإن فيه: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم"، وهم قالوا: لا تعاد الصلاة من قدر
стр. 203
الدرهم، وإنما تعاد من أكثر من قدر الدرهم. وتفويض التقدير في مثله إلى العرف أظهر.
الثاني: تعميم البول بتغليظ النجاسة؛ فإن بول الصغير الذي لم يأكل الطعام صح فيه الاكتفاء برش الماء عليه كما في حديث أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فبال على ثوبه: "فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله". رواه الجماعة.
وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بول الغلام الرضيع ينضح، وبول الجارية يغسل".
قال قتادة: (وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا). رواه أحمد،
стр. 204
والترمذي وقال: حديث حسن. وفيه أحاديث غير ذلك أيضًا.
وكذا بول ما يؤكل لحمه أيضًا لما تقدم.
الثالث: استثناء خرء الدجاج؛ فإنه ليس فيه نص. وقد قال المصنف بعد ذلك: وإنما كانت نجاسة هذه الأشياء مغلظة لأنها ثبتت بدليل مقطوع به.
وأين الدليل المقطوع به على نجاسة خرء الدجاج دون بقية الطيور التي يؤكل لحمها؟!.
стр. 205
قوله: (وإذا أصاب الثوب من الروث وأخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأن النص الوارد في نجاسته وهو ما روي: "أن النبي ﷺ رمى بالروثة وقال: هذا رجس أو ركس" لم يعارضه غيره).
فيه نظر؛ فإن الذي في الصحيح: "أنه ألقى الروثة، وقال: هذا ركس".
وجاء في رواية في غير الصحيح، أخرجها الدارقطني ولم تثبت: "هذه رجس". والرجس المتقذر، ولا يلزم من الاستقذار النجاسة. وعلى تقدير أنها نجسة، لا يصح الاستدلال بذلك على نجاسة روث ما يؤكل لحمه؛ لاحتمال أن يكون روثة ما لا يؤكل لحمه.
стр. 206
وفي صحيح ابن خزيمة: أنها كانت روثة حمار. والركس الرجيع.
قال أبو عبيدة: هو شبيه بالرجيع. يقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته.
قال النسائي: الركس طعام الجن.
وما قاله أبو عبيدة تفسير له من حيث اللغة. وما قاله النسائي تفسير له من حيث الشرع. يشهد لذلك قوله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن". رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، واللفظ له من حديث ابن مسعود راوي حديث الحجرين والروثة.
стр. 207
وقد جاء التنبيه على هذه العلة أيضًا في حديث أبي هريرة، وأنس، وغيرهما. فكان النهي عن الاستنجاء بها لئلا ينجسها لا لئلا يتنجس بها.
وثبت في "الصحيحين" وغيرهما: "أن النبي ﷺ طاف بالبيت/ على راحلته"، فأدخلها المسجد الحرام الذي فضله الله على جميع المساجد، المأمور بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتركها حتى طاف سبعًا.
وكذلك إذنه لأم سلمة أن تطوف راكبة، ومعلوم أنها قد تبول وتروث، فلو كان ذلك نجسًا لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس، مع أنه لا ضرورة في ذلك.
стр. 208
والحبوب تداس بالبقر، ولابد أن تبول وتروث، فلو كان ذلك ينجس الحبوب لحرمت.
وبهذا وغيره استدل من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وطهارة روثه. وهو مالك، وأحمد، والثوري، وعطاء، والنخعي. فإن لم تثبت به الطهارة فلا أقل من التخفيف.
قوله: (ويروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة، [ويروى من حيث الوزن]).
стр. 209
فيه نظر، فإن التقدير بالدرهم إنما أخذ من موضع الاستنجاء.
قال السروجي: قال إبراهيم النخعي: أرادوا أن يقولوا: مقدار المقعد، فاستقبحوه وقالوا: مقدار الدرهم؛ لأنه لا يزيد على مساحة الدرهم، فإذا ثبت أنه عفي عنه في موضع الاستنجاء للضرورة والحرج كان معفوًا عنه في سائر المواضع.
وفيه ما فيه. ولكن إذا قام الدليل على العفو عن القليل من النجاسة المغلظة، وما دون الكثير الفاحش من المخففة، كان التقدير لذلك بالرأي والاجتهاد خفيفًا لا يضر اضطراب أقوال المختلفين فيه. وكان التقدير بالدرهم
стр. 210
في حد القليل، وبالربع في حد الكثير الفاحش بالاستحسان على سبيل التقريب، لا على سبيل التحديد المتحتم.
قوله: (ثم هو أدب، وقيل سنة في زماننا).
يعني الاستنجاء بالماء. وفيه نظر؛ فإن النبي ﷺ أمر بالاستجمار، وأباحه للأمة شرعًا عامًا في زمنه وبعده؛ فإنه أمر الصحابة أن يبلغوا عنه. مع أنه كان في زمنه الصحيح والمبطون، ومن يكون الخارج منه رقيقًا سائلًا، ومن يكون الخارج منه غليظًا شديدًا، ولم يرد عنه في ذلك استفصال.
ومعلوم أن أحوال الناس في هذا مختلفة، فلا يصح التفريق بين زماننا وزمانه ﷺ في كون الاستنجاء بالماء أدب أو سنة في زماننا دون زمانه.
***
стр. 211
كتاب الصلاة
قوله: (وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي بالشك).
يعني أن وقت الظهر لا ينقضي إذا صار ظل كل شيء مثله. بل إذا صار ظل كل شيء مثليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وفيه نظر؛ فإنه لا يعارض قوله ﷺ : "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". حديث إمامة جبريل: "أنه ﵇ صلى بالنبي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في
стр. 212
اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله إذ الإبراد يحصل قبل ذلك بكثير. ولم يكن النبي ﷺ يؤخر إلى ذلك الوقت.
فعن أبي ذر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله ﷺ : "أبرد"، ثم أراد أن يؤذن فقال له: "أبرد"، حتى رأينا فيء التلول. الحديث متفق عليه.
стр. 213
ورؤية فيء التلول يكون قبل أن يصير ظل كل شيء مثله بكثير، ولا تثبت المعارضة إلا إذا كان الإبراد لا يكون إلا بعد أن يصير ظل كل شيء مثله، وليس الأمر كذلك.
وفي حديث إمامة جبريل: "أنه صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه".
ولهذا قال مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية: أنه يخرج وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد ذلك إلا لضرورة. فكيف يقال بدخول وقتها [في الوقت] الذي دل الحديث على خروجه فيه؟!.
وحديث المثل الذي ضربه النبي ﷺ وهو قوله: / "مثلكم ومثل الأمم قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرًا ... " الحديث، إنما يدل على أن وقت العصر من وقت الظهر، وهذا لا ريب فيه.
стр. 214
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، كقولهما. واختاره الطحاوي، وعليه عمل الناس. وذلك كله سوى فيء الزوال كما هو معروف في "الهداية" وغيرها.
قوله: (لقوله ﵊: "الشفق هو الحمرة"، وله قوله ﵊: "آخر وقت المغرب إذا اسودَّ الأفق").
أما الحديث الأول، وهو قوله: "الشفق الحمرة" فرواه الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا. قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف، يعني أنه من كلام ابن عمر نفسه.
стр. 215
وأما الحديث الثاني، وهو قوله: "آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق"، فلا يعرف. ولكن روى النسائي، وأبو داود عن أبي مسعود الأنصاري قال: " كان ﵇ يصلي هذه الصلاة- يعني العشاء- حين يسود الأفق". ولا يدل ذلك على أنه أول الوقت، لاحتمال أنه كان يؤخرها عن أول وقتها قليلًا لإحراز الفضيلة، فإنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل"، ..................
следующие страницы →