Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وليس من ضرورته انعدام المالية كالسرقين إلا أنه فسد تقومها شرعاً لضرورة وجوب الاجتناب عنها بالنص، ولهذا بقيت مالاً متقوماً في حق أهل الذمة فانعقد العقد بوجود ركنه في محله بصفة الفساد. انتهى.
جوابه مع ما تقدم أنا لا نسلم أن الخمر مما يجوز الانتفاع بها شرعاً، والآية التي ذكرها، قد نزل بعدها قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ الآيات، فأمر سبحانه باجتناب الخمر، ولهذا لا يجوز التداوي بها عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ / "أنه سئل عن الخمر تصنع للدواء؟ فقال:
стр. 1542
أنها داء وليست بدواء".
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ "أنه نهى عن الدواء الخبيث" والخمر أم الخبائث، وذكر البخاري وغيره عن ابن مسعود أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها". ورواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه مرفوعاً عن النبي ﷺ ، فقد سلبها الله سبحانه المنفعة وحرمها، وقياسه على السرقين ممنوع أيضاً بل هي بمنزلة البول، لأنا أمرنا باجتنابها كما أمرنا باجتناب البول، ولم نؤمر باجتناب السرقين، ولهذا جاز بيع السرقين
стр. 1543
دون البول.
وقوله: وإنما ثبت بالنص حرمة التنازل. ممنوع، فإن الذي في النص الأمر بالاجتناب وهو فرق حرمة التناول. وقوله: وليس من ضرورته انعدام المالية ممنوع أيضاً، لأن المالية من ميل الطباع إلى ذلك الشئ، والخمر والخنزير لا يميل إليهما بعد التحريم إلا طباع الكافر أو الفاسق.
قوله: (و بيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسد ومعناه باطل).
تقدم التنبيه على ما في بيع المدبر من الإشكال، وأما بيع المكاتب، فقد قال عطاء بن أبي رباح والنخعي والليث وأحمد، وأبو ثور ﵏ بجوازه وإن لم يعجز وينتقل إلى المشتري مكاتباً، فإذا أدى بدل الكتابة إلى المشتري عتق وكان ولاؤه له، وقال مالك: المكاتب إذا بيع كان أحق باشتراء كتابته ممن اشتراه إذا قوي على أن يؤدي إلى سيده الثمن الذي باعه به، وكان الشافعي يقول بالعراق: بيعه جائز، ثم قال بمص: لا يجوز،
стр. 1544
وقال الأوزاعي: يكره بيع المكاتب قبل عجزه للخدمة، ولا بأس أن يباع للعتق، نقل ذلك ابن المنذر واختار جواز بيعه مكاتباً على حاله، وقال: بيعت بريرة بعلم النبي ﷺ وهي مكاتبة، ولو كان بيع المكاتب غير جائز لنهى عنه، ففي ذلك أبين البيان على أن بيعه جائز، ولا أعلم خبراً يعارضه، ولا أعلم في شئ من الأخبار دليلاً على عجزها كان. انتهى كلامه.
وحديث بريرة متفق عليه فالنبي ﷺ أقر عائشة على شرائها وأهلها على بيعها، ولم يسأل أعجزت أم لا؟ وليس في بيع المكاتب محذور فإن بيعه لا يبطل كتابته فإن يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدى إليه عتق، وإن عجز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرق، فلو لم تأت السنة به، لكان القياس يقتضيه، بل قد ادعي الإجماع القديم على جواز بيع المكاتب،
стр. 1545
قالوا: ولم يأت المنع عنه عن أحد من الصحابة إلا رواية شاذة عن ابن عباس لا يعرف لها إسناد، وقد اعتذر عن قصة بريرة بعذرين:
أحدهما: أن بريرة كانت قد عجزت.
والثاني: أن البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها.
وأجيب عن الأول: بأن سياق القصة يأبى ثبوت العجز، ولم يرد ما
стр. 1546
يدل عليه بوجه، ولكن فيه ما يدل على أنها رضيت ببيعها ولا يلزم منه تعجيزها.
وعن الثاني: بأن عائشة ﵂ اشترتها فأعتقتها، وكان ولاؤها لها، وهذا الذي دل عليه الحديث من جميع طرقه، ولم يرد أنها اشترت المال، ولا كان لعائشة ﵂ غرض في مشترى الدراهم المؤجلة بعددها حالة، وينبغي ألا يكون بيع المدبر والمكاتب من قبيل الباطل على أصل أبي حنيفة أيضاً وذلك أن المدبر مال يجوز بيعه عند جمهور العلماء والمكاتب
стр. 1547
عند أحمد وغيره كما تقدم، وقد صرح الأصحاب أن المدبر مال متقوم، وكذلك أم الولد عند الصحابين، وعند أبي حنيفة أنها مال غير متقوم، وكذلك المكاتب مال متقوم فكيف يكون بيع هؤلاء باطلاً، والبيع بالخمر والخنزير الذي ليس هو بمال عند أحد من المسلمين فاسداً، يفيد الملك بالقبض؟.
فإن أجيب بأن المدبر وأم الولد والمكاتب لا يقبلون النقل من ملك إلى ملك، فالخمر والخنزير لا يقبلان النقل أيضاً من ملك إلى ملك.
والقول ببقائه مملوكاً للمسلم بعد إسلامه وانتقاله إلى وارثه المسلم بعد موته ممنوع عند المخالف، وعلى ذلك يقوم الدليل، وفي قوله: ومعناه باطل نظر آخر، وهو أن هذا يناقض ما يأتي في كلامه في آخر الباب وهو قوله: أما البيع في هؤلاء موقوف، وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية ولهذا ينفذ في عبد الغير بإجارته، وفي المكاتب برضاه في الأصح، وفي المدبر بقضاء القاضي، وكذا في أم الولد عند أبي حنيفة/ وأبي يوسف. انتهى.
стр. 1548
وقيام المالية فيهم ينافي البطلان لأن القاعدة أن ما كان مالاً في الجملة كان البيع فيه فاسداً، ومالية هؤلاء أظهر من مالية الخمر، بل اعتبار مالية الخمر في الجملة في غاية البعد كما تقدم.
وقد اعتذر السغناقي عن تسميته هذا باطلاً: بأن معناه أنه لا يملك هؤلاء عند اتصال القبض بهم كما لا يملك المبيع فاسداً عند اتصال القبض به، وهذا الاعتذار لازمه تناقض آخر في أن البيع الفاسد يفيد الملك بالقبض وهذا بيع فاسد لا يفيد الملك بالقبض.
فإما أن ينتقض قولهم أن الباطل ما انعدمت المالية في بدليه أو أحدهما، أو قولهم أن الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به.
قوله: (ولا بيع الحمل ولا النتاج لنهي النبي ﷺ "عن بيع الحبل وحبل الحبلة".
لفظ الحديث: "نهى النبي ﷺ عن بيع حبل الحبلة" رواه أحمد ومسلم والترمذي، وفي لفظ: "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة".
стр. 1549
وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك. متفق عليه.
وليس في شئ من لفظ الحديث "عن الحبل وحبل الحبلة" وكأن الشيخ نقله بالمعنى، وفي كلامه نظر آخر، وهو أن الحمل هو النتاج في عرف الفقهاء، فلا يصح عطفه عليه، وقال السغناقي في قوله: ولا النتاج: يعني نتاج الحمل وفيه مسامحة.
قوله: (والصوف على ظهر الغنم؛ لأنه من أوصاف الحيوان، ولأنه ينبت من أسفل فيختلط المبيع بغيره، بخلاف القوائم؛ لأنه يزيد من أعلاها وبخلاف القصيل لأنه يمكن قلعه، والقطع في الصوف متعين
стр. 1550
فيقع التنازع في موضع القطع، وقد صح أنه ﵊ "نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم، وعن لبن في ضرع، وسمن في لبن" وهو حجة على أبي يوسف في هذا الصوف حيث جوز بيعه فيما يروى عنه).
في كلامه هذا نظر من وجوه:
أحدها: أنه قال: لأنه من أوصاف الحيوان، يعني أنه بمنزلة أعضائه، فلا يجوز إفراده بالبيع كما لا يجوز إفراد بعض أعضائه بالبيع، وهذا قياس لا يقوى؛ لأن الأعضاء لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان، وأيضاً فإنه إذا أبين من الحي كان ميتاً فلا يجوز بيعه بخلاف الصوف، وأيضاً فإنه إذا أبين منه كان فيه تعذيب الحيوان لغير فائدة، بخلاف الصوف لأن جزه في أوانه ينفع الحيوان وبقاؤه يضره.
الثاني: أنه قال: ولأنه ينبت من أسفل فيختلط المبيع بغيره. وهذا لا يمنع؛ لأنه يقطع في الحال فلا ينبت في الآن اليسير من يختلط بالمبيع، ولو نبت فهو شئ يسير جداً جرت العادة بتركه، والعفو عنه، ولا يفضي إلى المنازعة ولا إلى الجهالة في المبيع كما في بيع الثمرة بشرط القطع، والقصيل بشرط القطع لا القلع، وكم في أغصان البان، ومثل هذه الجهالة مغتفرة شرعاً
стр. 1551
وعرفاً كمسألة دخول الحمام وإجارة الظئر، بل وسائر الإجارات.
الثالث: أنه قال: بخلاف القوائم لأنه يزيد من أعلاها. ومراده قوائم البان يعني أغصانه، وهذا فرق ساقط فإنها وإن زادت من أعلاها فهو بما تشربه من أسفلها، بل إذا قيل بجواز بيع أغصان البان، كان بيع الصوف على ظهر الغنم أولى بالجواز لأن موضع القطع في الصوف معلوم لا يقع فيه منازعة ولا جهالة.
وأما أغصان البان فليس لها موضع معين تقطع منه بل يقع في قطعها تفاوت، وهو وإن كان قليلاً يعفى عنه فالصوف أقل وأولى بالعفو منه.
стр. 1552
الرابع: أنه قال: فيقع التنازع في موضع القطع. وهذا ممنوع أيضاً بل موضع القطع على الصوف، يعرفه أرباب الخبرة أكثر مما يعرف أرباب الخبرة موضع القطع في أغصان البان.
الخامس: أنه قال: وقد صح أنه ﵊ "نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم" الحديث. ولم يصح هذا ولا أخرجه أحد من أهل الصحيح، وإنما أخرجه الدارقطني/ والبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ وقال: تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي. انتهى. ولو صح هذا الحديث لوجب القول به ولم تجز مخالفته.
السادس: أنه قال: وهو حجة على أبي يوسف. ولا يكون حجة على أبي يوسف إلا بعد صحته، وبقوله ..................................
стр. 1553
قال مالك وأحمد في رواية عنه.
قوله: (لأن في وجودهما احتمالاً).
يعني أن في وجود النوى في التمر والبزر في البطيخ احتمالاً، وفي هذا التعليل نظر، بل العلم بوجودهما كالعلم بوجود قلب اللوز في قشره ونحوه، وأصح من هذا التعليل في الفرق بين نوى التمر وبزر القطن ونحو ذلك، وبين الجذع في السقف ونحوه أن النوى في التمر متصل بغير المبيع اتصال خلقه وهو تابع له، فكان العجز عن التسليم، فيه معنى أصلياً بخلاف الجذع فإنه غير مال في نفسه، وإنما ثبت الاتصال بينه وبين غيره بعارض فعل العباد إلا أنه عد عاجزاً عن التسليم حكماً لما فيه من إفساد غير المستحق بالعقد، فإذا قلع
стр. 1554
والتزم الضرر زال المانع فيجوز.
قوله: (قلنا: العرية: العطية لغة، وتأويله أن يبيع المعرى ما على النخيل من المعري بتمر مجذوذ، وهو بيع مجازاً؛ لأنه لم يملكه فيكون براً مبتدءاً).
اختلف الأئمة الأربعة في معنى العرية التي رخص فيها رسول الله ﷺ ؛ فحملها أبو حنيفة على ما ذكره المصنف من المعنى، وجعل مالك ﵀ الرخصة الواردة فيها موقوفة على المعري لا غير فلا يجوز بيع الرطب بالتمر بوجه إلا لمن أعري نخلاً يأكل ثمرها رطباً ثم بدا له أن يبيعها بالثمر فإنه أرخص للمعري أن يشتريها من المعري إذا كان ذلك خرص خمسة أوسق أو
стр. 1555
دونها لما يدخل عليه من الضرر في دخول غيره عليه حائطة، لكن لا يجوز بخرصها تمراً بل إلى الجذاذ، قال: وتجوز العرية في كل ما ييبس ويدخر نحو العنب والتين والزيتون.
وأجاز الشافعي ﵀ بيع ما دون خمسة أو سق من الرطب بالتمر يداً بيد، وسواء كان ذلك فيمن وهب ثمرة نخلة أو نخلات، أو فيمن يريد أن يبيع ذلك المقدار من حائطه لعله أو لغير علة.
والرخصة عنده إنما وردت في المقدار المذكور فخرج ذلك عنده من المزابنة، وما عدا ذلك فهو داخل في المزابنة، ولا يجوز عنده بوجه.
ولا عرية عنده في غير النخل والعنب، وأما أحمد بن حنبل فحكي عنه الأثرم أن العرايا أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة والمسكن، فإذا أعراه إياها فللمعري أن يبيعها ممن شاء، إنما نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وأرخص في العرايا فرخص في شئ من شئ فنهى عن المزابنة أن تباع من كل أحد
стр. 1556
ورخص في العرايا أن تباع من كل أحد فيبيعها ممن شاء.
قال: وكذلك فسرها لي سفيان بن عيينة وغيره.
قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يقول: في العرية معنيان لا يجوزان في غيرها؛ فيها: أنها رطب بتمر، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وفيها أنها تمر بثمر يعلم كيل التمر ولا يعلم كيل الثمر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذل.
قلت لأبي عبد الله: فإذا باع المعري العرية، أله أن يأخذ الثمن الساعة أو عند الجذاذ؟ قال: بل يأخذ الساعة.
هذا ملخص مما ذكره ابن عبد البر في التمهيد في حديث العرايا، وأحاديث العرايا مخرجة من غير واحد من الصحابة، منها حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة ﵃ "أن النبي ﷺ نهى عن
стр. 1557
المزابنة، بيع الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أّن لهم" رواه أحمد والبخاري، والترمذي وزاد فيه: "وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل تمر بخرصه".
وعن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطباً" متفق عليه. وفي لفظ: "نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العربة النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلوها رطباً" متفق عليه، فالأئمة الثلاثة ﵏ متفقون على أن البيع في العرايا بيع مستثنى من النهي، مرخص فيه، مقدر بخمسة أو سق/ أو ما دونها، خلافاً لأبي حنيفة ﵀، والتصريح في الأحاديث بالاستثناء والرخصة حجة عليه في تمسكه بعموم النهي،
стр. 1558
والتقدير بالأوساق يرد عليه دعوى أنه بيع مجازاً وأن المعرى لم يملك العرية قبل قبضها إذ لو كان الجواز لعدم ملك المعري لما كان في التقدير فائدة، ولا في ذكر الرخصة ولا في الاستثناء والأصل فيه الاتصال، والأصل في ذكر البيع أن يكون حقيقة، وقرينة- التقدير بالأوساق واستثنائها- تقرر إرادة الحقيقة، وكذلك التنصيص على الرخصة إذ هي استباحة المحظور مع وجود السبب الحاظر.
قوله: (ولو عقدت على استهلاك عين مملوك بأن استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يجوز).
стр. 1559
وقد قال بعض العلماء بجواز استئجار البقرة مدة معلومة، كما في الظئر، وسيأتي ذكر ذلك في الإجارات إن شاء الله تعالى.
قوله: (ولهما أنه من الهوام، فلا يجوز بيعه، كالزنابير، والانتفاع بما يخرج منه لا بعينه، فلا يكون منتفعاً به قبل الخروج).
يعني النحل، وقول محمد في جواز بيعه أقوى، فإنه حيوان منتفع به، وما ذكر من اعتباره بالزنابير لا يقوى، فالفارق بينهما في غاية الظهور، وكون الانتفاع بما يخرج منه، لا ينافي كونه منتفعاً به، فإن الذي يخرج منه لا يحصل إلا بواسطته فالانتفاع به باعتبار كونه هو الذي يأتي به، فصدق عليه أنه منتفع به كما في الانتفاع بالصقر والفهد ونحوهما، فإن الانتفاع بما يحصله بصيده لا بعينه لم يخرجه ذلك عن كونه منتفعاً به، وكذلك أيضاً القول في دود القز وبزره.
стр. 1560
قوله: (ولا بأس ببيع عظام الميتة وعصبها وصوفها وقرنها وشعرها ووبرها والانتفاع بذلك كله لأنها طاهرة لا يحلها الموت لعدم الحياة، وقد قررناه من قبل).
في تعليله نظر، وهو أن الموت لا يحلها لعدم الحياة، ولم يقرره فيما تقدم في كتاب الطهارة بأكثر من أنه لم يتألم بقطعها مع أنه لم يذكر هناك سوى الشعر والعظم ولم يذكر العصب.
وإن سلم له أن العظم لا يتألم فالعصب يتألم بقطعه فلا يصح أن يقال: لا تحله الحياة، وأحسن من هذا، الاستدلال بقوله ﷺ في شاة ميمونة لما ماتت فمر بها فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به. فقالوا: إنها ميتة، إنما حرم أكلها" رواه الجماعة، وليس للبخاري والنسائي ذكر الدباغ بحال.
فإن قيل: لا يجوز بيع لحمها، ولا الانتفاع به اتفاقاً فلم يكن العموم مراداً، وإنما قال ﷺ : "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" فلا تتعدى الرخصة إلى غير الجلد.
стр. 1561
فالجواب: أنه ﷺ أجاب بعد ذلك بجواب عام خص منه محل الخبث وهو الرطوبات النجسة إذ هو المنجس، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ لزوالها، بل رواية البخاري والنسائي تدل على أنه كان في الابتداء يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ ثم نسخ بعد ذلك وهو الراجح، ولهذا ما ليست له نفس سائلة لا ينجس بالموت وهو حيوان كامل لعدم سبب التنجيس منه فالعظم ونحوه أولى.
قوله: ([في حديث عائشة ﵂] "أبلغني زيد بن أرقم أن الله
стр. 1562
أبطل حجه وجهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب").
الحديث رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وليس فيه ذكر حجه وإنما فيه "أبطل جهاده".
قوله: (ولأبي حنيفة أن العاقد هو الوكيل بأهليته وولايته، وانتقال الملك إلى الآمر حكمي فلا يمتنع سبب الإسلام كما إذا ورثهما).
стр. 1563
من مفردات أبي حنيفة ﵀ جواز توكيل المسلم الذمي ببيع الخمر أو الخنزير ولكن يكره عنده هذا التوكيل أشد الكراهة، والخلاف مبني أيضاً على أن الملك يثبت عنده للوكيل أولاً ثم ينتقل إلى الموكل، والنزاع في ذلك معروف، ولا شك أن الوكيل يملك التصرف من وجهة الموكل، فلابد أن يكون الموكل مالكاً لذلك التصرف ليملكه من غيره.
والمسلم لا يملك بيع الخمر والخنزير ولا شراءهما، فكيف يملك أن/ يوكل به، وبهذا يجاب عن قوله: إن الوكيل يتصرف بأهليته وولايته.
ويقال: أما تصرفه بأهلية نفسه فمسلم وأما الولاية فممنوعة، بل بولاية يستفيدها من الموكل إذ لولا التوكيل لما نفذ ذلك التصرف على الموكل.
وقوله: إن انتقال الملك إلى الآمر حكمي. مترتب على صحة الوكالة أولاً، وهي باطلة لما تقدم أن المسلم لا يملك هذا التصرف فلا يملك أن يقيم غيره فيه مقامه، مع أن الكلام في تصور ملكه للخمر والخنزير، فإن الخمر
стр. 1564
والخنزير في حق المسلم بمنزلة الميتة والدم، وليس على القول بالفرق بين ذلك دليل صحيح شرعي، بل إذا استحال عصيره خمراً، صار بمنزلة شاته إذا ماتت، ولو كان ذمياً يملك خمراً وخنزيراً فأسلم فإنه يصير ممنوعاً شرعاً من حفظهما.
والقول بأنه يجوز له حفظ الخمر ليخللها تقدم الكلام فيه، ورده "بأن النبي ﷺ سئل عن الخمر أتتخذ خلا؟ قال: لا" في باب العاشر.
وقوله: كما إذا ورثهما. صحة القول بإرثهما مترتب على أن الذمي إذا أسلم وفي يده خمر وخنزير يستمر ملكه فيهما حتى إذا مات يخلفه وارثه في ذلك، وهو ممنوع كما تقدم.
стр. 1565
قوله: (ومن باع عبداً على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه أو أمه على أن يستولدها فالبيع فاسد؛ لأن هذا بيع وشرط، وقد "نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط"- إلى أن قال: لأن فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدي إلى الربا، ولأنه تقع بسببه المنازعة فيعري العقد عن مقصوده إلا أن يكون متعارفاً؛ لأن العرف قاضٍ على القياس).
عن جابر ﵁ "أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه، قال: ولحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيراً لم يسر مثله قط، فقال: يعنيه، فقلت: لا، ثم قال: بعينه فبعته، واستثنيت حملانه إلى أهلي" متفق عليه، وفي لفظ لأحمد والبخاري: "وشرط ظهره إلى المدينة"، وعن عائشة ﵂ "أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق" متفق عليه، ولم يذكر البخاري لفظ "وأعتقيها".
وأما نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط فلم يثبت عند أهل الحديث، وقد أنكره أحمد، وإنما أخرجه الحارثي في مسند أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن
стр. 1566
أبيه عن جده، وأخرجه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم بإسنادهما من جهته، وعلى تقدير ثبوته لا يعارض حديث جابر وحديث عائشة، فإن عمومه مخصوص بالإجماع، فيحمل على شرط ينافي العقد أو اشتراط عقد في عقد نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، ونحو ذلك للنهي عن صفقتين في صفقة.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عند" رواه الخمسة إلا ابن ماجة فإن له منه "ربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عندك".
стр. 1567
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولهذا قال أحمد: يبطل البيع إذا كان فيه شرطان ولا يبطله شرط واحد.
وروى الخطابي في معالم السنن بسنده إلى عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعاً وشرط كذا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل.
ثم أتيت ابن أبي ليلي وسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا علي في مسألة واحدة.
فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط" البيع باطل والشرط باطل.
فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها، وقال: اشتري بريرة واشترطي الولاء لأهلها" البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: "بعت النبي ﷺ ناقة/ أو
стр. 1568
جملاً، وشرط لي حملانه إلى المدينة" البيع جائز والشرط جائز، انتهى.
وروى هذه الحكاية أيضاً أبو محمد بن حزم في المحلي، وأبو عمر بن عبد البر في التمهيد، وقول المصنف- بعد ذلك-: (والشافعي وإن كان يخالفنا في العتق ويقيس على بيع العبد نسمة، فالحجة عليه ما ذكرناه)
دليل الشافعي قوي، وهو حديث بريرة، فإن عائشة ﵂ اشترتها بشرط العتق، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وصح البيع والشرط، وإنما بين بطلان شرط الولاء لغير المعتق، ولم يذكر بطلان شرط العتق.
وقوله -بعد ذلك-: (وكذلك إذا باع عبداً على أن يستخدمه البائع شهراً أو داراً على أن يسكنها) حديث جابر يرده إلا إذا استثنى خدمة، أو
стр. 1569
سكنى مدة مجهولة.
وقوله: (ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شئ من الثمن يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة). يجب أن يحمل النهي عن صفقتين في صفقة على نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره لا على استثناء خدمة العبد أو حملان البعير أو سكن الدار أو نحو ذلك مدة معلومة جمعاً بين هذا الحديث وبين حديث جابر؛ ولأن استثناء ذلك بمنزلة شئ معلوم من المبيع، لا يفضي إلى جهالة ولا منازعة ولا غرر.
ولو لم يرد حديث جابر ﵁ لكان مقتضي القياس جواز استثناء مثل هذا، فورود النص على مقتضى القياس لا على منافاته فلم يكن مثل هذا من باب صفقتين في صفقة بل من باب الاستثناء.
стр. 1570
وقوله: لأن فيه زيادة عارية عن العوض فيؤدي إلى الربا. فيه نظر لأن الفضل الخالي عن العوض لا يكون ربا مطلقاً حتى جاز بيع البيضة بالبيضتين، والحفنة بالحفنتين، ونحو ذلك، وجاز فيما تعارف الناس اشتراطه كحذو النعل ونحوه، ولو تعارف الناس الربا لا يحل، وأيضاً فإنه ليس هنا خالياً عن العوض بل في مقابلة المبيع لأنه يجوز أن يقابل المبيع بأعواض كثيرة.
وقوله: أو لأنه يقع بسببه المنازعة. فيه نظر أيضاً؛ لأن الظاهر عدم المنازعة جرياً على موجب الشرط، أو لأن المنازع بعد الشرط لا يلتفت إليه لرضاه بالشرط المتعارف والملائم.
وقوله: لأن العرف قاض على القياس. فيه نظر؛ لأن العرف هنا على خلاف النص الذي تقدم ذكره، والعرف الوارد على خلاف النص باطل.
стр. 1571
قوله: (ومن باع عيناً على أن لا يسلمها إلى رأس الشهر فالبيع فاسد؛ لأن الأجل في المبيع المعين باطل فيكون شرطاً فاسداً وهذا لأن الأجل شرع ترفيهاً فيليق بالديون دون الأعيان).
فيه نظر؛ لأن حديث جمل جابر يدل على جواز تأجيل قبض المبيع المعين وفيه تقدم.
قوله: (لاختلاف الصحابة ﵃ فيها).
يعني ي الكفالة إلى النيروز والمهرجان ونحوه، ولم أر لذلك ذكراً في كتب الحديث.
стр. 1572
قوله: (ولو باع إلى هذه الآجال ثم تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج جاز البيع أيضاً).
في قوله: فإن تراضيا بإسقاط الأجل. نظر، وصاحب الهداية تبع القدوري، والصحيح أن التراضي بإسقاط الأجل ليس بشرط بل رضا من له الأجل وهو المشتري كاف؛ لأنه خالص حقه، وحق الإنسان ما يتولى إسقاطه وإثباته، كذا في الكافي وغيره.
* * *
стр. 1573
فصل في أحكامه
قوله: (ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى محله فوجب القول بانعقاده، ولا خفاء في الأهلية والمحلية وركن مبادلة المال، وفيه الكلام، والنهي يقرر المشروعية عندنا لاقتضائه التصور فنفس البيع مشروع وبه تنال نعمة الملك، إنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء).
مسألة الفرق بين الفاسد والباطل في البيع من المسائل المشهورة، ونقل عن أبي يوسف أنه احتج لها بحديث عائشة ﵂ "أنها اشترت بريرة وشرطت الولاء لأهلها ثم أعتقتها" وأن البيع كان فاسداً/ وأن النبي ﷺ أجاز العتق وأبطل الشرط مع فساد البيع بالشرط.
وسياق القصة يأبى ذلك، ويدل على جواز البيع، وبطلان الشرط، وقد تقدم التنبيه على ما روي من النهي عن بيع وشرط، وخطبته ﷺ ورده على
стр. 1574
من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله، ليس مراده به الرد على عائشة ﵂، بل على أهل بريرة، فإنهم هم الذين شرطوا الشرطة الفاسد، وهو أن يكون الولاء لهم مع كون الإعتاق من غيرهم، فغضب رسول الله ﷺ لخروجهم عن مقتضى الشرع فإن ذلك قد بينه النبي ﷺ وعلمه الخاص والعام أن الولاء لمن أعتق.
وكانت عائشة ﵂ قد ظنت أنها لو اشترطت ذلك- مع كونه على خلاف مقتضى الإعتاق- أنه يصح لوجود الشرط فنبه النبي ﷺ على أنه اشتراطها وعدمه سواء وأن الشرط الباطل لا يعتبر، وأن وجوده وعدمه سواء، فلا يبطل به ما مقتضاه الصحة، ولا يصح به ما مقتضاه البطلان، وأخرج كلاماً عاماً ليتناول البيع وغيره فيدخل في عمومه النكاح والوقف وغيرهما.
وقوله: والنهي يقرر المشروعية عندنا لاقتضائه التصور. إن أراد به التصور اللغوي فمسلم، وإن أراد به التصور الشرعي فممنوع لقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وهو حديث مشهور تلقته الأمة
стр. 1575
بالقبول والعمل. والإشكال الخاص هنا أنه قد ورد النهي عن أنواع من البيوع، وقلتم أنها من قسم الباطل فبطل التفريق بأن النهي يقتضي التصور شرعاً، وأن ما فيه ذلك يكون فاسداً، منها ما في حديث جابر بن عبد الله ﵄ "أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عن ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" رواه الجماعة، فلو كان النهي يقرر المشروعية لاقتضائه التصور، للزم أن يكون بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام مقرراً في الشرع متصوراً، تنال به نعمة الملك، وقد فرقتم بين البيع الخمر والبيع بها.
ومنها ما في حديث أبي جحيفة ﵁ "أن رسول الله ﷺ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل
стр. 1576
الربا وموكله، ولعن المصورين" متفق عليه، فتحريم ثمن الدم، لا يدل على أن بيع الدم مقرر في الشرع، متصور، تنال به عمة الملك، وفي الحديث أيضاً دلالة على تحريم بيع الكلب وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وقوله: إنما المحظور فيما يجاوره كما في البيع وقت النداء. قد فرق المخالف بينه وبين مجاوزة المحظور في البيع وقت النداء بأن الفاسد في البيع الفاسد في صلب العقد.
والكراهية في البيع وقت النداء للاشتغال عن السعي إلى الجمعة وذلك أمر خارج عن العقد، ولهذا كان في هذا الفساد عندكم، وفي الآخر الكراهة.
واعتباركم المعنى الجامع بينهما وهو مجاورة المحظور مع إلغائكم المعنى الفارق وهو أن الفساد هنا في صلب العقد، وهناك باعتبار أمر خارج، وتنزيلكم لهذا البيع الفاسد منزلة بين منزلتين لا نظير له في الشرع وإذا تبين أن البيع الفاسد غير مشروع اصلاً لا يترتب عليه الملك الذي هو من أعظم نعم الله على عباده.
стр. 1577
قوله: (إنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور إذ هو واجب الرفع بالاسترداد).
ينبغي على مقتضي هذا التعليل أن لا يثبت الملك بعد القبض أيضاً لأن القبض عدوان ومعصية أخرى فإذا لم يثبت الملك قبله فأولى أن لا يثبت بعده.
قوله: (فيشترط اعتضاده بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة).
كيف يعتبر هذا القبض المحرم بالقبض في الهبة الشرعية في إفادة الحكم، واعتضاد المعصية بالمعصية لا ينتج إفادة الحكم الشرعي وجميع الفروع المذكورة إلى آخر الفصل مترتبة على هذا الأصل المزلزل.
* * *
стр. 1578
فصل في ما يكره
قوله: (وعن بيع الحاضر البادي، وقد قال ﵊: "لا يبيع الحاضر للبادي"/ وهذا إذا كان أهل البلدة في قحط وعوز وهو يبيع من أهل البدو طمعاً في الثمن الغالي لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر).
في تفسير الحديث بما ذكره المصنف نظر؛ فقد جاء تفسيره بخلاف ذلك، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد" فقيل لابن عباس: ما قوله: لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسماراً" رواه الجماعة إلا الترمذي، وعن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ قال: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" رواه الجماعة إلا البخاري، والمعنى فيه أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع
стр. 1579
من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبي ﷺ في تعليله إلى هذا المعنى.
* * *
стр. 1580
باب المرابحة والتولية
قوله: (وقد صح أن النبي ﷺ -لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر ﵁ بعيرين، فقال له النبي ﷺ : ولّني أحدهما؟ فقال: هو لك بغير شيء، فقال: أما بغير ثمن فلا).
هذا اللفظ منكر لا يعرف، وقد ذكر البخاري ﵀ حديث الهجرة بطوله وفيه "أن أبا بكر ﵁ قال: خذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين، قال ﵊: بالثمن، وذكر ابن إسحاق في السيرة: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال له: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله ﷺ : إني لا أركب بعيراً ليس لي، فقال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال: لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به، كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال:
следующие страницы →