Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الربا وموكله، ولعن المصورين" متفق عليه، فتحريم ثمن الدم، لا يدل على أن بيع الدم مقرر في الشرع، متصور، تنال به عمة الملك، وفي الحديث أيضاً دلالة على تحريم بيع الكلب وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
وقوله: إنما المحظور فيما يجاوره كما في البيع وقت النداء. قد فرق المخالف بينه وبين مجاوزة المحظور في البيع وقت النداء بأن الفاسد في البيع الفاسد في صلب العقد.
والكراهية في البيع وقت النداء للاشتغال عن السعي إلى الجمعة وذلك أمر خارج عن العقد، ولهذا كان في هذا الفساد عندكم، وفي الآخر الكراهة.
واعتباركم المعنى الجامع بينهما وهو مجاورة المحظور مع إلغائكم المعنى الفارق وهو أن الفساد هنا في صلب العقد، وهناك باعتبار أمر خارج، وتنزيلكم لهذا البيع الفاسد منزلة بين منزلتين لا نظير له في الشرع وإذا تبين أن البيع الفاسد غير مشروع اصلاً لا يترتب عليه الملك الذي هو من أعظم نعم الله على عباده.
стр. 1577
قوله: (إنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور إذ هو واجب الرفع بالاسترداد).
ينبغي على مقتضي هذا التعليل أن لا يثبت الملك بعد القبض أيضاً لأن القبض عدوان ومعصية أخرى فإذا لم يثبت الملك قبله فأولى أن لا يثبت بعده.
قوله: (فيشترط اعتضاده بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة).
كيف يعتبر هذا القبض المحرم بالقبض في الهبة الشرعية في إفادة الحكم، واعتضاد المعصية بالمعصية لا ينتج إفادة الحكم الشرعي وجميع الفروع المذكورة إلى آخر الفصل مترتبة على هذا الأصل المزلزل.
* * *
стр. 1578
فصل في ما يكره
قوله: (وعن بيع الحاضر البادي، وقد قال ﵊: "لا يبيع الحاضر للبادي"/ وهذا إذا كان أهل البلدة في قحط وعوز وهو يبيع من أهل البدو طمعاً في الثمن الغالي لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر).
في تفسير الحديث بما ذكره المصنف نظر؛ فقد جاء تفسيره بخلاف ذلك، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد" فقيل لابن عباس: ما قوله: لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسماراً" رواه الجماعة إلا الترمذي، وعن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ قال: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" رواه الجماعة إلا البخاري، والمعنى فيه أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع
стр. 1579
من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبي ﷺ في تعليله إلى هذا المعنى.
* * *
стр. 1580
باب المرابحة والتولية
قوله: (وقد صح أن النبي ﷺ -لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر ﵁ بعيرين، فقال له النبي ﷺ : ولّني أحدهما؟ فقال: هو لك بغير شيء، فقال: أما بغير ثمن فلا).
هذا اللفظ منكر لا يعرف، وقد ذكر البخاري ﵀ حديث الهجرة بطوله وفيه "أن أبا بكر ﵁ قال: خذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين، قال ﵊: بالثمن، وذكر ابن إسحاق في السيرة: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما ثم قال له: اركب فداك أبي وأمي، فقال رسول الله ﷺ : إني لا أركب بعيراً ليس لي، فقال: فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال: لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به، كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال:
стр. 1581
هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا" الحديث، وعلى تقدير ثبوته، ليس فيه أن النبي ﷺ قال له: ولني أحدهما، كما قال المصنف فإن غرضه أن التولية تثبت بقوله: ولني.
قوله: (وبخلاف أجرة التعليم؛ لأن ثبوت الزيادة لمعنى فيه، وهو حذاقته).
قصر ثبوت الزيادة على حذاقته فيه نظر، وإنما حصلت الزيادة بتعليم المعلم في محل قابل، فصار بمنزلة صبغ الثوب وقصارته، فلولا قابليته المحل لما أثر الصبغ فيه، ولأن حذاقته بانفرادها لا تفيد التعلم فدل على أن لعمله أثراً في المحل، فلا فرق حينئذٍ بين التعليم وبين الصبغ والقصارة ولهذا -والله أعلم- علل السغناقي في الشرح بأنه ليس فيه عرف ظاهر ثم قال: حتى لو كان في شئ من ذلك عرف ظاهر في موضع بإلحاقه برأس المال كان له أن يلحقه به.
قوله: (وعن أبي يوسف وزفر في الفصل الأول لا يبيع من غير بيان
стр. 1582
كما إذا احتبس بفعله وهو قول الشافعي).
يعني إذا اشترى أمة سالمة فاعورت، وقول أبي يوسف وزفر رحمهما الله أقوى لما في عدم البيان من الغرر، وقد "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر" وذلك لأنه إذا قال: اشتريتها بكذا، يظن المشتري منه اشتراها على ما هي عليه من العيب، فصار كأنه ستر العيب، ولم يبينه، وقد قال ﷺ : "فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، وصار بهذا الاعتبار كما إذا فقأ هو عينها، أو فقأها آخر وأخذ أرشها، وكذلك لو أصاب الثوب قرض فأر أو حرق نار ينبغي أن لا يبيعه مرايحة حتى يبين كما
стр. 1583
إذا كان ذلك بصنعه مع أن الصفات على نوعين:
منها: ما هو جزء من الذات.
ومنها: ما هو معنى قائم بالذات.
وبذهاب العين من الأمة، والجزء من الثوب بقرض الفأر أو حرق النار، نقص جزء من ذات المبيع، فلا بد من البيان.
قوله: (لأنه ﵊ "نهى عن بيع ما لم يقبض"، ولأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك).
الكلام على كلام المصنف هنا في موضعين:
أحدهما: على ما أشار إليه من الحديث.
والثاني: على ما أشار إليه من التعليل.
أما الأول: فلم يرد هذا النهي العام في الصحيح، وإنما ورد في بعض السنن، كما في حديث حكيم بن حزام "قال: قلت/ يا رسول الله إني
стр. 1584
أشتري بيوعاً فما يحل لي منها، وما يحرم علي؟ قال: فإذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه" رواه أحمد، وعن زيد بن ثابت أنه ﵊ "نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" رواه أبو داود والدارقطني، وعن ابن عباس ﵄ "أنه قال: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله" رواه الجماعة إلا الترمذي، والنهي عن بيع الطعام حتى يقبض ثابت في الصحيحين والسنن من حديث أبي هريرة وجابر وابن عمر وابن عباس ﵃، ومن ثم حصل الخلاف في تعميمه وتعليله.
стр. 1585
وأما الموضع الثاني وهو تعليله بأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك، بعني العقد الثاني، وهذا مبني على أن هلاك المبيع قبل قبضه يوجب انفساخ العقد، فإذا انفسخ العقد بهلاك المبيع قبل قبضه وقد باعه من آخر تبين أنه باع ما لا يملك فتمكن فيه غرر، وقد اعترض على هذا الأصل أصحاب مالك وأحمد وغيرهم.
وقالوا: لا نسلم أن كل مبيع قبل قبضه يكون مضموناً على البائع بل هذا خلاف السنة الثابتة فقد قال ابن عمر ﵁: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً، فضمانه على المشتري" رواه البخاري تعليقاً، وقول الصحابي: "مضت السنة" يقتضي سنة النبي ﷺ .
стр. 1586
قال ابن المنذر: ولا يعلم لابن عمر مخالفاً يعني من الصحابة، وقد أجمعوا على أن المشتري لو أعتق العبد المشترى قبل القبض أن العتق يقع به لتمام ملكه عليه، وكذلك إذا تلفت السلعة فمن ماله لتمام ملكه عليها انتهى.
ولا شك أن المشتري قد ملكه وزيادته له و "الخراج بالضمان" فإذا كان خراجه له كان ضمانه عليه، لكن هذا إذا ملكه البائع من قبضه ولم يقبضه فإذا لم يمكنه من قبض الثمن فيكون العقد لم يتم بعد، فيكون من ضمان البائع فهذا اعتراض على وصف العلة، ثم اعترضوا على تأثير هذا الوصف، فقالوا: هب أنه يهلك من ضمان البائع ويتوالى ضمانان، فأي محذور في هذا يكون موجباً للنهي ولو اشتراه مائة من واحد إلى واحد رجع إلى واحد على الآخر بما أقبضه إياه من الثمن ولو ظهر المبيع مستحقاً لرجعوا بذلك.
وفي الشقص المشفوع لو تبايعه ثم أخذه الشفيع من المشتري الأول رجع كل واحد بما أعطاه، ومن علل بوصف فعليه أن يبين تأثيره إما لكون الشرع جعل مثله مقتضياً للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم على الوصف، وقد ذكر بعضهم علة مناسبة وهي أنه إنما نهى عن ذلك لأن المبيع قبل القبض فيه غرر؛ لأنه قد سلمه البائع، وقد لا يسلمه لاسيما إذا رأى
стр. 1587
المشتري قد ربح فيه فيختار أن يكون الربح له وهذا واقع كثيراً بيع للرجل، فإذا رأى السعر ارتفع سعى في رد البيع إما بجحده، وإما باحتيال في الفسخ بأن يطلب فيه عيباً أو يدعي غبناً أو غرراً، ومن اعتبر أحوال الناس وجد كثيراً منهم يندم على البيع وكثيراً ما يكون الندم لارتفاع السعر، فيسعى في الفسخ إن لم يتمكن من المنع بيده، فإذا كان الأمر كذلك فيكون قد باع ما ليس عنده، ويحصل الضرر للمشتري الثاني بأن يشتري ما يظن أنه يتمكن من قبضه فيحال بينه وبينه، وهذا من بيع الغرر.
وهذا بخلاف ما لو دفعه البائع، فإنه لا يطمع أن يكون الربح له، وكذلك الموروث لا حق فيه لغير الوارث، وعلى هذا فالأقوى أنه يجوز فيه التولية والشركة كما قال مالك وغيره.
وقد استدلوا في ذلك بحديث زهرة بن معبد "أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم فربما أصاب
стр. 1588
الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل" أخرجه /البخاري، ولذلك تجوز الإقالة فيه وبيعه من بائعه؛ لأنه لا محذور فيه، وخرج كلام الرسول ﷺ عاماً لأن غالب البياعات مرابحة، ولهذا الله أعلم قال ﷺ : "حتى يؤويها النجار إلى رحالهم".
وعادة التجار هو البيع مرابحة، وهذا المعنى يعم الطعام وغيره، وأيضاً فإن التاجر إذا اشترى سلعة فإنما اشتراها ليربح فيها، فلابد أن يعمل فيها عمل التاجر -من نقلها من مكان أو حبسها إلى حين يرتفع السعر أو أن يشتري جملة ويبيع مفرقاً ونحو ذلك- فأما إذا اشتراها وباعها في مكانها من غير أن يعمل فيها شيئاً فليس هذا بتاجر، وإن كانت قد صارت في ضمانه بتخليه البائع بينه وبينها فليس كل مضمون يباح ربحه.
وروى ابن عمر: "أنهم كانوا يضربون إذا اشتروا الصبرة جزافاً أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها".
стр. 1589
وقد قال ابن عباس: لا أحسب كل شئ إلا بمنزلة الطعام.
قوله: (إلا القرض فإن تأجيله لا يصح لأنه إعارة وصلة في الابتداء حتى يصبح بلفظة الإعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع كالوصي والصبي، ومعاوضة في الانتهاء، فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما في الإعارة إذ لا جبر في التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لأنه يصير بيع الدرهم بالدرهم نسيئه، وهو ربا).
أما قوله: فإن تأجيله لا يصح. فلا خلاف في صحته، وإنما بالخلاف في لزومه فالتجارة مدخولة، ذكر الأقطع في شرحه: ولو شرطا الأجل في
стр. 1590
ابتداء القرض بطل الشرط وصح القرض فكذا ذلك إذا شرطاه في الثاني، انتهى.
وأما قوله: ومعاوضة في الانتهاء. [ثم] قال: وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لأنه يصير بيع الدرهم بالدرهم نسيئه وهو ربا. فإن أراد بقوله أنه معاوضة في الانتهاء من حيث الصورة فمسلم، وإن أراد به من حيث المعنى والحكم فممنوع، بل لم يعتبر الشرع فيه معنى المعاوضة أصلاً، لأن المفترض لا يأخذ ما يقترضه إلا لينتفع به، ولا يتأتى ذلك إلا في زمان مستقبل ولا يستقرض أحد شيئاً ليرد عوضه في المجلس فكان التأجيل أصلاً فيه لكنه قد يطول زمانه وقد يقصر وليس له مدة معلومة لا يزاد عليها، فإذا قدر الأجل كان ذلك من مقتضيات القرض، ولهذا يكره له المطالبة قبل الأجل عند من لا يرى لزوم التأجيل لما فيه من خلف الوعد، ولو كان التأجيل ينافيه لاستوى اشتراطه وعدمه كما في جميع صور الربا ولما صح، وقد تقدم أن التأجيل يصح بالإجماع، وإنما الخلاف في لزومه، وليس القرض نوعاً من أنواع البيوع، وإنما نوع من أنواع العواري، فإن المقترض قصده المنفعة كالمستعير، لكن المستعير ينتفع بالعين مع بقائها، والمقترض مع ذهاب العين، ولهذا أشكل الجامع بينه وبين بقية أنواع العواري.
стр. 1591
ولا شك أن أنواع العواري منها ما يستفاد منه منفعة محضة كما في الماعون والملبوس والمركوب والعقار ونحو ذلك، وهذا يطلق عليه اسم العارية، وقد يطلق على بعضه اسم آخر، كما قال: أفقره ظهر بعيره، وأطعمه أرضه وألبسه ثوبه، وأسكنه داره، ومنه قولهم: داري لك سكنى.
ومنها ما يستفاد منه المنفعة بما يخرج من العين مع بقاء العين المستعارة كعارية البقرة أو الشاة ليشرب لبنها مدة ثم يعيدها، وعارية النخلة ليأخذ ثمرتها ثم يعيدها، ويسمى الأول: منحة والثاني: عرية.
ومنها ما يستفاد منه المنفعة بنفس العين ويسمى قرضاً، ويجوز في المكيل والموزون بلا خلاف، ويجوز في الحيوان سوى بني آدم عند الشافعي وأحمد للسنة الواردة فيه، والمسألة معروفة، والفارق بينه وبين أنواع المعاوضات: أن كلا من المتعاقدين في عقود المعوضات يقصد بل ما يدفعه /لتحصيل ما يأخذه من العوض من صاحبه، بخلاف القرض فإن
стр. 1592
المقرض لا يقصد أخذ العوض؛ لأنه نظير ما يبذله سواء مع تأخر قبضه، وإنما يقصد نفع المقترض فلم يكن العوض فيه مقصوداً أصلاً، فانتفى أن يعد من باب المعاوضات، بل من باب المنح والعواري، ولهذا قال النبي ﷺ : "منحة الورق" ويقال فيه: أعرني دراهمك، وعين الدراهم غير مقصودة، وإنما المقصودة منفعتها والانتفاع بكل شئ بحسبه، ولم يبق إلا أنه عقد تبرع، والتبرع لا يلزم بالعقد، وعند مالك في أهل المدينة، وهو رواية عن أحمد أن التبرع يلزم بالعقد، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة:
منه: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً﴾.
وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه﴾ الآية.
стр. 1593
والقرض من جملة الدين ولم يخصصه نص آخر، فوجب دخوله في عموم الآية.
وقوله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً". لا خلاف في لزوم الوفاء بالنذر مع كونه من عقود التبرع، ومن يلزم المتطوع بالشروع، كيف لا يلزم المتبرع بالعقد مع أ، هـ أشبه بالنذر منه بالمشروع في النفل. والله أعلم.
* * *
стр. 1594
باب الربا
قوله: (والأصل فيه الحديث المشهور وهو قوله ﵊: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل، يد بيد، والفضل ربا" وعدَّ الأشياء الستة الحنطة، والشعير، والتمر، والملح، والذهب، والفضة، على هذا المثال، ويروى بروايتين بالرفع مثلٌ، والنصب مثلاً، ومعنى الأول بيع التمر ومعنى الثاني بيعوا التمر).
الحديث إنما يروى بالنصب، وأما الرفع فإنه لا يصح من حيث الإعراب، بل يجب نصب مثلاً بمثل يداً بيد على الحال، وإن سدت مسد الخير، ولا يجوز رفعها خبراً؛ لأنها لا تصلح لذلك؛ لأن المعنى لا يصح مع كونها خبراً، فإنه ليس التمر ولا بيعه مثلاً بمثل، ولا يداً بيد، وإنما تارة مثلاً بمثل ويداً بيد، وتارة غير ذلك، فأخبر ﷺ عنه أن بيعه مستقر أو كائن إذا كان مثلاً بمثل يداً
стр. 1595
بيد، أي هو في هذه الحالة مشروع، والأحوال مشروط، وتقدير الكلام بيع التمر بالتمر مستقر حال كونه مثلاً بمثل يداً بيد، فحذف المضاف، وهو بيع، وأقيم المضاف إليه وهو التمر مقامه، وحذف الخبر وهو مستقر وأقيم الحال مقامه وهو مثلاً بمثل، يداً بيد، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه سائغ مشهور، وكذلك حذف الخبر وسد الحال مسده، وهي مسألة ضربي العبد مسيئاً، وهي مما يجب حذف الخبر فيه لقيام غيره مقامه، وفهم المعنى، وذلك في أربعة مواضع هذه منها، وهو أن يكون المبتدأ مصدراً عاملاً في مفسر صاحب الحال واقع بعده.
ولا يقال: إنه وجد في بعض نسخ البخاري "مثل بمثل" لأنه يحتمل أن يكون قد كتب المنصوب بغير ألف، وإلا فالرفع لا وجه له، ولو قدر أن يكون
стр. 1596
مثل بمعنى متماثل فيد بيد خطأ قطعاً، وقوله: ومعنى الأول: بيع التمر، ومعنى الثاني: بيعوا التمر. ظن المصنف ﵀ أن نصب مثلاً لا يتأتى مع تقدير المبتدأ فلهذا قدره لرفع مثل، وظن أن نصبه لا يكون إلا بفعل عامل في المبتدأ مقدر. فأما رفع مثل فقد تقدم رده، وأما تقديره: بيعوا التمر فلا يصح، لأن التمر مرفوع والعامل الذي قدره ناصب، ولا يصح حذف عامل النصب وإبقاء معموله مرفوعاً؛ لأن المقدر في حكم الملفوظ، ولو تلفظ به لنصب.
قوله: (والحكم معلول بإجماع القائسين).
رجح ابن عقيل -من الحنابلة- الاقتصار على الأعيان الستة المذكورة في الحديث مع كونه يقول بالقياس، قال: لأن علل /القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس، والاقتصار على الأعيان الستة
стр. 1597
مأثور عن قتادة وطاوس كما هو قول أهل الظاهر فانخرم قوله: "إجماع القائيسين"، والله أعلم.
قوله: (أو لقوله ﵊: "جيدها ورديئها سواء").
هذا اللفظ غير محفوظ، ولكن معناه في حديث بيع التمر الجمع بالجنيب.
قوله: (والطعم والثمينة من أعظم وجوه المنافع، والسبيل في مثلها الإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فيه فلا
стр. 1598
معتبر بما ذكره).
للمخالف أن يقول إنه لشدة الاحتياج إليها منع الاتجار فيها ببيع بعضها ببعض؛ لأنه متى أتجر فيها ضاق الحال فيها على الناس، أما الدراهم والدنانير فهي أثمان المبيعات وبها يعرف تقويم الأموال فيجب أن تكون محدودة لا ترتفع قيمتها ولا تنقض، وقد حرم فيهما ربا النساء لما فيه من الضرر بالمحاويج، وهو الأصل في تحريم الربا، ولذلك قال ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" رواه البخاري ومسلم والنسائي، والمراد بالحصر حصر الكمال، وأما ربا الفضل فإنما نهى عنه لسد الذريعة كما في مسند أحمد مرفوعاً إلى النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما" والرما هو الربا، ولهذا قال ابن عباس بعدم الربا في غير النسيئة، وهو مروي عن ابن
стр. 1599
مسعود ومعاوية، ولكن اتفق الناس بعد ذلك على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة، وتنازعوا فيما عداها على أقوال بحسب اختلافهم في تعليل النص، فكان نهي الشارع عن الاتجار بالأثمان نقداً غير متساوية لئلا يتذرعوا
стр. 1600
إلى الاتجار بها نسيئة فحرم ربا الفضل؛ لأنه يفضي إلى ربا النسيئة لا ليبيعوها متساوية؛ لأن بيع الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار مضروباً كان ذلك أو مصوغاً أو مسكوراً لا يفعله عاقل لأنه اشتغال بما لا يفيد فلا يحمل كلام الشارع على ذلك، ولهذا اتفقوا على أنه لا يقاس على الدراهم والدنانير غيرهما من الموزونات في البيع نسيئة بل يجوز إسلام كل منهما في سائر الموزونات وذلك لانفرادهما بصفة الثمينة، لا لاختلاف الوزن لما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأما الأصناف الأربعة فالناس محتاجون إلى القوت كالأصناف الأربعة وما يشابهها، ومتى فتح باب بيع بعضها ببعض متفاضلاً إلى أجل، خزنها الناس ومنعوا المحتاج منها، فيفضي إلى أن يعز الطعام على الناس، وتشح النفوس ببيعها حالة لطمعها في الربح إذا بيعت بأزيد منها إلى أجل، بخلاف بيعها بالدراهم، فإن من عنده صنف منها هو محتاج إلى الصنف الآخر فيحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر أو يبيعه بذلك الصنف بلا ربح، وعلى التقديرين يحتاج إلى بيعه حالاً بخلاف ما لو أمكنه التأخير، فإنه يمكنه أن يبيعه بفضل ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل، لأن صاحب ذلك الصنف يربي عليه كما أربى هو على غيره، فيتضرر هذا، ويتضرر هذا، فكذا في التجارة فيها ضرر عام فنهي عن بيع بعضها ببعض نساء، وهو أصل الربا، لكن هنا النسيئة في صنفين معللين بعلة واحدة وهو كبيع الدراهم
стр. 1601
بالدنانير نساء، وهذا ما ثبت تحريمه بالنص والإجماع.
فربا النساء يكون في الصنف الواحد وفي الصنفين الذين مقصودهما واحد كالدرهم والدنانير، وكالأصناف الأربعة التي هي قوت الناس، ولهذا جاز السلم في الموزونات فدل على أن العلة في الدراهم والدنانير الثمينة لا الوزن إذ لو كان الوزن هو العلة لما جاز إسلاف الدراهم والدنانير في الموزونات من النحاس وغيره ولو كان الربا جارياً في النحاس لم يبع موزون بموزون إلى أجل كما لا يباع تمر بحنطة /ودراهم بدنانير إلى أجل.
وقد أجيب عن هذا: بأن الدراهم والدنانير الوزن فيهما بالصنجات وفي غيرهما بالأمناء والأرطال، وهذا لا يقوى؛ لأنه فرق صوري وهو غير مؤثر، وقد توزن الدراهم بالقبان عند الملوك، ويوزن الزعفران بالصنجات عند العطارين، وكذلك بعض الموزونات، ويوزن الذهب
стр. 1602
بالمثاقيل، والفضة بالدراهم، وهذا يدل على ضعف التعليل به.
وأما ربا الفضل في الأصناف الأربعة، فإذا باع حنطة بحنطة خير منها، مداً بمدين كان هذا تجارة فيها ومتى سوغ التجارة فيها نقداً طلبت النفوس التجارة فيها نساء كما تقدم في النقدين، وإلا فمعلوم أن مع استواء الصفات لا يبيع أحد مد حنطة أو تمر بمد يداً بيد، هذا لا يفعله أحد، وإنما يفعل هذا عند اختلاف الصفات، ولما خفيت علة تحريم ربا الفضل أباحه مثل ابن عباس حبر الأمة، فإن الحنطة الجيدة والتمر الجيد، كيف يقال لصاحبه: الغ صفات مالك الجيدة؟ لكن لما كان المقصود أنك لا تتجر فيها بجنسها بل إن بعتها بجنسها فليكن بلا ربح، ولا إلى أجل ظهرت الحكمة، فإن التجارة في بيعها بجنسها يفسد مقصود الأقوات على الناس.
قوله: (ويجوز بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين؛ لأن المساواة بالمعيار، ولم توجد فلا يتحقق الفضل، ولهذا كان مضموناً بالقيمة عند الإتلاف).
نفي تحقق الفضل في غاية الإشكال، ولو قال: فلا يعتبر الفضل أو نحو
стр. 1603
ذلك لكان أهون من قوله، فلا يتحقق الفضل لأن تحققه أمر حسي لا ينكر، وفي تضمينه بالقيمة نظر؛ لأن المثل أقرب إلى العدل من القيمة، وسيأتي الكلام في اعتبار المثل في القيمي في الغصب إن شاء الله تعالى.
قوله: (ومعنى قوله ﵊: "يداً بيد" عيناً بعين، كذا رواه عبادة بن الصامت).
هذا ما قاله المصنف في الرد على الشافعي ﵀ في استدلاله على اشتراط التقابض في بيع الطعام بالطعام بقوله ﷺ في الحديث المعروف: "يداً بيد"، ولا يصح رد المصنف عليه ذلك بما قاله من حديث عبادة بن الصامت، فإن حديث عبادة بن الصامت: "سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواء عيناً بعين، فمن زاد وازداد فقد أربى" رواه مسلم.
وروى عنه مسلم أيضاً أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب،
стр. 1604
والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" فذكر الأعيان الستة في الحديثين، فإن كان معنى قوله: "يداً بيد" غير معنى قوله "عيناً بعين" فإن معنى قوله "يداً بيد" اشتراط التقابض، لأن ذكر اليد يشعر بذلك لأنها هي آلة القبض، ومعنى قوله "عيناً بعين" إفرازه والإشارة إليه لأنه حينئذٍ يشاهد بالعين فلهذا ذكرت فيه العين، فهذا غير ذاك، وكل منهما قد ذكر في الأعيان الستة فتقسيمهما عليها تحكم.
قوله: (ويجوز بيع البيضة بالبيضتين والتمرة بالتمرتين، والجوزة بالجوزتين -ثم قال- ويجوز بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما).
تقدم التنبيه على ما فيه من الإشكال عند ذكر بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين.
стр. 1605
قوله: (لأنه كالئ بالكالئ وقد نهي عنه).
ضعف أهل الحديث حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، وإن كان العمل عليه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، والحاكم معروف تساهله.
قوله: (وله أن الرطب تمر لقوله ﵊ -حين/ أهدي رطباً-: "أو كل تمر خبير هكذا؟ " سماه تمراً، وبيع التمر بمثله جائز لما
стр. 1606
روينا، ولأنه لو كان تمراً جاز البيع بأول الحديث، وإن كان غير تمر فبآخره وهو قوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ومدار ما روياه على زيد بن عياش، وهو ضعيف عند النقلة).
جمهور العلماء على خلاف قول أبي حنيفة في هذه المسألة المذكورة، والحديث الذي استدلوا به أخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عند سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك"،
стр. 1607
وأخرجه أبو حاتم، ولفظه: "أن سعداً سئل عن بيع البيضاء بالسلت فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: "أليس ينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن" فنهى ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، ونبه على العلة فلا يصح معارضته بعد ذلك بأن الرطب تمر، فإنه وإن كان تمراً لكنه بنقص إذا جف، فانتفى التساوي الذي هو شرط صحة البيع، لنقصه بالجفاف، ولم لم يرد النص بذلك لكان هذا هو مقتضى القياس الصحيح، فإن المساواة في الحال دون المال غير صحيحة، فإن الرطوبة القائمة في الحال تزول بالجفاف فيمتنع التساوي بذلك بين الرطب واليابس، وإن كان التساوي موجوداً صورة فهو معدوم معنى، فقد ورد النص على مقتضى القياس الصحيح، وهكذا سائر الأحكام تجد القياس الصحيح موافقاً فيها النقل الثابت الصريح.
وأما قوله: ﵇ حين أهدى رطباً -أو كل تمر خيبر هكذا؟. فهذا حديث منكر باطل، وفيه إشكال من حيث اللفظ، وحقه أن يقول: حين
стр. 1608
أهدي إليه رطب، وكأنه اشتبه عليه ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ "أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك" متفق عليه.
وأما قوله: ولأنه لو كان تمراً جاز البيع بأول الحديث، وإن كان غير تمر فآخره، وهو قوله ﵊: "إذا اختلف النوعان، فبيعوا كيف شئتم".
فجوابه: أنه وإن كان تمراً لكنه ينقص إذا جف فيفوت التساوي كما تقدم من تنبيه الشارع ﷺ على ذلك، وأيضاً روى أبو داود عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع التمر بالتمر كيلا، وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً، وعن بيع الزرع بالحنطة كيلاً" وهذا من المزابنة المنهي عنها في الحديث المتفق على صحته، فإنها جاءت مفسرة بأنها بيع الرطب بالتمر
стр. 1609
كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وذكره أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر كذلك، وكذلك ذكره في المغني، واستدل أيضاً بقوله ﷺ "لا تبيعوا الثمر بالتمر" وفي لفظ: "نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً" متفق عليهما، وقوله: ومدار ما روياه على زيد بن عياش، وهو ضعيف عند النقلة.
قال الخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر، وقال: زيد أبو عياش راويه ضعيف، وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش مولى بني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن متروك الحديث. انتهى.
وقال ابن الجوزي: فإن قيل: زيد أبو عياش مجهول، قلنا: قد عرفه أهل النقل وذكر ورايته الترمذي وصححها، والحاكم وصححها، وذكره مسلم في الكنى، وذكره ابن خزيمة في رواية العدل عن العدل. وقال
стр. 1610
الدارقطني: هو ثقة، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: زيد بن عياش هو /أبو عياش المخزومي، ويقال: الزرقي المديني عزيز الحديث، سمع سعد ابن أبي وقاص، وروى عنه عبد الله بن زيد، وعمران بن أنس، انتهى، فانتفى قول المصنف: وهو ضعيف عند النقلة.
فإن قيل: قد أعل الطحاوي حديث زيد بن أبي عياش المذكور بأنه روي من طريق يحيي بن أبي كثير أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". قيل: فقد خالفه مالك وإسماعيل بن أمية، والضحاك بن عثمان، وأسامة بن زيد، ولم يقولوا فيه نسيئة وإجماع هؤلاء الأربعة
стр. 1611
على خلاف ما رواه يحيي بن أبي كثير يدل على ضبطهم الحديث وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس، ثم إنا نقول به، فلا يجوز نقداً ولا نسيئة، وأين قولهم: لا يحمل المطلق على المقيد؟!.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب").
وفي المبسوط عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ربا" الحديث، قال في المغني: إن هذا خبر مجهول لم يرد صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل، ويحتمل أن المراد بقوله: "لا رب" النهي عن الربا كقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ وما ذكره من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام فإن ماله مباح إلا ما حظره الأمان.
* * *
стр. 1612
باب السلم
قوله: (فقد قال ابن عباس ﵄: "أشهد أن الله أحل السلف المضمون، وأنزل فيه أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ الآية").
أخرجه البيهقي، ولكن لم يذكر فيه "وأنزل فيه أطول آية في كتابه"، وإنما قرأ الآية الكريمة فقط، فكأنه ﵁ يشير إلى دخول حكم السلم في عموم الآية الكريمة وأن الآية تشمل السلم والبيع بثمن مؤجل والقرض أيضاً وتأجيل ذلك بعد حلوله.
قوله: (والسنة وهو ما روي أنه ﵊ "نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم").
стр. 1613
ظاهره أن هذا اللفظ مروي عند أحد من الصحابة، ولم يرد هذا اللفظ هكذا مجموعاً عن أحد منهم في كتب الحديث، وإنما هذا من كلام أحد من الفقهاء، والأمر في السلم كما أخب عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" رواه الجماعة، وقوله: ورخص في السلم. يوهم أنه محظور الأصل، وليس الأمر كذلك، وسيأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (والقياس وإن كان يأباه ولكنا تركناه بما روينا، ووجه القياس أنه بيع المعدوم إذ المبيع هو المسلم فيه).
لا نسلم أن القياس الصحيح يأباه بل هو على وفق القياس الصحيح، فإنه كالابتياع بثمن مؤجل، وأي فرق بين كون أحدة العوضين مؤجلاً في الذمة وبين الآخر فهذا محض القياس، ومصلحة الناس، وهذا المعنى هو الذي
стр. 1614
فهمه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ وتلا الآية الكريمة كما تقدم، فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال تحقيقاً لاسمه لأنه سمي سلماً من إسلام رأس المال فيه، وسلفاً من إسلافه وهو تقديمه، ولو تأخر الثمن فيه دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه ولم يدخل تحت قوله ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" لما قال له: "يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع وليس عندي ما يطلب أفأبيع منه ثم أبتاعه من السوق؟ قال: لا تبع ما ليس عندك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولكنه يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يبيع عيناً معينة وهي ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري.
والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسلمه وإن كان في الذمة فليس عنده /حساً ولا معنى فيكون قد باعه شيئاً لا يدري هل يحصل له أم لا؟ وهذا يتناول أموراً:
أحدها: بيع عين معينة ليست عنده.
стр. 1615
الثاني: السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.
الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته، وأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو وإن لم يكنه عنده حساً، فهو عنده معنى، باعتبار القدرة على تحصيله، ولهذا كثيراً ما يقال: وهذا عندي وفي ذمتي للدين أصالة أو كفالة، وهو معنى شائع بين الناس جاء على ألسنتهم مشهور بينهم.
فالحاصل أن قياس السلم على الابتياع بثمن مؤجل أصح من قياسه على بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه عادة، فإن اعتبار المعنى الجامع بين السلم وبيع المعدوم عارضه المعنى الفارق، وهو أن المعدوم الذي لا يقدر على تحصيله عادة خطره متحقق، والمعدوم الذي يقدر على تحصيله عادة خطره محتمل، والسلم منه فلا يقاس ما يقدر على تحصيله عادة على ما لا يقدر على تحصيله عادة لظهور المعنى الفارق بينهما وقوته.
ولا يقوى المعنى الفارق بين المبيع المؤجل وبين الثمين المؤجل بأن المبيع هو المقصود دون الثمن في مقابلة قوة المعنى الجامع بينهما، وهو أن كلاً منهما يثبت مثله في الذمة وتزول الجهالة المفضية إلى المنازعة فيه بالوصف، فإذا ظهرت قوة الجامع بين الثمن المؤجل والمبيع الذي يقدر على تحصيله عادة ويثبت مثله في الذمة، وضعف الفارق بينهما ظهرت قوة قياسه عليه، وإذا ظهرت قوة الفارق بين المعدوم الذي لا يقدر على تحصيله عادة وبين الذي يقدر على تحصيله عادة ويثبت مثله في الذمة وضعف الجامع بينهما ظهر ضعف قياسه عليه.
следующие страницы →