← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

على خلاف ما رواه يحيي بن أبي كثير يدل على ضبطهم الحديث وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس، ثم إنا نقول به، فلا يجوز نقداً ولا نسيئة، وأين قولهم: لا يحمل المطلق على المقيد؟!. قوله: (ولنا قوله ﵊: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب"). وفي المبسوط عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ربا" الحديث، قال في المغني: إن هذا خبر مجهول لم يرد صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل، ويحتمل أن المراد بقوله: "لا رب" النهي عن الربا كقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ وما ذكره من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام فإن ماله مباح إلا ما حظره الأمان. * * *

стр. 1612

باب السلم قوله: (فقد قال ابن عباس ﵄: "أشهد أن الله أحل السلف المضمون، وأنزل فيه أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ الآية"). أخرجه البيهقي، ولكن لم يذكر فيه "وأنزل فيه أطول آية في كتابه"، وإنما قرأ الآية الكريمة فقط، فكأنه ﵁ يشير إلى دخول حكم السلم في عموم الآية الكريمة وأن الآية تشمل السلم والبيع بثمن مؤجل والقرض أيضاً وتأجيل ذلك بعد حلوله. قوله: (والسنة وهو ما روي أنه ﵊ "نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم").

стр. 1613

ظاهره أن هذا اللفظ مروي عند أحد من الصحابة، ولم يرد هذا اللفظ هكذا مجموعاً عن أحد منهم في كتب الحديث، وإنما هذا من كلام أحد من الفقهاء، والأمر في السلم كما أخب عبد الله بن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" رواه الجماعة، وقوله: ورخص في السلم. يوهم أنه محظور الأصل، وليس الأمر كذلك، وسيأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: (والقياس وإن كان يأباه ولكنا تركناه بما روينا، ووجه القياس أنه بيع المعدوم إذ المبيع هو المسلم فيه). لا نسلم أن القياس الصحيح يأباه بل هو على وفق القياس الصحيح، فإنه كالابتياع بثمن مؤجل، وأي فرق بين كون أحدة العوضين مؤجلاً في الذمة وبين الآخر فهذا محض القياس، ومصلحة الناس، وهذا المعنى هو الذي

стр. 1614

فهمه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ وتلا الآية الكريمة كما تقدم، فثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال تحقيقاً لاسمه لأنه سمي سلماً من إسلام رأس المال فيه، وسلفاً من إسلافه وهو تقديمه، ولو تأخر الثمن فيه دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه ولم يدخل تحت قوله ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" لما قال له: "يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع وليس عندي ما يطلب أفأبيع منه ثم أبتاعه من السوق؟ قال: لا تبع ما ليس عندك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولكنه يحتمل معنيين: أحدهما: أن يبيع عيناً معينة وهي ليست عنده بل ملك للغير فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسلمه وإن كان في الذمة فليس عنده /حساً ولا معنى فيكون قد باعه شيئاً لا يدري هل يحصل له أم لا؟ وهذا يتناول أموراً: أحدها: بيع عين معينة ليست عنده.

стр. 1615

الثاني: السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه. الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته، وأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو وإن لم يكنه عنده حساً، فهو عنده معنى، باعتبار القدرة على تحصيله، ولهذا كثيراً ما يقال: وهذا عندي وفي ذمتي للدين أصالة أو كفالة، وهو معنى شائع بين الناس جاء على ألسنتهم مشهور بينهم. فالحاصل أن قياس السلم على الابتياع بثمن مؤجل أصح من قياسه على بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه عادة، فإن اعتبار المعنى الجامع بين السلم وبيع المعدوم عارضه المعنى الفارق، وهو أن المعدوم الذي لا يقدر على تحصيله عادة خطره متحقق، والمعدوم الذي يقدر على تحصيله عادة خطره محتمل، والسلم منه فلا يقاس ما يقدر على تحصيله عادة على ما لا يقدر على تحصيله عادة لظهور المعنى الفارق بينهما وقوته. ولا يقوى المعنى الفارق بين المبيع المؤجل وبين الثمين المؤجل بأن المبيع هو المقصود دون الثمن في مقابلة قوة المعنى الجامع بينهما، وهو أن كلاً منهما يثبت مثله في الذمة وتزول الجهالة المفضية إلى المنازعة فيه بالوصف، فإذا ظهرت قوة الجامع بين الثمن المؤجل والمبيع الذي يقدر على تحصيله عادة ويثبت مثله في الذمة، وضعف الفارق بينهما ظهرت قوة قياسه عليه، وإذا ظهرت قوة الفارق بين المعدوم الذي لا يقدر على تحصيله عادة وبين الذي يقدر على تحصيله عادة ويثبت مثله في الذمة وضعف الجامع بينهما ظهر ضعف قياسه عليه.

стр. 1616

قوله: (وقد صح أن النبي ﷺ "نهى عن السلم في الحيوان"). هذا الحديث لم يصح ولم يخرجه أحد من أهل الكتب الستة وإنما رواه الدارقطني بمعناه والبيهقي، وقال: والصحيح عن معمر عن يحيي عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً، كذلك رواه غير واحد عن معمر. قوله: (ولنا قوله ﵊: "لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها"). هذا اللفظ غير محفوظ وإنما ورد عن ابن عمر ﵄ "أن رجلاً أسلف رجلاً في نخل فلم يخرج في تلك السنة شيئاً فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: بم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله، ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحها" رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، ولا دليل فيه على

стр. 1617

مراد المصنف فإنه استدل به على عدم جواز السلم في المنقطع واشتراط وجود المسلم فيه في جميع مدة السلم، والحديث إنما ورد في السلف في ثمرة نخل معين، وهذا لا يجوز سلماً. ألا ترى إلى قوله: أسلف رجلاً في نخل فلم يخرج تلك السنة شيئاً، ونبه النبي ﷺ على العلة بقوله: "بم تستحل ماله؟ "، كما قال في حديث آخر: "إذا منع ﷺ الثمرة فبم تستحل مال أخيك" وهذا من باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها. وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة، وقد جاء الإذن في السلم من غير اشتراط وجود المسلم فيه في جميع المدة بل مع انقطاعه في المدة في حديث ابن عباس ﵄ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهو يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" رواه الجماعة، فإقراره إياهم على السلم في

стр. 1618

الثمار السنة والسنتين دليل على السلم في المنقطع، ولو كان وجود المسلم فيه في جميع المدة شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف هذه المدة لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وحلول الدين بالموت فيه نزاع، وعلى تقدير التسليم فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود كيلا يفضي إلى جهالة الأجل في السلم وهي مانعة من صحته فيجب أن لا يحل حتى يأتي الأجل الذي شرطاه. قوله: (ولنا قوله ﵊: "إلى أجل معلوم"). قد أجاب /الشافعية عن هذا الحديث أنه إن كان المسلم فيه مكيلاً فليكن كيله معلوماً، وإن كان موزوناً فليكن وزنه معلوماً، وإن كان مؤجلاً فليكن أجله معلوماً، ولا يلزم من هذا اشتراط كون المسلم فيه مؤجلاً× لأنه إّا جاز مؤجلاً مع الغرر، فجواز الحال أولى لأنه أبعد عن الغرر، وكما أن ذكر الكيل

стр. 1619

والوزن لا يمنع جواز المذروع والمعدود والمتقارب فكذلك ذكر الأجل، والقول الثالث أظهر، وهو أن السلم الحال إن كان المسلم فيه عنده جاز، وإن لم يكن عنده لم يجز لقوله ﵊::ولا تبع ما ليس عندك" والحديث إنما أريد به أن يبيع في الذمة ما ليس مملوكاً له، ولا يقدر على تسليمه ويربح فيه قبل أن يملكه ويضمنه ويقدر على تسليمه؛ لأن السائل إنما سأله عن بيع شئ مطلق في الذمة، ولكن إذا لم يجز بيع ذلك فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع، والمسألة مبسوطة في موضعها. قوله: (ولأن القدرة على التسليم بالتحصيل فلابد من استمرار الوجود في مدة الأجل ليتمكن من التحصيل). هذا تعليل فاسد فإن من اسلم في حنطة مثلاً إلى سنة يقدر على تحصيلها عند الحلول بالزرع في المدة وعملها إلى حلول الأجل، هذا الذي جرت به العادة في السلم، ولهذا سمي بيع المفاليس، فإنه لا يفعل في الغالب

стр. 1620

إلا من له أرض أو شجر يستغلها من السنة إلى السنة فإذا احتاج في أثناء السنة استسلف على ما تخرج من ذلك وتحصيله بحصوله في وقت الحلول على ما أجرى الله به العادة في خلقه لا يجمعه في مدة أجل السلم مما هو موجود عند الناس مما أسلم إليه فيه. قوله: (ولأن القبض يعاين فيعرف مثل المقبوض به في وقته، أما الوصف فلا يكتفي به). في هذا الفرق نظر، وقول أبي يوسف ومحمد في جواز السلم في اللحم أقوى والإلزام بصحة اقتراضه وزناً في غاية القوة فإن الفرق الذي فرق به بينهما وهو ما ذكره المصنف لا يقوى لأن معرفته بالمعاينة لمثله، نظير معرفته بوصفه، سواء بسواء، فإن المعرفة إنما تكون فوق الإخبار في حق المعاين في حق مثله. قوله: (لإطلاق الحديث "ورخص في السلم").

стр. 1621

تقدم التنبيه على أن قوله: ورخص في السلم من كلام الفقهاء، ولم يثبت أنه من كلام أحد من الصحابة ﵃. قوله: (وفي القياس لا يجوز لأنه بيع المعدوم). يعني الاستصناع ، وقد تقدم في أول الباب التنبيه على أن القياس الصحيح لا يأبى السلم، والاستصناع نحوه؛ لأنه معدوم يقدر على تحصيله عادة، فلا يصح قياسه على معدوم لا يقدر على تحصيله لوجود الفارق بينهما، وصار كالسلم والإجارة والثمن المؤجل، وإن كان يدعي في ذلك كله غير الثمن المؤجل أنه على خلاف القياس، فليس هو على خلاف القياس الصحيح، وسيأتي لذلك زيادة بيان في الإجارات إن شاء الله تعالى. قوله: (لقوله ﵊: "لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك"). أخرجه الدارقطني بمعناه، وهو حديث ضعيف، وقد ثبت أن ابن عباس

стр. 1622

رضي الله عنهما قال: "إذا استسلفت في شئ إلى أجل فحل الأجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضاً بأنقص منه، ولا تربح مرتين". ذكره ابن المنذر، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، قالوا: ولم يعرف لابن عباس مخالف في ذلك. مسائل منثورة: قوله: (ولنا أنه ﵊ "نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد أو ماشية").

стр. 1623

لا يعرف استثناء كلب الماشية في كتب الحديث، وأما استثناء كلب الصيد ففي حديث جابر، رواه النسائي والترمذي ولفظه: "أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد"، قال الإمام أحمد: هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر، وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث، انتهى. وقد روى أيضاً معناه من حديث أبي هريرة، وروى النهي عن ثمن الكلب العقور ووصفه بالعقور يدل على صحة استثناء كلب الصيد، قال

стр. 1624

الترمذي- في حديث أبي هريرة-: هذا لا يصح، وأبو المهزوم ضعيف، يريد رواية عنه، قال البيهقي: روى عن النبي ﷺ النهي عن ثمن الكلب جماعة منهم ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو هريرة/ ورافع بن خديج وأبو جحيفة، اللفظ مختلف والمعنى واحد، والحديث الذي روي في استثنائه

стр. 1625

كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه فشبه عليه، والله أعلم. وكذلك بقية الأحاديث التي فيها وصف الكلب بكونه عقوراً ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولا تقاوم ما ورد من السنة في النعي عن بيعه وتحريم ثمنه وكلها مطلقة، وحملها على الابتداء لا يقوي؛ لأنه مجرد دعوى من غير دليل، وعلى تقدير تسليم صحة أحاديث الاستثناء فذلك حجة لأبي يوسف على استثنائه، أما أن يستدل بها لجواز بيع الكلب مطلقاً فلا، بل الأحاديث حجة على من أطلق الجواز لا له، وقد أجاب السغناقي في شرحه عن هذا الاستدراك بأن مراد المصنف من إيراد الحديث إبطال مذهب الخصم، لا إثبات المدعى، وإثبات المدعى [ثابت] بحديث ذكره في

стр. 1626

الأسرار برواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "قضى رسول الله ﷺ في كلب بأربعين درهماً" فذكره مطلقاً من غير تخصيص في أنواع الكلاب [بالتضمين]، وفي تضمين المتلف دليل على تقوم المتلف، أو تقول: المدعى جواز الكلب المعلم وغير المعلم سوى العقور يثبت بهذا الحديث وذلك لأن جواز بيع الكلب المعلم استفيد بقوله: "إلا كلب الصيد"، وجواز بيع الكلب غير المعلم بقوله: "أو ماشية" لأن كل كلب يصلح لحراسة الماشية إذ من عادة الكلاب نباحها عند حس الذئب أو السارق فبقي العقور تحت المستثنى منه، انتهى كلام السغناقي. وجوابه: أن الحديث الذي ذكره صاحب الأسرار إنما هو من فعل ابن عمر غير مرفوع، ولا يصح ذلك عن رسول الله ﷺ ، واستدلاله بقوله: "أو ماشية" على جواز بيع ما عدا كلب الصيد من الكلاب سوى العقور استدلال فاسد لوجهين: أحدهما: أن هذه الكلمة غير ثابتة وإنما ذكرها الأصحاب في كتب

стр. 1627

الفقه بغير إسناد. الثاني: أنه يبقى الحديث حجة لأبي يوسف على استثناء العقور، ويخلو -قول أبي حنيفة ومحمد بتعميم العقور وغيره بالجواز- عن الدليل، وغرضه الاستدلال للمذهب على جواز بيع الكلب مطلقاً، ولم يأت بدليل على ذلك. قوله: (وأهل الذمة في البياعات كالمسلمين لقوله ﵊ في ذلك الحديث: "فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين"). هذا الحديث منكر، وليس هذا العموم مسلماً، فكم من حكم قد خالفوا فيه المسلمين، وكأن المصنف اشتبه عليه هذا الحديث مما ذكره ابن حبان من حديث لأنس ﵁ "فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله ﷺ وأن محمداً رسول الله ﷺ واستقبلوا قبلتنا وصلوا صلاتنا، وأكلوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم"، والمراد من هذا الحديث أنهم إذا أسلموا دخلوا في حكم المسلمين لا كما ادعى المصنف أن أهل الذمة إذا بذلوا الجزية يكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وإنما ورد في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ... إلى أن قال: فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم

стр. 1628

وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن با- ﷺ -عليهم وقاتلهم ... " الحديث، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه، ولم يترتب في هذا الحديث على أداء الجزية سوى القبول منهم والكف عنهم لا غير. قوله: (دل عليه قول عمر ﵁: "ولو هم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها"). يعني الخمور والخنازير، وهذا الأثر لا يصح عن عمر ﵁، بل قد ورد عنه خلافه كما تقدم في الباب العاشر، وإنما ورد عن عمر ﵁ الأمر بذلك في الجزية، روى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: "دخلت على عمر وهو يقلب يده، فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: عويمل لنا بالعراق خلط في فئ المسلمين أثمان الخمر والخنازير، ألم يعلم أن رسول الله قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم أن

стр. 1629

يأكلوها فجملوها فباعوها، وأكلوا أثمانها"، قال سفيان: يقول: لا تأخذوا في جزيتهم الخمر والخنازير، ولكن خلوا بينهم وبين بيعها، فإذا باعوها فخذوا أثمانها في جزيتهم. وكذلك نقل أبو عبيد عن عمر ﵁: أنه بلغه أن بعض عماله كانوا يأخذون -في الجزية والخراج- الخمر والخنازير ثم يبيعونها منهم فنهاهم عن /ذلك، وأمرهم أن يولوهم ببيعها ويأخذوا من أثمانها جزيتهم وخراجهم. * * *

стр. 1630

كتاب الصرف قوله: (لقول عمر ﵁: "وإن وثب من سطح فثب معه"). لا يعرف صحة هذا عن عمر ﵁، وإنما هو مذكور في كتب الفقه. قوله: (ولو استحق بعض الإناء فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بحصته، وإن شاء رد لأن الشركة عيب في الإناء). ينبغي أن لا يكون له الخيار؛ لأن إناء الذهب أو الفضة لا يجوز استعماله

стр. 1631

ويجب كسره وإفساده، فإذا كان تعييه من حيث الصورة متعين فتعييبه من حث المعنى لا يضر فلا فرق بينه وبين قطعة نقرة، ولو اشترى قطعة نقرة ثم استحق بعضها أخذ الباقي بحصته ولا خيار له فكذلك الإناء، ولو صور المسألة في مصوغ مباح الاستعمال كحلي النساء وخاتم الفضة للرجال لكان أولى. قوله: (بخلاف المرابحة لأنه يصير تولية في القلب بصرف الربح كله إلا الثوب، والطريق في المسألة الثانية غير متعين؛ لأنه [يمكن] صرف الزيادة على الألف إلى المشتري، وفي الثالثة أضيف البيع إلى المنكر وهو ليس بمحل للبيع، والمعين ضده، وفي الأخيرة انعقد

стр. 1632

العقد صحيحاً، والفساد في حالة البقاء وكلامنا في الابتداء). هذه المسائل الأربع ألزم بها الشافعي في المسألة المعروفة بـ: مد عجوة. وأجاب عنها المصنف بما ذكره وفي كل من الأجوبة نظر، أما المسألة الأولى: وصورتها: اشترى قلب فضة بعشرة دراهم وثوباً بعشرة دراهم ثم باعهما مرابحة لا يجوز وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب وحده، وأجاب المصنف عن ذلك بأن البيع وقع مرابحة، وإذا صرف الربح إلى الثوب وحده يبقى البيع في القلب تولية وذلك خلاف ما عقداه. يمكن أن يقول المخالف: إن البيع لا يخرج بذلك عن أن يكون مرابحة؛ لأن المرابحة إذا كانت في احدهما صدق على البيع أنه مرابحة، ولو أضيفت المرابحة إليهما لصدق عليه أنه مرابحة فيهما.

стр. 1633

وإن كانت المرابحة في أحدهما، كما تقدم له في مسألة بيع الجارية المحلاة والسيف المحلي إذا نقد بعض الثمن عنهما وهو بقدر الحلية حتى أنه لو قال: خذ هذا من ثمنهما جعل ثمناً للحلية وصح العقد، وقال المصنف هناك: لأن الاثنين قد يراد بذكرهما الواحد، قال الله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ والمراد أحدهما، فيحمل على أحدهما لظاهر حاله، فهنا بطريق الأولى، فإن البيع إذا كان فيه مرابحة صدق عليه أنه بيع مرابحة وإن كانت المرابحة في أحد المبيعين لوجود المرابحة فيه. وأما المسألة الثانية: وصورتها: اشترى عبداً بألف ثم باعه قبل نقد الثمن من البائع من عبد آخر بألف وخمسمائة، لا يجوز في المشتري بألف وإن أمكن تصحيحه بصرف الألف إليه، وأجاب المصنف عن ذلك بأن طريق التصحيح غير متعين لأنه يمكن صرف الزيادة على الألف إلى المشتري

стр. 1634

ويمكن أن يقول المخالف: قد تعددت أيضاً طرق التصحيح في مسألة الخلاف فإنه يصح إذا قوبل ديناران بدرهمين، ودينار بدرهم على ما قلتم، ويصح أيضاً إذا قوبل درهم بدرهم، ودينار بدرهم، ودينار بدينار، وقد أجيب عن هذا: بأن التقدير الأول متعين لقلة وقوع التغيير فيه بخلاف مسألة العبدين فإنه يمكن أن يقال المشتري بألف، بألف ودرهم أو درهمين أو وثلاثة إلى أن يبقى من الثمن أقل ما يمكن تقديره، ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن هذه التقديرات ليس بعضها أولى من بعض فسقطت وكان تقدير نظير الثمن الأول أولى، وهذا الترجيح نظير ذلك الترجيح الذي قلتم في مسألة الخلاف. وأما المسألة الثالثة، وصورتها: إذا جمع بين عبده وعبد غيره وقال: بعتك أحدهما، لا يجوز وإن أمكن تصحيحه بصرف إلى عبده، وأجاب المصنف عن ذلك بأنه أضيف البيع إلى المنكر، وهو ليس بمحل للبيع والمعين ضده، ويمكن أن يقول المخالف: قد اعتبرتم صرف المنكر إلى محله فيما عللتم به لأبي حنيفة فيمن قال: عبدي أو حماري حر أنه يعتق العبد

стр. 1635

لأن: أو، لأحد الشيئين أو الأشياء فلا فرق بين أن يفصل أو يقول: أحدهما حر لتساويهما في المعنى، ولو قال كذلك وجب صرفه إلى العبد لقبول المحل، ولذلك لو جمع بين حي وميت أو جماد فقال: أعتقت أحد هذين عتق العبد بخلاف: عبدي حر أو لا/ فإن قيل: عبد الغير يصح بيعه، ويتوقف على الإجازة، فكان كل من العبدين محلاً للبيع بهذا الاعتبار، قيل: الأصل أن الإنسان يتصرف لنفسه وأنتم قلتم مثل ذلك فيمن التقط شيئاً، ولم يُشهد أنه يأخذه ليرده إذا هلك ثم ادعى المالك أن الملتقط أخذه لنفسه أنه يضمن عند أبي حنيفة ومحمد لأن الظاهر أن يكون المتصرف عاملاً لنفسه، ولم تجعلوا هناك ظاهر حال المسلم أن يكون أخذه أخذ أمانة لا أخذ ضمان مخالفاً لهذا الظاهر فكيف تخالفون ذلك هنا. وأما المسألة الرابعة، وصورتها: إذا باع درهماً وثوباً بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض فسد العقد في الدرهمين، ولا يصرف الدرهم إلى الثوب. وأجاب المصنف عن ذلك بأن العقد انعقد صحيحاً والفساد في حالة البقاء وكلامنا في الابتداء، ويمكن أن يقول المخالف: إن تحيلتم لتصحيح أصل العقد بصرف كل جنس إلى خلافه، فهلا تحيلتم بهذه الحيلة على بقائه على الصحة والبقاء أسهل من الابتداء، فإنه هذه الحيلة إذا كانت تقوى على

стр. 1636

تصحيح أصل العقد فلأن تقوى على بقائه على الصحة أولى وأحرى، وقد استدل للشافعي في أصل مسألة مد عجوة بحديث فضالة بن عبيد قال: "اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل" رواه مسلم، ولا شك في المنع في الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور أعني فيما إذا كان فيها من الذهب أكثر من الذهب الذي هو الثمن أو من الفضة أكثر من الفضة التي هي الثمن، أما إذا كان الثمن أكثر فالفاضل في مقابلة الخرز ونحوه، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀. قوله: (لأنها لا تنطبع إلا مع الغش).

стр. 1637

يعني النقود -ممنوع، بل تنطبع خالصة أحسن منها مغشوشة بلا ريب، وبعض أنواع الدراهم فضة خالصة، وكذلك أكثر الدنانير. قوله: (وقول محمد أنظر، وقول أبي يوسف أيسر). يعني فيمن اقترض فلوساً ثم كسدت، فإن أبا حنيفة ﵀ يقول: يرد مثلها، وأبا يوسف يقول: يرد قيمتها يوم القبض، ومحمداً يقول: يرد قيمتها يوم الكساد، وفي قول المصنف أن قول محمد أنظر نظر، بل قول أبي يوسف أنظر وأيسر، أما كونه أيسر فظاهر لأن حال رواجها لا يخفي معرفة قدر قيمتها على أحد، بل كل أحد يعرف العدد الذي تروج به خلاف يوم كسادها الذي هو آخر يوم التعامل بها، فإنها ذلك اليوم تباع بأسعار مختلفة قد يعسر ضبطها. وأما كونه أنظر وذلك من حيث النظر في الدليل، ومن حيث النظر للمقرض والمقترض -فلأن المراد من القرض الانتفاع بما يقترض بما ينتفع فيه عادة، والانتفاع بالفلوس الرائجة إنما هو بماليتها لأنه أعلى أنواع الانتفاع بها، وإذا كان الدرهم يوم القبض تعد به من تلك الفلوس ثمانية وأربعون فلساً مثلاً حتى أخذ منه أربعمائة وثمانين فلساً، فقد انتفع بها كما ينتفع بعشرة دراهم فإذا صارت قيمة ذلك المقدار يوم الكساد ستة دراهم كان في الإلزام بعشرة دراهم أعدل وأقرب إلى الدليل المعقول وأنظر للمقرض لوصوله إلى جميع

стр. 1638

حقه، وأنظر للمقترض لتخليصه مما عساه يبقى في ذمته بل لو تركه لبقي في ذمته ولطالبه صاحبه يوم القيامة والله أعلم، وبهذا يظهر رجحان قول أبي يوسف فيما إذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت، وفيما إذا باع بدراهم مغشوشة نافقة ثم كسدت فإن المراد من هذه المواضع كلها المالية، وكذلك ترجح قوله فيما إذا اشترى بدرهم فلوس أو درهمين أنه يجوز وعليه [ما] يباع بذلك المقدار من الفلوس، وكذلك ينبغي أن يجوز بأكثر من ذلك لجريان التعامل بذلك من الفلوس، ولا مانع منه في الشرع، وينبغي أن لا يكون في المسألة خلاف، وإنما هو اختلاف عصر وزمان. * * *

стр. 1639

كتاب الكفالة قوله: (فالكفالة بالنفس جائزة، والمضمون بها إحضار المكفول به، وقال الشافعي: لا تجوز). قال النووي في الروضة: وهي صحيحة/ على المشهور، وقيل: تصح قطعاً. قوله: (ولأبي حنيفة قوله ﵊: "لا كفالة في حد"). أخرجه البيهقي بسند ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قوله: (والتهمة تثبت بأحد شطري الشهادة، إما العدد أو العدالة). يعني التهمة الموجبة للحبس في دعوى السرقة ونحوها، وفي اشتراط

стр. 1640

ذلك في التهمة نظر، والذي عليه جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ونحوها أن ينظر في المتهم، فإما أن يكون معروفاً بالفجور، وإما أن يكون مجهول الحال، فإن كان معروفاً بالبر لم تجز مطالبته ولا عقوبته، وهل يحلف؟ على قولين، ومنهم من قال: يعزر من رماه بالتهمة، وأما إن كان مجهول الحال فإنه يحبس حتى يكشف أمره، قيل يحبس حتى يكشف أمره، قيل يحبس شهراً. وقيل يحبس اجتهاد ولي الأمر، لما في السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ حبس في تهمة" وتعويقه بالحبس إلى

стр. 1641

أن يتبين حاله، بمنزلة ما لو ادعى عليه مدغٍ فإنه يحضر مجلس ولي الأمر الحاكم بينهما، وإن كان في ذلك تعويقه عن أشغاله وإن طالب المدعي من ولي الأمر تقرير المتهم المجهول الحال بالضرب فقد روي أبو داود وغيره عن النعمان بن بشير أنه قال لقوم طلبوا منه أن يضرب رجلاً في تهمة: "إن شئتم ضربته لكم فإن ظهر ما لكم عنده وإلا ضربتكم مثلما ضربته، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله ورسوله". وإن كان الرجل معروفاً بالفجور المناسب للتهمة، فقالت طائفة من الفقهاء: يضربه الوالي والقاضي، وقالت طائفة: يضربه الوالي دون القاضي، ومنهم من قال: لا يضرب، وقد ثبت في الصحيح "أن النبي ﷺ أمر الزبير ابن العوام أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان عاهدهم النبي ﷺ عليه، وقال له: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب، فقال: المال كثير والعهد أقرب من هذا، وقال للزبير: دونك هذا؟ فمسه الزبير بشئ من العذاب، فدلهم على المال" وهذا

стр. 1642

الذي يسع الناس وعليه العمل وإلا فالشهادة على السرقات من أندر الأمور ومن يسرق يحلف، وقول النبي ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم، لا داعي قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه" هذا فيما [إذا] لم يكن مع المدعي حجة غير الدعوى فإنه لا يعطي بها شيئاً، ولكن يحلف المدعي عليه، وقد صح حكمه ﷺ بالقسامة مع اللوث وحكمه بشاهد ويمين. قوله: (وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة). للشافعي في صحة الكفالة بالدرك قولان: أصحهما الجواز، ففي دعوى الإجماع نظر، والأولى أن يقول في مثل هذا: لا أعلم فيه خلافاً.

стр. 1643

قوله: (فأما [ما] لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله: إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحد منهما أجلاً، إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالاً، لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة كالطلاق والعتاق). ظاهر كلامه يوهم أن الكفالة تصح مع تعليقها بهبوب الريح ومجئ المطر ويجب المال حالاً، وليس الأمر كذلك، ففي فتاوي قاضي خان: "ولو علق الكفالة بما هو شرط محض نحو أن يقول: إذا هبت الريح، أو إذا جاء المطر، أو إذا قدم فلان الأجنبي، فأنا كفيل بنفس فلان، لا يصير كفيلاً، وكذا لو علق الكفالة بالمال بهذه الشروط انتهى.

стр. 1644

وإنما مراده أنه لو جعل أجلاً بأن تكفل بالمال مؤجلاً إلى هبوب الريح ومجئ المطر صحت الكفالة له ووجب المال حالاً، ولا تتأخر المطالبة إلى هذه الآجال للجهالة الفاحشة، وقوله: إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالاً. يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، وهي قوله: وكذا إذا جعل واحد منهما أجلاً. وشيخنا قاضي القضاة نجم الطرسوسي، ﵀ له على كلام المصنف هنا ورقات رجح فيها أن كلام المصنف على ظاهره وأن الكفالة الصحيحة حالة إذا علقها بهبوب الريح ونحوه، اعتمد فيها على كلام بعض الأصحاب، وهو مضطرب، وأطنب فيها إطناباً زائداً، وعدم صحتها كما ذكرناه قاضي خان وغيره أقوى؛ فإن الكفيل لم يلتزم الكفالة إلا مؤجلة، فإذا لم يصح التأجيل يبطل أصلاً ولا يلزم بها حالة، فإن فيه إلزام ما لم يلزمه، وبراءة الذمة أصل بخلاف تأجيل الكفالة إلى هبوب الريح ونحوه لأن الذمة اشتغلت بالتزامه عقد الكفالة، والجهالة في هذه/ الآجال فاحشة، فلا يصح التأجيل إليها، فبقي الالتزام بالعقد كأنه لم يذكر فيه أجل فيجب المكفول به حالاً. قوله: (والكفالة بالأعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا خلافاً للشافعي ﵀ لكن بالأعيان المضمونة بنفسها كالمبيع بيعاً فاسداً

стр. 1645

والمقبوض على سوم الشراء والمغصوب). نقل النووي أن المذهب الذي عليه جمهور أصحابهم أن الضمان يرد على الأعيان المضمونة والمستعار والمستام والأمانات إذا خان فيها على قولي كفالة البدن، وقيل: يصح قطعاً، فلا ينبغي ذكر خلاف الشافعي في هذه المسألة، وذكر النووي المستعار بدل المبيع بيعاً فاسداً بناء على الخلاف في ذلك؛ فإن العارية مضمونة عندهم بخلاف المبيع بيعاً فاسداً؛ لأن حكم المبيع الفاسد عندهم كالباطل. قوله: (وله أنه كفل بدين ساقط عن ذمة الأصيل؛ لأن الدين هو الفعل حقيقة، ولهذا يوصف بالوجوب لكنه في الحكم مال لأنه يؤول

стр. 1646

إليه في المآل، وقد عجز نفسه وبخلفه ففات عاقبة الاستيفاء فسقط ضرورة، والتبرع لا يعتمد قيام الدين). فيه نظر لوجهين: أحدهما: أنه تعليل في مقابلة نص، وهو ساقط. الثاني: أن التعليل نفسه ضعيف. أما النص فهو عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا عند النبي ﷺ فأتى بجنازة، فقالوا: يا رسول الله! صل عليها؟ هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم! فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه، فصلي عليه" رواه أحمد والبخاري والنسائي. وروى الخمسة إلا أبا داود هذه القصة من حديث أبي قتادة، وصححه الترمذي وقال فيه النسائي وابن ماجه: "فقال أبو قتادة:

стр. 1647

أنا أتكفل به"، وهذا صريح في الإنشاء لا يحتمل الأخبار بما مضى، وتأويل الحديث بصرفه عن ظاهره لا يصح، لعدم الحاجة إلى صرفه عن مدلوله، وهو معارضة نص آخر أقوى منه مع أن التأويلات التي ذكرت كلها فاسدة. وأما التعليل فلا نسلم أنه كفل بدين ساقط عن ذمة الأصيل، بل هو باق في ذمة الأصيل لا يسقطه الموت، ألا ترى أنه يطالب به في الآخرة، إذ وجوب الدين لا يسقطه إلا الوفاء أو الإبراء أو انفساخ سبب وجوبه، وبالموت لا يتحقق شئ من ذلك، ولو مات عن وفاء أو كان به كفيل لم يسقط، ولو تبرع أحد بوفائه يصح، ولو برئ المفلس عن الدين بالموت لما حل لصاحبه الأخذ من المتبرع. ولا نسلم أن الدين هو الفعل، بل الفعل-الذي هو الأداء- غيره لأنه يضاف إليه، يقال: أداء الدين، والمضاف غير المضاف إليه، وقد فرقتم بين الوجوب، ووجوب الأداء في العبادات، وهذا أولى فهو نظير الدين المؤجل، بل هو دين مؤجل، والكفالة بالدين المؤجل صحيحة، وكذا الكفالة عن العبد بما يلزمه بعد العتق وإن كان الأجل هنا بعيد، فبعده بالنسبة إلينا، قال الله تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً﴾ وإذا تقرر هذا المعنى، انتفى أن يكون الدين فعلاً بالمعنى الذي أراده، وانتفى ما رتبه عليه من السقوط،

стр. 1648

وكيف وإنهم يقولون إن الدين وصف قائم بالذمة. وقوله: والتبرع لا يعتمد قيام الدين، ألا ترى أن من قال: لفلان على فلان كذا وأنا كفيل به، صحت الكفالة، وعليه أداؤه وإن لم يوجد الدين أصلاً. فهنا أولى، فظهرت قوة قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول أكثر العلماء، والأئمة الثلاثة وغيرهم واختاره الطحاوي. قوله: (فصل في الضمان). فيه نظر فإنه توهم أن الكفالة غير الضمان، وليس كذلك، وهو قد سمى الكتاب بـ: كتاب الكفالة. فلا حاجة إلى قوله: فصل في الضمان. ولو اكتفى بقوله: فصل. أو لم يذكر الفصل لكان أولى. قوله: (ومن قال لآخر: لك علي مائة إلى شهر، وقال المقر له هي حالة، فالقول قول المدعي، وإن قال: ضمنت لك عن فلان مائة إلى شهر، وقال

стр. 1649

المقر له: هي حالة، فالقول قول الضامن -ثم ذكر الفرق، ثم قال-/ والشافعي ألحق الثاني بالأول وأبو يوسف- فيما يروى عنه- ألحق الأول بالثاني). الخلاف بالعكس مما ذكر، وحكي النووي ﵀ الإقرار بالدين مؤجلاً- قولين. * * *

стр. 1650

كتاب الحوالة قوله: (ويكره السفاتج وهو قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق وهذا نوع نفع استفيد به وقد "نهي رسول الله ﷺ عن قرضٍ جر نفعاً). قال في المغني: وروي عنه- يعني عن أحمد- جوازها، قال: لكونه مصلحة لهما جميعاً، وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير به بأساً، وروي عن عي ﵁ أنه سئل عن مثل
следующие страницы →