Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحق، وإن لم يتلفظ بلفظة الشهادة، وقد قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾، وليس هناك لفظ الشهادة، وقال تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾.
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفكم﴾، وشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه.
وفي الحديث الصحيح في قضية ماعز: "فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله ﷺ ".
وقال تعالى: ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾.
وقول المصنف: (إن النصوص نطقت باشتراطها)، فيه نظر؛ فإن النصوص ليس فيها ذكر اشتراط لفظة الشهادة في قول الشاهد عند الأداء، وهو المدعى، وإنما فيها ذكر الإشهاد والاستشهاد والشهادة، ولا يلزم من ذلك
стр. 1682
اشتراط ذكر لفظة الشهادة عند الأداء.
وقوله: (ولأن فيها زيادة توكيد) إلى آخره، مسلم، لكن ما الدليل على اشتراط هذه الزيادة مع حصول الشهادة بدونها وهي المقصود، ولئن كانت الشهادة من ألفاظ اليمين فليس على الشاهد يمين.
قوله: (لقوله ﵊: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف"، ومثل ذلك عن عمر ﵁.
لم يرد هذا من كلام رسول الله ﷺ في كتب الحديث، وإنما هو كلام عمر ﵁ في كتاب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ولفظه: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة ... " إلى أخره. رواه البيهقي وغيره.
стр. 1683
وروى البيهقي من حديث عائشة مرفوعاً: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود في حد" الحديث، وفي طريقه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من حديث حجاج بن أرطاة -وهو ضعيف- عن عمر ﵁.
قوله: (واشترط العدد أمر حكمي في الشهادة).
يعني ـأن اشتراط المثنى في باب الشهادات أمر تعبدي لا يعقل معناه، قد عقل غير معناه، وهو أن أحد الشاهدين يقاوم براءة الخصم المنكر فإن إنكاره
стр. 1684
كشاهد، وتبقى شهادة [الشاهد] الآخر خبر عدل لا معارض له، فهو حجة شرعية لا معارض لها، وفي الرواية إنما يقبل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه فاطرد القياس والاعتبار في الحكم والرواية.
* * *
стр. 1685
فصل
قوله: (وقال ﵊: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع").
رواه البيهقي عن ابن عباس، ولفظه قال: "ذكر عند النبي ﷺ الرجل يشهد بشهادة فقال: أما أنت يا ابن عباس فلا تشهد إلا على ما يضئ لك كضياء هذه الشمس، وأومأ بيده إلى الشمس"، ثم قال البيهقي: ولم يرو من وجه يعتمد عليه.
* * *
стр. 1686
باب من تقبل شهادته ومن لا يتقبل
قوله: (ولا المملوك؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي على نفسه فأولى ألا تثبت له الولاية على غيره).
ذهب إلى قبول شهادة العبد؛ علي وأنس ﵄.
قال أنس: "ما علمت أحداً رد شهادة العبد"، وبه قال عرورة وشريح وإياس وابن سيرين وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه استثناء الحدود والقصاص.
وقال الشعبي والنخعي: تجوز شهادته في الشئ اليسير.
وقال عطاء ومجاهد والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة
стр. 1687
والشافعي: لا تقبل شهادته.
وقد استدل من قال بقبول شهادته بعموم آيات الشهادة، فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره بالمدينة، وقد يكون منهم العلماء والصالحون والأمراء وقد حكي الأمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة ﵃ على قبول شهادته معنى، فإنه قال: "ما علمت أحداً رد شهادته"، ولم يقل أحد عن صحابي خلاف ذلك.
قالوا: وإذا قبلت شهادته على رسول الله ﷺ في حكم يلزم جميع الأمة، فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى، وفي كتاب عمر ﵁/ إلى أبي موسى الأشعري: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض" انتهى. وهو صادق فيجب العلم بخبره وأن لا يرد، فإن الشريعة لا ترد خبر الصادق، بل تعمل به، وليس بفاسق فلا يتثبت في خبره وشهادته، وكونه تحت ولاية سيده ولا يخرجه عن أهلية الشهادة على غيره كما لم يخرجه عن أهلية الرواية وهي شهادة على رسول الله ﷺ تتضمن إلزام الأمة كلهم بذلك الحكم.
وليس إلزام الشاهد المشهود عليه بشهادته من باب ولاية المولى على عبده.
стр. 1688
فاعتبار شهادته بروايته أولى من اعتبارها بولاية المالك على مملوكه، فإن قيل: روايته من باب أخبار الديانات، وتلك يقبل فيها قول الواحد بخلاف باب الشهادة، قيل: لم نقل: إنه يقبل قوله وحده في باب الشهادات بل مع آخر، ففي باب الرواية يقبل قول الواحد العدل إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه.
وفي باب الشهادة عارض إخبار العدلين إنكار المنكر بيمينه، وسلم إخبار العدل الآخر عن المعارض فوجب العمل به كما وجب العمل بخبر الواحد العدل في باب الديانات إذا سلم عن المعارض، وإذا ثبت كون العبد عدلاً كيف يجوز رد خبره السالم عن المعارض، والفرق بتسمية هذا إخباراً وهذا شهادة فرق صوري لفظي فير مؤثر.
قوله: (ولا المحدود في قذف وإن تاب -إلى آخر المسألة).
اختلف أهل العلم في اشتراط إقامة الحد على القاذف لرد شهادته؛ فعند الشافعي وأحمد رحمهما الله أنه تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه، وعن أبي حنيفة ﵀ ثلاث روايات:
إحداهما: إذا ضرب سوطاً من الحد.
الثانية: إذا ضرب أكثر الحد.
стр. 1689
الثالثة- وهي قول صاحبيه-: إذا أقيم عليه الحد بكماله.
وقول الشافعي وأحمد رحمهما الله أظهر؛ لأن الله تعالى رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء؛ الجلد، ورد الشهادة، والفسق، فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد، ولأن الرمي هو المعصية والذنب الذي يستحق العقوبة والجلد كفارة وتطهير فلا يتعلق به رد الشهادة، وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان به، وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر.
والقول بأن العجز عن الإتيان بأربعة شهداء إنما يتحقق بالجلد لا يقوى؛ لأن الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه، فلا يستوفى قبل تحقيق القذف، وكيف يجوز أن يستوفى قبل تحقق سببه، ويصير متحققاً بعده، واختلف أهل العلم أيضاً في قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب:
فذهب عطاء والشعبي وطامس ومجاهد والزهري وعبد الله بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت وأبو الزناد إلى قبول شهادته إذا تاب، وبه قال
стр. 1690
مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد.
وذهب شريح والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو حنيفة إلى عدم قبولها وإن تاب، ذكر ذلك ابن المنذر واختار القول الأول وقال: واختلف فيه عن ابن عباس فروينا عنه القولين جميعاً، ولا يصح ذلك عنه، وقال: قال عمر ﵁ لأبي بكرة: "إن تبت قبلت شهادتك".
وقال صاحب «المغني»: روي ذلك -يعني القول الأول- عن عمر وأبي الدرداء وابن عباس، وقال: وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد
стр. 1691
وربيعة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: "توبوا تقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته".
قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر وقتل النفس، وعقوق الوالدين والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقاً، فالتائب من القذف أولى بالقبول.
стр. 1692
قالوا: ورد شهادته بعد توبته خلاف المعهود من الشرع، وخلاف قوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فتوبته من القذف بمنزلة من لم يقذف؛ فيجب قبول شهادته.
قالوا: والاستثناء المذكور في الآية يعود إلى ما تقدم كله، هذا هو الأصل، خصوصاً على قول أبي حنيفة/ في ذكر حق كتب في أسفله: ومن قام بهذا الذكر الحق فهو ولي ما فيه إن شاء الله تعالى، حيث أبطل الصك كله، وقد تقدمت المسألة في الهداية في كتاب
стр. 1693
أدب القاضي، ولئن كان في إعادة الاستثناء إلى الجمل كلها أو إلى الجملة الأخيرة احتمال فيرجع عوده إلى كل ما تقدم بفهم عمر وأبي الدرداء وابن عباس، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، والمسألة مبسوطة في كتب الخلاف، ويكفي ما ذكر من التنبيه.
قوله: (والأصل فيه قوله ﵊: "لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده، ولا المولى لعبده، ولا الأجير لمن استأجره").
لا أصل لهذا الحديث في كتب الحديث، بل قد روى عبد الرزاق بسنده عن عمر ﵁ أنه قال: "تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده".
стр. 1694
وقال ابن المنذر في الأشراف بعد ذكر القائلين برد شهادة الوالد والولد: وأجازت طائفة شهادة الوالد لولده، والوالد لوالده، لظاهر قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.
روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والمزني وأبو ثور، وأجاز إياس ابن معاوية شهادة رجل لأبيه، وذكر الزهري قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾.
قال: "لم يكن يتهم في سلف والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته إذا رضي هديهم، قال: ثم دخل الناس بعد ذلك، فتركت شهادتهم".
قال أبو بكر بن المنذر: وبهذا أقول اتباعاً لظاهر الكتاب، ولإيجاب الله القيام بحقه في عباده، وفيما فرض لبعضهم على بعض، ولقوله: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ ولا يجوز أن يتهم شاهد، ولا يجوز أن يظن المرء بأخيه إلا
стр. 1695
خيراً، ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث" انتهى.
وفي قول عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "أو ظنينا في ولاء أو قرابة" تنبيه على أن الرد بالتهمة لا مطلقاً؛ لأن الظنين: المتهم، والشهادة ترد بالتهمة، وهذا مذهب أهل الظاهر أيضاً، ورواية عن أحمد.
стр. 1696
وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: "سمعت شريحاً أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: أبوها وزوجها؟ فقال شريح: من يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن سليمان قال: "شهدت لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقضي بشهادتي" انتهى.
قالوا: وقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم ... ممن ترضون من الشهداء﴾ يشمل الآباء والأقارب، ولم يخرجهم نص ولا إجماع.
قالوا: ومدار حججكم على البعضية والتهمة، فأما التهمة فهي سبب في رد الشهادة مطلقاً، فمتى وجدت منعت قبول الشهادة للقريب والأجنبي ولا شك أن تهمة الإنسان في صديقه ومن يصفيه مودته ومحبته أعظم من
стр. 1697
تهمته في أبيه وابنه.
وأما البعضية فإنه لا يلزم منها أن يكون في معنى نفسه في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الآخرة، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر فيما يجب عليه وله، من حد واجب أو ثواب أو عقاب.
قالوا: وما نظرتم به من عدم جواز الزكاة إليهم فذلك من مسائل النزاع، لا في مسائل الإجماع، ولو سلم ثبوت الحكم فيها لا يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة؛ لأن الشهادة خبر يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبر به صادقاً مبرزاً في العدالة غير متهم في الإخبار به، فليس في قبول قوله قبح ولا فساد، ولا دل نص على رده بل دلت النصوص على قبوله كما تقدم، والحاصل أن الذين ردوا شهادتهم أداروا الحكم على اعتبار الثرابة لأنها مظنة التهمة ومخالفيهم أداروا الحكم على
стр. 1698
حقيقة التهمة، وكل منهما له وجه، ولكن لما كانت النصوص دالة على اعتبار التهمة، لا على اعتبار مظنتها ترجح جانب من اعتبرها.
فإن قيل: لا يمكن الوقوف على حقيقة التهمة فلذلك قلنا: يدار الحكم على اعتبار مظنتها، قيل: يمكن ذلك/ بغالب الظن كالوقوف على العدالة، فإن العدالة التي هي الاستقامة إنما يوقف عليها بغالب الظن فكذلك التهمة، وكالإيمان فإن الله تعالى قال: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ والعلم بكونهن مؤمنات إنما هو بغالب الظن.
قوله: (ولنا ما روينا).
يضير إلى الحديث الذي ذكره قبل ذلك- وفيه-: "ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته"، وتقدم التنبيه على نفي ثبوت هذا الحديث والتنبيه على ضعف دليل القول برد شهادة القريب والزوج عند انتفاء التهمة.
قوله: (وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، وإن اختلفت مللهم ...) إلى آخر المسألة.
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في شهادة أهل الملل بعضهم على بعض، فممن رأى أن شهادة أهل الكتاب جائزة بعضهم على بعض شريح،
стр. 1699
وعمر بن عبد العزيز، والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان، والثوري والنعمان.
وقال طائفة: لا تجوز شهادة أهل الشرك على مسلم ولا مشرك، هذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وبه قال الحسن البصري وأحمد والمزني.
وفيه قول ثالث وهو: إن شهادة أهل كل ملة مقبولة على مثلها، ولا تقبل على الملة الأخرى، هذا قول قتادة، كأنه يرى أن شهادة اليهودي على اليهودي جائزة، ولا تقبل شهادة اليهودي على النصراني، وبه قال الزهري، وقال: لا تجوز شهادة أحدهما على الآخر للعداوة التي ذكر الله بينهما. انتهى.
ثم رجح ابن المنذر أنه لا تجوز شهادة مشرك على مسلم، ولا مشرك، وهذا في غير شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر إذا لم يوجد غيرهم وسيأتي لذلك زيادة بيان عن قريب إن شاء الله تعالى.
стр. 1700
وحكى صاحب المغني عن الحكم وأبي عبيد وإسحاق مثل قول قتادة، وحكى عن الزهري والشعبي مثل قول هؤلاء والمنع مطلقاً.
والقول بجواز شهادة بعض أهل الذمة على بعض مع اختلاف الملتين، فإن العداوة التي بينهم ليست نظير العداوة التي بين المسلم والمسلم، بل نظير العداوة التي بين المسلم والكافر، ولكن المسلم يمنعه إسلامه من الكذب على عدوه ولو كان كافراً، ولا كذلك الكافر، وإن كان الكفر يجمعهم بقلوبهم شتى. وما ورد في السنن من قبول شهادة بعضهم على بعض لا يدل إلا على قبولها عند اتحاد الملة، وهو حديث اليهوديين اللذين زنيا، "وأن النبي ﷺ دعا بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر ﷺ برجمهما" رواه أبو داود، وهو الذي أشار إليه صاحب
стр. 1701
الهداية في الاستدلال في هذه المسألة والله أعلم.
ولكن في أكثر نسخ الهداية "أن النبي ﷺ أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض" وفي بعض النسخ "اليهود"، وما رواه ابن ماجه عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض" إن صح فالمراد هذه القضية والله أعلم.
فإنه لم ينقل أنه تحاكم إليه ﷺ خصمان ذميان، وأقام المدعي البينة على المدعى عليه من غير أهل [ملة] المدعى عليه.
стр. 1702
وأما استدلال المصنف للشافعي ومالك رحمهما الله بقبوله: قال الله تعالى: والكافرون هم الفاسقون، فكأن المصنف ﵀ ما كان يحفظ القرآن، أو لحقته غفلة، فإن هذا اللفظ ليس في القرآن وإنما هو: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾.
ولا يجوز نقل القرآن بالمعنى، وفي نقل السنة بالمعنى خلاف، وكم قد
стр. 1703
وقع من جهة نقل السنة بالمعنى من الغلط فإن الناس متفاوتون في فهم المعنى، وكثيراً ما يظن أنه ليس من جوامع الكلم فينقل بلفظ يدل على بعض مدلوله، فيقع التقصير والغلط بسبب ذلك.
وقوله: (ولأنه -يعني الذمي- من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه) ممنوع.
وبسبب هذا القياس ردت شهادة العبد العدل، فإنهم لما أرادوا حكم الشهادة على هذه الولاية طرداً وعكساً قبلوا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلف/ مللهم عملاً بطردها، وردوا شهادة العبد العدل عملاً بعكسها، وليس إلزام الشاهد المشهود عليه [بشهادته] من باب ولايته
стр. 1704
عليه كما يلي على نفسه وأولاده الصغار حتى يصح قياس شهادته على جنسه عليه، بل من باب إخباره عنه بما يلزمه حكمه وقد ترجح جانب صدقه في خبره كما مر.
وقوله: (لأنه يجتنب ما هو محرم دينه). ممنوع، فقد أخبر الله سبحانه عنهم أنهم كذبوا عليه أعلى أنواع الكذب، فقال تعالى عنهم: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وقال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾.
فمن يكذب مثل هذا الكذب لا يكذب [في] ما هو أهون منه بكثير، وقد نهانا رسول الله ﷺ عن تصديقهم فيما يحدثونا عن كتابهم تصديقاً جازماً، فقال الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾؛ لأن الله أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله". أخرجه البخاري
стр. 1705
من حديث أبي هريرة ﵁.
فإذا نهينا عن تصديقهم فيما يحدثوننا عن كتابهم، فما يحدثوننا به عن غيره أولى؛ لأنهم إذا كانوا قد كذبوا على ربهم فكذبهم على غيره أهون كما تقدم، وإذا كنا نرد شهادة من يدخل الحمام بلا مئزر؛ لأنه قد فعل فعلاً محظوراً، فلا يؤمن عليه أن يشهد بالزور، كيف تقبل شهادة من قد كذب على ربه، وفي دينه فزاد فيه ونقص، وباب الإخبار غير باب الولاية، والخبر تارة يقترن به ما يرجح صدقة، وتارة يقترن به ما يرجح كذبه.
فإن صح قبول النبي ﷺ شهادة الأربعة من اليهود على زنا اليهوديين فلما اقترن به من دلالة الصدق، فإنهم لم يأتوا النبي ﷺ ليرجمهما؛ لأنهما كانا من أشرافهم، ولكن قالوا: إن حكم بالجلد قبلنا حكمه، وإن حكم بالرجم رجعنا إلى عادتنا، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾.
وكانت عادتهم الجلد والتحميم، والقصة معروفة في موضعها ولو
стр. 1706
قيل: إن القضية واقعة عين لا عموم لها، وأن رسول الله ﷺ عرف دق أولئك اليهود الذين شهدوا بالزنا عنده بطريق الوحي لكان أولى من كثير مما ادعى فيه أنه واقعة عين، كل ذلك على تقدير ثبوت قبول شهادتهم، ولم يثبت وكيف ترد شهادة الولد مع بروز عدالته لكونه مظنة التهمة، وتقبل شهادة اليهودي على النصراني أو عكسه مع وجود التهمة، وكيف يعلل لقبول شهادته بأنه يجتنب ما يعتقده محرماً، ولا يقال مثل هذا للمسلم إذا شهد لوالده ولولده، وهو أحق بأن يقال في حقه هذا التعليل، فإن تجنب المسلم العدل لما يعتقده محرماً أعظم من تجنب الكافر.
قوله: (وبخلاف شهادة الذمي على المسلم) .
وقد استثنى شريح وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي، وعبيدة السلماني، وابن سيرين ومجاهد وأحمد والنخعي والأوزاعي ويحيي بن حمزة، من ذلك شهادتهم على وصية المسلم في السفر إذا لم يكن عنده أحد
стр. 1707
من المسلمين وهو مروي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود ﵄.
قال ابن المنذر: والقائل بخلاف هذا القول تارك للقول بظاهر القرآن،
стр. 1708
وبظاهر الأخبار، ومعنى اللغة، وقال: ألم تسمع إلى قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ فأوقع الذكر بينهم باسم الإيمان الجامع لهم ثم قال: ﴿أو آخران من غيركم﴾ ولا يجوز في اللغة غير ذلك. انتهى.
وعن جبير بن نفير قال: "دخلت على عائشة ﵂، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة، قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة أنزلت فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه" رواه أحمد.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "خرج رجل من بني سهم من تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما
стр. 1709
قدموا بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدى بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ رواه البخاري وأبو داود.
والمسألة والخلاف فيها مشهور، وليس مع من يدعي النسخ إلا مجرد الدعوى، وقد عملت بها الصحابة بعد النبي ﷺ .
أما قول من/ قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ أي آخران من غير قبيلتكم فمشكل، فإن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لم يخاطب أهل قبيلة معينة منهم حتى يصح أن يقال: من
стр. 1710
غير قبيلتكم، وقبول شهادة أهل الذمة على المسلم في مثل هذه الحالة بمنزلة أكل الميتة عند الضرورة، ولا يمكن رد هذا الحكم الخاص لعمومات النصوص الدالة على عدم قبول شهادة الكافر على المسلم، بل يجب أن تخص تلك العمومات بهذا النص، كيف وأنه متأخر عنها.
* * *
стр. 1711
باب الاختلاف في الشهادة
قوله: (ولأبي حنيفة أنهما اختلفا لفظاً، وذلك يدل على اختلاف المعنى؛ لأنه يستفاد باللفظ، وهذا لأن الألف لا يعبر به الألفين، بل هما جملتان متباينتان -إلى آخره-).
قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله -في قبول شهادتهما في الألف -أقوى كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم؛ وذلك لأن دلالة المثنى دلالة تكرار الواحد بالعطف.
فقوله: له علي ألفان، كقوله: له علي ألف وألف، ولو قال كذلك لزمه ألف فكذا إذا قال ألفان، ولكن عند الأئمة الثلاثة لو حلف المدعي مع هذه الشهادة تثبت ألفان؛ لأنهم يرون القضاء بالشاهد واليمين كما وردت به السنة.
стр. 1712
قوله: (بخلاف العشرة؛ والخمسة عشر؛ لأنه ليس بينهما حرف عطف فهو نظير الألف والألفين).
يعني إذا شهد أحد الشاهدين بعشرة، والآخر بخمسة عشرة، والدعوى بعشرة، لا يثبت بهذه الشهادة شئ عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما تثبت عشرة، وقد مر التنبيه على ترجيح قولهما في الألف والألفين، وكذلك العشرة والخمسة عشر؛ لأن أصل خمسة عشر، خمسة وعشرة، حذف حرف العطف، وضمن الاسم الذي معناه، فبني لذلك، وهذا معنى تركيب المزج عند النحاة، ولو صرح بذلك، وقال: خمسة وعشرة لزمت العشرة فكذا مع التركيب.
قوله: (وإذا شهد بألف وقال: أحدهما قضاه منها خمسمائة، قبلت شهادتهما بألف؛ لاتفاقهما عليه، ولم يسمع قوله: إنه قضاه؛ لأنه شهادة فرد إلا إن شهد معه آخر، وعن أبي يوسف أنه يقضي بخمسمائة؛ لأن شاهد القضاء مضمون شهادته أن لا دين إلا خمسمائة، وجوابه ما قلنا).
قول أبي يوسف أقوى، ولا يصلح ما علل به جواباً له؛ لأن قوله في مجلس الأداء: قضاه منها خمسمائة، بمنزلة ما إذا قال: أوهمت بعض شهادتي، وذلك يقبل منه فإنه إذا علم أنه قضاه منها خمسمائة لم يكن له أن
стр. 1713
يشهد إلا بما بقي من الألف بالألف، فكان ذكر الألف مع ذكر القضاء منها بمنزلة الاستثناء والاستدراك ونحوه، وإن كان من حيث اللفظ شهادتين فالعبرة للمعنى.
قوله: (وفي الجامع الصغير رجلان شهدا على رجل بقرض ألف درهم فشهد أحدهما أنه قضاها، فالشهادة جائزة على القرض لاتفاقهما عليه وتفرد أحدهما بالقضاء على ما بينا، وذكر الطحاوي عن أصحابنا أنه لا تقبل وهو قول زفر؛ لأن المدعي أكذب شاهد القضاء، قلنا: هذا هو إكذاب في غير المشهود به الأول، وهو القرض ومثله لا يمنع القبول).
ما ذكره الطحاوي -وهو قول زفر- أقوى وأولى بالاعتبار، لا باعتبار ما علل له به المصنف بل باعتبار أنه رجوع معنى والعبرة للمعاني، والرجوع قبل الحكم يوجب سقوط الشهادة، وليس هذا من باب إكذاب المدعي شاهده، بل من باب رجوع الشاهد عن شهادته قبل الحكم فتأمله.
* * *
стр. 1714
باب الشهادة على الشهادة
قوله: (ولنا قول علي ﵁ "لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين").
لا أصل لهذا الأثر في كتب الحديث، وإنما روي البيهقي معناه عن الشعبي، وحكى صاحب المغني عن الشعبي خلاف ذلك، وهو أنه قال بجواز شهادة اثنين على كل واحد واحد، وحكاه عن شريح أيضا وابن شبرمة وابن ليلي والثوري وإسحاق والبتي والعنبري ونمير بن أوس وهو مذهب أحمد.
قوله: (ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد لما روينا، وهو حجة
стр. 1715
على مالك ﵀.
مذهب مالك كمذهب أبي حنيفة ﵀، وهو أحد قولي الشافعي ولكن لابد عندهما من أن يكونا رجلين، ولا تقبل شهادة النساء في الشهادة على الشهادة، وعند أبي حنيفة تجوز شهادة رجل وامرأتين على كل من رجلين، وإنما باعتبار شهادة اثنين على كل واحد/ واحد، أحمد مع من تقدم ذكرهم، وقال إسحاق وأحمد: إنه لم يزل أهل العلم على هذا، شريح فمن دنه.
فصل:
قوله: (لهما ما روي عن عمر ﵁ "أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطاً وسخم وجهه").
стр. 1716
أخرجه البيهقي وضعفه، وينبغي أن يكون ذلك مفوضاً إلى رأي الحاكم، يعامل كل شخص بما يرى أنه يردعه من تشهير وضرب وحبس أو بعض ذلك، فإن الاختلاف الوارد عن السلف ينتظم بهذا كما هو مذهب الشافعي وغيره والله أعلم.
* * *
стр. 1717
كتاب الرجوع عن الشهادة
قوله: (ولأن الرجوع توبة).
فيه نظر، فقد يقول الشاهد: كنت كاذباً في شهادتي عامداً، أو شهدت بالزور أو نحو ذلك من الألفاظ، ولا يذكر لفظ الرجوع، وحكم ذلك كله حكم للرجوع بلفظه، ولا يلزم في ذلك كله أن يكون قد تاب، وفي مثل هذا يعزر مع التضمين.
قوله: (وقال الشافعي: لا يضمنان لأنه لا عبرة للتسيب عند وجود المباشرة).
هذا القول الذي نسبه إلى الشافعي ﵀ ضعيف، قال النووي ﵀ في الروضة: والمذهب الغرم مطلقاً.
стр. 1718
كتاب الوكالة
قوله: (وقد صح أن النبي ﷺ وكل حكيم بن حزام بالشراء، وبالتزويج عمر بن أم مسلمة).
عجباً للمصنف كيف يستدل بهذين الحديثين، ويدعي فيهما الصحة الأول: ضعيف، والثاني: الاستدلال به غلط، أما الحديث الأول فأصله "أن النبي ﷺ بعثه يشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فأربح فيها ديناراً، فاشترى أخرى مكانها فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضح بالشاة وتصدق بالدينار" رواه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحسب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم.
ولأبي داود نحوه من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم ولو استدل بحديث عروة بن أبي الجعد البارقي ﵁ "أن
стр. 1719
النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه" رواه أحمد والبخاري وأبو داود -لكان أحق وأولى فإن هذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله ﷺ ، لا ما استدل به.
وأما الحديث الثاني فأصله عن أم سلمة ﵂ "أنها لما بعث النبي ﷺ يحطبها قالت: ليس أحد من أوليائي شاهداً فقال رسول الله ﷺ : "ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك"، قال لابنها: يا عمر قم فزوج النبي، فزوجه" رواه أحمد والنسائي فلم يكن عمر بن أم سلمة وكيلاً عن النبي في تزويجه أمه، وإنما زوج هو أمه النبي ﷺ إذنها بطريق الولاية عليها أو الوكالة عنها، والنبي ﷺ قبل لنفسه، ولو استدل بحديث أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ وكله في قبول نكاح ميمونة، أو بما
стр. 1720
روي "أنه ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة" لكان أولى وقد دل على صحة الوكالة من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ الآية، وعلى مشروعيتها انعقد الإجماع.
فصل في البيع:
قوله: (والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يعقد مع أبيه وجده ومن لا تقبل شهادته له إلى آخره).
في هذا الإطلاق نظر، قال في الذخيرة: الوكيل بالعين إذا باع ممن لا تقبل شهادته له إن كان بأكثر من القيمة يجوز بلا خلاف، وإن كان من القيمة بغين فاحش لا يجوز بالإجماع، وإن كان بغبن يسير لا يجوز عند أبي حنيفة،
следующие страницы →