Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
باب إقرار المريض
قوله: (لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء وهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث).
في تعليله الثاني نظر، وهو قوله: ولهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث، فإن منعه من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث ليس لتعلق حق الغرماء بماله، فإنه لو ضاقت التركة لم تنفذ الوصية إلا أن يبقى بعد وفاء الدين ما ينفذ من ثلثه، وإنما ينفذ من الثلث فقط لتعلق حق الوارث لا لتعلق حق الغرماء، ولهذا ينفذ من الثلث، وإن لم يكن عليه دين أصلاً.
قوله: (وإن أقر لأجنبي جاز وإن أحاط بماله لما بيناه، والقياس أن
стр. 1752
لا يجوز إلا في الثلث؛ لأن الشرع قصر تصرفه عليه إلا أنا نقول لما صح إقراره في الثلث كان له التصرف في ثلث الباقي لأنه الثلث بعد الدين ثم، وثم حتى يأتي على الكل).
إنما يحتاج إلى هذا التكلف أن لو كان الإقرار إتلافًا، وليس كذلك، وإنما هو إخبار عن أمر ماضٍ، وحالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتحري الصدق، وهذا المعنى يقتضي أن يكون إقرار المريض للوارث والأجنبي سواء، وأن يكون أولى بالاعتبار من الإقرار في الصحة فيستويان في الصرف كما قاله الشافعي ﵀ وغيره.
إلا أن أبا حنيفة ﵀ نظر إلى ما يعارضه من التهمة في حق الإقرار للوارث وإلى تعلق حق الغرماء بالمال بمرض الموت في حق الإقرار للأجنبي فقال بإبطال الإقرار للوارث وتقديم الإقرار في الصحة على الإقرار في المرض لذلك، وبذلك علل المصنف في أول الباب.
فقال: ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلاً إذا كان فيه إبطال حق الغير وفي إقرار المريض ذلك لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال -إلى آخره- وليس
стр. 1753
إقراره بالدين من باب التصرف في المال، وإن كان ذلك يثبت من ضرورته لكنه غير مقصود بالقصد الأول، بل الإقرار كاشف عن أمر كان ثابتًا قبله، وقول مالك ﵀ أظهر الأقوال الثلاثة: وهو أنه إذا لم يتهم يقبل إقراره ذكره عنه الحبري.
وقوله: (حتى يأتي على الكل) مشكل لأنه لابد أن يبقى شيء له ثلث. والله أعلم.
فصل:
قوله: (ومن مات وله ابنان، وله على آخر مائة درهم فأقر أحدهما أن أباه قبض منها خمسين لا شيء للمقر وللآخر خمسون؛ لأنه أقر على نفسه وعلى أخيه وعلى الميت فيصح في حق نفسه لولايته عليها ولا يصح عليهما، ولأن هذا إقرار بالدين على الميت لأن الاستيفاء إنما يكون بقبض مضمون، فإذا كذبه أخوه استغرق الدين نصيبه كما هو المذهب عندنا إلى آخره).
ذهب الشافعي ﵀ في أحد قوليه إلى أنه يسقط من الدين قدر حصته مما أقر بقبضه وهو قول أحمد وقياس مذهب
стр. 1754
مالك، وبه قال النخعي والحسن والحكم وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
والدليل الذي ذكره المصنف أولاً دليل لهؤلاء فإنه إذا صح إقراره على نفسه فقط، فهو إنما أقر على نفسه بقدر ما يخصه من القدر الذي ادعى أن مورثه قبضه من دينه لا جميعه.
وقوله: إن هذا إقرار بالدين على الميت ... إلى آخره.
قد تقدم في أول كتاب الوكالة الكلام في قول الأصحاب، فإن صاحب الدين إذا قبض دينه كان ذلك القدر الذي قبضه دينًا عليه للمديون ودينه الذي على المديون باقٍ لكن لا يطالب أحدهما الآخر لئلا يؤدي إلى الدور فتسقط المطالبة لا الدين، وهذه المسألة مبنية على ذلك الأصل المتزلزل.
وقد خالف فيه بعض الأصحاب، وقول المخالف هو الصواب كما تقدم بل عند من يقضي بالشاهد واليمين إذا كان هذا الذي قال: إن مورثه قبض خمسين درهمًا من أهل الشهادة وحلف المديون معه سقطت الخمسون لتكامل بينته بالشاهد واليمين.
والحاصل أن مضمون إقراره بقبض أبيه خمسين درهمًا أنه يسقط من نصيب أخي خمسة وعشرون درهمًا، ومن نصيبي خسمة وعشرون درهمًا فيصدق في حق نفسه وكلامه في حق أخيه شهادة لم يكمل نصابها فيلزم
стр. 1755
المديون خمسة وسبعون درهمًا، خمسة وعشرون للذي اعترف أن أباه قبض خمسين درهمًا، وخمسون درهمًا لأخيه الساكت ويسقط من الدين خمسة وعشرون درهمًا، والله تعالى أعلم.
стр. 1756
كتاب الصلح
قوله: (ولنا ما تلونا، وأول ما روينا، وتأويل آخره: أحل حرامًا لعينه كالخمر أو حرم حلالاً لعينه كالصلح على أن لا يطأ الضرة).
يشير إلى قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، وإلى قوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالاً، أو أحل حرامًا".
وفي تأويله نظر، بل يجب إجراء الحديث على ظاهره وحقيقته، ومتى تضمن الصلح تحليل حرام أو تحريم حلال لعينه أو لغيره كان باطلاً، ودفع الخصومة باليمين الصادقة أولى من بذل المال، فيحلف ولا يجمع بين شيئين
стр. 1757
أحدهما تضييع المال، وقد نهي عن ذلك.
والآخر أن يطعم أخاه المسلم حرامًا، وليس ذلك من نصيحته، وقد حلف عمر ﵁ لأبي ﵁ على نخيل، ثم وهبه له وقال: خفت إن لم أحلف أن تمتنع الناس من الحلف على حقوقهم فيصير سنة. ذكره في المغني.
ولا شك أن بذل المال في مثله رشوة، فإن كانت الخصومة لا تندفع إلا ببذله حرم على الآخذ دون البازل، وإن كانت الخصومة تندفع باليمين حرم على الباذل والآخذ.
قوله: (ولو كان له ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة حالة لم يجز لأن المعجل خير من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد فيكون بإزاء ما حط عنه، وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: لأن المعجل خير من المؤجل، فإن هذا الإطلاق ممنوع، بل إنما يكون المعجل خيرًا من المؤجل عند المساواة، وإلا فالعقلاء دائمًا يؤثرون الكثير المؤجل على القليل المعجل، وهذا فيما يغلب فيه السلامة الظاهرة، وكثير من الناس يخاطر مع خوف العطب فلم يكن المعجل مطلقًا خيرًا من
стр. 1758
المؤجل مطلقًا.
والثاني: قوله: وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام، فإن هذه الدعوى مجردة فأين دليل التحريم، بل قد نقل جواز ذلك عن ابن عباس وغيره، وهو رواية عن أحمد.
وعن النبي ﷺ أنه أذن في ذلك لما أراد بإجلاء يهود فقالوا: لنا ديون على الناس، فقال: "ضعوا عنهم البعض وليعجلوا لكم".
والفرق بين العوض الواجب في الذمة والعوض الساقط من الذمة ظاهر، فصاحب الدين لم يربح شيئًا بل نقص ماله، والمدين لم يربح شيئًا بل سقط عن ذمته، وأيضًا فإذا جازت الزيادة في الثمن المؤجل حتى قالوا: إن الأجل له قسط من الثمن فهذا مثله.
стр. 1759
قوله: (وفيه أثر عثمان ﵁ "فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار").
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: إن عثمان ﵁ "فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار").
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: إن عثمان صالح تماضر، وإنما صالحها بقية الورثة.
الثاني: قوله: ثمانين ألف دينار، والمذكور في كتب الآثار ثمانين ألفًا مطلقة، والظاهر أنها دراهم، وقد ذكر القصة سعيد بن منصور والبيهقي من جهته وابن عبد البر وغيرهم.
стр. 1760
كتاب المضاربة
قوله: (وإذا خالف كان غاصبًا).
قول مالك وأحمد رحمهما الله -في أن رب المال بالخيار إن شاء أمضى ذلك التصرف، وإن شاء رده- أقوى؛ لأنه متفضل في هذا التصرف، فإن رأى رب المال المصلحة في إمضائه أمضاه، وإن رأى المصلحة في رده رده، بل لو كان غاصبًا محضًا فالمالك بالخيار في تصرفاته والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وسيأتي لذلك زيادة بيان في الغصب إن شاء الله تعالى.
قوله: (ولا يجاوز بالأجر القدر المشروط -يعني في المضاربة الفاسدة- عند أبي يوسف خلافًا لمحمد كما بينا في الشركة).
لم يبين في الشركة شيئًا، وإنما قال في الشركة الفاسدة: فللمعين -يعني في الاحتطاب ونحوه- أجرة مثله بالغًا ما بلغ عند محمد ﵀، وعند أبي
стр. 1761
يوسف لا يجاوز به نصف ثمن ذلك وقد عرف في موضعه، وأي بيان في هذا، ومن الأصحاب من رجح قول محمد لجريانه على الأصل الذي قرروه، والصحيح قول أبي يوسف لئلا يلزم أن تربو المضاربة الفاسدة على الصحيحة.
قوله: (ويجب الأجر إن لم يربح في رواية الأصل لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع أو العمل وقد وجد، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجب اعتبارًا بالمضاربة الصحيحة مع أنها فوقها).
قول أبي يوسف أقوى، قال السغناقي ﵀: فإن قلت ما جواب ظاهر الرواية عن هذا التعليل الصحيح لأبي يوسف -وهو أن العقد الفاسد
стр. 1762
يؤخذ حكمه أبدًا من العقد الصحيح من جنسه كما في البيع الفاسد.
قلت: جوابه هو أن الفاسد إنما يعتبر بالجائز إذا كان انعقاد الفاسد مثل انعقاد الجائز كالبيع وهنا المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة، والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة، انتهى.
وهذا الجواب مرتب على ما أصله الأصحاب من أن المضاربة إذا فسدت صارت إجارة والكلام في هذا الأصل، واعتبار فاسد المضاربة بصحيحها أولى من جعلها إجارة لأنهما قد تراضيا أن يكون للعامل جزء من الربح إن حصل ربح وبالحرمان إن لم يحصل ولم يرض رب المال أن يكون في ذمته شيء في مقابلة عمل العامل، فإذا أوجبتم في ذمته شيئًا كان إيجابًا بغير دليل، وهدم الأصل الضعيف أولى من إلغاء التعليل الصحيح والله أعلم.
стр. 1763
كتاب الوديعة
قوله: (لقوله ﵊: "ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان").
أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والبيهقي وضعفه، وقال: المحفوظ من قول شريح.
стр. 1764
كتاب العارية
قوله: (ومنحتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به الهبة لأنها لتمليك العين وعند عدم إرادته الهبة يحمل على تمليك المنافع تجوزًا).
فيه نظر من وجهين.
أحدهما: أنه جعل هذين اللفظين حقيقة لتمليك العين، ومجازًا لتمليك المنفعة، ثم ذكر في كتاب الهبة في بيان ألفاظها وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة، وعلل بأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية، لكنه يحتمل الهبة، وهذا تناقض ظاهر.
والثاني: أنهما لما كانا لتمليك العين حقيقة، والحقيقة تراد باللفظ بلا نية عندهم، فعند إرادة الهبة لا يحمل على تمليك المنفعة بل على الهبة، إلا أن يريد العارية، وكأن الشيخ ﵀ مال إلى أن النية لما فقدت يحمل اللفظ على أدنى الاحتمالين وهو تمليك المنفعة لكنه خلاف قاعدة الأصول.
стр. 1765
قوله: (وإن كان وَقَّت العارية، ورجع قبل الوقت صح رجوعه لما ذكرنا، ولكنه يكره لما فيه من خلف الوعد).
قال مالك ﵀: ليس له الرجوع قبل الوقت، وقوله أظهر وأرجح لأن في إعادة الأرض للزرع ليس له الرجوع حتى يستحصد الزرع وقت أو لم يوقت اتفاقًا، وقالوا: لأن له نهاية معلومة، وفي الترك مراعاة الحقين بخلاف الغرس؛ لأنه ليس له نهاية معلومة فيقلع دفعًا للضرر عن المالك؛ هكذا علل صاحب الهداية نفسه.
ومقتضى هذا التعليل أن لا يجوز الرجوع قبل الوقت في المؤقتة لأن له نهاية معلومة، ولأن الوقت منصوص عليه هنا وفي الإعارة للزرع الوقت ثابت دلالةً والنص أقوى من الدلالة.
стр. 1766
كتاب الهبة
قوله: (ولنا قوله ﵊: "لا تجوز الهبة إلا مقبوضة").
هذا حديث منكر، لا أصل له والله أعلم.
قوله: (ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة مقسومة).
فيه نظر، وكذا قوله بعد ذلك: ومن وهب شقصًا مشاعًا، فالهبة فاسدة، فإنه قد ذكر غير واحد من الأصحاب أن الشائع محل لحكم الهبة، فإن حكمها الملك والشائع يقبله كما في البيع والإرث، لكن الملك موقوف على القبض الكامل عند الأصحاب.
قالوا: وذلك لا يتحقق في الشائع وإذا ظهر أثر الشيوع في حق القبض
стр. 1767
دون العقد صح العقد، وتوقف تمامه على القبض، وصاحب الهداية قد قال بعد ذلك: فإن قسمه وسلمه جاز؛ لأن تمامه بالقبض وعنده لا شيوع.
وكان الصواب أن يقول: لا يثبت الملك في هبة ما لا يقسم إلا مقسومًا محوزًا؛ لأن هبة المشاع فيما لا يقسم وقعت جائزة في نفسها ولكن توقف إثباتها الملك على الإحراز والتسليم، والله أعلم.
قوله: (ولنا أن القبض منصوص عليه في الهبة فيشترط كماله، والمشاع لا يقبله إلا بضم غيره إليه، وذلك غير موهوب، ولأن في تجويزه إلزامه شيئًا لم يلتزمه وهو ضرر القسمة ولهذا امتنع جوازه قبل
стр. 1768
القبض كيلا يلزمه التسليم -إلى آخره-).
فيه نظر من وجوه:
أحدها: في قوله: "إن القبض منصوص عليه في الهبة" فإنه يشير إلى ما رواه أولاً من قوله ﵊: "لا تجوز الهبة إلا مقبوضة" وتقدم أن ذلك الحديث لا أصل له.
والثاني: في قوله: "والمشاع لا يقبله إلا بضم غيره إليه"، فإن ذلك لم يمنع من صحة الهبة فيما لا يقسم، فكذا ينبغي أن لا يمنع صحتها فيما يقسم.
والثالث: في قوله: "ولأن في تجويزه إلزامه شيئًا لم يتلزمه وهو ضرر القسمة"، فإن الهبة من الشريك قد قالوا لا تجوز، وليس ثم ضرر قسمة، وكذلك قال أبو حنيفة: إنه لا تجوز هبة واحد من اثنين، وليس فيه ضرر القسمة، فكلا العلتين غير مطردة، فلا يمنع من صحة الهبة، والأئمة الثلاثة على جواز هبة المشاع.
ويشهد لذلك من السنة "أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول الله ﷺ أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسول الله ﷺ : "ما كان لي ولبني عبد المطلب
стр. 1769
فهو لكم" رواه البخاري.
وهذا هبة مشاع، وروى عمير بن سلمة الضمري قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى أتينا الروحاء فرأينا حمار وحش معقورًا فأردنا أخذه فقال رسول الله ﷺ : "دعوه، فإنه يوشك أن يجيء صاحبه" فجاء رجل من بهز وهو الذي عقره فقال: يا رسول الله شأنكم الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبابكر أن يقسمه بين الناس" رواه أحمد والنسائي.
ولم يثبت عن النبي ﷺ في اشتراط القبض في الهبة شيء، ولو ثبت
стр. 1770
اشتراط القبض فقبض كل شيء بحسبه، وما ذكره كله مرتب على اشتراط كمال القبض، وفي اشتراط أصله نظر، فكيف باشتراط كماله.
والصحيح جواز هبة المشاع ورهنه وإجارته ووقفه كما يجوز بيعه وقرضه والوصية به، ولا زال الناس على ذلك ولم يرد في رده كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن طلب الموهوب له القسمة وألزم بها الواهب فهو كما إذا ألزم بها البائع وقد باع حصته مما يملكه كله فكما أن ذلك لا يمنع من صحة البيع، وإن كان فيه إلزام بما لم يلتزمه فكذلك لا يمنع من صحة الهبة.
قوله: (ولو وهب لشريكه لا يجوز؛ لأن الحكم يدار على نفس الشيوع).
فيه نظر؛ لأنه إنما علل له بعدم إمكان كمال القبض، وبضرر الإلزام بالقسمة، والهبة من الشريك قد تصور فيها القبض الكامل، وليس فيها قسمة، فما المانع من صحتها والحالة هذه.
стр. 1771
باب الرجوع في الهبة
قوله: (ولنا قوله ﵊: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها").
أخرجه الدارقطني والبيهقي وهو ضعيف، ولو ثبت لوجب العمل به وبحديث: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يعطي ولده" فإن هذا الحديث أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي، فيكون الواهب
стр. 1772
الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرعًا محضًا لا لأجل العوض.
والواهب الذي له الرجوع من وهب ليتعوض من هبته ويثاب منها فلم يفعل المتهب، وتستعمل سنن رسول الله ﷺ كلها.
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" وزاد أحمد والبخاري "ليس لنا مثل السواء" والرجوع في القيء حرام، فالرجوع في الهبة حرام.
قال ابن التركماني في كلامه على حديث الهداية: وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها" رواته
стр. 1773
ثقات.
وقال الدارقطني: وهم، والصواب: عن عمر قوله، ورواه أيضًا عن حديث أبي هريرة وابن عباس أيضًا وسندهما ضعيف، وله أيضًا عن سمرة عن النبي ﷺ : "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها" وفي الخلافيات للبيهقي: لا يقوم بإسناده حجة. انتهى.
قوله: (ولأن المقصود بالهبة هو التعويض للعادة، فتثبت ولاية الفسخ عند فواته إذ العقد يقبله).
المقاصد بالهبات مختلفة فقد يكون المقصود مكافأة الموهوب على إحسانه، وقد يكون الحامل على الهبة مجرد الهبة، وقد يكون المقصود نسج
стр. 1774
المودة أو النفع بالبدن أو بالجاه وتسمى رشوة أو العوض المالي، وليس القصد منحصرًا في التعويض بالمال حتى يقال: إنه إذا لم يثبت الهبة بالمال والتعويض غير مشروط أنه يجوز الرجوع فيها.
قوله: (والمراد بما روي نفي استبداد الرجوع).
يعني أن الواهب لا يستبد بالرجوع في الهبة، بل لابد من رضى الموهوب له أو القضاء، وفي ذلك نظر/ فإن الرجوع برضى الموهوب له لا كلام فيه، ولا خلاف، ولا إشكال.
وأما القضاء فإذا كان الرجوع في الهبة مكروهًا -كما قد ذكره المصنف بعد ذلك، واستدل عليه بقوله ﷺ : "العائد في هبته كالعائد في قيئه" والحديث متفق عليه -فكيف يسوغ للقاضي الإعانة على مثل هذه المعصية، وكيف تكون إعانته على المعصية التي هي معصية أخرى منتجة للجواز، وإذا كان الرجوع قبل القضاء غير جائز فبعده كذلك؛ لأن قضاء القاضي لا يحلل
стр. 1775
الحرام، ولا يحرم الحلال وإنما قضاء القاضي إعانة لصاحب الحق على وصوله إلى حقه، فإذا كان الرجوع في الهبة لا يحل، لا يصير بالقضاء حلالاً، والقاضي غير مشرع.
وقد اعترف المصنف بعد ذلك بأن في أصل الرجوع في الهبة وهاء، فيكف يسوغ للقاضي الإقدام على أمرٍ واهٍ ضعيف مكروه، فليحذر الحاكم من مثل هذا، وليعلم أنه موقوف ومسؤول وليعد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، ولا يقال: إن اشتراط القضاء ليرتفع الخلاف، لأن القضاء في مسائل الخلاف إما يشترطه المخالف في ثبوت الحكم لا القائل بثبوته.
قوله: (وإثباته للوالد لأنه بتملكه للحاجة، وذلك يسمى رجوعًا).
فيه نظر فإن النبي ﷺ أطلق استثناء الوالد، ولم يقيد جواز رجوعه -فيما وهب لولده- بالحاجة، فيجب إجراؤه على إطلاقه، وليحصل الفرق بين أخذه من مال ولده ورجوعه فيما وهبه إياه.
стр. 1776
قوله: (لقوله ﵊: "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم، لم يرجع فيها").
أخرجه الدارقطني من حديث سمرة ﵁، وتقدم تضعيف البيهقي له.
قوله: (لأنه ﵊ "نهى عن بيع وشرط").
تقدم التنبيه على ضعفه في البيوع.
قوله: (ولهما أنه ﵊: "أجاز العمرى، ورد الرقبى").
стр. 1777
لم يثبت رد الرقبى، ولأبي داود والنسائي وحسنه الترمذي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها" فظهرت قوة قول أبي يوسف ﵀، وهو مذهب أحمد والثوري.
وقال ابن المنذر: روينا عن علي ﵁ أنه قال: "الرقبى والعمرى سواء" انتهى والله أعلم.
стр. 1778
كتاب الإجارات
قوله: (والقياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه المنفعة، [وهي معروفة] وإضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح إلا أنا جوزناه لحاجة الناس إليه وقد شهدت بصحتها الآثار).
في كون القياس يأبى جوازه نظر، ولم يذكر على ذلك دليلاً إلا أن إضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح، وهذا الذي جعله دليلاً يحتاج إلى دليل، وما سيوجد نوعان: منافع وأعيان، وقياس أحدهما على الآخر فاسد، لوجود الفارق بينهما، فإن المعنى الجامع بينهما وهو كون كل منهما معدومًا يعارضه المعنى الفارق وهو أقوى منه وهو أن هذا معدوم يمكن تأخر بيعه إلى زمن وجوده بخلاف الآخر.
وقد أجرى الله العادة بحدوث هذه المنافع فصارت متحققة الوجود فإلحاق المعدوم المتحقق الوجود بالموجود أظهر من إلحاقه بالمعدوم المظنون الوجود، أو ما لوجوده غاية يمكن تأخير العقد إلى أن يوجد، فإن ما
стр. 1779
لوجوده حال وجود وعدم، في بيعه حال العدم مخاطره وقمار، وبذلك علل النبي ﷺ المنع حيث قال: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق".
وأما ما ليس له إلا حال واحدة والغالب فيه السلامة، فليس العقد عليه مخاطرةً ولا قمارًا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، فإن قيل: فهذا هو الذي أريد بقولهم على خلاف القياس.
قيل: إن أريد أن الفرع اختص بوصف أوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد.
وإن أريد أن الأصل والفرع استويا في المتقضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل ليس في الشريعة منه مسألة واحدة، والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفًا لاستوائهما باعتبار الجامع وهذا هو القياس الصحيح طردًا وعكسًا وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين.
وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقضي الحكم أو يمنعه
стр. 1780
فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع بإبطاله كما أبطل قياس الربا على اليع، وقياس الميتة على الذكية، وقياس المسيح ﵇ على الأصنام، وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته فكيف يعذبه بعبادة غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به بخلاف الأصنام، ومن سوى بين شيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود، وهذا من أعظم الغلط، بقي أن يقال أن موجب العقد التسليم في الحال.
وجوابه: أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد، أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه، وكلاهما متنفٍ في هذه الدعوى،
стр. 1781
فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع يستحق به التسليم عقيب العقد ولا العقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارة يشترطان التأخر إما في الثمن وإما في المثمن.
وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير تسليم المبيع كما كان لجابر غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة، واتفق العلماء على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة، بل قالوا: هذا مستثنى بالعرف، وكذلك من اشترى ثمرة قد بدا صلاحها ليس عليه أن يجمع القطافين في آن واحد ويقطعها جملة واحدة، وإنما يقطعها كما جرت العادة فكذلك المنافع التي جرى عليها عقد الإجارة بتسليمها المستأجر تسلم مثلها عند تجددها.
قوله: (إلا أن في الأوقاف لا تجوز الإجارة الطويلة كي لا يدعي المستأجر ملكها وهي ما زاد على ثلاث سنين وهو المختار).
стр. 1782
في اختيار التقدير بثلاث سنين نظر، ولو جعل التقدير فيه مختلفًا بحسب الأشخاص والأحوال لكان أولى وليس على التقدير بثلاث سنين دليل.
قوله: (وإن استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه: فذهب فوجد فلانًا ميتًا فرده فلا أجر له وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: له الأجر في الذهاب -إلى آخر الباب-).
ذكر صاحب المنظومة قول أبي يوسف مع محمد رحمهما
стр. 1783
الله، والقول باستحقاقه جميع الأجرة أظهر كما هو مذهب أحمد وشرطه عليه أن يجيء بالجواب لا يمنع استحقاقه لجميع الأجرة إذا لم يجيء بالجواب لكونه وجده ميتًا لإتيانه بما يقدر عليه وهو قطع المسافة إليه وعدم الإتيان بالجواب لم يكن بتفريط منه، وعوده بالكتاب أولى من تركه في تلك البلدة لاحتمال أن يكون فيه سر لا يريد اطلاع غيره عليه، فهو في إعادته الكتاب محسن لا ينبغي أن ينقص من أجرته بسبب ذلك شيء فإذا استحق أجرة بالذهاب لو ترك الكتاب هناك فاستحقاقه بعوده به أولى لاحتمال وقوع كتابه في يد عدو وفيه ما يخشى عليه بسببه، أو أن إعادته مساوية لتركه لعدم الانتفاع به لغير المرسل إليه.
وعلى كل تقدير؛ فالقول بأن هذا المسكين يضيع تعبه وسفره الذي هو قطعة من العذاب بغير شيء من غير تفريط منه في غاية الإشكال، وأشكل من هذا المسألة الثانية: وهي ما إذا استأجره ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة فذهب به فوجده ميتًا فرده أنه لا أجر له في قولهم جميعًا خلافًا لزفر ﵀.
стр. 1784
وقول زفر أظهر فإن هذا المحمول قد يكون أوساقًا كثيرة فيحمله المسكين على جماله إلى تلك البلدة ثم يعود به من غير تفريط فيه كيف لا يستحق شيئًا من الأجرة؟ لكن قد نقل عن زفر ﵀ أنه لو ذهب بالطعام إلى البصرة فوجده حيًا ولم يسلمه إياه وعاد به أنه يستحق الأجرة وهذا مشكل أيضًا فإنه فرط عن قصد فينبغي أن يعاقب بالحرمان بخلاف الأول فإنه لم يفرط.
стр. 1785
باب الإجارة الفاسدة
قوله: (ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها، بل بالعقد لحاجة الناس إليها فيكتفي بالضرورة في الصحيح منها، إلا أن الفاسد له تبع).
هذا الكلام مرتب على ما تقدم من أن الإجارة على خلاف القياس وتقدم الكلام في ذلك وأنها على وفاق القياس الصحيح ولا فرق في التحقيق بين تقويم الأعيان بالنقدين وبين تقويم المنافع بها ومعرفة ثمن المثل بمنزلة معرفة أجرة المثل، وسواء قيل إن العوض لا يبقى زمانين أو يبقى فإن ذلك لا
стр. 1786
يمنع من معرفة مقدارها وضبطه، وجمهور العلماء على أن تقوم المنافع لا يتوقف على العقد وسيأتي لذلك زيادة بيان في الغصب إن شاء الله تعالى.
وقد أفتى متأخرو المشايخ بأن منافع الوقف تضمن بالغصب من غير عد لما رأوا من ضعف هذا الأصل وفساد لازمه، وإذا قيل بتقويم منافع الوقف فما الفرق بينهما وبين منافع مال اليتيم إذ الولاية عليهما نظرية؟ بل أي فرق بينهما وبين مال المسلم؟ بل ومال المعاهد فإن ذلك كله معصوم يجب صيانته تغريم المعتدى عليه.
قوله: (وله أنه متى تم الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة وهكذا إلى آخر السنة ونظيره العدة، وقد مر في الطلاق).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: وقد مر في الطلاق. فإنه لم يمر في الطلاق ذكر هذا الاختلاف وهو أن الأشهر كلها عند أبي حنيفة تعتبر بالأيام، وعندهما الباقي بعد الأول والآخر بالأهلة.
стр. 1787
والثاني: كون ابتداء الثاني بالأيام ضرورة بعد تكميل الأول بالأيام فإنه إنما يتيم الاستدلال به على أن الأشهر كلها بالأيام ثلاثين ثلاثين أن لو كان تكميل الأول من الثاني بالأيام ضروريًا، وهو إنما قال: متى تم الأول ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة وإذا لم يثبت أن تكميل الأول من الثاني بالأيام ضروري لم يثبت أن تكميل الثاني والثالث ضروري وهلم جرًا.
ولا حاجة أن يقول بالعدد، بل ينظر اليوم الذي هو المبدأ من الشهر الأول فتكون النهاية مثله من الشهر الآخر، فإن كان أول ليلة من الشهر الأول كانت النهاية في مثل تلك الساعة بعد كمال الشهور، وهو أول ليلة بعد انسلاخ الشهور وإن كان في اليوم العاشر من المحرم كانت النهاية في اليوم العاشر من الحرم أو غيره على قدر عدد الشهود المحسوبة وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وعليه عمل الناس إلا من غير عن فطرته بتقليد أو شبهة.
ويؤيده اتفاق أهل النقل على أن الأربعة الأشهر المذكورة في قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ﴾، كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفرًا وربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر.
وهذا قول زفر حكاه عنه أبو بكر الرازي في أحكام القرآن ولا يلزم أن
стр. 1788
تكون الشهور المحسوبة بالأيام ثلاثين ثلاثين وإن كنا قد أمرنا إذا غم علينا الهلال في شعبان أن نكمل العدة لأن الشهر كما يكون ثلاثين يومًا يكون تسعة وعشرين يومًا، وقد قال النبي ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وخنس إبهامه في الثالثة" ليبين أن الشهر الشرعي يكون تسعة وعشرين، كما يكون ثلاثين.
فمن التزم كونه ثلاثين أو تسعة وعشرين فقد أخطأ، أو ليبين أن عدد الشهر اللازم الدائم تسعة وعشرون، فأما اليوم الزائد فأمر جائز يكون في بعض الشهور دون بعض، وهو ﷺ "لما آلى من نسائه شهرًا دخل على عائشة في اليوم الثلاثين وأخبر أن الشهر تسعة وعشرون".
وفي رواية متفق عليها "أن الشهر يكون تسعًا وعشرين" فيحتمل أن
стр. 1789
ذلك الشهر الذي آلى فيه النبي ﷺ ، ويحتمل أنه أخذ بالرخصة فحسب الشهر تسعة وعشرين؛ لأنه يكون تسعة وعشرين و"ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا".
قوله: (وقد قال ﵊: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن").
إنما يعرف هذا من كلام عبد الله بن مسعود ﵁ أخرجه أحمد وعثمان بن سعيد الدارمي وابن بطة.
стр. 1790
قال ابن عبد الهادي في الكلام على أحاديث المختصر: وقد أخطأ بعضهم فرفعه ثم قال: وقد روي مرفوعًا من حديث أنس لكن إسناده ساقط.
قوله: (وفي آخر ما عهد رسول الله ﷺ إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي "وإن اتخذت مؤذنًا فلا يأخذ على الأذان أجرًا").
ليس لفظ الحديث هكذا، وإنما لفظه: عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "إن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". أخرجه/ أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
следующие страницы →