Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
ولكن لفظه: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وليس فيه: "ولا يورث".
قوله: (وليس للنساء من الولاء إلا ما إعتقن أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، بهذا اللفظ ورد الحديث عن النبي ﷺ وفي آخره: "أو جر ولاء معتقهن").
هذا الحديث منكر لا أصل له، وجعله البيهقي قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃.
стр. 1822
كتاب الإكراه
قوله: (لأن خبيبًا ﵁ صبر على ذلك حتى صلب، وسماه النبي ﷺ : "سيد الشهداء"، وقال في مثله: "هو رفيقي في الجنة").
ذكر سرية عاصم وقتل خبيب في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وأخرجه أحمد وأبو داود أيضًا، ولكن لم يكره على الرده، وإنما قتل بالحارث بن عامر بن نوفل، وكان قد قتله يوم بدر فاشتراه بنوه فقتلوه به، وليس فيه "وسماه النبي ﷺ سيد الشهداء"، وإنما ورد عنه ﷺ أنه قال ذلك لحمزة عمه ﵁، ذكره أبو عمر، ولا أدري في حق من
стр. 1823
قال: "هو رفيقي في الجنة".
وقال الأصحاب في كتب الفقه أنه قال ذلك في حق خبيب.
وقال السغناقي: إن المثل المذكور في الكتاب بقوله: وقال في مثله. صلة أو عبارة عن الذات. انتهى، وليس ذلك في كتب الحديث، ولكن لا شك أنه رفيقه في الجنة هو وجميع الصحابة ﵃ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
стр. 1824
كتاب الحجر
قوله: (لقوله ﵊: "كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه").
تقدم التنبيه على ضعف هذا الحديث في كتاب الطلاق.
قوله: (ولقوله ﵊: "لا يملك العبد والمكاتب شيئًا إلا
стр. 1825
الطلاق").
هذا الحديث منكر لا أصل له.
قوله: (ولأبي حنيفة أنه مخاطب عاقل فلا يحجر عليه اعتبارًا بالرشيد ... إلى أخره).
في اعتباره بالرشيد نظر، وقد فرق الله تعالى بينهما، ومنع من دفع المال إلى البالغ العاقل إذا بلغ غير رشيد فكذلك إذا ظهر السفه عليه بعد الرشد فاعتبار السفه الطارئ بعد الرشد بالسفه المستمر بعد البلوغ أولى من اعتباره بالرشد.
وحكى صاحب المغني وغيره أن ذلك إجماع الصحابة، فظهرت قوة قول الصاحبين، وهو قول الأئمة الثلاثة وغيرهم.
стр. 1826
وكذلك قولهما في استمرار الحجر أبدًا على السفيه حتى يؤنس منه الرشد أقوى من قول أبي حنيفة ﵀ أنه يسلم إليه ماله إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، وإن لم يؤنس منه الرشد؛ لأن سبب الحجر وهو السفه قائم يجب اعتباره.
والتقدير بالرأي لا يقوى، كيف وإنه في مقابلة إجماع الصحابة، كيف وإنهم يقولون: إن المقادير لا تعرف إلا بالسماع، وقد أمر الله بحفظ الأموال ونهى عن إضاعتها وأنزل آية الدين لذلك، وهي أطول آية في القرآن.
وقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفًا﴾ وهذه الآية تشمل كل سفيه.
قوله: (ويترك عليه دست من ثياب بدنه ويباع الباقي لأن به كفاية، وقيل: دستان لأنه إذا غسل ثيابه لابد له من ملبس).
ينبغي أن يختلف الجواب في ذلك باختلاف أحوال الناس، وقد قال
стр. 1827
النبي ﷺ "لما قيل له: أتجزئ صلاة أحدنا في الثوب الواحد؟ أو كلكم له ثوبان؟ " فيترك عليه المديون ما يحتاج إليه أمثاله عادة وإلى مثل هذا وقعت إشارة الأصحاب في الفتاوى.
قوله: (ومن أفلس وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة الغرماء فيه).
قال أبو بكر بن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أفلس فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره" وبما ثبت عن رسول الله ﷺ نقول، وقد روينا عن عثمان وعلي وغيرهما هذا القول، ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ خالف عثمان وعليًا.
وبه قال عروة بن الزبير ومالك والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن
стр. 1828
والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: هو أسوة الغرماء، روينا هذا القول عن الحسن البصري والنخعي، وبه قال النعمان وابن شبرمة، قال أبو بكر: والسنة مستغنى بها عن كل قول، وقد بلغني أن بعض من خالف السنة تأول قوله: فوجد/ رجل متاعه بعينه، أي أمانة أو وديعة ففي حديث أبي هريرة ما يبطل هذه الدعوى، قال: قال النبي ﷺ : «إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها دون الغرماء» انتهى.
والحديث الأول ذكره ابن المنذر رواه الجماعة، والثاني الذي فيه أنه
стр. 1829
لصاحبه الذي باعه رواه أحمد ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ وأبو داود بألفاظ مختلفة وكفى بالسنة مستغني بها عن كل تعليل، وقد ذكر بعض الأصحاب أنه ورد في رواية «فهو أسوة غرمائه» وهذا لم يرد مرفوعًا.
وإنما ورد عن علي ﵁ من طريق ضعيف لم يثبت ولا يصلح لمعارضة الحديث الصحيح المتفق على صحته.
стр. 1830
قوله: (وإنما المستحق وصف في الذمة- أعني الدين- وبقبض العين بتحقق بينهما مبادلة، هذا هو الحقيقة فيجب اعتبارها إلا في موضع التعذر كالسلم لأن الاستبدال ممتنع فأعطى للعين حكم الدين).
تقدم في باب الوكالة بالخصومة ما في هذا المعنى من الأشكال وأن من استوفى دينه فقد استوفى عين حقه لا أن هذا بدل حقه، وأن ذمة المديون اشتغلت بوصف لا يمكن تفريغها منه إلا بالإبراء بل قد أدى ما عليه كما إذا دفع زكاة ماله إلى الفقير فقد دفع ما عليه فإن الذي عليه فإن الذي عليه أن يدفع من ماله هذا المقدار وقد فعل.
وكذلك المديون وكأن الشبهة حصلت والله أعلم من أن هذا الذي دفعه المديون هو بدل ما أخذوه من رب الدين مبيعًا كان أو قرضًا أو غير ذلك فحقه هو هذا البدل لا أن هذا بدل ذلك البدل، وإلا لزم أن يكون هذا الذي دفعه المديون بدل البدل فاشتبه بدل مال رب الدين ببدل حق رب الدين الذي هو بدل ماله والله أعلم.
ومن طرح الهوى تبين له أن ذمة المديون لم تشتغل بغير ما أداه وإن خالف ذلك فهو تدقيق بغير تحقيق، وليس كل معنى دقيق حقًا، ولا عبرة للباطن لبطونه ولا للظاهر لظهوره، وإنما العبرة لقوة الدليل والله أعلم.
* * *
стр. 1831
كتاب المأذون
قوله: (وكذا بالغبن الفاحش عند أبي حنيفه ﵀ خلافًا لهما).
تقدم في كتاب الوكالة ما في ذلك من الإشكال وأن المعروف كالمشروط والعبد وإن كان يتصرف بأهلية نفسه لكنه يتصرف في ملك سيده لأنه وما يملكه لمولاه.
قوله: (ولو حابى في مرض موته يعتبر من جميع المال إذا لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين فمن جميع ما بقى لأن الاقتصار في الحر على الثلث لحق الورثة ولا وارث للعبد).
هذا على قول أبي حنيفة ﵀، وتقدم أن قول أبي يوسف ومحمد أظهر.
стр. 1832
وهنا إشكال آخر وهو أن المحاباة في مرض الموت قد منع منها لتعلق حق الوارث فلأن يمنع المأذون منها- لأن حقيقة الملك- أولى، وكون العبد لا وارث له- لأن ما في يده لمولاه فلا يرث المولى مال نفسه- مما يوجب المنع من المحاباة لا جوازها وإنما التزم هذا على قول أبي حنيفة ﵀ لأن المأذون لا فرق بين حال مرضه وحال صحته، ولكن ذلك مما يرجح عدم جواز محاباته في الحالين لا عكسه لما تقدم والله أعلم.
قوله: (قال ﵊: «الزارع يتاجر ربه»).
هذا حديث منكر لا أصل له.
قوله: (ولنا أنه إسقاط الحق وفك الحجر على ما بيناه، وعند ذلك تظهر مالكية فلا يختص بنوع دون نوع).
قول زفر والشافعي رحمهما الله أظهر فإن إسقاط الحق وفك الحجر مما يقبل التجزي بخلاف العتق والطلاق، فاعتبار الإذن في التجارة بالعتق لا يقوى مع أن تجزي العتق من مسائل النزاع لا من مسائل الإجماع.
стр. 1833
ولا مانع من أن يكون العبد مأذونًا له في نوع من أنواع التجارة دون غيره وقد قصد سيده ذلك وإن كان يتصرف في ذلك النوع بأهلية نفسه لا بطريق النيابة عن سيده، فإنه لا يستفيد ولاية التصرف إلا من جهة سيدة فيتقيد بتقييده وهو قد نهاه عن هذا النوع من التصرف فكيف لا يعتبر نهيه، وصار كالوكالة والمضاربة، وهو اختيار الطحاوي.
والمسألة مبسوطة في موضعها وإنما الغرض التنبيه على الأشكال ليتأمل المفتي والحاكم ولا يسرع في مثل هذا.
* * *
стр. 1834
كتاب الغصب
قوله: (وفي الشريعة أخذ مال متقوم محترم/ بغير إذن المالك على وجه يزيل يده حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصبًا دون الجلوس على البساط).
هذا الحد يحتاج في إثباته إلى دليل لا أن يكون هو دليلًا، وقد أورد السغناقي عليه نقضًا بفرع نقله عن فتاوي خان وعن الذخيرة، وهو أن من غصب عجلًا، فاستهلكه وانقطع لبن أمه أنه يضمن الغاصب قيمة العجل ونقصان الأم، وإن لم يفعل الغاصب في الأم فعلًا يزيل يد المالك.
ولا يشترط عند جمهور العلماء إزالة يد المالك عن المغصوب بل إثبات يد العدوان كاف لتحقيق الغصب، وتظهر ثمرة الاختلاف في زوائد المغصوب مثل الولد والثمرة وفي غير ذلك، ومثل ذلك يسمى غصبًا لغة.
والأصل في الألفاظ الشرعية أن تكون على وفاق اللغة إلا ما خرج
стр. 1835
بدليل، فزيادة اشتراط إزالة يد المالك حقيقة- حتى إنه لو غصب أتانًا فتبعها جحشها، ثم تلفا أنه لا يضمنه وإنما يضمن أمه فقط.
وكذلك زوائد المغصوب كلها أمانة في يد الغاصب لو تلفت في يده لا يضمنها- تحتاج إلى دليل خاص نقلي، والمسألة معروفة والغرض التنبيه على إشكالها، وفي كلام المصنف هنا مؤاخذة لفظية، وهي في قوله: (وحمل الدابة) يعني والحمل عليها، وحقه أن يقول: وتحميل الدابة؛ لأن حمل لا يتعدى بنفسه إلى اثنين وإنما يتعدى بنفسه إلى واحد، وإلى آخر بحرف الجر تقول: حملت المتاع على الدابة، فيصح إضافة المصدر منه إلى المتاع لا إلى الدابة.
فتقول: حمل المتاع، ولا تقول: حمل الدابة، إلا أن يضعف الفعل فيتعدى إلى اثنين بنفسه، تقول: حملت الدابة المتاع، فحينئذ تصح إضافة مصدره إلى الدابة فتقول: تحمل الدابة؛ لأن التحميل مصدر حمل المضعف للتعددية.
قوله: (وما لا مثل له فعليه قيمته يوم غصبه، معناه العدديات المتفاوتة).
стр. 1836
اختلف العلماء في غير المكيل والموزون على ثلاثة أقوال وهي روايات عن أحمد ﵀:
أحدها: أنها تضمن بالقيمة، هذا هو المشهور من أقوالهم.
الثاني: أنها تضمن بالمثل بحسب الإمكان، وهو قول طائفة من أهل الحديث.
والثالث: أن الحيوان يضمن بالمثل وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة، واختلفوا في الجدار يهدم هل يضمن بقيمته أو يعاد مثله على قولين وهما للشافعي، والذي عليه ظاهر الكتاب والسنة وهو مقتضى القياس الصحيح أن الجميع يضمن بالمثل تقريبًا.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وقوله
стр. 1837
تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، وقوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾، وقوله تعالى: ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾، والمهر قد يكون حيوانًا وثوبًا وظاهره المثل الصوري.
وأما السنة فعن أنس ﵁ قال: أهدت بعض أزواج -النبي ﷺ إليه طعامًا في قصعة فضربت عائشة ﵂ القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ : «طعام بطعام وإناء بإناء» رواه الترمذي وصححه وهو بمعناه لسائر الجماعة إلا مسلمًا.
وعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت صانعة طعامًا مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ فقال: إناء كإناء وطعام كطعام» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
стр. 1838
ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: استقرض رسول الله ﷺ سنًا فأعطى سنًا خيرًا من سنه، وقال: «خياركم أحسنكم قضاء» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وفي لفظ قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن، فلم يجدوا إلا سنًا فوقها، فقال: «اعطوه»، فقال: أوفيتني أوفاك الله، فقال النبي ﷺ : «إن خيركم أحسنكم قضاء» متفق عليه.
وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فصلانًا بفصلان مثلها، وبالمثل قضى شريح والعنبري وقال به قتادة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
стр. 1839
وأما القياس الصحيح فهو أن القصعة بالقصعة، والبعير بالبعير إذا اتفقا في الصفقة تقريبًا أشبه من القصعة بالدراهم أو البعير بالدراهم فإن/ القيمة إنما تعرف بالظن الغالب.
وكذلك الشبه والتفاوت الذي يبقى بعد ذلك يغتفر كما يغتفر في المكيل والموزون فإن أرباب الخبرة إذا نظروا في الثوبين أو الشاتين ونحو ذلك فهموا ما بينهما من الشبه كما يفهمون التفاوت في المكيل والموزون، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله ﷺ : «إناء كإناء وطعام كطعام».
فالأمر دائر بين شيئين إما أن يضمنه بالقيمة، وهي دراهم مخالفة للمتلف في الجنس والصفة لكنها تساويه في المالية، وإما أن يضمنه ثيابًا من جنس ثيابه أو آنية من جنس آنيته أو حيوانًا من جنس حيوانه مع مراعاة الصفة بحسب الإمكان ومع كون قيمة بقدر قيمته فهنا المالية مساوية كما في النقدين وامتاز هذا بالمشاركة في الجنس والمقاربة في الصفة.
والنقد مخالف في الجنس والصفة، فكان ذلك أمثل من هذا، وما كان أمثل فهو أعدل فيجب الحكم به إذا تعذر المثل من كل وجه، ونظير هذا ما ثبت من الضربة واللطمة، سيأتي التنبيه عليه في الديات إن شاء الله تعالى،
стр. 1840
وليس مع من أوجب القيمة نص ولا إجماع ولا قياس يصلح لمعارضة ذكر، وأكبر ما معهم قوله ﷺ : «من أعتق شركًا له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ولا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد».
قال الآخرون: سمعنا وأطعنا لله ولرسوله، وهذا التضمين ليس من باب تضمين المتلفات بل هو من باب تملك مال الغير بقيمته للضرورة فإن نصيب الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه فلابد من دخوله في ملكه ليعتق عليه.
ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك وأن الولاء له، وإن تنازعوا هل يسري عقيب أو لا يعتق حتى يؤدي القيمة أو يكون موقوفًا فإذا أدى تبينًا أنه عتق من حين العتق فالتضمين هنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذنا بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف ولكن من باب التقويم بالدخول في الملك، لكن الشفيع أدخل الشارع الشقص في ملكه بالثمن باختياره
стр. 1841
والشريك المعتق أدخل الشقص في ملكه بالقيمة بغير اختياره وكلاهما تملك، هذا بالثمن وهذا بالقيمة، فهذا شيء وضمان المتلف شيء، بل قد تقدم في كتاب أدب القاضي أن ضمان الإعتاق ليس بدين مطلق، بل هو صلة، حتى قال أبو حنيفة: إن الشرك إذا أعتق نصيبه في عبد مشترك وهو موسر ثم مات أنه يسقط عنه الضمان، وتقدم ما فيه من الإشكال.
قالوا: وأيضًا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدل على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة، والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما مالًا ينقسم كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك، فحق كل منهما في نصف القيمة فإذا اتفقا على المهايأة جاز وإن تنازعا وتشاحا بيعت العين وقسم ثمنها بينهما على قدر ملكيهما كما ينقسم المثلى في عينه وفي المتقوم عند التشاجر والتنازع في قيمته فلولا أن حقه في القيمة وإلا لما أجيب إلى البيع
стр. 1842
إذا طلبه، وإذا ثبت ذلك، فإذا أتلف له نصف عبد فلو ضمناه بمثله لفات حقه من نصف القيمة الواجب له شرعًا عند طلب البيع.
والشريك إنما حقه في نصف القيمة وهما لو تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة بخلاف المثلي فإنه لو تقاسماه تقاسما عينه، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالمثل.
قالوا: فهذا هو الميزان الصحيح طردًا وعكسًا الموافق للنصوص وآثار الصحابة وهو في القوة كما ترى.
قوله: (وقيل الموجب الأصلي رد القيمة ورد العين مخلص ويظهر ذلك في بعض الأحكام).
ما ينبغي أن يحكي هذا القول، فإنه قولٌ ظاهرُ الشرع يرده كما في الحديث الذي ذكره المصنف قبل ذلك، وقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 1843
وقوله ﷺ : «وليس لعرق ظالم حق» رواه أبو داود والدارقطني ولا شك أن القيمة بدل عن العبن، وكيف يقال: إن البدل أصل بل هذا قلب الموضوع، وذلك البعض من الأحكام الذي أشار إليه بقوله: ويظهر ذلك في بعض الأحكام، وهو صحة الإبراء عن الضمان والكفالة بالمغضوب قبل تلفه.
فأما صحة الإبراء عن/ ضمان قيمة المغصوب قبل تلفه فلا يلزم منها أن يكون الموجب الأصلي القيمة، بل إنما صح الإبراء؛ لأن الغضب سبب الضمان فصح الإبراء عنه بعد انعقاد سببه كالعفو عن القصاص بعد الجرح فهو بالإبراء رضي أن يبقى في يد الغاصب على جهة الأمانة كالمودع والمستعير.
وأما صحة الكفالة بالمغصوب قبل تلفه فلا يلزم منها أن يكون الموجب الأصلي رد القيمة أيضًا، بل هذا من نحو الكفالة بالدرك وبما دأب لك على
стр. 1844
فلان، ومبنى الكفالة على التوسع.
وأما ما قيل: إن الزكاة لا تجب على الغاصب في قدر قيمة المغصوب من ماله فقول لا يستحق أن يحكي إلا على وجه الإنكار له، والله أعلم.
قوله: (ولهما أن الغصب إثبات بإزالة يد المالك بفعل في العين وهذا لا يتصور في العقار إلى آخره).
تقدم أن اشترط إزالة يد المالك حقيقة عن المغصوب يحتاج إلى دليل، وما ذكره من تفسير الغصب بأنه إثبات يد المالك في العين، مجرد دعوى يستدل لها لا يستدل بها، بل قد وردت السنة بأن العقار يتحقق فيه الغصب، من ذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طوقه الله من سبع أرضين» متفق عليه.
وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» متفق عليه.
стр. 1845
وفي لفظ لأحمد: «من سرق»، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حق طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» رواه أحمد.
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبعين أرضين» رواه أحمد والبخاري.
وعن الأشعث بن قيس ﵁ «أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضر موت اختصما إلى النبي ﷺ في أرض باليمن فقال الحضرمي: يا رسول الله أرضي اغتصبها هذا وأبوه، فقال الكندي: يا رسول الله
стр. 1846
أرضي ورثتها من أبي، فقال الحضرمي: يا رسول الله استحلفه أنه ما يعلم أنها أرضي وأرض والدي اغتصبها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله ﷺ : «إنه لا يقتطع عبد أو رجل بيمينه مالًا إلا لقى الله يوم يلقاه وهو أجذم»، فقال الكندي: هي أرضه وأرض والده» رواه أحمد، ولا شك أن الاستيلاء على كل شيء بحبسه فمن سكن داره غيره ومنعه أن يدخلها صار كمن غصب متاعًا وحال بينه وبين مالكه بخلاف من أبعد رجلًا عن متاعه فإنه ما استولى على ماله فنظيره ها هنا أن يحبس المالك ولا يستولى على داره.
قوله: (ومن غصب ألفًا فاشترى به جارية فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف يتصدق بجميع الربح وهذا عندهما إلى آخره).
يعني عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يطيب له الربح، وفي المسألة قول آخر، وهو أنهما شريكان في الربح؛ لأنه نماء المال، ونماء عمل الغاصب فصار بمنزلة المضاربة، وهذا أعدل الأقوال.
стр. 1847
وهو رواية عن أحمد ودليله ما فعله عمر مع ولديه عبد الله وعبيد الله في المال الذي اتجر فيه من بيت المال «فإنهما خرجا في جبش إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالًا وابتاعا به ممتاعًا وقدما به إلى المدينة فباعاه وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله، فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا؟ فقال: قد جعلته، وأخذ منهما نصف الربح» رواه مالك.
زيد بن أسلم عن أبيه، وأيضًا فإن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، والغاصب في هذه التصرفات متفضل فإن رأى المالك المصلحة في جعله مضاربة جعله، وهذا المعنى هو الذي رآه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 1848
فصل فيما يتغير بعمل الغاصب:
قوله: (و [و] جه آخر لنا فيه أن فيما ذهب إليه ضررًا بالغاصب بنقص بنائه الحاصل من غير خلف، وضرر المالك فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة فصار كما إذا خاط بخيط مغصوب بطن جاريته أو عبده أو أدخل اللوح المغصوب في السفينة).
للمخالف أن يجيب عن هذا بأن الضرر الذي يحصل للغاصب هو الذي جناه/ على نفسه وقد قال ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» ولا يصار إلى جبر ضرر المالك بالقيمة مع قيام عين ماله واعتباره بما إذا خاط بخيط بطن أمته أو عبده لا يقوى فإن في هذا إتلاف النفس ولا يمكن تدارك النفس بعد إتلافها بخلاف البناء خصوصًا نفس الآدمي حتى لو كان خاط بالخيط بطن شاة أو نحوها، فهو نظير البناء فيؤخذ الخيط وإن خيف تلف الشاة تذبح.
стр. 1849
وكذلك اعتباره بإدخال اللوح المغصوب في السفينة لا يقوى فإن فيه تفصيلًا عند المخالفين فإن كان اللوح في أسفل السفينة وهم في لجة البحر يأخذ القيمة وله أن يعيد القيمة إذا وصلوا إلى الساحل ويأخذ لوحه.
وإن كانت السفينة بالشط فله قلع اللوح من السفينة، وكذلك إن كان في أعلى السفينة بحيث لا يخشى من قلعة الغرق فله قلعه، وإن كانوا في لجة البحر، فبطل الإلزام بالخيط واللوح فإن المخالفة لم يعتبر مطلق الضرر، وإنما اعتبر الضرر الكامل الذي يلزم منه إتلاف الأنفس، فلا يقاس عليه ما هو دونه.
وتفصيل الكرخي والفقيه أبي جعفر بين ما إذا بنى على الساحة أو
стр. 1850
بنى حولها لا يقوى؛ لأنه في كلا الموضعين متعد على مال الغير ظالم مستول عليه بغير حق، فدخل تحت قوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» فليس لما بناه الغاصب وأعلاه حرمة، ولصاحب الحق اليد واللسان ويستحق الإعانة على ظالمه من كل قادر على إعانته.
قوله: (فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعًا ويكون له؛ لأن فيه نظرًا لهما ودفع الضرر عنهما).
وقوله: (قيمته مقلوعًا، معناه: قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه لأنه حقه فيه إذ لا قرار له [فيه]، فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء، وتقوم وبها شجر أو بناء لصاحب الأرض أن يأمر بقلعه فيضمن فضل ما بينهما).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه ينبغي أن لا يحتاج إلى ما ذكره أخيرًا من تقويم الأرض
стр. 1851
بالبناء والغرس، وتقويمها بدونها، بل يقوم البناء أو الغرس مقلوعًا ويضمن له قيمته كما قال أولًا، فإن قيل: إنما يفعل ذلك فرارًا من تملك مال الغير بغير رضاه، قيل: هكذا قد قلتم هنا، وإنما اختلفت العبارة وطالت فقط.
الثاني: أن قواعد المذهب تقتضي أن يكون الحكم الذي ذكره المؤلف فيما إذا كانت قيمة البناء أو الغرس أقل من قيمة الأرض، وأما إذا كانت أكثر فلا يقال للغاصب: اقلع، بل يضمن الغاصب قيمة الأرض.
وكذا حكى أبو علي النسفي عن الكرخي، وحكى مثله في الساجة، وحكى مثله عن محمد في الدجاجة إذا ابتعلت لؤلؤة لغير مالكها ونحو ذلك من المسائل وإن كانت القاعدة ضعيفة من أصلها.
стр. 1852
قوله: (ولنا أنه ملك البدل بكماله، والمبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك، فملكه دفعًا للضرر عنه).
للمخالف أن يقول: إنما أخذ البدل بناءً على تلف المغصوب، فإذا كان المغصوب قائمًا فوجوب رده باقٍ على الغاصب بمنزلة البيع الباطل وقبوله للناقل مشروط بالتراضي في الشرع، ولم يوجد من حيث الحقيقة وإن كان من حيث الصورة، والعبرة للحقائق.
وقوله: (دفعًا للضرر) يعني عن الغاصب - فيه نظر، فإنه في حقيقة الأمر ظالم بدفعه القيمة ليملك العين بذلك، يستحق أن يعامل بضد قصده كما في قتل المورث وطلاق الفارّ، ولا يعامل بما يختاره مع عدوانه وظلمه، ولا يصلح أن يكون العدوان المحض سببًا للملك الشرعي.
وقد قال بعض الأصحاب: إن الملك يثبت للغاصب شرطًا للقضاء بالقيمة
стр. 1853
لا حكمًا ثابتًا للغصب مقصودًا، ولا يفيد هذا الكلام شيئًا أيضًا فإن القضاء لا يغير الوصف الشرعي عما هو عليه فلا يجعل الحرام حلالًا ولا الحلال حرامًا.
قوله: (ولنا أنها حصلت على ملك الغاصب لحدوثها في إمكانه إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك لأنها أعراض [لا تبقى] فيملكها دفعًا لحاجته، والإنسان لا يضمن ملكه، كيف وإنه لا يتحقق غصبها وإتلافها لأنه لا بقاء لها، ولأنها لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها وبقاء الأعيان، وقد عرفت هذه المآخذ في المختلف، ولا نسلم أنها متقومة في
стр. 1854
ذاتها بل تتقوم ضرورة عند ورود العقد، ولم يوجد العقد).
فيه نظر من وجوه: أحدها: قوله: أنها حصلت على ملك الغاصب لحدوثها في إمكانه، وهذا ممنوع، وإنما [حصلت على ملك المغصوب منه لحدوثها في ملكه إذ الأعراض قائمة بالأعيان لا قيام لها بأنفسها، والأعيان [حصلت] على ملك المغصوب منه فالأعراض كذلك، والغاصب ظالم معتد ليس له حق في الأعيان ولا في منافعها فكيف تكون حاصلة على ملكه.
والثاني: قوله: إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك لأنها أعراض، فيملكها دفعًا لحاجته.
وجوابه: أن حدوثها في ملكه كاف في ثبوت الملك له فيها إذ قيامها بالأعيان التي هي ملك له، والغاصب أجنبي عنها، ظالم باستيلائه عليها خصوصًا على قول من يقول بغضب العقار فإنه عنده في يد مالكه المغصوب منه لم تزل يده عنه فتكون منافعه حادثة على ملكه وفي يده فكيف يقال: إن الغاصب يملكها والحالة هذه والحاجة لا توجب له ملك مال غيره بغير ضمان،
стр. 1855
هذا على تقدير تسليم ثبوت الحاجة.
الثالث: قوله: كيف وإنه لا يتحقق غصبها وإتلافها لأنه لا بقاء لها.
وجوابه: أنه يتحقق غصبها وإتلافها كما يليق بها، ولهذا يقال: أتلف منافع الدار وعطل منافعها، غاية ما يقال: إنها ليست كالأعيان لقيامها بغيرها لا بأنفسها وهذا لا يخرجها عن كونها أموالًا عرفًا وشرعًا، ومالية الأعيان باعتبار منافعها لكن منها ما تنفع به مع بقاء عينه كالعقار ونحوه. ومنها ما ينتفع به مع اتلافه كالمأكول والمشروب والملبوس ونحوه.
فإذا غصب ثوبًا ثم أعاده بعد سنة مثلًا على حاله لم يلبسه لم يعدم شيئًا من منافعه، بل عاد إليه بمنافعه، وإذا أعاد العقار بعد سنة مثلًا فقد فوت عليه من منافعه ما خلق له في تلك المدة التي استولى عليه فيها، فإن الثوب إذا لم ينتفع به في تلك السنة توفر إلى الأخرى، والعقار ما يفوت من منافعه يعدم، فظهر الفرق باعتبار توفر هذا وعدم هذا.
الرابع: قوله: ولأنها لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها وبقاء الأعيان، وقد عرف ما فيها من الأشكال مما تقدم وأن هذا فرق صوري غير مؤثر في كونها أموالًا متقومة مخلوقة لأجلنا لإقامة مصالحنا وحاجتنا إليها سواء، فلا يقوى الفرق بسرعة فنائها في مقابة الجامع بحاجتنا.
стр. 1856
الخامس: قوله: ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها بل تتقوم ضرورة عند ورود العقد، ولم يوجد العقد.
وجوابه: أن هذا مجرد دعوى لم يُقم عليها دليلًا بل تقومها بالعقد دليل على تقومها في أنفسها فإنه لا يُقوم بالعقد إلا ما هو متقوم في نفسه ولا يقوم بالعقد ما لا قيمة له، ولهذا تجب أجرة المثل إذا انقضت مدة الإجارة، والأرض مشغولة بزرع المستأجر لمدة الشغل من غير عقد.
وقد ذكر السغناقي دليلًا على عدم تقومها بغير العقد فقال: وحجتنا في ذلك حديث علي وعمر ﵄ فإنهما حكما في ولد المغرور،
стр. 1857
أنه حر بالقيمة وأوجبا على المغرور رد الجارية/ ولم يوجبا قيمة الخدمة، مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها ومع طلب المدعي لجميع حقه، فلو كان ذلك واجبًا لما حل لهما السكوت عن بيانه.
ثم قال بعد ذلك: كذا في المبسوط، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الزوج كان مغرورًا لم يكن غاصبًا فلا يلزم من وجوب بدل الخدمة عليه عدم وجوب على الغاصب الظالم فاكتفى بإنفاق المغرور عليها في مقابلة خدمتها كسائر الزوجات بخلاف الغاصب.
ثم قال: ولأنا نقول: إن إتلاف المنفعة لا يتصور فلا يجب الضمان وذلك لأنه لو تصور، إما أن يصور قبل وجود المنفعة أو مقارنًا للوجود أو بعد الوجود، لا وجه للأول لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل للإتلاف، ولا وجه للثاني لأن الإتلاف إذا طرأ على الموجود يبطل الوجود وإذا قارن الوجود يمنع من الوجود، والإتلاف إنما يرد على الموجود، ولا وجه للثالث؛ لأنها إذا وجدت فنيت فكان بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، وإتلاف الشيء في زمان عدمه لا يتصور لما قلنا: إن الإتلاف على المعدوم لا يرد. انتهى.
стр. 1858
وهذا يشبه أن يكون من باب الجدل المذموم في قول النبي ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وإنما قلت: إن هذا يشبه الجدل المنهي عنه؛ لأنه إذا كان إتلاف المنافع لا يتصور، فلا يتصور الانتفاع بالأشياء المنتفع بها، والانتفاع بها معلوم تصوره بالضرورة، والضرورة لا يقدح فيها بالنظر، فإن الضرورة إذا خالفت النظر دل على أن ذلك النظر مغلطة ليس بنظر صحيح، ولا شك أن من سكن دارًا سنةً مثلًا فقد استوفى منفعتها في تلك المدة واستهلكها.
وكذلك من ركب دابة يومًا فقد استوفى منفعتها، وكذلك من استخدم عبدًا أو استغل مرنة، ونحو ذلك، ولا يصح أن يقال: متى استوفى منفعة ركوب الدابة لا جائز أن يكون قبل الركوب ولا معه ولا بعده، وكذلك منفعة السكنى لا جاًئز أن يقال إنه لم يستوف منفعة سكنى الدار؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستوفيًا لها قبل السكنى أو معها أو بعدها، فإذا
стр. 1859
صح أن يقال: إن المالك بالسكنى في داره قد استوفى منفعتها، فإذا أخرجه الغاصب منها وسكنها فقد استوفى منفعة الدار واستهلكها وأتلفها على مالكها، وإن لم يسكنها فقد فوتها على مالكها حتى تلفت وهلكت فصار بمنزلة من غصب عينًا فتلفت في يده، ولو تلفت العين في يد الغاصب لضمنها فكذلك المنفعة.
وجواب ما ذكره من نفي الإتلاف قبل وجود المنفعة ومع وجودها وبعده أن قول من قال من أهل الكلام المذموم أن العرض لا يبقى زمانين قد رده طائفة من العقلاء، وقالوا: إن العرض يقبل الامتداد والاقتصار وتظهر قوة هذا القول في الألوان ونحوها، فإن سواد الأسود وبياض الأبيض لا يتغير بتغير اللحظات، والناظر إليه يعلم أن سواده وبياضه باق عليه ما دام متصفًا بصفة السواد والبياض.
وكذلك من سكن دارًا سنة فما لم ينتقل عنها هو ساكن فيها، والقول بأنه يتجدد له الآنات التي لا تحصى- سكنى متغايرة يستحيل عليها الضبط، يأباه العقل السليم كما يأبى ما ادعوه من تركيب الأجسام/ من الجواهر المفردة وكل هذا من باب التدقيق الذي ليس معه تحقيق.
стр. 1860
فالمسألة مسألة نزاع بين العقلاء ليست من مسائل الإجماع، وسواء قيل بتعدد المنافع بتجدد أمثالها أو أنها تمتد وتقتصر، فالإتلاف غير ممتنع التصور فيها فإن الإتلاف عرض أيضًا فيتصور تقابلهما، فسكناه الدار بمنزلة أكله الطعام كلاهما قد فوت فيه على المالك منفعة ملكه إلا أن الدار ينتفع بها مع بقاء عينها.
والمأكول ينتفع به مع ذهاب عينة فلا يقوى الفرق بين بقاءة العين وذهابها في مقابلة الجمع بفوات المنفعة فيهما، إذ المراد النفع في كل منهما؛ لأن الأعيان إنما تراد لمنافعها فحاجة الآدميين في الحقيقة إلى منافع الأعيان لا إلى ذواتها من حيث هي ذوات، ولولا ذلك لاستوى التراب والنار، والماء والذهب وسائر الذوات المخلوقة في حق الآدمي.
فصل في غصب ما لا يتقوم:
قوله: (فإن غصب من مسلم خمرًا فخلها أو جلد ميتة فدبغة، فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير ثمن، ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه ... إلى أخره).
سيأتي الكلام على ما في تخليل الخمر في كتاب الأشربة- إن شاء الله تعالى- وأما جلد الميتة فينبغي أنه لا يجب عليه رده كما هو مذهب؛ لأنه ليس بغاصب لأن الغصب إنما يتحقق في مال متقوم محترم كما حده به
следующие страницы →