Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
الخامس: قوله: ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها بل تتقوم ضرورة عند ورود العقد، ولم يوجد العقد.
وجوابه: أن هذا مجرد دعوى لم يُقم عليها دليلًا بل تقومها بالعقد دليل على تقومها في أنفسها فإنه لا يُقوم بالعقد إلا ما هو متقوم في نفسه ولا يقوم بالعقد ما لا قيمة له، ولهذا تجب أجرة المثل إذا انقضت مدة الإجارة، والأرض مشغولة بزرع المستأجر لمدة الشغل من غير عقد.
وقد ذكر السغناقي دليلًا على عدم تقومها بغير العقد فقال: وحجتنا في ذلك حديث علي وعمر ﵄ فإنهما حكما في ولد المغرور،
стр. 1857
أنه حر بالقيمة وأوجبا على المغرور رد الجارية/ ولم يوجبا قيمة الخدمة، مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها ومع طلب المدعي لجميع حقه، فلو كان ذلك واجبًا لما حل لهما السكوت عن بيانه.
ثم قال بعد ذلك: كذا في المبسوط، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن الزوج كان مغرورًا لم يكن غاصبًا فلا يلزم من وجوب بدل الخدمة عليه عدم وجوب على الغاصب الظالم فاكتفى بإنفاق المغرور عليها في مقابلة خدمتها كسائر الزوجات بخلاف الغاصب.
ثم قال: ولأنا نقول: إن إتلاف المنفعة لا يتصور فلا يجب الضمان وذلك لأنه لو تصور، إما أن يصور قبل وجود المنفعة أو مقارنًا للوجود أو بعد الوجود، لا وجه للأول لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل للإتلاف، ولا وجه للثاني لأن الإتلاف إذا طرأ على الموجود يبطل الوجود وإذا قارن الوجود يمنع من الوجود، والإتلاف إنما يرد على الموجود، ولا وجه للثالث؛ لأنها إذا وجدت فنيت فكان بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، وإتلاف الشيء في زمان عدمه لا يتصور لما قلنا: إن الإتلاف على المعدوم لا يرد. انتهى.
стр. 1858
وهذا يشبه أن يكون من باب الجدل المذموم في قول النبي ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وإنما قلت: إن هذا يشبه الجدل المنهي عنه؛ لأنه إذا كان إتلاف المنافع لا يتصور، فلا يتصور الانتفاع بالأشياء المنتفع بها، والانتفاع بها معلوم تصوره بالضرورة، والضرورة لا يقدح فيها بالنظر، فإن الضرورة إذا خالفت النظر دل على أن ذلك النظر مغلطة ليس بنظر صحيح، ولا شك أن من سكن دارًا سنةً مثلًا فقد استوفى منفعتها في تلك المدة واستهلكها.
وكذلك من ركب دابة يومًا فقد استوفى منفعتها، وكذلك من استخدم عبدًا أو استغل مرنة، ونحو ذلك، ولا يصح أن يقال: متى استوفى منفعة ركوب الدابة لا جائز أن يكون قبل الركوب ولا معه ولا بعده، وكذلك منفعة السكنى لا جاًئز أن يقال إنه لم يستوف منفعة سكنى الدار؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستوفيًا لها قبل السكنى أو معها أو بعدها، فإذا
стр. 1859
صح أن يقال: إن المالك بالسكنى في داره قد استوفى منفعتها، فإذا أخرجه الغاصب منها وسكنها فقد استوفى منفعة الدار واستهلكها وأتلفها على مالكها، وإن لم يسكنها فقد فوتها على مالكها حتى تلفت وهلكت فصار بمنزلة من غصب عينًا فتلفت في يده، ولو تلفت العين في يد الغاصب لضمنها فكذلك المنفعة.
وجواب ما ذكره من نفي الإتلاف قبل وجود المنفعة ومع وجودها وبعده أن قول من قال من أهل الكلام المذموم أن العرض لا يبقى زمانين قد رده طائفة من العقلاء، وقالوا: إن العرض يقبل الامتداد والاقتصار وتظهر قوة هذا القول في الألوان ونحوها، فإن سواد الأسود وبياض الأبيض لا يتغير بتغير اللحظات، والناظر إليه يعلم أن سواده وبياضه باق عليه ما دام متصفًا بصفة السواد والبياض.
وكذلك من سكن دارًا سنة فما لم ينتقل عنها هو ساكن فيها، والقول بأنه يتجدد له الآنات التي لا تحصى- سكنى متغايرة يستحيل عليها الضبط، يأباه العقل السليم كما يأبى ما ادعوه من تركيب الأجسام/ من الجواهر المفردة وكل هذا من باب التدقيق الذي ليس معه تحقيق.
стр. 1860
فالمسألة مسألة نزاع بين العقلاء ليست من مسائل الإجماع، وسواء قيل بتعدد المنافع بتجدد أمثالها أو أنها تمتد وتقتصر، فالإتلاف غير ممتنع التصور فيها فإن الإتلاف عرض أيضًا فيتصور تقابلهما، فسكناه الدار بمنزلة أكله الطعام كلاهما قد فوت فيه على المالك منفعة ملكه إلا أن الدار ينتفع بها مع بقاء عينها.
والمأكول ينتفع به مع ذهاب عينة فلا يقوى الفرق بين بقاءة العين وذهابها في مقابلة الجمع بفوات المنفعة فيهما، إذ المراد النفع في كل منهما؛ لأن الأعيان إنما تراد لمنافعها فحاجة الآدميين في الحقيقة إلى منافع الأعيان لا إلى ذواتها من حيث هي ذوات، ولولا ذلك لاستوى التراب والنار، والماء والذهب وسائر الذوات المخلوقة في حق الآدمي.
فصل في غصب ما لا يتقوم:
قوله: (فإن غصب من مسلم خمرًا فخلها أو جلد ميتة فدبغة، فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير ثمن، ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه ... إلى أخره).
سيأتي الكلام على ما في تخليل الخمر في كتاب الأشربة- إن شاء الله تعالى- وأما جلد الميتة فينبغي أنه لا يجب عليه رده كما هو مذهب؛ لأنه ليس بغاصب لأن الغصب إنما يتحقق في مال متقوم محترم كما حده به
стр. 1861
المصنف في أول كتاب الغصب، وجلد الميتة قبل الدباغ ليس كذلك وإنما صار مالًا بالدباغ، وكذلك ينبغي أنه إذا أخذ خمرًا فتخللت لا يجب ردها لأنها إنما صارت ماء بالتخلل فكل منهما مباح سبقت يده إليه فيملكه وليس لغيره أخذه منه بغير رضاه.
قوله: (وقيل الفتوى على قولهما في الضمان).
يعني أنه لا يضمن من كسر لمسلم بربطًا أو طبلًا أو مزمارًا أو دفًا أو أهرق له سكرًا أو مصنفًا، وهذا هو القول الحق الذي يجب اعتقاده فإن هذه الأشياء لا حرمة لها، وقد «أمر النبي ﷺ بكسر دنان الخمر، وكانت لأيتام في حجر أبي طلحة». رواه الترمذي والدارقطني، «وأمر بشق
стр. 1862
زقاق الخمر في [حديث] ابن عمر» رواه أحمد.
وكذلك لما حرمت لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر أمر بإراقتها وكسر القدور، فقال رجل: «يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها، فقال: أو ذاك» «وقد هم ﷺ بتحريق بيوت من لم يشهد الجماعة، ولكن تركه لما فيها من النساء والذرية»، «وأحرق عمر ﵁ حانوت خمار».
فإذا كانت الأواني والأماكن تزول حرمتها لمجاورتها المحرم، فآلات اللهو أولى، والمنصف والمسكر وكل مسكر خمر فلا يضمن بالإتلاف، وسيأتي في كتاب الأشربة التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1863
كتاب الشفعة
قوله: (ولقوله ﵇: «الجار أحق بسبقه، قيل: يا رسول الله ما سقبه؟ قال: شفعته»).
هذا اللفظ غير معروف، وإنما المروي «الجار أحق بصقبه» أخرجه البخاري والنسائي، وفي حديث جابر ﵁: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها إن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
стр. 1864
قوله: (وأما الترتيب فلقوله ﵇: «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع» فالشريك في نفس المبيع، / والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار).
هذا الحديث منكر بهذا اللفظ، وقد روي بلفظ آخر، ولم يثبت فذكر ابن الجوزي عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : «الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب».
وذكر ابن عبد البر في الاستذكار عن عمر ﵁ أنه قال: «الخليط أولى من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق ممن سواه» وروى أيوب عن محمد قال: «كان يقال: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق ممن سواه» ذكره ابن التركماني في كلامه على أحاديث الهداية.
قوله: (والشفعة تجب بعقد البيع ومعناه بعده لا أنه هو السبب لأن
стр. 1865
سببها الاتصال على ما بيناه.
قد أخذ على المصنف في هذا التأويل الذي ذكره والتعليل الذي علل به، وقالوا: إنه مخالف لعامة روايات الكتب، وقالوا: لو كان سببها الاتصال لا غير، لبطلت شفعته بالتسليم قبل البيع، وهذه مؤاخذة ولكن لا يلزم من كون السبب هو عقد البيع أن لا تبطل الشفعة بالتسليم قبله، وليس ذلك من باب تقديم الحكم على السبب، بل هو إسقاط بحق كان بعرضية البيوت فصاحب الشفعة رضي أن لا يكون البيع سببًا لأخذه الشفعة، والحق له في ذلك، وقد أسقطه وله ذلك؛ لقوله ﵇: "ولا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به" أخرجه مسلم، والنسائي وأبو داود فمقتضى هذا الحديث أن الشفعة لا تجب للشفيع إلا إذا باع الشريك، ولم يؤذنه.
أما إذا أعلمه بأنه يريد بيعها فلم يأخذها فلا تشرع له الشفعة لأنه رضي أن لا يأخذها بالشفعة إذا بيعت وهذا مذهب الحكم والثوري وأبي عبيد وأبي
стр. 1866
خيثمة، وطائفة من أهل الحديث وإحدى الروايتين عن أحمد وحقه أن يقول: البيع الصحيح وما في معناه إذا خلا عن الخيار للبائع وبسقوط الفسخ في البيع الفاسد؛ لأن الشفعة تجب بالصلح على مال وبالهبة بشرط العوض كما تجب بعقد البيع؛ ولأن البيع إذا كان فيه خيار البائع لا تجب الشفعة إلا بعد سقوطه ولأن الشفعة لا تجب في البيع الفاسد إلا بعد سقوط الفسخ.
قوله: (ولقوله ﵇: "الشفعة لمن واثبها").
هذا الحديث قد روي معناه من حديث ابن عمر يرفعه "الشفعة كحل العقال" أخرجه البزار والبيهقي وابن ماجه ولم يثبت، ولفظه:
стр. 1867
"الشفعة كحل العقال، ولا شفعة لصغير ولا لغائب، ومن مثل به هو حر".
ولا يجوز الأخذ ببعض الحديث دون بعض، وفي تقسيم الطلب إلى ثلاثة أوجه كما قال المصنف: طلب المواثبة وطلب التقرير والإشهاد وطلب الخصومة والتملك- نظر، وإنما يدل هذا الحديث بعد ثبوته على أن من أخر الطلب بعد علمه من غير عذر فلا شفعة له.
قوله: (والمراد بقوله في الكتاب: أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة طلب المواثبة، والإشهاد فيه ليس بلازم إنما هي لنفي التجاحد-
стр. 1868
ثم قال بعد ذلك في باب ما تبطل به الشفعة- وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته لإعراضه عن الطلب).
هذا تناقض ظاهر، فإنه جعل الإشهاد أولًا غير لازم ثم جعل تركه مبطلًا للشفعة وإذا لم يكن لازمًا كيف يكون تركه مبطلًا وقد أجاب السغناقي عن هذا الإشكال فقال: يحتمل أن يريد بهذا الإشهاد نفس الطلب ولكن لما كان طلب المواثبة لا ينفك عن الإشهاد في حق علم القاضي سمى هذا الطلب إشهادًا، والدليل على هذا ما ذكره من التعليل في حق ترك طلب المواثبة مثل ما ذكره من التعليل هاهنا انتهى.
وفي هذا الجواب نظر، فإن كون طلب المواثبة لا ينفك عن الإشهاد في حق علم القاضي/ مشكل لأن الشاهد لا يمكنه أن يطلع على باطن الأمر، وأن هذا الشفيع حين علم بالبيع طلب الشفعة لأنه يحتمل أن يكون الشفيع قد علم بالبيع قبل مجلس الإشهاد فكيف يشهد أن الشفيع حين علم أشهد على نفسه بالطلب، وإن كان قد يتصور في بعض الصور فلا يتأتى في كل الأحوال فكان في اشتراط الإشهاد من الحرج ما لا يخفى، وينبغي أن يكون القول قول
стр. 1869
الشفيع في أنه طلب حين علم مع يمينه لأن مثل هذا لا يعلم إلا من جهته فيكون القول قوله مع يمينه.
قوله: (لقوله ﵇: "لا شفعة إلا في ربع أو حائط").
لا يعرف هذا اللفظ في كتب الحديث، وأخرج أبو حنيفة عن عطاء ابن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا شفعة إلا في دار أو عقار" وأخرجه البيهقي من جهته.
قوله: (وإن ابتاع منها سهمًا بثمن ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني؛ لأن الشفيع جار فيهما إلا أن المشتري في الثاني شريك فيقدم عليه).
قال الشيخ حافظ الدين النسفي- في المنافع شرح النافع-: وتأويل المسألة
стр. 1870
إذا بلغه بيع سهم منها فرده، أما إذا بلغه البيعان فله الشفعة فيهما. انتهى.
وينبغي أن يكون الحكم كما ذكره الشيخ حافظ الدين من هذا التأويل، وإن كان عامة الأصحاب أطلقوا أن للجار الشفعة في السهم الأول دون الثاني، ولم يقيدوه بما إذا بلغه البيع الأول فرده، كما ذكره الشيخ حافظ الدين ولا شك أن حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فإذا أخذ الجار السهم الأول بالشفعة خرج المشتري ولم يبق شريكًا، فلا يستحق شفعة في السهم الثاني فيأخذ الجار السهمين، إما بالجوار في السهمين باعتبار علمه بهما وأخذهما جملة، أو بالجوار في الأول وبالشركة في الثاني لأن البيع الأول تتحول فيه الصفقة من البائع ويخرج المشتري كأن لم يكن فيصير الشفيع في حق السهم الثاني شريكًا.
قوله: (ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمد لأن الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة ما دفعناه ولأبي يوسف أنه منع من إثبات الحق فلا يعد ضررًا، وعلى هذا الخلاف الحيلة في إسقاط الزكاة).
стр. 1871
قول محمد أقوى من قول أبي يوسف، والمكروه عنده حرام، فلا يجوز فعل مثل هذه الحيلة عنده، وهو الحق، ولا ينبغي للحاكم أن يعين على فعل هذا المحرم لأن قصد هذا المتحيل منع حق الشفيع، وحق الشفيع ثابت شرعًا، ومن الممتنع أن يشرع الله حق الشفعة ويشرع الحيلة على إسقاطه، ويجب صيانة الشريعة عن مثل هذا؛ لأنه يبقى من باب العبث، وذلك محال في الشريعة وقد قص الله تعالى علينا قصة أصحاب السبت، وما فعلوا وما فعل بهم لنعتبر وننزجر عن مثل ذلك الفعل.
وكذلك قص الله علينا قصة أصحاب الجنة: ﴿إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ﴿١٧﴾ ولا يستثنون ﴿١٨﴾ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون﴾، وقد قال ﷺ : "لا تفعلوا كما فعلت اليهود، تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"، وقال ﷺ : "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها
стр. 1872
فباعوها وأكلوا ثمنها"، وقال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث.
فمن تحيل على إبطال شفعة الشفيع فقد نوى إبطال حق شرع الله، وقد ورد عن السلف في ذم الحيل/ وأهلها ما يضيق عنه هذا المختصر، فمنه: قول أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان.
وقد قال النبي ﷺ : "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا فرق بين المجتمع تحيلًا على إسقاط الزكاة لا تسقط عنه بالفرار منها كما في طلاق الفار، وحرمان القاتل عن الميراث.
وكذلك إذا تحيل على إسقاط الشفعة يجب أن يعامل بضد قصده، وهذا
стр. 1873
مذهب مالك وأحمد وغيرهما في كل متحيل قصد إبطال حق أو تحقيق باطل، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال.
وفي رسالة أبي يوسف إلى هارون الرشيد: ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه، ولا سبب، بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما مانع الزكاة بمسلم ومن لم يؤدها فلا صلاة له.
هذا كلام أبي يوسف ﵀ فالظاهر أنه رجع إلى هذا في آخر أمره والله أعلم، وأقوى ما استدل به من قال بالحيل قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا".
وليس فيه دليل على جواز الحيل الباطلة، فإنه إنما أمره بالبيع الصحيح،
стр. 1874
فإن النبي ﷺ لا يأذن في العقد الباطل فالعقد المتنازع فيه إن كان باطلًا لم يدخل تحت الإذن، وإن كان صحيحًا فلا حاجة إلى الاستدلال بهذا الحديث على صحته، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على جواز البيع من ذلك الرجل الذي يقصد أخذ الصاع منه بالصاعين بما يظهره من العقد الذي ليس بمراد.
ونكتة الجواب أن يقال: إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومن سلم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعل السلعة الدخيلة محللًا له غير مقصودة بالبيع بيع صحيح.
وإذا كان لفظ الحديث ليس فيه عموم، وإنما هو مطلق فلا يتناول كل بيع فلا يصح الاستدلال به على بيع متنازع فيه، والكلام على الحيل مبسوط في موضعه فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن ينظر في كلام أحد الفريقين دون الآخر، وإذا نظر في كلاميهما ينجلي قلبه من الهوى وبالله التوفيق.
стр. 1875
كتاب القسمة
قوله: (قال ﵁: جعل الدار والحانوت جنسين، وكذا ذكر الخصاف، وقال في إجارات الأصل: إن إجارة منافع الدار بالحانوت لا يجوز، وهذا يدل على أنهما جنس واحد فيجعل في المسألة روايتان أو تبنى حرمة الربا هنالك على شبهة المجانسة).
فيه نظر، فإنه يؤدي إلى اعتبار شبهة الشبهة، والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها؛ لأن المنع من إجارة المنافع بعضها ببعض إذا تجانست إنما
стр. 1876
اعتبروه بشبهة الربا، فاعتبار شبهة المجانسة تؤدي إلى اعتبار شبهة الشبهة، ولهذا قال شمس الأئمة الحلواني، إما أن يكون في المسألة روايتان أو تكون من مشكلات هذا الكتاب.
стр. 1877
كتاب المزارعة
قوله: (وله "أنه ﵇ نهى عن المخابرة" وهي المزارعة وأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز).
فيه نظر من وجوه:
أحدهما: قوله: أنه ﷺ نهى عن المخابرة وهي المزارعة.
وجوابه: أنه جاء مفسرًا في الصحيح: أنهم/ كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة فلهذا نهى عنها، وذلك في حديث رافع بن خديج ﵁ قال: "كنا أكثر الأنصار حقلًا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج تلك، فأما الورق فلم ينهنا" أخرجاه.
стр. 1878
وفي لفظ: "كنا أكثر أهل الأرض مزدرعًا، كنا نكري الأرض بالناحية تسمى لسيد الأرض، قال: فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا، فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ" رواه البخاري.
وفي لفظ قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس"، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
ومعاملته ﷺ أهل خيبر على شطر ما يخرج من ثمر أو زرع ثابت صحيح، رواه الجماعة.
стр. 1879
والمصنف قد ذكر الاستدلال لهما قبل هذا الكلام، وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخل؟ قال: لا، قالوا: تكفونا العمل، ونشرككم في الثمرة، فقالوا: سمعنا وأطعنا" رواه البخاري.
واستمر الناس على العمل بالمزارعة في زمن الخلفاء الراشدين فمن بعدهم إلى يومنا هذا من غير نكير، ولا يظن بالخلفاء الراشدين أنهم فعلوا ما نهى عنه النبي ﷺ ، وهذا من أقوى الأدلة على اختصاص النهي بالمزارعة التي فيها استثناء ما يخرج من بقعة معينة من الأرض المزارع عليها، وسنة رسول الله ﷺ لا تتعارض.
الثاني: قوله: وإنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله فيكون في معنى قفيز الطحان.
وجوابه: أنه قد تقدم التنبيه على ضعف حديث قفيز الطحان، فلا يصلح لمعارضة ما ورد من معاملة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده ﵃ أجمعين، وإنما المزارعة بمنزلة المضاربة، قال أبو يوسف: المزارعة عندي بمنزلة المضاربة.
الثالث: قوله: ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد.
стр. 1880
وجوابه أن المضاربة والمزارعة والمساقاة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة، وإن كان فيها شوب المعاوضة، فإن رب المال أو الأرض ليس له قصد في نفس عمل العامل كما في الإجارة، ولهذا لو لم يربح ولم تخرج الأرض شيئًا لم يكن له شيء وإنما هذه مشاركة، هذا بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر أو خارج مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ من المزارعة كما تقدم.
وهذا من كمال العدل فإن حصل ربح أو خارج اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب مال هذا ولهذا كانت الوضعية في المضاربة على المال لأن ذلك مقابل ذهاب نفع المال، ولهذا قيل: إنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل كما ذهب إليه أحمد في رواية، فعطى العامل ما جرت به العادة أن يعطاه مثله من الربح
стр. 1881
إما نصفه أو ثلثه.
فأما أن يعطى شيئًا مقدرًا مضمونًا في ذمة المالك فذلك ينافي العدل، فإنه قد يعمل سنين ولا يربح، فلو أعطي أجرة المثل لأعطي أضعاف رأس المال، وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءًا من الربح إن كان هنالك ربح، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف/ ما يستحقه في الصحيحة؟
ولا شك أن المزارعة أولى بالجواز من الإجارة بأجرة مضمونة في الذمة فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة، ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل، كان في هذا حصول أحد المتعاوضين على مقصوده من الآخر فأحدهما غانم ولابد، والآخر متردد بين المغنم والمغرم، وأما المضاربة فإن حصل الزرع اشتركا فيه وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة وإذا عرف هذا تبين ضعف قوله: (ولأن الأجر مجهول أو معدوم وكل ذلك مفسد).
الرابع: قوله: ومعاملة النبي ﷺ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز، وسيأتي في كلامه أيضًا في باب القسامة.
وأما أهل خيبر فالنبي ﷺ أوصى في مرض موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وكان رسول الله ﷺ لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن أعلم بالأرض منكم دعونا نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها، ولو
стр. 1882
كانت الأرض ملكًا لهم وما يؤخذ منهم خراجًا على أراضيهم لما أجلاهم عمر ﵁ كلهم من أرضهم وكل ذلك ثابت صحيح.
ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة، وأن النبي ﷺ استولى على أراضيهم كلها بالسيف قهرًا وغلبة وإنما اشتبه على من اشتبه عليه من الشافعية أن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحًا لما رأوا "أن النبي ﷺ قسم شطرها، وأوقف شطرها، لم يقسمه، بل أعده لنوائب ومصالح المسلمين".
وأما القول بأنها كلها فتحت صلحًا فإنما يقوله من لا خبرة له بما وقع في تلك الغزوة، وقد روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "سمعت عمر ﵁ يقول: لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانًا كما قسم رسول الله ﷺ خيبر سهمانًا" ذكره أبو عمر ابن عبد البر، ثم قال بعد ذلك: وأما من قال إن خيبر كان بعضها صلحًا وبعضها عنوة فقد وهم وغلط، انتهى.
стр. 1883
وكلام المصنف هنا يناقض قوله في باب العشر والخراج أن أرض العرب كلها أرض عشر، فإن خيبر من أرض العرب، وقد تقدم التنبيه على هذا التناقض هناك.
قوله: (ثم المزارعة لصحتها- على قول من يجيزها- شروط- إلى أن قال- والثالث: بيان المدة لأنه عقد على منافع الأرض أو على منافع العامل، والمدة هي المعيار لها لتعلم بها).
الذي دل عليه أحاديث معاملة النبي ﷺ أهل خيبر جواز المزارعة من غير بيان المدة، ولكنها لا تكون لازمة إلا ببيان المدة، والفرق بين الصحة واللزوم ظاهر، وهذا مذهب أحمد، وعليه عمل الناس وأن النبي ﷺ وصارت كالمضاربة.
وقوله: (عقد على منافع العمل)، فيه نظر فإنها عقد عليهما عقد شركة كالمضاربة.
قوله: (وإذا فسدت فالخارج لصاحب البذر؛ لأنه نماء ملكه واستحقاق الأجر بالتسمية، وقد فسدت فبقي النماء كله لصاحب البذر).
стр. 1884
تقدم في كتاب الغصب ذكر الرواية عن أحمد ﵀ في المضاربة الفاسدة أن المضارب يستحق ربح المثل فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثله، إما نصف الربح أو ثلثه أو نحو ذلك، وإذا ثبت ذلك في المضاربة ففي المزارعة أولى؛ لأن رأس المال في المزارعة هو الأرض، والبذر يجوز أن يكون من العامل، ويجوز أن يكون من جهة رب الأرض، وهو يستهلك في الأرض بمنزلة ماء الفحل في رحم الأنثى، ولهذا قال/ النبي ﷺ : "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" رواه الخمسة إلا النسائي.
وقال البخاري: هو حديث حسن، وقد قال بموجب هذا الحديث شريك بن عبد الله وأحمد في رواية عنه، واختاره تقي [الدين] بن السبكي، ولهذا تفسد المزارعة إذا شرطا رفع البذر واقتسام الباقي، بل
стр. 1885
الواجب في المزارعة الصحيحة أن يقسم الخارج على ما شرطها ولا يلتفت إلى البذر أصلاً.
وإذا كان الواجب في الإجابة الفاسدة أجرة المثل من النقدين فالأعدل هنا تقدير ذلك من الخارج بجزء منه فإن الجزء المعين من الخارج في المزارعة بمنزلة القدر المسمى من النقدين في الإجازة، وقد تقدم أن التقدير بالجزء من الخارج في المزارعة الصحيحة أعدل من المقدار المعين في الإجارة، فينبغي إذا كانت المزارعة الفاسدة قد عقدت على أن لكل منهما الشطر. وعادة مثل تلك الأرض أن تزرع بالشطر على قياس قول من يقول أن الواجب في الإجارة الفاسدة أجرة المثل لا يزاد على المسمى، وهو الراجح ولا مانع من هذا، ولا نص مع مخالفه.
وقوله: (لأنه نماء ملكه) يعني صاحب البذر، يمكن أن يقال له: أنه نما من الأرض والماء والبذر والعمل، والأرض والماء والبذر والعمل، والأرض بمنزلة الأم، والولد يتبع الأم فكذلك الزرع يتبع الأرض، ويشهد لهذا الحديث المتقدم: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته".
ولكن الحديث نص فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم وفي المزارعة الفاسدة لم يكن الزارع متعديًا بل زارعًا بإذن فيستحق جزءًا من الخارج على الوجه الذي تقدم ذكره، والله أعلم.
* * *
стр. 1886
كتاب المساقاة
قوله: (ومن دفع أرضًا بيضاء إلى رجل سنين معلومة يغرس فيها شجرًا على أن يكون الأرض والشجر بين الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك- إلى أن قال- لأنه في معنى قفيز الطحان).
تقدم التنبيه على ضعف حديث قفيز الطحان، والله أعلم.
* * *
стр. 1887
كتاب الذبائح
قوله: (ومنه قوله ﵇: "ذكاة الأرض يبسها").
تقدم التنبيه على أن هذا الحديث غير معروف في كتب الحديث.
قوله: (ولا تؤكل ذبيحة المجوس لقوله ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم").
لم يثبت في هذا الحديث وإن كان الحكم كذلك، وقد وردت في حديث آخر.
стр. 1888
قوله: (له قوله ﵇: "المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم").
هذا الحديث لم يثبت وهو مرسل ضعيف، ذكره أبو داود بمعناه.
قوله: (ولكنا نقول في اعتبار ذلك من الحرج ما لا يخفى لأن الإنسان كثير النسيان، والحرج مدفوع، والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول والإقامة في حق الناسي، وهو معذور لا يدل عليها في حق العامد، وما
стр. 1889
رواه محمول على حالة النسيان).
في كلامه نظر من وجوه:
أحدها: قوله: إن في اعتبار ذلك، أي في اشتراط ذكر اسم الله من الحرج ما لا يخفى؛ لأن الإنسان كثير النسيان.
وجوابه أنكم قلتم: إن حق النسيان لم يرتفع في قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وإنما ارتفع إثمه.
وقلتم: إن القياس يقتضي فساد صوم الآكل ناسيًا ولكن ترك بالنص، وقلتم بفساد صلاة المتكلم في صلاته ناسيًا مع أن النص قد ورد فيه في حديث ذي اليدين، ولم تعتبروا الحرج، بل قلتم: إن الحالة [فيه
стр. 1890
مذكرة] فلا يعذر بالنسيان فهلا قلتم ذلك هنا، فإن إضجاع المذبوح للذبح وإرسال الكلب المعلم ونحوه ورمي السهم الحالة فيه مذكرة.
ولا شك أن تسمية المذكي شرط الحل/ ولا يكون النسيان عذرًا في ترك الشرط، فلو نسي الطهارة أو استقبال القبلة أو ستر العورة في الصلاة أو الإحرام في الحج أو النية فيهما لم تصح صلاته ولا حجه، فكذلك ذكر اسم الله على الذبيحة، وقد فرق بعض الأصحاب بين ترك الطهارة للصلاة، وبين ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا بأن الذي لزم المصلي بغير طهارة من إعادة الصلاة فرض مبتدأ وإلا فكلٌ منهما قد فعل ما كلف به.
وهذا فرق فاسد بل الذي صلى بغير طهارة ناسيًا لم يفعل ما أمر به، فإذا أعادها بطهارة كانت صلاته الثانية هي المأمور بها دون الأولى، والقول بأن المصلي بغير طهارة ناسيًا فاعل لما أمر به، وأن الذي لزمه بعد الذكر فرض مبتدأ قول ظاهر الفساد، والله أعلم.
وأيضًا فإن استخراج الخبث من الذبيحة إنما هو بذكر اسم الله لا باستخراج الدم المسفوح فقط، فإذا ذبح مع الغفلة عن ذكر اسم الله تعالى لم يكن اللحم من الطيبات بل من الخبائث فإن لم تحصل التذكية باسم الله كان للشيطان فيها نصيب فيكون كما لو أهل به لغير الله ولهذا لم تحل ذبيحة المجوسي لعدم الإخلاص في ذكر اسم الله، وحل المذكي بالذكاة
стр. 1891
الاضطرارية مع ذكر اسم الله، وإن لم يستخرج كل الدم المسفوح.
وأما صيد البر في حق المحرم والحرم فلاستحقاقه الأمن يخرج عن محلية الذكاة.
فالحاصل أن التسمية شرط الحل، وما كان شرطًا للحل لا يسقط بالنسيان كما لو ذبح في غير المحل أو ذكى بغير المحدد ناسيًا، وهذا مما استدل به من لم يشترط التسمية بحال على من اشترطها مع الذكر فقط.
الثاني: قوله: والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف في الصدر الأول.
وجوابه: أن مخالفة من خالف النصوص الواردة من الكتاب والسنة على اشتراط التسمية بالتأويل أو لنص ظن ثبوته لا يوجب أن تكون غير مجراة على ما ظهر من دلالتها ولو كان ذلك موجبًا لإخراجها عن ظاهرها لما صح الاستدلال بنص حصل النزاع فيما دل عليه من الحكم في مسألة من المسائل ولقال المخالف هذا النص غير مجرى على ظاهره لحصول النزاع في مدلوله إذ لو كان مجرى على ظاهره لارتفع الخلاف في الصدر الأول، وقد قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
والمراد بالرد إلى الله، الرد إلى كتابه، وبالرد إلى رسوله، الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ولما كان حل متروك التسمية نسيانًا أو عمدًا من
стр. 1892
مسائل النزاع، كان الواجب علينا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا نقول إن النصوص الدالة على حكم التسمية لا دلالة فيها لوجود الخلاف في حكم التسمية في الصدر الأول، بل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما هو القول الراجح، والقول الآخر مرجوح، وقائله مأجور على اجتهاده مغفور له خطؤه.
فالنصوص الدالة على اشتراط التسمية من الكتاب قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ الآيتان.
وقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ الآية، فقد أمر الله سبحانه بالأكل مما ذكر اسم الله عليه وعلق لك بالإيمان وأنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله علي، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وقال: ﴿وإنه لفسق﴾ وأن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه/ لفسق كما قال فيما أهل به لغير الله في قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾.
стр. 1893
ومن السنة أحاديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني المخرجة في السنن والمساند فهاهنا عن عدي بن حاتم قال: "قلت يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي، فقال: إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، قلت: إني أرسل كلبي أجد معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" فأمره بأكل ما سمى عليه ونهاه عن أكل ما شك في تذكيته، وعلل ذلك بأنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، فجعل المانع من حل صيد الكلب الآخر ترك التسمية كما جعل فعل التسمية عليه لحل صيد كلبه وهذا من أصرح الأدلة وأثبتها في جعله وجود التسمية شرطًا في الحل، وعدم التسمية مانعًا من الحل، ولم يفرق بين تركها ناسيًا أو عامدًا وعن أبي ثعلبة الخشني قال: "قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس يعلم مما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" فهذا أبو ثعلبة يسأله عما يحل له من ذلك وهذا سؤال من يطلب أن يبين له جميع ما يحل له من ذلك فلم يحل له إلا ما ذكر اسم الله عليه، فلو كان يحل له ما ترك التسمية عليه نسيانًا أو عمدًا لم يكن ما ذكره جوابًا له وأحاديث عدي وأبي ثعلبة وإن كانت في الصيد فإنه يؤخذ منها حكم الذبح بطرق الأولى، فإن حال الاصطياد حال قد يدهش الإنسان ويذهل عن التسمية فيها.
стр. 1894
وإذا لم يعذره في هذه الحال بترك التسمية فألا يعذره في حال الذبح -وهو أحضر عقلاً- أولى وأحرى.
الثالث: قوله وما رواه محمول عن حالة النسيان.
وجوابه: ما تقدم أن ما رواه لم يثبت، فإن قيل: فقد روى ابن جرير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين الذبح فليسم وليذكر اسم الله وليأكل".
فالجواب أنه لا يصلح لمعارضة النصوص المتقدمة لأنه ضعيف، قال أهل الحديث: إن الصحيح وقفه على ابن عباس، والنزاع في ذلك معروف، وكذلك قد احتجوا أيضًا بحديث منكر ضعفه أهل الحديث وهو ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ : اسم الله على كل مسلم"، ولم يثبت ما يعارض النصوص المتقدمة، وأيضًا فليس في الكتاب والسنة نصوص صحيحة صريحة بتحريم ذبيحة المشركين والمرتدين والمجوس
стр. 1895
كالنصوص التي فيها النهي عما لم يذكر اسم الله عليه، فكيف يشترط في الذابح أن يكون مسلمًا أو كتابيًا ولا يشترط أن يذكر اسم الله، واشتراط هذا أبين في الكتاب والسنة.
قوله: (على ما قال ابن مسعود ﵁: "جردوا التسمية").
قال ابن التركماني في كلامه على أحاديث الهداية: لم أره، يعني في كتب الحديث.
قوله: (والأصل فيه قوله ﵇: "الذكاة ما بين اللبة واللحيين").
هذا اللفظ غير محفوظ، وإنما أخرج الدارقطني: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة"، ولكن في طريقه سعيد بن سلام قال الدارقطني: متروك الحديث [يحدث] بالبواطيل.
قوله: (لقوله ﵇: "افر الأوداج ما شئت" وهو اسم جمع وأقله الثلاث).
следующие страницы →